أين يقف إسلاميو البحرين؟

خلاصة مقال عبد الجليل المرهون أن الإسلاميين البحرينيين قد تحقق لهم حضور شعبي وسياسي وحتى يدوم هذا الانجاز لابد من التمسك بالوحدة الوطنية تعايشا وخطابا وسلوكا بوضع الدين نصب أعينهم والنزعات الطائفية خلف ظهورهم
1_1021606_1_34.jpg







عبد الجليل زيد المرهون



في تشرين الأول أكتوبر من العام 2010، أجريت انتخابات نيابية وبلدية في البحرين، هي الثالثة من نوعها، منذ أن أطلق ملك البلاد، الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة، مشروعه الإصلاحي في مطلع الألفية الجديدة.


الحصيلة بين الثابت والمتغير
الإخوان المسلمون والسلف
الإسلاميون الشيعة
المستقلون والوطنيون


الحصيلة بين الثابت والمتغير





إذا استطاعت الخلافات، أو أية أمور أخرى، أن تحول بين الإسلاميين وبين انجازهم للملفات المعيشية المطروحة، فإن ذلك سيجردهم من رصيدهم الأساسي، إن لم يكن الوحيد، الذي يمكن أن يعرضوه على قواعدهم الشعبية
بلغ عدد النواب الذين جرى انتخابهم أربعين نائباً، يمثلون أربعين دائرة انتخابية، بمعدل نائب لكل دائرة.

وشارك في الانتخابات طيف واسع من الاتجاهات، مثلته الجمعيات السياسية والأفراد المستقلون.



وقد حصد التيار الإسلامي والمستقلون النسبة الكبرى من مقاعد البرلمان الجديد. بيد أن المفاجأة كانت في تقلص ممثلي خط الأخوان المسلمين إلى الربع، وخروج زعيمهم عبداللطيف الشيخ من الحياة النيابية.


ومن ناحيته، تعرض التيار السلفي الإصلاحي في البلاد إلى خسارة كبيرة، تمكن من تداركها جزئياً بضم عدد من المستقلين إلى كتلته النيابية.


أما الخط الرئيسي للإسلاميين الشيعة، فقد حصل على كافة مقاعد الدوائر التي خاض فيها المعركة الانتخابية.



يبقى أن المتغيّر الذي أفرزته الانتخابات الأخيرة قد تمثل في زيادة كتلة المستقلين في المجلس النيابي الجديد.


ويلقي هذا الأمر بدلالته على صعيد تراجع الحيز الكلي للإسلاميين، إلا أن له مغزى أكثر أهمية، يرتبط بقدرة المجلس الجديد على حسم عدد من الملفات الرئيسية، إذ يتخوف الإسلاميون من أن تكون خيارات بعض المستقلين بعيدة عن الاتجاه العام، الذي كان سائداً في الفصل التشريعي الماضي.



ومن القضايا الرئيسة التي سيواجهها المجلس الجديد، تلك المتعلقة بالخصخصة ورفع الدعم الحكومي، أو إعادة توجيهه، بالنسبة للوقود وعدد من السلع الأساسية.


وتشير تجربة الفصلين التشريعيين الماضيين إلى أن الإسلاميين السنة والشيعة كانوا منسجمين فيما بينهم حيال القضايا المعيشية والخدماتية. وكانت تفرقهم في الغالب الملفات السياسية، والمقاربات المتفاوتة للوضع الإقليمي.



وبطبيعة الحال، إذا استطاعت الخلافات، أو أية أمور أخرى، أن تحول بين الإسلاميين وبين انجازهم للملفات المعيشية المطروحة، فإن ذلك سيجردهم من رصيدهم الأساسي، إن لم يكن الوحيد، الذي يمكن أن يعرضوه على قواعدهم الشعبية.


أولاً: الإخوان المسلمون والسلف


1- الإطار المؤسسي والتنظيمي





أثرت الحملات الإعلامية التي شنتها بعض الأوساط على التيار الإسلامي على خطي الإخوان والسلف وأضرت بفرصهما في الوصول للندوة البرلمانية، في حين أسفرت عن نتائج عكسية في الشارع الشيعي
يتشكل التيار الإسلامي في البحرين من فرعين سني وشيعي. ويتكون الفرع السني من جمعيتين سياسيتين رئيسيتين هما جمعية المنبر الوطني الإسلامي وجمعية الأصالة الإسلامية. وهناك جمعية ثالثة أقل بروزاً هي جمعية الشورى الإسلامية.

