البؤرة الرابعة للحرب الدولية على "القاعدة"

تبدو منطقة الساحل والصحراء أبعد ما تكون عن احتمال كسب البلدان الغربية الحرب على "القاعدة"، إذا ما قررت شنها بعد الإفراج عن الرهائن الفرنسيين. وسيكون المُتغير الأبرز بعد ذلك هو تعزيز الحضور العسكري الفرنسي والأميركي في المنطقة لمحاولة احتواء "القاعدة"







رشيد خشانة



أبعاد عملية اختطاف الفرنسيين بالنيجر
حل عسكري أم مفاوضات؟
إعادة نشر القوات الفرنسية في أفريقيا
احتمالات الاحتكاك أو التفاهم مع الجزائر
احتمالات التفاهم الفرنسي مع الولايات المتحدة
ما هو الموقف المتوقع من مالي في هذا المشهد المُعقد؟


أبعاد عملية اختطاف الفرنسيين بالنيجر





مستقبل العلاقة الفرنسية مع الجزائر، وهي قطب الرحى في الحرب على "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، تلك العلاقات التي كانت متأزمة أصلا لأسباب ثنائية، غير أن المستجدات قد تفرض تسخينها
تسارعت التطورات في منطقة الساحل والصحراء على نحو يُنبئ باحتمال حدوث تغييرات استراتيجية في الأمد المنظور من عناوينها إعادة الانتشار العسكري الفرنسي في المنطقة، وبالنتيجة تكثيف الحضور العسكري الأميركي في إطار ما يسمى بـ"الحرب على الإرهاب"، مع تبدي وهن الجيوش المحلية وعدم قدرة الحكومات المركزية الضعيفة على ضبط الأوضاع، ناهيك عن الاعتراض على التدخل الخارجي. وسنحاول في هذه الورقة قراءة التطورات التي حدثت في هذه المنطقة، التي تٌعتبر البؤرة الرابعة للحرب الدولية على "القاعدة" بعد أفغانستان – باكستان والعراق والصومال، واستشراف تداعياتها المحلية والإقليمية. فقد طرح اختطاف تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" سبعة أشخاص بينهم خمسة مهندسين نوويين فرنسيين يعملون لدى شركة "أريفا" الفرنسية في مناجم اليورانيوم في النيجر، تحديا غير مسبوق على فرنسا. ويكتسي هذا التحدي طابعين: تكتيكي واستراتيجي.

الأول يخص الأسلوب الذي ينبغي اعتماده لتخليص الرهائن، والثاني يتعلق بمستقبل الحضور العسكري الفرنسي في منطقة الساحل والصحراء. ومن هذه الزاوية تلوح مؤشرات هامة على عودة فرنسا بقوة إلى تعزيز وجودها في المنطقة، بعدما سحبت منها نحو 3000 جندي في العام الماضي. وهذا يستدعي التوقف عند أبعاد هذه العملية ومحاولة فهم تطوراتها المحتملة ونتائجها القريبة والبعيدة على ثلاثة أصعدة هي:



- الأسلوب المتوخى لحل المشكلة أي اللجوء إلى تدخل عسكري فرنسي (أو فرنسي موريتاني) لتحرير المهندسين المختطفين، أو الاعتماد على وسطاء لضمان عدم تعريضهم للخطر.


- مراجعة قرار السحب المرحلي للقوات الفرنسية من منطقة الساحل والصحراء، استعدادا لسيناريو تدخل عسكري يستهدف المساهمة في تصفية وجود تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" ودعم بلدان المنطقة ذات الجيوش الهزيلة.


- مستقبل العلاقة الفرنسية مع الجزائر، وهي قطب الرحى في الحرب على "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، تلك العلاقات التي كانت متأزمة أصلا لأسباب ثنائية، غير أن المستجدات قد تفرض تسخينها.


