سوريا واستعادة دورها الإقليمي بين الفرص المتاحة وحدودها

تبحث هذه الورقة في الفرص التي تتيحها التحولات الإقليمية لسوريا لتعزيز حضورها الإقليمي، وفي التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية التي قد تحد من هذا المسار أو تؤثر في استدامته
11 يونيو 2026
تتيح التحولات الجارية في المنطقة فرصًا جديدة لسوريا لاستعادة دورها الإقليمي، لكن نجاح هذا المسار يظل مرتبطًا بقدرتها على مواجهة تحديات الداخل (غيتي).

مقدمة

تعمل الإدارة السورية، ولاسيما خلال العام الثاني من مرحلة ما بعد الأسد، على تعزيز الاستقرار في البلاد، مع تركيز خاص على إعادة بناء الدور الإقليمي لسوريا، عبر توظيف ما يتوافر من مشتركات أمنية واقتصادية مع عدد من الفاعلين الإقليميين والدوليين المؤثرين.

وقد أتاحت التطورات السياسية والأمنية المستجدة في الإقليم، وفي مقدمتها الحرب الإيرانية-الأميركية التي اندلعت في فبراير/شباط 2026، فرصة للإدارة السورية لإبراز أهمية موقع سوريا الجيوسياسي ومحاولة توظيفه في تعزيز دورها الإقليمي من خلال المساهمة في مشاريع التجارة والطاقة والنقل. وفي هذا السياق، تستعد سوريا للمشاركة للمرة الأولى بصفة "ضيف"، في قمة مجموعة الدول السبع التي ستُعقد في باريس، منتصف يونيو/حزيران 2026، والمخصصة لمناقشة الاختلالات الاقتصادية والتجارية الناجمة عن الصراعات في الشرق الأوسط والحرب الروسية-الأوكرانية.

وتسعى سوريا، في إطار جهودها لإعادة بناء دورها الإقليمي، إلى تطوير علاقات أمنية مع دول المنطقة والتعاون معها في مواجهة التهديدات الأمنية العابرة للحدود، إلى جانب توسيع دائرة الشراكات الاقتصادية واستقطاب الاستثمارات الخارجية ورؤوس الأموال، بما يسهم في دعم التعافي الاقتصادي وتحسين الواقع الاقتصادي.

وبالتوازي مع هذه الجهود، لا تزال تحديات الداخل تفرض نفسها على المشهد السوري. فنجاح مسار إعادة التموضع الإقليمي يظل مرتبطًا بمدى قدرة الدولة على معالجة الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية الداخلية، بما يعزز الاستقرار ويزيد من قدرة سوريا على الاضطلاع بدور إقليمي أكثر فاعلية.

في هذا السياق، تتناول الورقة جهود إعادة بناء الدور الإقليمي السوري من خلال ثلاثة محاور مترابطة: المؤسسات العسكرية والأمنية، والعلاقات الاقتصادية والتجارية، والتحديات التي تواجه هذا المسار على المستويين، الداخلي والخارجي، وذلك للوقوف على محدداته وفرصه وتحدياته.

أولًا: المؤسسات العسكرية والأمنية

عملت الإدارة السورية منذ مطلع عام 2025 على إعادة هيكلة المؤسستين، الأمنية والعسكرية، وأعطت هذه العملية أولوية كبيرة. وفي هذا السياق، اتبعت سياسة قائمة على استيعاب الفصائل والتنظيمات المسلحة ضمن مؤسسات الدولة، ولاسيما المؤسسة العسكرية. وشمل ذلك قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي تعدُّها تركيا تهديدًا لأمنها القومي؛ حيث سعت دمشق إلى دمج أجزاء من هذه القوات ضمن الجيش السوري، مع تقليص دور العناصر غير السورية وإخضاع التشكيلات العسكرية للسلطة المركزية، بما يعزز وحدة القرارين، العسكري والسياسي(1).

كما كثفت الحكومة السورية، منذ منتصف عام 2025، انتشار قوات الجيش في المناطق الحدودية، وازداد حضورها بشكل ملحوظ، مطلع عام 2026، مع توسع انتشارها في أجزاء واسعة من منطقة الجزيرة السورية المحاذية للعراق. وقد أسهم ذلك في تعزيز التنسيق مع أطراف إقليمية ودولية لديها هواجس أمنية تتعلق بتهريب السلاح عبر الحدود السورية أو بحركة الجماعات المسلحة والتنظيمات المتطرفة في المناطق الحدودية.

