العلاقات الأميركية السورية.. السباق نحو الهاوية

يتوجب أولا شرح طبيعة وثوابت السياسة الأميركية تجاه سوريا قبل الدخول في تفاصيل الموقف الأميركي الحالي من دمشق والتغيرات المتوقعة في العلاقة بين البلدين في حال استمرار الحكومة السورية في قمع المتظاهرين، وتأزم العلاقات مع واشنطن نتيجة لذلك.
201172381332449580_2.jpg

أثار الكثير من المحللين العرب والأميركيين خلال الأشهر الست الماضية العديد من التساؤلات حول السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، وخصوصا منذ بداية موسم الثورات والاحتجاجات الشعبية العربية في تونس ومصر واليمن والبحرين وليبيا وسوريا وغيرها. وتساءل هؤلاء حول أسباب تذبذب الموقف الأميركي من الثورات العربية، ومدى مصداقية الدعم الأميركي الرسمي لمطالب الجماهير العربية بتحقيق الحرية والديمقراطية، وتطرقوا كذلك لأسباب التباين والتناقض في السياسة الأميركية تجاه كل من هذه البلدان. وتراكمت الأسئلة خصوصا فيما يتعلق بالأحداث في سوريا وتعامل الحكومة السورية معها؛ حيث أثير موضوع تردد الرئيس أوباما وإدارته في توجيه الانتقادات السريعة وشديدة اللهجة إلى الرئيس بشار الأسد وحكومته كما فعلوا -ولو بعد التأخير الطويل- مع زين العابدين بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر ومعمر القذافي في ليبيا وعلي عبد الله صالح في اليمن.

وقبل البدء في محاولة الإجابة على هذه الأسئلة الجدية يتوجب علينا أولا شرح طبيعة وثوابت السياسة الأميركية تجاه سوريا قبل الدخول في تفاصيل الموقف الأميركي الحالي والتغيرات المتوقعة في العلاقة بين البلدين في حال استمرار الحكومة السورية في قمع المتظاهرين، وتأزم العلاقات مع واشنطن نتيجة لذلك.

ثوابت السياسة الأميركية تجاه سوريا 

أولا: تختلف طبيعة العلاقات الأميركية-السورية عامة عن غيرها من العلاقات الثنائية بين واشنطن وسائر دول الشرق الأوسط، من عربية وغير عربية، بتركيزها على الشق الجيوسياسي المحض لهذه العلاقات مما يساعد على تفسير أهميتها ومقدرتها على الاستمرارية رغم عمليات الشد والجذب التي تتعرض لها بشكل متكرر، وكثرة المطبات والإشكاليات التي تمر بها هذه العلاقة دون المس بشكل جدي بثوابتها ومرتكزاتها الأساسية، وضرورة الحفاظ عليها بشكل أو بآخر كما حدث مرارا خلال العقود الثلاثة أو الأربعة الأخيرة. وهذا لا يعني بالطبع غياب البعد الجيوسياسي عن علاقات واشنطن بالدول الأخرى في المنطقة ولكن هذا البعد ترافقه عادة عوامل أخرى منها ما هو اقتصادي أو عسكري أو أمني توازيه أحيانا في الأهمية وربما تفوقه أحيانا أخرى؛ فسوريا ليست دولة منتجة للنفط كالمملكة العربية السعودية أو دولة الكويت على سبيل المثال، كذلك لا تستطيع سوريا من منطلق أميركي أن تضاهي في أهميتها الإستراتيجية والأمنية دولا مثل إسرائيل أو تركيا أو مصر. ولكن مع كل هذا تحظى سوريا بأهمية جيوسياسية خاصة من قبل الولايات المتحدة بناء على تعريف واشنطن لأهدافها ومصالحها القومية في المنطقة.