تأسست جمعية المنبر الوطني الإسلامي في آذار مارس من العام 2002، كذراع سياسي لجمعية الإصلاح، التي تمثل خط الإخوان المسلمين في البحرين. وقد تأسس هذا الخط على المستوى المحلي منذ ثلاثينيات القرن العشرين، ولعب دوراً بارزاً في حركة الإصلاح الديني والاجتماعي.


وتتمتع جمعية الإصلاح، التي تأسست في أيار مايو من العام 1941، بحضور وافر في الحياة الثقافية والاجتماعية. ولديها العديد من المؤسسات الخيرية والتربوية، تأتي في طليعتها "مدارس الفلاح"، التي تضم في صفوفها طلاباً من الطائفتين الشيعية والسنية، وتتميز بالمواءمة بين التنشئة الدينية والتعليم العصري الحديث.


على صعيد التيار السلفي الإصلاحي، تمثل جمعية الأصالة الإسلامية الذراع السياسي لهذا التيار. وقد تأسست هذه الجمعية في ربيع العام 2002. ثم قننت أوضاعها بعد ذلك، بموجب القانون الرقم (26) بشأن الجمعيات السياسية لعام 2005. وتنتخب الجمعية العمومية (المؤتمر العام) مجلس الإدارة كل سنتين. ويترأس مجلسها الحالي غانم البوعينين، وهو أيضاً رئيس كتلة الأصالة النيابية.


وتجد جمعية الأصالة مرجعيتها الأم في جمعية التربية الإسلامية، التي تمثل الإطار المؤسسي الأوسع للتيار السلفي الإصلاحي في البحرين. وتحتفظ هذه الجمعية بحضور اجتماعي وثقافي واسع النطاق.


ويعارض خط هذه الجمعية النهج التكفيري والاقصائي، السائد في بعض الدول العربية، ويشدد مقابل ذلك على تمسكه بخيار التعايش الوطني، وحفظ السلم الأهلي من أية توجهات مثيرة للنزاع والشقاق.


ويعتبر الشيخ عادل المعاودة أبرز الوجوه السياسية للتيار السلفي الإصلاحي الراهن في البلاد. وهو رئيس سابق لمجلس إدارة جمعية التربية الإسلامية.


وقد تولى المعاودة منصب النائب الثاني لرئيس مجلس النواب، في الفصل التشريعي الأول. كما استلم منصب رئيس لجنة الشؤون الخارجية والدفاع والأمن الوطني في الفصل التشريعي الثاني.



وقد انعكست خلفية المعاودة العلمية والمهنية على مقاربته للحياة السياسية، فبدا ذو نهج وسطي معتدل. وهو يحظى بالكثير من التقدير في الأوساط الأهلية والنخبوية في البلاد.


كما أن المعاودة معروف لدى الأوساط الإعلامية المحلية بانفتاحه على الحوار والرأي الآخر. وقد التقاه الباحث مرتين لغايات هذا البحث، والاطلاع على توجهاته وأطروحاته بصورة مباشرة.



وإضافة لجمعيتي المنبر الوطني والأصالة الإسلامية، ثمة جمعية ثالثة في الوسط الإسلامي السني، هي جمعية الشورى الإسلامية، التي تمثل الواجهة السياسية للجمعية الإسلامية. وتقع هذه الأخيرة، على صعيد الخيارات الفكرية والسياسية، في نقطة وسط بين خطي المنبر الوطني الإسلامي والأصالة الإسلامية.


ومؤسس هذه الجمعية، هو عضو مجلس الشورى البحريني، الشيخ عبدالرحمن عبدالسلام، الذي سبق وأن أسس الجمعية الإسلامية الأم، التي رأسها لعشر سنوات. وكان عبد السلام قد عمل في وقت سابق موظفاً في وزارة الخارجية بدولة الأمارات العربية المتحدة.