في الإطار ذاته، تتعاون سوريا مع دول الخليج العربي، ولاسيما السعودية، إلى جانب الأردن، في مكافحة تهريب المخدرات. ويؤرِّق هذا التحدي الأمن الأردني بشكل خاص، لذا حظيت دمشق بتعاون خاص من الأردن لمواجهة شبكات التهريب التي تنشط في مناطق ضمن محافظة السويداء الخارجة عن سيطرة دمشق. وقد انعكس هذا التنسيق إيجابيًّا على دمشق سياسيًّا، ووسَّع من قدرتها على مواجهة ما تصفه بـ"المشروع الانفصالي" في السويداء، انطلاقًا من أن كلًّا من دمشق وعَمَّان تتهمان بعض الأطراف المسلحة التي تتبنى مشروع الاستقلال عن سوريا بالانخراط في تجارة المخدرات(2).

وتنسق دمشق كذلك مع أنقرة في عدد من الملفات الأمنية المرتبطة بالمناطق الحدودية، في ظل استمرار نشاط مجموعات مرتبطة بحزب العمال الكردستاني داخل الأراضي السورية القريبة من الحدود التركية. وتستفيد الحكومة السورية من هذا التنسيق في تعزيز قدراتها على مواجهة التهديدات الأمنية، وفي مقدمتها نشاط تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، الذي أعلن مبكرًا معارضته للإدارة السورية الجديدة. وتشير المعطيات المعلنة إلى أن التعاون الأمني بين الجانبين أسهم في الحد من نشاط بعض خلايا التنظيم واعتقال عناصر مرتبطة به، كما ظهر في العملية التي أُعلن عنها، أواخر مايو/أيار 2026(3).

عمومًا، إن انخراط سوريا في مكافحة التهديدات الأمنية العابرة للحدود، بما في ذلك مكافحة تهريب السلاح باتجاه لبنان، يعزز فرص تطوير علاقاتها السياسية والاقتصادية مع محيطها الإقليمي. فقد شكَّل التعاون الأمني، في عدد من الحالات، مدخلًا لتوسيع مجالات التعاون الأخرى، كما في العلاقات مع الولايات المتحدة وتركيا والعراق. ولاسيما مع العراق؛ حيث إن التعاون العراقي/السوري في مجال تصدير النفط، وفر دعمًا سياسيًّا لسوريا في مجال التعاون الدولي لمكافحة التهديدات العابرة للحدود.

ثانيًا: الاقتصاد والتجارة

إن اندلاع الحرب الأميركية-الإيرانية في فبراير/شباط 2026، وما تضمنته من إغلاق مضيق هرمز، وفر لسوريا فرصة لتأكيد أهمية دورها الإقليمي. فقد شهدت المنطقة نشاطًا متزايدًا فيما يتعلق بمشاريع سلاسل التوريد، وتسعى سوريا إلى أن تكون جزءًا من هذه المشاريع عبر شراكات إقليمية ودولية جديدة لا تهدف فقط إلى تحقيق عائدات اقتصادية ومالية لدمشق، وإنما أيضًا إلى زيادة تشابك المصالح مع الأطراف الإقليمية الفاعلة.

وفي هذا السياق، وقَّعت سوريا، في أبريل/نيسان 2026، مذكرة تعاون مع الأردن لربط ميناء العقبة بالموانئ السورية على البحر المتوسط، تلاها تفاهم ثلاثي بين سوريا وتركيا والأردن بشأن النقل التجاري، ثم إعلان السعودية نيتها إعادة تأهيل مشروع الربط السككي بينها وتركيا مرورًا بسوريا والأردن. وتعكس هذه الخطوات توجهًا نحو تعزيز موقع سوريا ضمن شبكات النقل والتجارة الإقليمية، بما قد يسهم في زيادة أهميتها الاقتصادية والإستراتيجية(4).