ثانيا: تتمثل العلاقات بين البلدين في اقتناع واشنطن تاريخيا، وبغض النظر عن الهوية الحزبية للإدارة الأميركية المسيطرة على البيت الأبيض أو هوية الأغلبية المهيمنة على مجلسي الشيوخ والنواب، بأهمية سورية الإقليمية وبالدور السوري الإستراتيجي والمركزي الذي لا يمكن تجاهله في إطار أية عملية تفاوضية في الشرق الأوسط من شأنها أن تقود إلى سلام حقيقي ودائم وشامل في المنطقة، طبقا للمفهوم الأميركي للسلام وللأمن الإقليمي. ويفسر هذا الاقتناع إصرار واشنطن دوما على الانفتاح التكتيكي أو المرحلي على سوريا كلما بادرت الإدارات الأميركية المتتالية بإحياء عملية تفاوضية جديدة رغم العلاقات الفاترة عامة والمتوترة أحيانا، واستمرار الخلافات الجوهرية والواقعية بين الطرفين حول العديد من القضايا العالقة والمزمنة في المنطقة، كما هو الحال عليه الآن.

أهداف السياسة الأميركية العامة تجاه سوريا 

وبالرغم من وجود اجتهادات مختلفة في واشنطن حول كيفية التعامل عمليا مع الملف السوري فهناك شبه إجماع بين السياسيين الأميركيين، بغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية، حول ما يمكن اعتباره بثوابت السياسة الأميركية-السورية، أو الخطوط الحمراء التي تحكمها والتي قلما يتم التغاضي عنها سواء في فترات التقارب أو خلال فترات الاغتراب مع دمشق رغم براغماتية السياسة الخارجية الأميركية عامة ونوايا الرئيس الموجود في البيت الأبيض في أي فترة معينة. وتنعكس هذه الثوابت بشكل واضح في فحوى وتفاصيل الجهود الدبلوماسية الأميركية التي تبذلها واشنطن في محاولاتها للتقرب من سوريا، والتأثير على سياساتها الداخلية والخارجية دون أي تغيير ملحوظ في خطوطها العريضة كما يبدو واضحا في المكونات المحددة التالية لسياسة إدارة الرئيس أوباما تجاه دمشق:

قلق الولايات المتحدة الجدي تجاه العلاقات الإستراتيجية الخاصة بين سوريا وإيران على مختلف المستويات الأمنية والاقتصادية والثقافية، ومحاولة واشنطن المستمرة لإخراج سوريا من فلك إيران وتقليص تحالفها معها وجذبها إلى المحور الأميركي من أجل عزل الجمهورية الإسلامية في المنطقة. مطالبة الحكومة السورية بوضع حد لمحاولات اقتناء وتطوير أسلحة الدمار الشامل وخصوصا إلغاء جميع أنشطتها وأبحاثها النووية غير السلمية، والالتزام بكافة تعهداتها للوكالة الدولية للطاقة النووية، والسماح للوكالة بالوصول غير المشروط أو المقيد إلى المنشآت السورية التي تسعى إلى تفتيشها. توسيع نطاق التعاون بين دمشق وواشنطن في المجال الأمني وخصوصا في القضايا المتعلقة بالحرب الدولية المستمرة ضد الإرهاب والتي تعترف واشنطن بمساهمة سوريا المهمة فيها ولكنها ما زالت تعتبر هذه المساهمة غير كافية وغير كاملة وغير متسقة كليا.

الولايات المتحدة رحبت بالانسحاب الكامل للجيش وأجهزة الأمن السورية من لبنان عام 2005، ولكنها ما زالت قلقة تجاه نوايا دمشق تجاه لبنان، وتسعى دوما لإقناع سوريا بعدم العودة إلى التدخل في شؤون لبنان الداخلية مما قد يؤدي إلى تأزم الساحة اللبنانية من جديد وإلحاق الضرر بسيادة لبنان.