2 – الأداء الانتخابي:



على الرغم من الثقل الواسع لخطي الأخوان والسلف في الحياة الاجتماعية، فإن أداءهما الانتخابي لم يكن، بحال من الأحوال، بمستوى هذا الثقل.


فقد أدى غياب التنسيق بينهما إلى حالة من التخبط، قادهما إلى خسارة كان بالمقدور تلافيها. وقد بدت الخسارة، على وجه الخصوص، في جانب خط الإخوان، أي جمعية المنبر الوطني الإسلامي.



لقد شاركت جمعية المنبر الوطني الإسلامي في الانتخابات النيابية، عامي 2002 و2006، كما العام 2010..


وكان للجمعية في المجلس الأخير كتلة نيابية من سبعة نواب، برئاسة زعيمها عبداللطيف الشيخ.


أما رئيس كتلتها في الدورة التشريعية الأولى فكان صلاح علي، الذي أحجم عن الترشّح للمجلس الجديد.


وفي الانتخابات الأخيرة، فازت جمعية المنبر الوطني الإسلامي بمقعدين، وخسر مرشحوها في خمس دوائر انتخابية.


لقد خسر المنبر مقعد رئيسه عبدا للطيف الشيخ، في الدائرة الثامنة بالمحافظة الوسطى لمصلحة المرشح السلفي المستقل، المدعوم من جمعية الأصالة الإسلامية، علي زايد.


وخسر كذلك في الدائرة الثالثة من المحافظة الوسطى، أمام المرشح السلفي المستقل أيضاً، المدعوم من جمعية الأصالة الإسلامية، عدنان المالكي.


وخسر مرشحا المنبر والأصالة معاً أمام مرشحين مستقلين، في الدائرتين الرابعة والخامسة في محافظة المحرق.



وخسرت جمعية الأصالة الإسلامية أمام مرشحين مستقلين مدعومين من المنبر الإسلامي، في كل من الدائرة الثانية للمحافظة الجنوبية، والدائرة الثانية من المحرق. وخسرت الأصالة الإسلامية أمام مرشح مستقل في الدائرة الثالثة من المحافظة الجنوبية.



ونجح مرشح واحد لجمعية الأصالة الإسلامية في الدورة الأولى للانتخابات، وهو عبد الحليم مراد، ليلحق بالشيخ عادل المعاودة الذي فاز بالتزكية. ونجح في الدورة الثانية مرشح آخر للأصالة هو رئيس كتلتها النيابية غانم البوعينين.


وعلى الرغم من ذلك، بات من الثابت أن يلتحق كل من النواب عدنان المالكي، عيسى القاضي، وعلي زايد بكتلة الأصالة الإسلامية، التي سيرتفع عددها إلى ستة نواب، مقابل ثلاثة لجمعية المنبر الإسلامي، حيث قرر أحد المستقلين الالتحاق بها.


وكان لدى جمعية الأصالة ثمانية نواب في الدورة التشريعية الأخير.


من ناحيتها، لم تتمكن جمعية الشورى الإسلامية من إيصال أي من أعضائها إلى قبة البرلمان في الانتخابات الأخيرة. إلا أن أصوات مناصريها ربما كان لها تأثيرها في بعض الدوائر الانتخابية، في محافظة المحرق على وجه الخصوص.


وكان لهذه الجمعية ثلاثة ممثلين في مجلس النواب في الفصل التشريعي الأول ( مجلس عام 2002)، وهم عثمان شريف، حسن بوخماس، وعيسى أبوالفتح.


وقد خرج الأول من الجمعية وبقي مستقلاً، وخرج الثاني وانضم إلى المنبر الوطني الإسلامي، وخرج الثالث وانضم إلى الأصالة الإسلامية.



3- لماذا تراجع الإخوان والسلف؟


في تحليله لنتائج الانتخابات، رأى الشيخ عادل المعاودة أن تأثر مرشحي كتلة الأصالة الإسلامية كان نتيجة للممارسات غير القانونية، التي تمثلت باستخدام الرشاوى. ورأى المعاودة أن المجلس النيابي فقد اليوم عناصر قوية، ولديها كفاءة كبيرة، ولن تعوض بما يكافئها. وأن ذلك سيؤثر على عطاء المجلس عموماً(1).