شهدت العلاقات السورية-العراقية دفعة جديدة من التطور، مدفوعة بحاجة العراق إلى توفير بدائل عن مضيق هرمز لضمان استدامة تصدير النفط إلى الأسواق العالمية عبر موانئ البحر المتوسط. وفي هذا السياق، تتجه بغداد إلى خيار تخزين نفط البصرة في سوريا ونقله عبر الموانئ السورية. ومن الممكن أن يؤدي تطوير هذا التعاون، وما قد يتضمنه من إعادة تأهيل خط نفط كركوك/بانياس، إلى تحقيق مصالح متبادلة للطرفين، وأن ينعكس إيجابيًّا على أمن الطاقة والاستقرار الاقتصادي في سوريا، إلى جانب فتح آفاق أوسع للتعاون السياسي والأمني بين دمشق وبغداد. ويعد ذلك مؤشرًا إلى إمكان توسيع مجالات التعاون الاقتصادي بين البلدين، في وقت تستمر فيه الخلافات بين بغداد وإقليم كردستان العراق حول ملف تصدير النفط، بما يدفع الحكومة العراقية إلى عدم حصر خياراتها بمسار خط الأنابيب الذي يمر عبر الإقليم(5).

وتطوُّر العلاقات بين دمشق وبغداد له سياق سياسي لا يقتصر على البعد الاقتصادي؛ إذ يتزامن مع ضغوط تمارسها إدارة ترامب لفكِّ ارتباط العراق بالنفوذ الإيراني، بما في ذلك الحد من نفوذ الجماعات المسلحة المرتبطة بطهران، إلى جانب توفير خيارات بديلة للعراق في مجالي الكهرباء والتجارة الدولية. وبالتالي، يضع هذا المسار سوريا ضمن منظومة إقليمية قيد التشكل بدعم من الولايات المتحدة، التي كلفت السفير توم براك بالإشراف على الملفين، العراقي والسوري، بالإضافة إلى مهامه سفيرًا لدى تركيا(6).

وعلى صعيد الخليج، استفادت سوريا من أزمة مضيق هرمز، وأتاحت للإمارات تصدير أول دفعة من السيارات عبر الموانئ السورية، قبل أن تستضيف الملتقى الاستثماري السوري، في وقت ارتفع فيه منسوب الاستقطاب الإقليمي على خلفية الحرب الأميركية-الإيرانية. وفيما يبدو، فإن توجه دمشق نحو تعزيز التعاون مع أبوظبي يهدف إلى تنويع خياراتها الإقليمية وتوسيع هوامش حركتها السياسية.

كما شهدت العلاقات السورية-المصرية، في مطلع مايو/أيار 2026، نوعًا من الانفراج إثر زيارة وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، برفقة وزير التجارة والصناعة، نضال الشعار، إلى القاهرة لمناقشة التعاون الاقتصادي وتهديدات الأمن الإقليمي. ويكتسب هذا التقارب أهمية خاصة في ظل مصلحة الجانبين في إعادة تفعيل خط الغاز العربي الذي يربط مصر والأردن وسوريا ولبنان، على أمل أن تسهم العلاقات الاقتصادية في تجاوز حالة الجمود التي طبعت العلاقات بين البلدين خلال الفترة الماضية، خاصة أن مصر لا تزال تمثل فاعلًا إقليميًّا مؤثرًا(7).

إن تنويع التعاون الأمني والاقتصادي بين سوريا ودول المنطقة، وزيادة تشابك المصالح معها، من شأنه أن يوسع الخيارات المتاحة أمام دمشق في مجالات الاقتصاد وأمن الطاقة. كما قد يعزز من قدرتها على حماية مصالحها عبر الاستفادة من علاقاتها الأمنية والعسكرية، أو من النفوذ السياسي الذي تمتلكه بعض الأطراف الدولية والإقليمية ذات المصالح في سوريا. وفي هذا السياق، ترى دمشق أن تطوير علاقاتها الأمنية والسياسية والاقتصادية مع واشنطن أسهم في الحد من الهجمات الجوية الإسرائيلية على الأراضي السورية. كما تأمل أن يسهم تنويع شراكاتها الإقليمية في تحقيق أهداف مماثلة، بما في ذلك الاستفادة من أدوار وساطة محتملة لبعض الدول، مثل الإمارات، لتجاوز العقبات التي تعترض التوصل إلى تفاهمات أمنية بين دمشق وإسرائيل بما يدعم استقرار سوريا.

ثالثًا: تحديات بناء الدور

ثمة تحديات تواجه سوريا في إطار مسعاها لبناء دور إقليمي فاعل، ويرتبط معظم هذه التحديات بعملية بناء الدولة وترسيخ الاستقرار الداخلي، وهي عملية تنعكس نتائجها بصورة مباشرة على قدرة سوريا على أداء دور إقليمي مؤثر. فنجاح هذه العملية من شأنه أن يعزز مكانة سوريا الإقليمية، في حين أن تعثرها قد ينعكس سلبيًّا على جهود توسيع حضورها السياسي والاقتصادي في المنطقة.