- تداعيات العودة الفرنسية القوية إلى المستعمرات السابقة، في حال تأكد هذا السيناريو، على العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية، التي تحاول فرض زعامتها في الحرب على تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" من خلال القيادة العسكرية الأميركية لأفريقيا، المعروفة اختصارا باسم "أفريكوم" (Africa Command).



حل عسكري أم مفاوضات؟





يبدو واضحا أن فرنسا اختارت طريق التفاوض، وهو طريق لا رجعة عنه على الأرجح، خوفا على حياة الرهائن، التي هي أهم عنصر في الميزان
منذ اللحظة التي تعرض فيها المهندسون الخمسة للاختطاف برز سؤال أساسي فرض نفسه على القيادة الفرنسية بشقيها السياسي والعسكري، ولكن أيضا على النخبة السياسية والإعلامية، وهو يتعلق بالحسم بين أحد الخيارين المطروحين: الخيار العسكري أو خيار التفاوض. واستخدم كل فريق ما لديه من حجج لترجيح خياره. ويمكن تلخيص مسوغات كل موقف على النحو التالي:

رأى الداعون لاستخدام القوة، وهم قلة، أن التفاوض سيُقوي "القاعدة" ويضعها في موقع الشريك السياسي، بينما هم ينظرون إليها بوصفها عصابة مجرمين. كما أن التفاوض سيؤدي حتما إلى دفع فدية لإطلاق الرهائن، وبالتالي المساهمة في تمويل عمليات مقبلة، فضلا عن ضرب مصداقية الدولة الفرنسية التي عارضت بقوة إعطاء أسبانيا أو بلدان غربية أخرى فدية لإطلاق رعاياها المخطوفين.


أما الداعون إلى حل تفاوضي فيرتكزون بالدرجة الأولى على إخفاق محاولة تحرير الرهينة الفرنسي السابق ميشال جرمانو، بواسطة عملية مشتركة خاطفة بين الجيشين الفرنسي والموريتاني شمال مالي، والتي أدت إلى إقدام "القاعدة" على ذبح الرهينة. وهذه النقطة تحديدا شديدة الحساسية في المجتمع الفرنسي اليوم حيث انهارت شعبية الحكم إلى أدنى الدرجات. وإذا كانت القيادة السياسية استطاعت، بصعوبة كبيرة، احتواء صدمة إعدام رهينة واحدة، فإنها ستكون عاجزة عن تحمل التداعيات السياسية والنفسية والإعلامية لإعدام خمسة مواطنين دفعة واحدة، خاصة أنهم من الخبراء والمهندسين في مجال دقيق، مما سيُحول الأمر إلى كارثة وطنية.


على هذا الأساس يلوح سيناريو التفاوض بوصفه الخيار المُرجح، وهو ما أكدته الاتصالات الفرنسية مع إياد أغ غالي أحد القياديين السابقين للمتمردين الطوارق في مالي، الذي عهدت له باريس بمهمة التفاوض مع تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، للإفراج عن الرهائن.


والاعتماد على إياد أغ غالي هو تقارب مع الجزائر أيضا، باعتباره مقربا منها، إذ كانت الوسيط في المصالحة بينه وبين حكومة مالي. وكان غالي شكل في ثمانينات القرن الماضي "الحركة الشعبية لتحرير ازواد"، وهي الحركة الطوارقية الوحيدة التي وقعت اتفاق تمنراست مع الحكومة المالية في الجزائر عام 1992، في إطار وساطة قادها آنذاك الوزير الأول الجزائري الحالي أحمد أويحيى.


يُعرف غالي بأنه "المرجعية الهادئة" في صفوف "التحالف من أجل التغيير"، إذ توسط بين حكومة مالي والزعيم الميداني للمتمردين لعقد اتفاقات عدة للهدنة في إقليم كيدال شمال البلاد. ونقلت وكالة "فرانس برس" عن عدد من الشهود تأكيدهم وصول غالي إلى غاو على متن طائرة من باماكو، قبل أن يتوجه نحو تيميترين في الشمال. ويتمتع هذا الزعيم السابق للمتمردين بنفوذ كبير في شمال مالي. والملاحظ أنه أرسل أحد القريبين منه إلى خاطفي المهندسين الفرنسيين لرؤية الرهائن، قبل أن تعلن باريس رسمياً وجود أدلة تثبت أنهم أحياء وقبل بث شريط عنهم.