حث سوريا للعودة إلى مائدة المفاوضات مع إسرائيل حول الجولان المحتل في إطار العملية التفاوضية التي ما زالت واشنطن تصر على كونها البديل الوحيد للسلام الشامل والأمن والاستقرار في المنطقة. إقناع الحكومة السورية بلعب دور إقليمي إيجابي خصوصا فيما يتعلق بالعملية التفاوضية مع إسرائيل، ووضع حد للمحاولات السورية، حسب الموقف الأميركي، لتعطيل المسارين الفلسطيني واللبناني على حد سواء عبر علاقاتها مع منظمات تعتبرها واشنطن إرهابية ومناوئة لمصالحها في المنطقة مثل حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي وغيرها. الضغط على سوريا من أجل دعم الحكومة العراقية، وضبط الحدود بين سوريا والعراق والسيطرة التامة عليها لوقف جميع أنواع التسلل والتهريب للمقاتلين والأموال والأسلحة التي تضر بالأمن والاستقرار في العراق وبالمخططات الأميركية هناك.

هذا وقد واجهت سياسة الانفتاح والليونة النسبية التي تحلى بها موقف الرئيس أوباما تجاه سوريا منذ دخوله البيت الأبيض عام 2009، وحتى قبل فوزه في الانتخابات الرئاسية -كما شاهدنا خلال حملته الانتخابية- واجهت منذ البداية وما زالت تواجه اليوم انتقادات لاذعة ومعارضة شديدة من الجمهوريين في الكونغرس، واليمين المتطرف عامة، وبعض أنصار إسرائيل الذين يروجون لسياسة أميركية قوامها الأساسي مواجهة سوريا دبلوماسيا واقتصاديا وحتى عسكريا من أجل عزلها دوليا وإقليميا، وتطويعها سياسيا، وفرض الهيمنة الأميركية والإسرائيلية عليها كما حاولت تحقيقه إدارة الرئيس السابق جورج بوش الابن. لكن الإدارة الأميركية الحالية قاومت هذه النزعة المتشددة وما زالت تقاومها وتفضل -كما يبدو واضحا- أسلوب المقاربة والحوار والتبادل الدبلوماسي بدلا من المواجهة والتهديد وفرض العقوبات والمقاطعة رغم التزامها بنفس الأهداف العامة التي أوردناها سابقا. لكن صمود أوباما أمام هذه الحملة المكثفة غير مضمون على المدى البعيد خصوصا إذا ما استمر الوضع الأمني الداخلي في سوريا بالتدهور دون قيام الحكومة السورية بتعديل موقفها تجاه المحتجين والمتظاهرين، وتنفيذ الإصلاحات السياسية والاقتصادية التي وعدت بها مؤخرا مما سيفرض على الإدارة الأميركية في نهاية المطاف الانصياع للأصوات المتشددة والمتنامية داخل الولايات المتحدة وخارجها والتي تطالب بالابتعاد عن النظام السوري وقد تصل إلى المطالبة بمواجهته علنا.

الموقف الأميركي من أحداث سوريا الحالية 

لا شك أن إدارة الرئيس أوباما تفاجأت مثل غيرها من الحكومات باندلاع الاحتجاجات الشعبية في العديد من البلدان العربية، ومن ضمنها سوريا، ولم تتجاوب مع الحدث لا بالشكل المناسب ولا بالسرعة المطلوبة مما جعل الموقف الأميركي عرضة للتساؤلات المحرجة داخل الولايات المتحدة وخارجها، وتجريده من المصداقية والفاعلية في التأثير على هذه الأحداث، ولو على الأقل من أجل حماية المصالح الأميركية في المنطقة. بالرغم من تحليه بالتردد والغموض، خصوصا في المراحل الأولى من انتشار الاحتجاجات العربية، لكن الموقف الأميركي سرعان ما اتخذ نمطا محددا ربما كان غير مبلور وواضح في بداية الثورة في تونس ومصر وليبيا واليمن لكنه أصبح أكثر وضوحا وقابلية للتنبؤ بعد بضعة أسابيع وخصوصا خلال تعامله مع أحداث سوريا. ويضم هذا النمط خمس مراحل أساسية مرت بها السياسة الأميركية منذ أواسط مارس/آذار وحتى الآن، وهي: مرحلة المفاجأة، مرحلة التردد، مرحلة القفاز الحريري، مرحلة الضغط المباشر، وأخيرا مرحلة المواجهة. ويجب التنويه هنا أن هذه المراحل ليست مستقلة كليا الواحدة عن الأخرى بل بالعكس فهي مترابطة ومتداخلة بعضها بالبعض الآخر ولا تفصلها حدود زمنية أو تواريخ محددة.