بناء المؤسسات: تواجه عملية بناء مؤسسات الدولة تحديات عملية وقانونية متعددة؛ إذ لا يزال العديد من المؤسسات السورية يعمل في ظل أطر قانونية تحتاج إلى التحديث، في وقت يتأخر فيه انعقاد مجلس الشعب الذي يفترض أن يتولى مراجعة القوانين النافذة وتطويرها بما يواكب متطلبات المرحلة الجديدة.

ورغم استمرار عمل مؤسسات الدولة المدنية، فإنها لا تزال تعاني من غياب نظام إداري وبيروقراطي متكامل يواكب متطلبات الدولة الحديثة. كما تتواصل الجهود الرامية إلى كشف شبكات الفساد وملاحقتها؛ حيث أعلنت وزارة المالية السورية، أواخر مايو/أيار 2026، ضبط شبكة تضم 94 موظفًا في عدد من المحافظات، ومنعت 123 معقِّب معاملات من دخول مديرياتها. وفي الوقت نفسه، لا تزال مؤشرات الفساد مرتفعة؛ إذ تشير تقديرات منظمة الشفافية الدولية إلى أن سوريا تحتل المرتبة 172 من أصل 182 دولة، رغم تسجيلها تحسنًا محدودًا مقارنة بالسنوات السابقة(8).

أما على صعيد القضاء، فلا تزال تثار تساؤلات بشأن أداء المؤسسة القضائية في ظل استمرار عمل عدد من القضاة الذين وُجِّهت إليهم اتهامات بارتكاب انتهاكات خلال عهد النظام السابق، فضلًا عن الخلافات المرتبطة بآليات دمج القضاة الذين عملوا سابقًا ضمن مؤسسات "الإدارة الذاتية" في شمال شرق سوريا. وقد برزت هذه الإشكالية بوضوح فيما يُعرف بأزمة القصر العدلي في محافظة الحسكة؛ حيث رفضت الإدارة تولي وزارة العدل السورية للمقرات القضائية ودمج القضاة.

في المقابل، تبدو المؤسستان، الأمنية والعسكرية، من أكثر المؤسسات التي شهدت عملية إعادة بناء شاملة بعد حل المؤسستين اللتين كانتا قائمتين في عهد النظام السابق. وقد سجَّل جهاز الأمن العام مواقف لاقت صدى إيجابيًّا نسبيًّا، تمثلت في حماية تظاهرات معارضة لسياسات الحكومة في كل من دمشق واللاذقية، كان آخرها في أبريل/نيسان 2026. 

الاضطرابات السياسية الاجتماعية: لا تزال سوريا تعاني من درجة من الهشاشة السياسية والاجتماعية، تتجلى في احتجاجات وتحركات ذات أبعاد سياسية أو عشائرية أو طائفية.

وتبقى السويداء من أبرز الأمثلة على ذلك؛ إذ يواصل حكمت الهجري، ومعه عدد من الفصائل المنضوية ضمن ما يُعرف بـ"الحرس الوطني"، التمسك بمطلب "إدارة ذاتية" منفصلة عن دمشق. وترى الحكومة السورية أن هذه الطروحات تمثل تحديًا لجهود إعادة توحيد مؤسسات الدولة واستعادة سيطرتها على كامل أراضيها، كما تثير مخاوف من استمرار التدخلات الخارجية وانعكاساتها على الاستقرار الداخلي وعلى مساعي دمشق لتعزيز دورها الإقليمي(9).

كما تستمر "الاحتجاجات الكردية" لأسباب متعددة، من بينها المطالبة بتمثيل أوسع في المؤسسات السياسية والتشريعية، أو السعي إلى تثبيت بعض المكتسبات السياسية والثقافية في الدستور السوري الجديد.

تحديات أمنية: لا يزال تنظيم الدولة يحتفظ بنشاط لخلاياه في عدد من المناطق السورية، ولاسيما في المناطق التي لم تكتمل فيها بعد عملية بسط السيطرة الأمنية للدولة، مثل الرقة ودير الزور والحسكة، التي دخلتها الحكومة السورية مطلع عام 2026. وتشهد هذه المناطق بين الحين والآخر هجمات يتبنَّاها التنظيم، كما تنشط بعض خلاياه بصورة محدودة في ريف دمشق؛ حيث تنفذ عمليات تستهدف شخصيات اجتماعية ودينية، بما يُبقي على مستوى من القلق الأمني في بعض المناطق(10).