من هنا يبدو واضحا أن فرنسا اختارت طريق التفاوض، وهو طريق لا رجعة عنه على الأرجح، خوفا على حياة الرهائن، التي هي أهم عنصر في الميزان. وأكدت جميع المصادر الإعلامية أن غالي حصل على موافقة حكومة بلاده لقيادة الوساطة، ما يعني استجابة مالي لطلب فرنسا إيفاد أحد الرجال الذين هم موضع ثقة عبد الحميد أبو زيد، القيادي في الفرع الصحراوي لـ "القاعدة" الذي يحتجز الرهائن السبعة، لمعرفة طلباته.


وفي خط مواز التقى جان سيريل سبينيتا المسؤول في شركة "أريفا" النووية الفرنسية مع رئيس مالي امادو توماني توري في باماكو، وبحثا في موضوع العاملين مع أريفا المخطوفين في النيجر، وقال سبينيتا إنه يعتمد على مالي للمساعدة في الإفراج عن الرهائن، وأنه تلقى وعدا من توري ببذل كل ما في وسعه لإطلاق سبيلهم. لكن المصادر الرسمية الفرنسية تنفي طلب الوساطة، كما نفى الرئيس توري أيضا وجودها في تصريح لصحيفة "لوفيغارو"، وهو تكذيب أقوى من التأكيد.


إعادة نشر القوات الفرنسية في أفريقيا





من معالم السياسة الفرنسية المحتملة في الفترة المقبلة أنها ستُحيي الدور العسكري التقليدي الفرنسي في القارة الإفريقية، وتُعيده إلى ما كان عليه في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي
هذا الخيار التفاوضي سيكون مشفوعا بالضرورة بخطة لإعادة الانتشار العسكري الفرنسي مباشرة بعد إطلاق الرهائن، وحتى قبل ذلك، على امتداد الحزام الواصل بين موريتانيا غربا وتشاد شرقا وصولا إلى جيبوتي، مع التركيز على معاقل "القاعدة" في مالي والنيجر. ولاحت بوادر هذا السيناريو مع حلول قوات فرنسية في النيجر خلال الأيام الأخيرة، كما أن الرئيس المالي صرح بأن إرسال فرنسا قوات عسكرية حيثما تشعر بأن أمن مواطنيها مهدد، أمر طبيعي. وهذا تمهيد للسماح بوجود مزيد من القوات الفرنسية في مالي.


وستشكل هذه الخطوة تحولا في استراتيجية باريس إزاء مستعمراتها السابقة، بعدما أعلن رئيس حكومتها فرنسوا فيون في مطالع 2009 الشروع في تنفيذ خطة لسحب 2000 جندي من القوات "المشاركة في عمليات في الخارج". وفي هذا الإطار سحبت باريس ألف جندي (من أصل 1650) من عناصرها المشاركة في قوة الاتحاد الأوروبي في كل من تشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى. كما سحبت 1100 جندي (من أصل 2000) من قواتها في بعثة الأمم المتحدة إلى الكوت ديفوار.



ومن المهم قراءة معالم السياسة الفرنسية المحتملة في الفترة المقبلة، والتي ستُحيي الدور العسكري التقليدي في القارة الإفريقية، وتُعيده إلى ما كان عليه في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي. لكن العنوان الجديد الذي سيُتخذ مبررا لهذا التحول في الإستراتيجية الفرنسية إزاء المستعمرات السابقة، هو ما سماه الرئيس المالي أمادو توري "الوحدة المقدسة ضد الإرهاب". وبما أن جيوش الدول المعنية هزيلة وضعيفة التسليح ومتواضعة التدريب، ستُكثف فرنسا من وجودها العسكري فيها، وتتوخى سياسة مخالفة لسياسة الانسحاب التدريجي من القارة التي كانت تسير عليها قبل استهداف مواطنيها في النيجر ومالي.