مرحلة المفاجأة 

عندما اندلعت أحداث درعا وتفاقمت بسرعة مذهلة وغير متوقعة في أواسط شهر مارس/آذار، تفاجأت الإدارة الأميركية وبدا عليها معالم الصدمة. وتعود هذه الصدمة لأسباب عدة، أولها: قلق الإدارة الحقيقي والملموس من نتائج وتداعيات أحداث تونس ومصر، وتخوفها من انتشار موجة الاحتجاجات والثورات هذه إلى دول عربية أخرى من شأنها أن تشكل تهديدا مباشرا لحلفائها في المنطقة ولمصالحها المرتبطة بأمن واستقرار هذه الدول. ثانيا: كانت الإدارة الأميركية وأجهزتها الأمنية مقتنعة آنذاك بأن رياح الربيع العربي لن تصل إلى سوريا، ليس لكون سوريا محصنة أو لديها المناعة الكاملة ضد الاحتجاجات الشعبية، إنما لقناعة خاطئة لدى صانع القرار الأميركي بأن سوريا قادرة على تلقي الصدمة ووضع حد لها بسرعة نتيجة طبيعة النظام السوري الذي يختلف في توجهه وتركيبته الاجتماعية والسياسية وفي أسلوب عمله عن نظيريه في تونس ومصر. والعامل الثالث الذي لم يحظ بتغطية واسعة في وسائل الإعلام الأميركية والعربية يكمن في تأثير عدد من دول المنطقة المقربة جدا من واشنطن والتي نصحت الإدارة الأميركية وأقنعتها بعدم التسرع في اتخاذ موقف حاسم ومتشدد من أحداث سوريا لأن دمشق قادرة على وضع حد للاحتجاجات بشكل سريع وفاعل دون المس بأمن واستقرار المنطقة، ولأن البديل لنظام الأسد مجهول المعالم ويشكل مصدر قلق على عدة مستويات. وجاءت هذه النصائح آنذاك من تركيا وبعض دول مجلس التعاون الخليجي وحتى إسرائيل حيث التقت مصالح جميع هذه الأطراف حول معارضة الدعوة إلى "إسقاط النظام" في دمشق، والتخوف من التداعيات السياسية والأمنية لمثل هذا الاحتمال. واقتصر رد الفعل الأميركي خلال الأسبوع الأول من الأزمة على عدد من التصريحات الرسمية التي دعت إلى ضرورة احترام حرية التعبير وحق التظاهر السلمي في سوريا، وعبرت عن "انزعاج الولايات المتحدة العميق تجاه القتلى المدنيين على أيدي قوات الأمن في درعا". كما عبر المسؤولون الأميركيون عن قلقهم نتيجة "لجوء الحكومة السورية إلى استعمال العنف، والتخويف والاعتقالات التعسفية في درعا للحد من مقدرة أهلها على ممارسة حقوقهم الأساسية بحرية". كما عبر المتحدثون باسم الإدارة الأميركية عن تعازيهم الحارة لعائلات وأصدقاء الضحايا من قتلى وجرحى، وناشدوا الحكومة السورية ممارسة "ضبط النفس، والامتناع عن استعمال العنف ضد المتظاهرين المدنيين". لكن الموقف الأميركي لم يتعد حدود الإدانة الشكلية ولم يذهب أبعد من ذلك إلى اتخاذ أي خطوات عملية لممارسة الضغط المباشر على سوريا مؤكدا أن الخيار ما زال في يد الحكومة السورية.