وفي تصريح منفصل، رأى المعاودة أن بعض الناس لم يقدّروا مواقف الأصالة الإسلامية، وسيرون "نتائج دخول نواب ضعاف من ناحية الخبرة والثقافة، وخروج نواب كانوا يتمتعون بكفاءة عالية في العمل النيابي"(2).


بيد أن المعاودة يتفق مع الكثير من المراقبين في القول بأن أحد الأسباب الرئيسية لما حدث في الانتخابات يعود إلى فشل التنسيق بين جمعيتي المنبر الإسلامي والأصالة الإسلامية.



ووفقاً للقيادي في الأصالة غانم البوعينين، فقد كان محل الخلاف بين الجمعيتين يتمثل في دائرة انتخابية واحدة فقط، هي الدائرة السابعة في المحافظة الوسطى. وهذه الدائرة هي التي وترت العلاقات بين الطرفين، وأوصلتها إلى ما هي عليه اليوم(3).



ومن جهة أخرى، رأى عدد من المراقبين أن الحملات الإعلامية التي شنتها بعض الأوساط على التيار الإسلامي قد أثرت على خطي الإخوان والسلف وأضرت بفرصهما في الوصول للندوة البرلمانية، في حين أسفرت عن نتائج عكسية في الشارع الشيعي.



ورأى هؤلاء أن بعض وسائل الإعلام كانت تحصل على رشاوى في صورة مواد إعلانية، من أجل أن تصوّب حملاتها ضد رموز التيار الإسلامي.



4- هورة سند التي أسقطت الشيخ:



كما سبقت الإشارة بداية، فقد تمثلت إحدى المفاجآت التي أسفرت عنها الانتخابات النيابية الأخيرة في خروج زعيم خط الإخوان، رئيس جمعية المنبر الوطني الإسلامي، عبداللطيف الشيخ، من الحياة النيابية، بعد أن ظل فيها ثماني سنوات متصلة. فقد خسر الشيخ معركة قاسية خاضها مع المرشح السلفي المستقل علي زايد، في الدائرة الثامنة للمحافظة الوسطى.



ويعود السبب في خسارة الشيخ إلى دخوله في خلاف مع أهالي أربع قرى، يقع جزء منها في الدائرة التي يُمثلها. وقد تجسد هذا الخلاف في مشروع إسكاني من 230 منزل، شيدته وزارة الإسكان بهدف توزيعه على الأهالي.



لقد دعم عبد اللطيف الشيخ رأياً يقول بأن المشروع، الذي حمل اسم "هورة سند"، لا يعود حصراً لأهالي القرى الأربع، ولا تمثل منطقته امتداداً لهذه القرى.


وفي المقابل، تمسك الأهالي برأي يقول بأن المشروع يعود للقرى الأربع دون سواها، وأن منطقته لا تمثل منطقة قائمة بذاتها، بل هي جزء لا يتجزأ من إحدى هذه القرى.



وقد تطورت هذه القضية على نحو كبير في البحرين. ونفذ الأهالي اعتصاماً دام 535 يوماً، في منطقة المشروع السكني.


ودخل نواب جمعية الوفاق الوطني الإسلامية في سجال مع نواب المنبر الوطني الإسلامي، وخاصة مع عبداللطيف الشيخ، الذي تبنى الرأي المقابل ودافع عنه على نحو مستميت.


ووصف النائب عن جمعية الوفاق، عبدعلي محمد حسن، توزيع الوحدات الإسكانية على أصحاب طلبات من خارج القرى الأربع بأنه خروج عما تم الاتفاق عليه(4).



وقد كانت خلاصة هذه المعركة، على الصعيد السياسي، أن عاقب أهالي القرى عبداللطيف الشيخ، في الانتخابات النيابية الأخيرة، وصوتوا بكثافة لمنافسه علي زايد. وقد تحقق لهم ما أرادوا.


وما يمكن قوله عن التيار الإسلامي السني، على نحو مجمل، هو أن هذا التيار قد بات اليوم أكثر إدراكاً للثمن الذي قد يدفعه جراء انقساماته، وغياب التنسيق بين القوى الرئيسية فيه. وهو الأمر الذي يجب تلافيه، وتدارك العواقب الناجمة عنه. كما لا بد في السياق ذاته من النظر إلى الواقع الوطني في إطاره الكلي، بمكوناته الجهوية والمذهبية المختلفة، وقضاياه وهمومه التي لا يمكن تجزئتها. ولعل من نافل القول أن أي طرف إسلامي، شيعي أو سني، لا يمكنه مقاربة الواقع، كما لو كان يعيش منفرداً في جزيرة منعزلة.