وكان السبب الرئيسي للتخفيف من الحضور العسكري الفرنسي في أفريقيا ماليا إذ اشتكى رئيس الحكومة الفرنسية فرانسوا فيون من تزايد كلفته والمُقدرة بـ860 مليون يورو، أي بزيادة 475 مليون يورو عن حجم الإنفاق المُقرر في الموازنة. وكان عدد القوات الفرنسية قبل عملية السحب الجزئية الأخيرة 3000 في تشاد وأفريقيا الوسطى و2000 في الكوت ديفوار. لكن المحتمل أن يعود الوجود الفرنسي إلى حجمه السابق، ويتكثف في كل من مالي والنيجر، مع وضع خطط لتدريب جيشي البلدين وتسليحهما في إطار ما يسمى بـ"الحرب على الإرهاب".



احتمالات الاحتكاك أو التفاهم مع الجزائر






تُظهر الجزائر استياءً من وضعها حتى اليوم على اللائحة الفرنسية للدول الأكثر خطورة من ناحية سلامة النقل الجوي وتبدي استياءها من دعم باريس لطروحات المغرب في نزاع الصحراء وما تزال باريس تتهم الجزائر باعتماد سياسة اقتصادية حمائية على إثر سلسلة من التدابير اتخذتها مؤخرا لتحد من حركة الشركات الأجنبية ومنها الفرنسية
منطقيا ستصطدم هذه الإستراتيجية الفرنسية الجديدة مع الجزائر التي ترفض أي وجود عسكري أجنبي في المنطقة، وخاصة على حدودها الجنوبية (مع مالي والنيجر)، وتسعى إلى أن تكون قطب الرحى في "الحرب على الإرهاب"، ولو على حساب غريمها المغرب. وفي هذا الإطار جمعت في أبريل الماضي القادة العسكريين وكبار المسؤولين الأمنيين في دول الساحل والصحراء (الجزائر ومالي وموريتانيا والنيجر) لإنشاء هيئة أركان عملياتية مشتركة مقرها في تمنراست. واعتُبرت تلك الخطوة تمهيدا لإطلاق عملية واسعة يشارك فيها آلاف الجنود لملاحقة عناصر "القاعدة" في الساحل الصحراوي، بعد إطلاق الرهائن الفرنسيين. لكن ليس من مصلحة فرنسا الاحتكاك مع الجزائر، أولا لاعتبارات تخص العلاقات الثنائية، وكذلك لأنها لا تستطيع مكافحة تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" من دون دعم الجزائر. وعليه فالأرجح أن باريس ستطلب تكثيف التنسيق الاستخباراتي وتطوير التعاون العسكري مع الجزائر، لأنها وجدت نفسها طرفا مباشرا في تلك الحرب.

ويدعم هذا الاحتمال ما كشفه وزير الدفاع الفرنسي إيرفي موران من وجود تعاون مع الجزائر في مجال الاستخبارات ومكافحة الإرهاب في منطقة الساحل الإفريقي، بوصفه "مصلحة مشتركة للبلدين". وهو ما أكده أيضا رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الفرنسي أكسيل بونياتوفسكي حين قال "الأمر الحقيقي للغاية، هو أن هناك مصلحة مشتركة في التعاون بشكل فاعل في محاربة تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي". وينظر المحللون الإستراتيجيون الفرنسيون إلى الجزائر بوصفها "البلد الأقوى والأغنى والأكبر في المنطقة".