وتواجه سوريا تحديًا أمنيًّا آخر يتمثل في وجود مجموعات تنتمي إلى "الشبيبة الثورية" المرتبطة بحزب العمال الكردستاني في محافظة الحسكة. وتضم هذه المجموعات عناصر غير سورية، وتعارض مسار دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة السورية وآليات تنفيذه. كما تتيح هذه المجموعات لقيادة حزب العمال الكردستاني الاحتفاظ بقدرة على التأثير والتحرك في منطقة قريبة من الحدود التركية، بما يُبقي هذا الملف ضمن القضايا الأمنية الحساسة بالنسبة لكل من دمشق وأنقرة.

وتُشَكِّل إسرائيل أحد أبرز التحديات الأمنية التي تواجه سوريا. فعلى الرغم من توقف الضربات الجوية الإسرائيلية على الأراضي السورية منذ منتصف عام 2025، فإن التوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري استمرت. وتشير المعطيات المتداولة إلى أن إسرائيل سيطرت، حتى نهاية الربع الأول من عام 2026، على مساحات إضافية في جنوب سوريا، وأقامت فيها مواقع وقواعد ثابتة؛ مما يؤشر على عزم إسرائيل تأسيس بنية تحتية عسكرية وأمنية دائمة في الجنوب السوري، مع استمرار سيطرتها على غالبية جبل الشيخ المطل على العاصمة، دمشق؛ الأمر الذي يعزز من حضورها العسكري في المنطقة، ويمنحها قدرة أكبر على التأثير في البيئة الأمنية السورية، في ظل تعثر التوصل إلى تفاهمات أمنية بين الجانبين(11).

ولا توجد مؤشرات على توقف الدعم الإسرائيلي للأطراف التي تطالب بانفصال محافظة السويداء عن سوريا، ولإسرائيل مصلحة واضحة في عدم استقرار سوريا، خاصة أن مسؤوليها يعلنون صراحة نيتهم فرض منطقة عازلة في الجنوب السوري، فضلًا عن وجود اعتبارات اقتصادية إسرائيلية تتعلق بالدور الإقليمي الذي قد تضطلع به سوريا مستقبلًا. كما أن لديها مخاوف من مشاريع التجارة الدولية المطروحة على دمشق، لأنها قد تؤثر على دور إسرائيل وموانئها في التجارة الدولية والإقليمية.

بالمحصِّلة، تشكِّل إسرائيل هاجسًا لسوريا، نظرًا للمواقف المتشددة التي تتخذها حكومة نتنياهو وجنوحها المستمر نحو توسيع دائرة الحروب. ولا يمكن التنبؤ بالخطوة التي قد تتخذها تل أبيب بعد انتهاء الحرب على إيران، وما قد يترتب على ذلك من آثار سلبية على بيئة الاستثمار في سوريا واستقرارها الداخلي. وهذا بدوره يُبقي سوريا عرضة للتدخل الإسرائيلي، ويعزز من نزعة بعض الأطراف السورية إلى العمل مع الخارج ضد الدولة السورية. كما يؤثر الحضور الإسرائيلي في الجنوب السوري سلبيًّا على مشاريع الربط التجاري الإقليمي وتفعيل خط الغاز العربي، نظرًا لأهمية الجنوب السوري بالنسبة إلى هذه المشاريع.

التوازن في السياسات الخارجية: تعيش المنطقة منذ سنوات فترة من التوتر المتصاعد زادت من حجم الاستقطاب بين الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة، وقد زادت الحرب الإقليمية الأخيرة من حدة هذا الاستقطاب والتنافس بين الفاعلين على توسيع النفوذ السياسي والأمني والسيطرة على ممرات التجارة. ويمكن تلمُّس هذا التنافس بشكل جلي في سوريا؛ حيث تعمل أطراف دولية متخاصمة أو متنافسة بالتوازي للحفاظ على مصالحها فيها، مثل روسيا وأوكرانيا اللتين تعملان على ترسيخ علاقاتهما مع الإدارة السورية.