ثانيا: الإسلاميون الشيعة



1- الإطار التنظيمي والمؤسسي:






أضحى التيار الشيعي البحريني في غالبيته العظمى، أكثر التصاقاً بالرؤية الواقعية للحياة الوطنية. كما أضحت لديه مرجعيته السياسية المحلية، التي تحرص على تأكيد انتمائه الوطني والقومي، وخصوصية ارتباطه بهذا الإقليم الحساس من العالم
على خلاف التيار الإسلامي السني، الذي يتشكل بصفة أساسية من مكونين رئيسيين ( المنبر والأصالة)،يتألف التيار الإسلامي الشيعي من مكوّن رئيسي هو جمعية الوفاق الوطني الإسلامية، يأتي من بعده مكونان أقل بروزاً، هما جمعية العمل الإسلامي وجمعية الرابطة الإسلامية.


تأسست جمعية الوفاق الوطني الإسلامية في السابع من تشرين الثاني نوفمبر من العام 2001، كائتلاف لثلاث اتجاهات سياسية هي: خط حزب الدعوة الإسلامية، والتيار الذي ترعرع في كنف المرحوم الشيخ عبدالأمير الجمري، والإسلاميين المستقلين، من التكنوقراط والمهنيين والتجار.



وهذا الائتلاف، الذي يرأسه الشيخ علي سلمان، قد شكل عملياً الجزء الأعظم من الشارع الإسلامي الشيعي.


وهناك في الوقت الراهن شخصيتان دينيتان تمثلان المرجعية الروحية والفكرية لجمعية الوفاق، وهما الشيخ عيسى قاسم والسيد عبدالله الغريفي.


وقد انفصلت عن الوفاق لاحقاً مجموعة عبدالوهاب حسين، وشكلت مكونا جديدا تحت اسم "تيار الوفاق".



وعلى الرغم من ذلك، ظلت الوفاق تمثل الائتلاف الرئيسي في الساحة الإسلامية الشيعية في البحرين.


وبمعنى ما، شكلت ولادة جمعية الوفاق الوطني الإسلامية انعطافة تاريخية في مسيرة العمل السياسي للإسلاميين الشيعة في البحرين، وخاصة لجهة شكل العلاقة المفترض نسجها مع الدولة.



وهذه العلاقة القائمة اليوم لم يُعثر على مثيل لها في أي وقت مضى، بما في ذلك فترة المجلسين التأسيسي والوطني، في سبعينيات القرن العشرين.


فقد شارك الإسلاميون الشيعة في العملية السياسية يومها، لكنهم لم يكونوا يمسكون بالشارع الأهلي، على النحو الذي هم عليه اليوم، فقد كان هذا الشارع متوزعاً في معظمه بين الاتجاهات اليسارية والليبرالية.



وبين ولادة الوفاق، كجمعية تؤمن بالعمل السياسي السلمي، ودخولها قبة البرلمان في العام 2006، تعزز التحوّل التاريخي في الساحة السياسية الشيعية في البحرين.


وفي الأصل، فإن هذا التحوّل قد وجد نواته الأولى في دعوة الشيخ عبدالأمير الجمري، للتصويت لصالح ميثاق العمل الوطني. وقد حدث ذلك في خطبة صلاة الجمعة، التي أقامها في التاسع من شباط فبراير من العام 2001. وتلك كانت البداية.



وإضافة لجمعية الوفاق، هناك أيضاً جمعيتان سياسيتان، متباينتان نوعاً ما، في الساحة الإسلامية الشيعية، وهما جمعية الرابطة الإسلامية وجمعية العمل الإسلامي.


تمثل الرابطة الإسلامية ما يعرف محلياً بخط المدني، نسبة للمرحوم الشيخ سليمان المدني، الذي كان أحد أبرز الدعاة المسلمين في الساحة البحرينية.