وهم يعتقدون أن على فرنسا الاستفادة من خبرتها في اختراق الجماعات المسلحة وعلاقاتها القديمة مع مجموعات "الطوارق" الذين تتحرك عناصر "القاعدة" في مناطقهم الشاسعة شمال مالي. والأهم من ذلك أن التنظيم الذي يعلن حاليا ولاءه لـ"القاعدة" هو تنظيم جزائري نشأ في عام 2006 من "الجماعة السفلية للدعوة والقتال"، التي شكلت امتدادا لـ"الجماعة الإسلامية المسلحة" والتي نفذت عمليات دموية كثيرة في الجزائر خلال تسعينات القرن الماضي ودبرت هجمات في فرنسا، قبل أن تتبنى عنوان "القاعدة" اعتبارا من 2007.


ومع أن فرنسا تبدي حرصاً على تأكيد أن دور الجزائر لا يمكن تجاوزه، تبدو هناك عقبات أمام تنسيق استخباراتي وعسكري كامل بين الجانبين. فالجزائر تُظهر استياءً من وضعها حتى اليوم على اللائحة الفرنسية للدول الأكثر خطورة من ناحية سلامة النقل الجوي. كما تبدي استياءها من دعم باريس لطروحات المغرب في نزاع الصحراء الغربية، وما تزال باريس تتهم الجزائر باعتماد سياسة اقتصادية حمائية على إثر سلسلة من التدابير اتخذتها مؤخرا لتحد من حركة الشركات الأجنبية ومنها الفرنسية.


على أن السيناريو الآخر المحتمل هو تضارب الإستراتيجيتين لدى اتخاذ قرار بشن هجمات على معاقل "القاعدة" بعد إطلاق الرهائن. فإذا كانت فرنسا ستتخذ هذه المبادرة انطلاقا من قواعدها في مالي والنيجر والسينغال، لا يُستبعد أن تلجأ الجزائر إلى الخيار نفسه في الوقت الذي ستعتبره مناسبا. وهي قادرة على إرسال قواتها النظامية أو قوات من القيادة المشتركة إلى مالي لمطاردة عناصر تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" بعد إبلاغ الدولة المعنية سلفا. وكانت مالي أشعرت جيرانها بأنها تسمح لهم بملاحقة الجماعات المسلحة داخل أراضيها لأن جيشها عاجز عن ذلك.


وفي هذه الحالة يُقدّر عدد القوات التي يُرتقب أن تدفع بها هذه الدول إلى الواجهة بنحو 25 ألف جندي، مع إشراك بعض القبائل من "الطوارق" في شمال مالي في المواجهة مع "القاعدة". وتبدو الجزائر في صدد الاستعداد لهذه النقلة في حربها على "القاعدة"، إذ كثفت من شراء الأسلحة المتطورة من روسيا وفرنسا (على رغم توتر العلاقات السياسية معها). ووسعت هذا التعاون إلى أميركا بسبب حاجتها الأكيدة لتكنولوجياتها المتطورة مثل الطائرات بدون طيار ومناظير الرؤية الليلية، ومعدّات أخرى ذات فاعلية في الحرب غير التقليدية التي تشنها قواتها على الجماعات المسلحة في مناطق شديدة الوعورة تتسم بتنوع التضاريس.


احتمالات التفاهم الفرنسي مع الولايات المتحدة





يعتقد كثير من الماليين أن الولايات المتحدة تريد إقامة قاعدة دائمة في الصحراء لملاحقة الجماعات. وينفي المسؤولون الأميركيون ذلك ويقولون إنهم يقدمون التدريب للماليين ويزودونهم بمعدات عسكرية تساعدهم في مهمة الحفاظ على أمنهم
من المرجح أن تصطدم استراتيجية إعادة الانتشار العسكري الفرنسية مع الاستراتيجية الأميركية، لكونها تحاول قيادة الحرب على تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" وإخضاعها لإشراف القيادة العسكرية الأميركية لأفريقيا، المعروفة اختصارا باسم "أفريكوم" (Africa Command). وتنظم "أفريكوم" مناورات سنوية مع دول المنطقة، انطلقت آخرتها من واغادوغو عاصمة بوركينا فاسو في يونيو/ حزيران الماضي، حيث أقيم مركز قيادة المناورات، بمشاركة 1200 عسكري أميركي وأوروبي وأفريقي.