مرحلة التردد 

في المرحلة الثانية منذ انتشار موجة الاحتجاجات في سوريا بدت الولايات المتحدة في موقف شديد الحرج والارتباك من الفترة الأولى؛ حيث ظهرت علنا عبر وسائل الإعلام تصريحات متضاربة للمسؤولين الأميركيين حول الموقف الرسمي تجاه سوريا حتى داخل البيت الأبيض نفسه؛ حيث انقسم طاقم مجلس الأمن القومي إلى معسكرين، أحدهما يوصي بالحفاظ على الوضع الراهن، والتأني في مجابهة النظام السوري، وإعطائه فرصة للتعامل مع الحركات الاحتجاجية، وتفادي توجيه اللوم إلى الرئيس الأسد شخصيا، بينما يطالب المعسكر الثاني بالوقوف إلى جانب الجماهير التي تطالب بالإصلاح والتغيير. ويبدو واضحا أن الرئيس أوباما حبّذ أفكار المعسكر الأول وأخذ بنصائحه في بلورة موقفه من أحداث سوريا خلال هذه المرحلة.

وركزت وسائل الإعلام الأميركية على التباين الواضح والمثير للاستهجان في آن واحد بين التصريحات الصادرة عن البيت الأبيض وتلك الصادرة عن الخارجية أو عن وزارة الدفاع الأميركية وكأنها صادرة عن ثلاث حكومات مستقلة لا تنسق فيما بينها. واستشهد البعض بأقوال وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون التي نعتت الرئيس بشار الأسد آنذاك بالشخصية "الإصلاحية"، رغم تراجعها السريع عن هذا التصريح وادعائها أنه جاء بناء على تقارير بعض أعضاء الكونغرس الذين قاموا بزيارة سوريا مؤخرا. وقد تزامن قول الوزيرة كلينتون مع التصريحات المتناقضة لبعض المسؤولين في البيت الأبيض الذين بدأوا المطالبة بمواجهة دمشق، والتخلي عن سياسة التساهل مع النظام السوري، وفرض الحظر عليه وإجباره علي اتخاذ خطوات إصلاحية جدية لإرضاء المتظاهرين.

ولخص أحد المحللين السياسيين في مؤسسة كارنيغي للسلام تردد واشنطن بقوله: "لا شك أن إدارة أوباما تواجه معضلة لن تلقى حلا سوى بعد بلورة مصير الحركات الاحتجاجية.... فإذا كانت الحكومة السورية قادرة على قمع الاحتجاجات فمن المنطقي أن تسعى الإدارة لإيجاد سياسة قابلة للتعامل مع النظام السوري. ولكن من وجهة النظر الأخرى، إذا ما نجحت هذه الحركات في الاستمرارية، وأثبتت مقدرتها على تحقيق التغيير فالأحرى عندها أن تتعلم الإدارة كيفية التعامل مع المتظاهرين".

مرحلة القفاز الحريري 

لا تختلف سياسة واشنطن في هذه المرحلة في معالمها العامة عما سبقها من مواقف في الفترة المنصرمة؛ حيث استمرت الإدارة في التردد وتفادي حسم موقفها تجاه سوريا حتى بدت للكثير من المراقبين بأنها تعامل دمشق "بقفاز حريري" بدلا من مواجهة النظام السوري "بقبضة حديدية". ووصلت هذه المرحلة ذروتها في الثامن من إبريل/نيسان عندما أدان الرئيس أوباما بحدة أعمال العنف من قبل قوات الأمن السورية، كما أدان لجوء بعض المتظاهرين للعنف تاركا الانطباع للكثيرين بأنه يساوي بين عنف الطرفين؛ فتعالت الصيحات في واشنطن، وخصوصا من أقطاب المعارضة الجمهورية وغيرهم من العناصر اليمينية عامة، متهمة أوباما "بالإفلاس الأخلاقي والجهل الإستراتيجي" في تبييض سمعة النظام السوري الذي وصفه المعلق اليميني شارلز كراوثهامر "بالدولة البوليسية الوحشية التي قام نظامها باستمرار بإحباط مصالح الولايات المتحدة في المنطقة". وطالب جيمس فيليبس خبير الشؤون الخارجية في مؤسسة هيريتيج المحافظة الإدارة الأميركية بوضع حد لسياسة التقرب التي تنتهجها تجاه سوريا وأن تستبدلها بسياسة جديدة قوامها دعم المعارضة الديمقراطية في سوريا، وفرض الحظر، والعقوبات الجديدة على النظام هناك، وحتى سحب السفير الأميركي من دمشق. ولم تقتصر هذه الانتقادات اللاذعة على اليمين الأميركي المتطرف بل سرعان ما انضمت إليها أصوات ليبرالية ويسارية؛ حيث وصفت الواشنطن بوست جمود وتقاعس سياسة أوباما تجاه سوريا "بالمخجل"، وكتبت الصحيفة قائلة: "إن هذا النطاق من المذابح يقود عادة إلى ردة فعل قوية من جانب الدول الديمقراطية في الغرب كما يتوجب عليها؛ فيتم سحب السفراء، وتقديم مشاريع قرار لمجلس الأمن الدولي، والشروع في تحقيقات دولية، وفرض عقوبات. لكن أيًّا من هذا لم يحدث بالنسبة لسوريا؛ فقد أدانت إدارة أوباما العنف، ووصف تصريح رئاسي أحداث الجمعة القمعية بالمشينة، ولكن لا شيء أكثر من ذلك".

