دور المجتمع الصحفي في مراحل الانتقال السياسي بالعالم العربي

تقدم الورقة ملخصًا لدراسة موسعة نُشرت في العدد الرابع من مجلة لباب، الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، تستقصي العلاقة التبادلية-التأثيرية بين المجتمع الصحفي وتحولات عملية التغيير الاجتماعي والسياسي الجارية في معظم الدول العربية واتجاهاتها وتجاربها المختلفة.
b051c654b77b4a1c9c2ad35cc53f535a_18.jpg
الظروف المهنية ومساحات الحرية ونوعية الترقية الاجتماعية التي يتمتع بها المجتمع الصحفي في البلدان العربية حددت نوعية التعاطي والمرافقة للتحول السياسي (رويترز) [Reuters]

تركز هذه الدراسة السوسيولوجية على الطابع المهني المميز للمجتمع الصحفي، وما يحققه من تأثيرات على الحياة العامة. وجدير بالذكر أن علماء الاجتماع المهني يدرسون المهنة على أنها أكبر من أن تكون وسيلة لغاية، فإلى جانب أنها وسيلة للكسب من أجل العيش، فهي تخدم أغراضًا ووظائف أخرى، فالمهنة بالنسبة للكثيرين وسيلة ارتباط بالمجتمع، وهي الأداة التي من خلالها يحققون ذواتهم، وهي التي تمنحهم الإحساس بتقدير الذات.

هذا ينطبق على الإعلام الذي أصبح يلعب دورًا محوريًّا في صناعة الأحداث وتوجيهها، وكلما امتلك وسائل أكثر تطورًا رفع من سقف تأثيره على الأحداث إيجابًا أو سلبًا، لدرجة صناعته ذوق وثقافة الأفراد المستقبلية. هذا ما زاد من أهمية دراسة المجتمع الصحفي والإعلامي بشكل خاص لأهمية ما ينشره من رسائل؛ "فمنذ 1948، كان هارولد لاسويل (Harolod lasswell) يعرف بالطريقة التالية الأسئلة الاستفهامية الملائمة لدراسة وسائل الإعلام (من؟ يقول ماذا؟ وبأية وسيلة؟ ولِمن؟ وبأي أثر؟). في هذه الصيغة، يمر قياس التأثير عبر دراسة مقارنة لمواقف وآراء الذين توجَّه إليهم الرسائل قبل تلقي الرسائل، وبعد ذلك". كما "يتبنَّى بول لازارسفيلد (Paul Lazarsfeld) وبرنارد بيريلسون (Bernard Berelson) هذا المسعى عندما يدرسان آثار الحملات الانتخابية على اختيارات الناخبين".

إن تأثير المجتمع الصحفي ليس أحادي الاتجاه بالضرورة بل صيرورة الأحداث والسياقات غالبًا ما تترك بصمتها على الفعلين في المجتمعات الصحفية. ولعل ما شهدته المجتمعات العربية في السنوات الأخيرة وضعت المجتمع الصحفي في حالة المؤثِّر والمتأثر لدرجة قد تنتج الأوضاعُ إعلامَها الخاص وتتجاوز فكرة مرحلة التلقي دون صناعة الرسالة وصناعة معتقدات وقناعات الصحفي. 

وتثير وضعية المجتمع الصحفي، في سياق الأحداث التي عرفها العالم العربي أواخر العام 2010 وتداعياتها، إشكالية العلاقة التبادلية-التأثيرية بين هذا المكوِّن المجتمعي وتحولات عملية التغيير الاجتماعي والسياسي الجارية في معظم الدول العربية واتجاهاتها وتجاربها المختلفة، لذلك تحاول الدراسة البحث في هذا الموضوع من خلال محاولة الإجابة عن الأسئلة التالية: 

- كيف تفاعل المجتمع الصحفي مع تجارب التحول السياسي في المجتمعات العربية؟

- ما الذي صنع التمايز على مستوى مرافقة المجتمع الصحفي لمحاولات التأسيس للتحول الديمقراطي؟

- ما مدى مساهمة مسارات التحول السياسي في إنتاج وتجديد النخب القيادية والموجهة؟

كما تحاول الدراسة الإجابة عن الحقل الاستفهامي المطروح في شكل بناء افتراضي يعتمد الفرضيات التالية:

- خصوصية المجتمع الصحفي في البلدان العربية انعكست على نوعية التماهي والمرافقة للتحول السياسي.

فالبيئة المجتمعية والمؤسساتية في المجتمعات العربية تشكِّل بيئة حاضنة للمجتمع الصحفي، قد تبدو متشابهة إلا أنها تتميز عن بعضها البعض بخصائص أثَّرت بشكل واضح على ماهيتها وموقعها وحجم الدور الذي تلعبه في مجتمعاتها.

- انفجار النزاعات داخل تجارب المجتمعات العربية أسَّس لانقسامية النخب التي تخندقت في النزاع بعيدًا عن الموضوعية والحيادية المفترضة.