ويُركز الخيار الأميركي على تعزيز القدرات القتالية للجيوش المحلية ومكافحة كافة أنواع الجريمة المنظمة المرتبطة بتجارة البشر والمخدرات وغيرها، إلى جانب محاربة تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي".


وفي هذا الإطار تدير الولايات المتحدة معسكرا للتدريب في غاو شمال مالي لمساعدة الحكومة المركزية في احتواء التهديد المتنامي الآتي من الجماعات المسلحة.


وهي تفعل الأمر نفسه مع دول منطقة الساحل والصحراء الأخرى إذ تدرّب أكثر من 200 من القوات الخاصة الأميركية مع 500 جندي أفريقي في مايو/ أيار الماضي في آخر جولة من المناورات العسكرية التي أجري عدد منها خلال السنوات القليلة الماضية.


وبات الوجود العسكري الأميركي في غاو ومدن صحراوية أخرى ظاهرة معتادة، إذ يعتقد كثير من الماليين أن الولايات المتحدة تريد إقامة قاعدة دائمة في الصحراء لملاحقة الجماعات. وينفي المسؤولون الأميركيون ذلك ويقولون إنهم يقدمون التدريب للماليين ويزودونهم بمعدات عسكرية تساعدهم في مهمة الحفاظ على أمنهم.


لكن في صورة تدفق قوات فرنسية على مالي والدول المجاورة بعد التوصل لتسوية للإفراج عن الرهائن، لن تبقى الولايات المتحدة مكتوفة الأيدي، وستعمل على تكثيف حضورها المباشر في المنطقة، ولن تكتفي بوجود رمزي أو بإدارة الأمور عن بُعد من مقر قيادة "أفريكوم" في ألمانيا. إلا أنه من الصعب التكهن بحجم ذلك التدخل وتخومه منذ الآن.



ما هو الموقف المتوقع من مالي في هذا المشهد المُعقد؟





مع انسحاب الجيش المالي من الشمال تجنبا لمقاتلة الطوارق وجدت عناصر "القاعدة" وعصابات التهريب والاتجار في المخدرات مسرحا خصبا لنشاطها من دون مساءلة أو مضايقة ولا يتجاوز عدد عناصر التنظيم 400 عنصر حسب تقديرات الخبراء، لكنهم يهيمنون الآن على منطقة بنصف مساحة أوروبا
هناك ثلاثة اعتبارات تحكم هذا الموقف الدقيق، أولها ضعف الجيش النظامي الذي لا قدرة له على إدارة حرب ضد عناصر "القاعدة" في شمال البلاد. ولهذا السبب تتهمه الجزائر بالتراخي، ووصلت إلى حد سحب سفيرها من باماكو احتجاجا على ما اعتبرته تقاعسا في مكافحة الجماعات. ثانيا تُحاذر حكومة مالي من دق طبول الحرب في شمال البلاد ضد "القاعدة" مخافة أن توقظ تمرد "الطوارق" الذي اشتعل أواره في 1999 – 2000 ولم تتمكن من إخماده إلا في 2009.

وفقدت القوات المالية التي كانت تقوم بدوريات في المنطقة عدداً من الجنود في مواجهات مع مهربي المخدرات ومهربي الأسلحة والعصابات و"القاعدة". أما الاعتبار الثالث الذي لا تُفصح عنه صراحة فهو أن تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" منتوج جزائري، وأن الجيش النظامي في الجزائر بكل إمكاناته البشرية وتجهيزاته الحديثة عجز عن القضاء على التنظيم، في حرب مستمرة منذ عشرين سنة. وهذا من شأنه أن يجعل مالي في مثابة باب دوار مفتوح لكل من يُشهر سيفه مُعلنا "الحرب على الإرهاب".