وقد وجهت بعض الجمعيات اليسارية المعنية بحقوق الإنسان انتقادات لاذعة للإدارة الأميركية متهمة إياها بالتواطؤ مع سوريا والتغاضي عن الجرائم التي ارتكبتها أجهزة الأمن السورية بحق المدنيين الأبرياء. وانضمت أيضا أصوات من اليسار الليبرالي -والتي تعتبر بطبيعة الحال من أنصار الرئيس أوباما- إلى جوقة الانتقادات هذه متهمة الإدارة بالتخاذل والضعف في وجه العنف السوري، والوقوف مع مبدأ الأمن والاستقرار الإقليمي ضد المطالبة الشعبية بالحرية والديمقراطية. كما انتقدت بعض الصحف الأميركية في افتتاحياتها تقاعس الرئيس أوباما واكتفاءه بإصدار التصريحات الرنانة الخالية من أي بعد عملي لمساعدة المواطنين السوريين، ووضع حد لسياسات القمع والعنف التي لجأت إليها الحكومة السورية. وبالرغم من حدة هذه الهجمات اكتفت الإدارة بترديد نفس التصريحات السطحية متفادية تبني أي موقف حازم تجاه الأحداث في سوريا.

مرحلة الضغط المباشر 

بدأت الإدارة الأميركية منذ أواخر شهر إبريل/نيسان إعادة النظر في تعاملها مع التطورات في سوريا نتيجة تدهور الأوضاع الأمنية هناك، والتصعيد من قبل أجهزة الأمن السورية بقمع المظاهرات بالعنف الشديد، واقتناع الرئيس أوباما أخيرا أن بشار الأسد غير قادر على ضبط الأمور في سوريا أو لا ينوي فتح حوار جدي مع المعارضة، واتخاذ القرارات الصعبة بتبني وتنفيذ برامج إصلاحية جدية من شأنها تهدئة الشارع السوري، وتلبية المطالب المشروعة للمتظاهرين. كما تأثر الموقف الأميركي كذلك بتراجع الكثير من الدول العربية والأجنبية عن سياسة التريث في التعامل مع النظام السوري لإعطائه الفرصة لضبط الأمور الأمنية دون أي تدخل أجنبي. كما لا شك أن الضغوط الداخلية المتصاعدة أثّرت على الإدارة الأميركية وأقنعتها بتبني موقف أكثر صرامة تجاه دمشق بسبب عدم تجاوب الحكومة السورية مع ليونة الأسلوب الأميركي السابق.