وفي الوقت الذي طورت فيه الإدارة السورية علاقاتها بشكل غير مسبوق مع الولايات المتحدة، وانخرطت في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، وانفتحت على تحسين العلاقات مع دول الاتحاد الأوروبي، أبقت في الوقت نفسه على القاعدتين العسكريتين الروسيتين في الساحل السوري.

ومن المتوقع أن تزداد حدَّة الاستقطاب الدولي والإقليمي في ظل استمرار الأزمات وتصاعدها. كما أن التنافس الإقليمي على ممرات الطاقة والتجارة مرشح لمزيد من التصاعد، نتيجة سعي دول المنطقة إلى تعزيز أدوارها ضمن الممرات التجارية الجديدة وتوسيع حضورها على الساحة الدولية. وتُشكِّل الجغرافيا السورية عاملًا مهمًّا في هذا السياق، بما توفره من إمكانات للربط بين عدد من المسارات الإقليمية. ولذلك، ستكون سوريا أمام اختبار يتعلق بمدى قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها الخارجية وتجنب الانخراط في استقطابات قد تؤثر سلبيًّا على جهودها الرامية إلى بناء دورها الإقليمي.

البنية التحتية: تُشكِّل البنية التحتية تحديًا كبيرًا أمام سعي سوريا إلى التموقع ضمن مشاريع النقل والتجارة الدولية التي من شأنها تعزيز مكانتها الاقتصادية والسياسية. فالطرق والموانئ وشبكات السكك الحديدية كانت تعاني أساسًا من مشكلات بنيوية قبل الحرب، ثم ازدادت أوضاعها تراجعًا نتيجة الأضرار التي لحقت بها خلال سنوات الصراع، مما حَدَّ من فرص تطويرها وتحديثها(12).

وفي ظل هذا الواقع، ستحتاج سوريا إلى استثمارات كبيرة لإعادة تأهيل الطرق البرية وشبكات السكك الحديدية، إضافة إلى تطوير الموانئ وتوسعتها. وفي هذا السياق، أعلنت وزارة النقل السورية، في 3 يونيو/حزيران 2026، عزمها طرح مناقصات دولية لتنفيذ طريقين دوليين: الأول يمتد من معبر نصيب جنوب سوريا إلى الحدود التركية، والثاني يربط دمشق بمدينة تدمر.

كما تعاني مصافي تكرير النفط وخطوط الأنابيب ومنشآت إنتاج الغاز وتخزينه من مشكلات كبيرة؛ إذ إن ما بقي منها ضمن دائرة الإنتاج يعمل بقدرات محدودة. ولهذا أعلنت الحكومة السورية، أواخر عام 2025، توجهها لإنشاء مصفاة نفط جديدة بطاقة تكريرية تصل إلى 150 ألف برميل يوميًّا. ومع ذلك، فإن تطوير البنية التحتية المرتبطة بالطاقة يتطلب استثمارات كبيرة وجهودًا طويلة الأمد؛ مما يعني أن أي دور محتمل لسوريا في مجالات تكرير الطاقة أو تخزينها أو نقلها سيحتاج إلى وقت قبل أن تظهر آثاره بصورة ملموسة.

خاتمة

رغم أهمية الخطوات التي اتخذتها سوريا في سياق إعادة بناء دورها الإقليمي وفقًا للظروف المتاحة، فإن الواقع المعقد الذي تعيشه المنطقة، إلى جانب التحديات الداخلية المستمرة، قد يعرقل مسار ترسيخ هذا الدور وتطويره.

فمن جهة، قد تؤدي عودة الاضطرابات الداخلية المرتبطة بالأوضاع الاقتصادية أو السياسية إلى دفع بعض الأطراف الدولية إلى إعادة النظر في وتيرة الانفتاح على سوريا. ومن جهة أخرى، فإن كثافة التفاعلات الإقليمية قد تجلب معها تحديات جديدة تمس الاستقرار الداخلي، خاصة أن الساحة السورية لا تزال مرشحة لتأثرها بالتنافسات الإقليمية، بما في ذلك التنافس التركي-الإسرائيلي. كما أن الحفاظ على التوازن بين روسيا والغرب يبقى تحديًا مستمرًّا، نظرًا لقدرة الأطراف الدولية المختلفة على التأثير في مسارات السياسة السورية وفي عدد من المكونات المحلية.