يرأس جمعية الرابطة الإسلامية حالياً شفيق الشارقي. وقد كانت هذه الجمعية تتبنى منذ البدء توجهاً يقول بالاندماج في الدولة، والارتكاز إلى مؤسساتها، كسبيل للإصلاح السياسي والاجتماعي.



وعلى صعيد جمعية العمل الإسلامي (أمل)، تعد هذه الجمعية وريثاً لخط سياسي راديكالي، تحوّل لاحقاً للقول بالعمل الإصلاحي السلمي. ويرأس هذه الجمعية الشيخ محمد علي المحفوظ.


ومن الناحية العملية، فإن الجزء الأعظم من نشاط جمعية العمل الإسلامي يرتبط، في الوقت الراهن، ببرامج أهلية عامة.



2- الأداء الانتخابي:



في الانتخابات النيابية الأخيرة، حصدت جمعية الوفاق الوطني الإسلامية كافة المقاعد النيابية في الدوائر ذات الأغلبية الشيعية، والبالغة 18 دائرة. وكان هذا هو الحال تقريباً في انتخابات العام 2006.



وقد ينظر الكثيرون إلى هذا الأمر باعتباره عامل قوة. وهذا صحيح على نحو مجمل. لكن الصحيح أيضاً أن وضعاً كهذا يمثل عامل تحدي، إن على مستوى جمعية الوفاق ذاتها، أو المستوى الشيعي عامة. إذ كيف يمكن إدارة قرار بهذا الحجم؟. وكم هي نسبة مشاركة الناس المعنية فيه؟.



من ناحيتها لم تحصد جمعية الرابطة الإسلامية أية مقاعد في الانتخابات الأخيرة، وكان مرشحها الرئيسي فيها هو النائب السابق محمد حسين الخياط، الذي ترشح عن الدائرة الأولى للمحافظة الشمالية.


وسبق أن فاز خمسة من أعضاء الرابطة الإسلامية في انتخابات المجلس النيابي عام 2002، وذلك بسبب مقاطعة جمعية الوفاق لتلك الانتخابات. ولم تفز الرابطة بمقاعد في انتخابات العام 2006، إلا أنه يوجد لديها أعضاء في مجلس الشورى.


وعلى الرغم من هذه المعطيات، يقول الناطق الرسمي باسم الرابطة حسن المدني: إن تيار الرابطة "له حضور مؤثر في موقع القرار، وهو موجود في كافة مظاهر الحياة السياسية والاجتماعية في البلد .. . وهذه الجمعية هي إفراز طبيعي لتيار شعبي قديم، يؤمن بالمشاركة والحوار والعمل السلمي"(5).



وفيما يرتبط بجمعية العمل الإسلامي (أمل)، فقد قاطعت هذه الجمعية رسمياً الانتخابات النيابية الأخيرة، إلا أن عدداً من مسؤوليها، ترشحوا كمستقلين. ولكن دون أن يفوز منهم أحد.


وكانت الجمعية قد قاطعت أيضاً انتخابات العام 2002، بيد أن جمعيتها العمومية صوتت بأغلبية كبيرة للمشاركة في انتخابات العام 2006، وشارك بعض مسؤوليها كمستقلين في تلك الانتخابات.



وما يمكن قوله، بوجه عام، على صعيد التيار الإسلامي الشيعي في البحرين، هو أن هذا التيار أضحى اليوم، في غالبيته العظمى، أكثر التصاقاً بالرؤية الواقعية للحياة الوطنية. كما أضحت لديه مرجعيته السياسية المحلية، التي تحرص على تأكيد انتمائه الوطني والقومي، وخصوصية ارتباطه بهذا الإقليم الحساس من العالم.



إن تحوّلاً تاريخياً عميقاً قد حدث على صعيد التيار الإسلامي الشيعي. وهو تحوّل يخدم كافة الأطراف، ويدعم فرص الاستقرار الوطني والتعايش الأهلي.



ثالثا: المستقلون والوطنيون






يرى بعض المتابعين للشأن البحريني أن النواب المستقلين في البرلمان الجديد هم عملياً الأقل استقلالاً بين جميع النواب، إلا أن الامتحان الحقيقي سيكون في التجربة العملية ومدى قدرة المستقلين على إثبات استقلاليتهم فعلا
إضافة للتيار الإسلامي، بفرعيه السني والشيعي، شهدت الانتخابات النيابية الأخيرة حضوراً كبيراً للمستقلين، كما الاتجاهات العلمانية.