الأزمات تنقل الواقع إلى مستوى من التفاعل الاستثنائي يعطِّل أدوات الضبط والرقابة القائمتين على ضمان الحد الأدنى من الخدمة العمومية المتوازنة للمجتمع الصحفي؛ مما يفرض قراءة متأنية في مجمل التحولات التي تُحدثها النزاعات القائمة.

- صدمة عسر مسارات التحول السياسي في العالم العربي عطَّلت إنتاج نخب قيادية عابرة للانقسامات المجتمعية والسياسية.

السياقات المتأزمة عادة ما تعيد إنتاج الانقسامات التقليدية وتنتج انقسامات أخرى؛ مما يطرح بقوة إشكالية تعطيل إنتاج نخب تتجاوز التفكيك المجتمعي الحاصل، لبناء مشاريع مجتمع تستوعب التناقضات والاختلالات الموروثة وتحويلها إلى جزء من التنوع غير المهدد لتماسك المجتمع. 

وتكمن أهمية البحث في فتح النقاش حول أخلاقيات مهنة الصحفي عمومًا وما يعترضها من إشكاليات ضاغطة تعيد صياغة دوره، خاصة ما تعلق بالتشكيك في ضرورة الالتزام بالحيادية مع الإبقاء على الموضوعية، مما يفتح الباب واسعًا لتخندق المجتمع الصحفي ضمن أطراف الصراع، فالبحث يدعم فتح النقاش قبل أن يحاول تقديم الإجابات. 

وتهدف الدراسة إلى إبراز المؤثرات المختلفة التي تضغط باتجاه تكييف العمل الصحفي وفق ما يخدم البيئة الحاضنة له، دون الاكتراث بأخلاقيات المهنة القائمة بالدرجة الأولى على الموضوعية في نقل الخبر، بدون تزييف للوقائع أو توجيهها، فالسياقات غالبًا ما تفرض نوعية التغطية؛ الشيء الذي أنتج فوضى كبيرة قلَّلت من مصداقية المجتمع الصحفي، دفعت الباحث إلى محاولة إظهار الآليات والعوامل الضاغطة حسب مختلف النماذج المطروحة في الدراسة، بهدف إعادة توجيه العمل الصحفي لتحقيق الخدمة العمومية التي وُجد من أجلها مهما كانت العوائق والصعوبات، لإعادة تفعيل دور المجتمع الصحفي كسلطة رابعة.

وتعتمد الدراسة المنهج الوصفي التحليلي الذي يهدف إلى عرض تفاصيل دور المجتمع الصحفي العربي بالحياة العامة، وتحليل نتائج وآثار ذلك الدور الملاحَظ من الواقع بالاستعانة بالنموذج الجزائري.

وخلص الباحث، في تحليله لأبعاد دور المجتمع الصحفي في مراحل الانتقال السياسي بالعالم العربي، إلى أن الظروف المهنية ومساحات الحرية ونوعية الترقية الاجتماعية التي يتمتع بها المجتمع الصحفي في البلدان العربية حددت نوعية التعاطي والمرافقة للتحول السياسي، وكلما كان قريبًا من السلطة القائمة ومستفيدًا من امتيازاتها قلَّت مشاركته في التحول السياسي، وبقدر طبيعة وحجم النزاعات يتحدد نوع التخندق مع الأطراف، بحيث تصبح أخلاقيات الموضوعية والحيادية مسألة ثانوية أمام نصرة الطرف الموالي والاجتهاد في تبرير مواقفه، الشيء الذي يحيل إلى الإجابة عن الفرضية الثالثة لتأكيد تعطيل إنتاج نخب قيادية عابرة للانقسامات المجتمعية والسياسية. وبالتالي، تكتمل حلقة تأزيم واقع ومستقبل أداء المجتمع الصحفي في العالم العربي. ويبقى الخيار الأقرب لتخفيف الاحتقان هو الاجتهاد في الالتزام بالشفافية والموضوعية بقدر ما تسمح به الهوامش المتاحة ثم العمل على توسيعها بالتراكم النضالي والمهني، كما لابد من المقاومة والاعتراض حسب المساحات الممكنة للحفاظ على الأقل على الحد الأدنى من الاستقلالية والنزاهة المطلوبة.

ومع ذلك، فإن المجتمعات الصحفية في العالم العربي دفعت -ولا تزال- أثمانًا باهظة في مسار متذبذب من التدافع ينشد الحرية وتوسيع الهوامش المتاحة بالدماء والتضحيات والأخطاء والانتكاسات والمراجعات.. ويبقى الرهان الحقيقي هو: كيف يمكن تقليص حجم هاته التكلفة؟ والأهم من ذلك، كيف يمكن استثمارها كي لا تتحول إلى تضحيات عبثية؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*د. نور الدين بكيس، أستاذ علم الاجتماع السياسي، متخصص في الحركات الاحتجاجية.

للاطلاع على النص الكامل للدراسة (اضغط هنا) وللاطلاع على عدد المجلة كاملًا (اضغط هنا)