ومع انسحاب الجيش المالي من الشمال تجنبا للاحتكاكات مع عناصر "الطوارق"، وجدت عناصر "القاعدة" وكذلك عصابات التهريب والاتجار في المخدرات مسرحا خصبا لنشاطها من دون التعرض لمساءلة أو مضايقة. ولا يتجاوز عدد عناصر التنظيم في تلك المنطقة 400 عنصر حسب تقديرات الخبراء، بعدما كان عددهم قرابة 200 فقط قبل سنة. لكنهم يهيمنون الآن على منطقة بنصف مساحة أوروبا.


وفي المقابل يقع مركز القوات الأميركية في مالي على مشارف مدينة غاو الصغيرة في الشمال التي توجد على تقاطع طرق بين "القاعدة" والمنظمات الإجرامية الخطرة. وينصب الطوارق البدو خيامهم في ضواحي المدينة، جنباً إلى جنب مع بدو عرب. ويعيش الـ"بيول"، وهم قبيلة من رعاة الماشية السود، في المنطقة أيضاً وينصبون أكواخهم الخشبية بالقرب من مجمع فندق قديم تحوّل إلى معسكر للقوات الأميركية. وإلى الشمال من غاو تقع القاعدة الصحراوية الأكبر لـ"القاعدة" في الجبال قرب تيرارغار، وهي منطقة محظور دخولها على غير من يسمح لهم التنظيم بذلك. وتتجاوز مساحة المنطقة ولاية تكساس بمرتين، وكانت "القاعدة" احتجزت فيها إسبانيين وفرنسياً رهائن.


ويقول مسؤولون في الاستخبارات الغربية إن قدرة "القاعدة" على إدارة مثل هذا المعسكر التدريبي وقاعدة التموين في وضح النهار تدل على مدى ضعف نفوذ السلطات المحلية في شمال مالي. واستطاع عناصر الجماعات المسلحة أن يُحسّنوا من قدراتهم التسلحية بفضل الأموال التي جمعوها، إذ أصبحوا يملكون رشاشات آلية وثقيلة وقاذفات "آر بي جي"، ويستخدمون هواتف "ثريا" لتبادل المعلومات الاستخباراتية.


ومن الأكيد أنهم يتعاونون مع مهربين ينقلون الكوكايين عبر الصحراء إلى أوروبا، ومع قبائل بدو رحّل في الصحراء. ومع ازدياد قوة الجماعات وتنامي ثروتها التي جمعتها من تحصيل الفدية والتهريب، صارت تستقطب مجندين أكثر فأكثر من بين الشبان المسلمين المحليين، ومن بين المسلمين عموماً في أفريقيا ما وراء الصحراء الكبرى.


ومن المحتمل أن تتحول تدريجيا إلى دولة حقيقية في تلك المناطق مستفيدة من الحدود غير المضبوطة بين الجزائر والدول الصحراوية وضعف الحكومات الأفريقية في دول مثل مالي وتشاد والنيجر. من هذه الزاوية يمكن اعتبار النصف الشمالي من مالي وجارتها النيجر، إضافة إلى أجزاء من شرق موريتانيا وبعض الأطراف الجنوبية للجزائر مناطق "حمراء" تحظر وزارة الخارجية الفرنسية السفر إليها. وأصدرت الولايات المتحدة وبريطانيا تحذيرات مماثلة من مخاطر الإرهاب في تلك المناطق.


من هذه الزاوية تبدو المنطقة أبعد ما تكون عن احتمال كسب البلدان الغربية الحرب على "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، إذا ما قررت شنها بعد الإفراج عن الرهائن الفرنسيين. وسيكون المُتغير الأبرز بعد ذلك هو تعزيز الحضور العسكري الفرنسي والأميركي في المنطقة لمحاولة احتواء "القاعدة"، لكن الأرجح أن مفعوله سيكون بمثابة سكب الزيت على النار، مثلما كان الشأن في أفغانستان والعراق والصومال.
_______________
كاتب تونسي