كذلك، لا يمكن إغفال أهمية استكمال عملية بناء مؤسسات الدولة وتطوير الجهاز البيروقراطي، لما لذلك من أثر مباشر على موثوقية البيئة الاستثمارية السورية. فتعزيز دور المؤسستين، الأمنية والعسكرية، يظل مهمًّا، لكنه لا يغني عن وجود مؤسسات مدنية وإدارية تعمل وفق معايير الشفافية وسيادة القانون، بما يسهم في تعزيز الثقة المحلية والخارجية ويشجع على تدفق الاستثمارات.

وعمومًا، تتيح الجغرافيا السورية والتحولات الجارية في المنطقة فرصة مهمة أمام دمشق لاستعادة حضورها الإقليمي بعد سنوات من العزلة. غير أن الاستفادة من هذه الفرصة تبقى رهنًا بمدى قدرة الإدارة السورية على معالجة التحديات الداخلية، والحفاظ على توازن علاقاتها الخارجية، وتوظيف المتغيرات الإقليمية بما يخدم أهداف الاستقرار والتنمية.

نبذة عن الكاتب

مراجع
  1. تركيا تحث تنظيم قسد على تطبيق الاندماج بالجيش السوري، وكالة الأناضول، 4 سبتمبر/ أيلول 2025، (تاريخ الدخول: 2 يونيو/حزيران 2026)، https://shortlink.uk/1weIs
  2. تنسيق أردني سوري لمكافحة تهريب المخدرات، الجزيرة نت، 10 مايو/أيار 2026، (تاريخ الدخول: 1 يونيو/حزيران 2026)، https://shortlink.uk/1qPL-
  3. اعتقال 10 من تنظيم الدولة في سوريا ونقلهم إلى تركيا، وكالة الأناضول، 23 مايو/أيار 2026، (تاريخ الدخول: 25 مايو/أيار 2026)، https://shortlink.uk/1weNs
  4. ممر استراتيجي نحو أوروبا.. اتفاق ثلاثي بين الأردن وسوريا وتركيا على مشروع نقل إقليمي، يورو نيوز، 10 أبريل/نيسان 2026، (تاريخ الدخول: 2 يونيو/حزيران 2026)، https://shortlink.uk/1wePt
  5. العراق يخطط لإنشاء خط نفطي إلى ميناء بانياس السوري، الجزيرة نت، 23 مارس/آذار 2026، (تاريخ الدخول: 28 مايو/أيار 2026)، https://shortlink.uk/1weSa
  6. براك: استقرار الشرق الأوسط يمر عبر سوريا والعراق وتركيا، الإخبارية السورية، 2 يونيو/حزيران 2026، (تاريخ الدخول: 2 يونيو/حزيران 2026)، https://shortlink.uk/1weTB
  7. كسر الجمود بين دمشق والقاهرة.. ما الذي تغير في مسار العلاقات بين البلدين؟، الجزيرة نت، 4 مايو/أيار 2026، (تاريخ الدخول: 30 مايو/أيار 2026)، https://shortlink.uk/1qPUw
  8. تراجع انتشار الرشوة في المؤسسات الحكومية، صحيفة الثورة السورية، 3 يونيو/حزيران 2026، (تاريخ الدخول: 4 يونيو/حزيران 2026)، https://shortlink.uk/1wmEp
  9. زعيم درزي يدعو إلى كيان مستقل متحالف مع إسرائيل، القدس العربي، 13 يناير/كانون الثاني 2026، (تاريخ الدخول: 30 مايو/أيار 2026)، https://shortlink.uk/1qP-S
  10. تنظيم الدولة يتبنى هجومًا على حافلة للجيش السوري في الحسكة، العربي الجديد، 12 مايو/أيار 2026، (تاريخ الدخول: 30 مايو/أيار 2026)، https://shortlink.uk/1qQ0I
  11. إسرائيل تفرض منطقة عازلة غير معلنة جنوب سوريا، صحيفة الشرق الأوسط، 1 يونيو/حزيران 2026، (تاريخ الدخول: 2 يونيو/حزيران 2026)، https://shortlink.uk/1wf2v
  12. إصلاح البنية التحتية لقطاع النقل في سوريا: مسار طويل معقد محفوف بأولويات عاجلة، مركز الحوار السوري، 13 يناير/كانون الثاني 2026، (تاريخ الدخول: 3 يونيو/حزيران 2026)، https://shortlink.uk/1qQU0