وشاهدنا خلال هذه المرحلة التي شملت معظم شهر مايو/أيار سلسلة من الإجراءات الصادرة عن الشق التنفيذي عامة والرئيس أوباما شخصيا والتي شملت فرض حظر اقتصادي على عدد من كبار المسؤولين السوريين والمؤسسات والشركات الرسمية السورية بتجميد أموالهم المودعة في البنوك الأميركية، ومقاطعة جميع المعاملات التجارية والمصرفية معهم. وشكّلت هذه الإجراءات الخطوة العملية الأولى من قبل الإدارة الأميركية في مواجهة الحكومة السورية نتيجة إصرارها على قمع الاحتجاجات، وعدم الشروع الفوري بأي برامج إصلاحية جدية ومقنعة. واقتصرت صلاحيات هذه الإجراءات في البداية على المسؤولين الأمنيين المشرفين مباشرة على قمع المظاهرات، مثل: ماهر الأسد وعاطف نجيب وعلي مملوك وغيرهم.  ولكن في النصف الثاني من مايو/أيار قامت واشنطن بتطبيق هذه العقوبات على كبار المسؤولين السوريين وضمنهم الرئيس السوري بشار الأسد، ونائب الرئيس فاروق الشرع، ورئيس الحكومة عادل سفر، ووزير الداخلية محمد إبراهيم الشعار، ووزير الدفاع علي حبيب محمود وغيرهم.

مرحلة المواجهة 

لقد وصلت الإدارة الأميركية اليوم إلى القناعة التامة بأن الرئيس الأسد قد تخطى نقطة اللاعودة؛ حيث اختار النمط الإيراني أو حتى النمط الصيني في مواجهة الاحتجاجات الشعبية في سوريا، وضرب بعرض الحائط نموذج الحوار والإصلاح الذي اقترحته عليه واشنطن وغيرها من عواصم العالم القريبة والبعيدة، واتهمها بالتحريض وتشجيع الاضطرابات؛ فانتهى فجأة أسلوب التريث والليونة الذي شاهدناه من الجانب الأميركي خلال الشهرين الماضيين، وحل مكانه أسلوب المواجهة والإدانة الشديدة الذي لا مفر منه في التعامل مع ممارسات دمشق؛ فأعلن المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض في 10 يونيو/حزيران الجاري بكل وضوح: "إن الحكومة السورية تقود سوريا باتجاه خطير ... نحن نقف إلى جانب الشعب السوري الذي أبدى شجاعته بالمطالبة بالكرامة والانتقال إلى الديمقراطية التي يستحقها". وتابع المسؤول الأميركي قوله: "إن قوات الأمن السورية مستمرة في إطلاق النار والاعتداء على المحتجين واعتقالهم، وما زال المعتقلون السياسيون قيد الاعتقال. إن هذا النوع من العنف المروع يدفع الولايات المتحدة إلى تأييد قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي يدين إجراءات الحكومة السورية ويدعو إلى الوقف الفوري للعنف وانتهاك حقوق الإنسان الأساسية".

أعتقد كما يعتقد الكثير من المحللين في واشنطن أننا مقبلون على أزمة جدية بين واشنطن ودمشق لم نشاهد لها مثيلا منذ وصول بشار الأسد إلى الحكم إن لم يكن طوال العلاقات بين البلدين. لقد استنفدت الإدارة الأميركية بأسلوبها المتردد أحيانا والساذج أحيانا أخرى كل ما لديها من بدائل ولم يبق في جعبتها سوى المطالبة برحيل الرئيس الأسد، وتغيير النظام بدلا من مطالبته بالتغيير كما فعلت خلال الأشهر الثلاث الماضية. ومن المتوقع أن ترد الإدارة الأميركية خلال هذه المرحلة على استمرار قمع الاحتجاجات وتدهور الوضع الأمني في سوريا بسحب السفير الأميركي من دمشق، وتجميد علاقاتها مع سوريا، والمشاركة المباشرة في الجهود الدولية لتدويل الأزمة في سوريا؛ مما سيُنهي كليا سياسة أوباما للتقارب والحوار مع سوريا، ويضر حتما بمصالح البلدين على المدى البعيد.
____________________
أستاذ محاضر في الدراسات الدولية واللغات الأجنبية في جامعة بيبيرداين الأميركية، ومدير تنفيذي لبرنامج الجامعة في واشنطن. عمل جهشان طوال التسعينيات كرئيس للجمعية الوطنية للعرب الأميركيين.