1- الوطنيون:



على صعيد الاتجاهات العلمانية، أو ما يعرف بالجمعيات الوطنية، شاركت معظم هذه الجمعيات في الانتخابية النيابية الأخيرة. وكان أبرزها ثلاث جمعيات هي: جمعية المنبر الديموقراطي التقدمي، التي تعد امتداداً للتيار اللينيني الروسي. وجمعية العمل الوطني الديموقراطي (وعد)، التي تعد وريثاً لخط الدكتور جورج حبش. وجمعية التجمع القومي الديموقراطي، التي تعبر عن الخط القومي، القريب من عراق ما قبل العام 2003.



كان للمنبر التقدمي ممثلين في برلمان عام 2002. وقد حاول العودة إلى هذا البرلمان عام 2006 دون أن يتحقق له ذلك، كما حاول هذا العام، لكنه لم يصل يحصل على شيء أيضاً.


أما جمعية وعد، فقد قاطعت انتخابات العام 2002، لكنها حاولت إيصال ممثليها للبرلمان، في انتخابات عام 2006، وهذا العام، دون أن يتحقق لها ذلك.


من ناحيته، حاول التجمع القومي الديمقراطي في انتخابات هذا العام إيصال زعيمه إلى قبة البرلمان، إلا أن ذلك لم يتحقق.



2- المستقلون:



في مقابل النتيجة الصفرية التي خرجت بها الجمعيات العلمانية، حقق المستقلون نجاحات غير مسبوقة، حيث فاز منهم 17 مرشحاً.


وقد فاز غالبية المرشحين المستقلين على حساب جمعيتي الأصالة الإسلامية والمنبر الوطني الإسلامي، وكنتيجة لغياب التنسيق بينهما.


وعلى الرغم من ذلك، فإن أربعة مستقلين على الأقل أعلنوا لاحقاً انضمامهم للأصالة والمنبر الإسلامي.



وفي المقابل، أعلن نحو 13 مستقلاً ممن فازوا في الانتخابات الأخيرة نيتهم تشكيل جمعية سياسية جديدة في البلاد، الأمر الذي ألقى بظلاله على مغزى استقلاليتهم، بل ومفهوم الاستقلالية لديهم(6).


وفي رد على هذه الخطوة، أصدر النائب المستقل، لطيفة القعود، وهي المرأة الوحيدة في البرلمان البحريني، بياناً تحفظت فيه على مبدأ تأسيس جمعية سياسية للمستقلين(7).



ومن وجهة نظر البعض، فإن النواب المستقلين في البرلمان الجديد هم عملياً الأقل استقلالاً بين جميع النواب. وهذه وجهة نظر خاصة لدى بعض المتابعين، إلا أن الامتحان الحقيقي سيكون في التجربة العملية ومدى قدرة المستقلين على إثبات استقلاليتهم فعلا.



ويرى النائب السابق عن التيار الإسلامي، الشيخ عبدالله العالي، أن الفرق بين النائب المستقل وذلك المنتمي لجمعية سياسية هو أن الأخير ملتزم بالبرنامج السياسي لجمعيته، وأن هذه الجمعية محاسبة أمام قواعدها الشعبية. فيما يبدو النائب المستقل متحرراً من مثل هذا الالتزام ذو الطبيعة المركبة.


ويرى العالي أن التجربة النيابية تشير إلى أن الملفات الوطنية الحساسة غالباً ما يجري تبنيها من قبل كتل برلمانية محسوبة على جمعيات سياسية، مطالبة أمام الرأي العام بمطابقة الفعل بالعمل.



ويخشى الإسلاميون حالياً بأن يميل النواب المستقلون إلى خيارات الخصخصة ورفع الدعم عن السلع الأساسية.


وفي حديث نشرته له الصحافة المحلية، في 21 تشرين الثاني نوفمبر 2010، حذر نائب الأمين العام لجمعية المنبر الوطني الإسلامي، علي أحمد عبدالله، من تنامي التصريحات الداعية لرفع الدعم الحكومي عن المحروقات، وإعادة توجيهه بالنسبة للسلع الأساسية.



وقال علي أحمد إن الشق الأخير قد تم طرحه في العام الماضي، وكانت لمجلس النواب وقفة رافضة له، لكونه يؤدي إلى زيادة الأعباء المعيشية على المواطن(8).



وما يمكن قوله في خاتمة المطاف، هو أن الانتخابات النيابية الأخيرة كانت فرصة مناسبة لكافة القوى السياسية، لتأكيد جملة من الثوابت والخيارات، وتقييم الأداء، وعرض رؤيتها للقضايا الوطنية المختلفة.



وقد كان من النضج الوطني دخول القوى المختلفة العملية السياسية من بوابة الانتخابات النيابية، سواء وصلت إلى قبة البرلمان أم لم تصل، فالمبدأ يبقى واحداً، وهو الرهان على المؤسسات الدستورية كسبيل للتطوير والإصلاح.



وبعد عشر سنوات على انطلاقة المشروع الإصلاحي في البحرين، ليس أمام البحرينيين سوى التأكيد على الانتماء للوطن والاحتكام إليه، والارتكاز إلى مرجعيته الجامعة.



وعلى الإسلاميين خاصة النظر إلى العيش المشترك، والوئام الوطني، باعتباره ضرورة حياة، وشكل من أشكال الالتزام الديني، من منطلق أنهم يمثلون شعب واحد ينتمي لأمة واحدة، تستظل بظلال الإسلام ومقاصده السامية.



ومتى وضع الإسلاميون الدين نصب أعينهم، والنزعات الطائفية خلف ظهورهم، تحقق التعايش الوطني، الذي هو في التحليل الأخير ضرورة دينية أيضاً.


إن الإسلاميين قد تحقق لهم اليوم الحضور الشعبي والسياسي معاً، وهذا انجاز لم يكن من السهل على الكثير مجرد تصوّره. وحتى يدوم هذا الانجاز لابد من التمسك بالوحدة الوطنية، وجعل التعايش بين أبناء الوطن الواحد حقيقة قائمة، متجسدة في الخطاب والسلوك.
_______________
باحث وخبير إستراتيجي متخصص في شؤون النظام الإقليمي الخليجي


إحالات:


1– بعد النتائج غير المرضية للأصالة.. المعاودة: ممارسات غير قانونية كان لها دور كبير في الانتخابات وغيَّرت مسارها كما في الرابط التالي:


http:// w w w . alasalah-bh. org/main/index. php?option=com_content&view=article&id=885:-----lr-&catid=1:2008-10-18-16-42-53&Itemid=3



2– المعاودة: «المال السياسي» تسبب في تحجيم «الأصالة».. . والبرلمان لن يكون أقوى من سابقه:


http :// w w w . alasalah-bh. org/main/index. php?option=com_content&view=article&id=896:-l-r----lr------&catid=1:2008-10-18-16-42-53&Itemid=3




3– عادل الشيخ، أكد أن لا محاصصة في المناصب البرلمانية.. . البوعينين لـ «الوسط»:شعبيتنا لم تتراجع وعلاقتنا مع «المنبر» توترت بسبب «سابعة الوسطى»، جريدة " الوسط"، 31 تشرين الأول أكتوبر 2010 .



4– مشروع هورة سند الإسكاني يشعل معركة كلامية بين نواب الوسطى.. وتوقعات بالتصعيد


http:// w w w . alnabanews. com/node/2532



5– حسن المدني: المشاركة خيار إستراتيجي للجمعية .. والعمل السياسي لا يمارس من البرلمان فقط


http:// w w w. alrabitah. com/web/post-id-70. html




6– وسام السبع، المستقلون يؤسسون «جمعية سياسية» والعسومي يؤكد: لا صحة لوجود خلافات بشأن «رئاسة الكتلة، جريدة الوسط، المنامة، 4 تشرين الثاني نوفمبر 2010.



7– المصدر السابق.




8– دعت النواب إلى تحمل مسئولياتهم الوطنية والوقوف بجانب المواطن. "المنبر" تحذر من خطوات غير مدروسة في رفع الدعم عن السلع والمحروقات، جريدة الوسط، المنامة، 21 تشرين الثاني نوفمبر 2010.