المجلس الوطني الانتقالي الليبي: المنطلقات والرهانات

ثورة فبراير تتويج لتاريخ من المعارضة الليبية قادته تيارات مختلفة، فأسقطت نظام القذافي، وتقف الآن لتبني نظاما سياسيا يستند إلى خبرتين: مقاومة الاستعمار والاستبداد.
2011115111146111734_2.jpg

يهدف التقرير الذي بين أيدينا إلى دراسة الأسس التاريخية التي انطلقت منها القوى المعارضة التي وقفت وراء تشكيل التحالف الثوري في ليبيا، والذي قاد الكفاح ودحر ديكتاتورية معمر القذافي في 21 أكتوبر/تشرين أول 2011. وينطلق التقرير الحالي من دحض ارتباط الانتفاضة الديمقراطية في ليبيا بثلاث أساطير: التركيز على القذافي، وأن تجربة ليبيا الاستعمارية الوحشية تشبه نظيرتها في مصر وتونس، والنظرة إلى المجتمع الليبي عبر الأيديولوجية القبلية.

رصيد الغضب: الاستعمار والاستبداد

لقد عانى الشعب الليبي أحد أكثر أشكال الاستعمار وحشية في إفريقيا، حيث لقي نصف مليون شخص حتفهم خلال الحقبة الاستعمارية بين عامي 1922ـ1943، منهم ستون ألفا في معسكرات الاعتقال الإيطالية، قبل أن يعرف العالم مصطلح المحرقة النازية.

وخلال الحكم السنوسي لليبيا بين عامي 1951-1969 ران صمت مطبق على التداعيات الصادمة والمرعبة التي تركها الاستعمار الإيطالي في ليبيا. ويمكن القول إن شعبية القذافي المبكرة المناهضة للاستعمار لم تأت من عدم، ولكنها استمدت عنفوانها من التجربة الاستعمارية الحديثة للشعب الليبي الذي شعر بأن معاناته لم يُعترف بها خلال الفترة السنوسية.

ويمكن تقسيم حقبة حكم القذافي إلى مرحلتين : الأولى أقرب إلى نظام وطني وشعبي حديث امتدت فيما بين عامي 1969 ـ 1980، والثانية من 1980 وحتى ثورة فبراير/شباط 2011، وفيها عاشت ليبيا مرحلة الدولة البوليسية بقيادة غوغائية وتكريس عبادة الفرد المتمثلة في شخص القذافي، مستغلة العوائد الضخمة للنفط والاقتصاد الريعي والعمالة العربية والأجنبية لتأكيد استغنائها عن الارتباط بأي سند مجتمعي أو رابط شعبي.

وتتمثل الفكرة الأساسية التي نتبناها في التقرير الحالي في أن عدم قدرة نظام القذافي على تحقيق إصلاحات سياسية جدية تناسب التغيرات في الاقتصاد والتعليم والمجتمع، أدت بصورة حتمية إلى الصراع بين البنية الاجتماعية والنظام السياسي الجامد.

وقد وقف ذلك الصراع حائلا أمام القوى الاجتماعية الجديدة، خاصة الشباب المتعطلين، وتسبب في إعاقة معالجة المطالب وتلبية المظالم الاجتماعية. ومن ثم فقد قوضت هذه الفجوة بين الشباب الليبي والنخبة الحاكمة كل مكاسب النظام التي تحققت في سبعينيات القرن العشرين، وقادت إلى تشكيل تحالف ثوري أصبح مغتربا عن النظام.

ولو كان العقيد القذافي استجاب بانفتاح لدعوات الإصلاح، ولم يبالغ في رفضه واستهجانه للاضطرابات في تونس ومصر، فربما كان بوسعه استرضاء النخبة الحضرية، وتجنب هذا التمرد العنيف، ولكن سياساته غير المحسوبة فجّرت الوضع.

وبمجرد أن قام الجيش والشرطة المؤتمران بإمرته بإطلاق النار على المحتجين، انطلق السخط المكبوت في المجتمع الليبي، وسرعان ما أفلت الزمام من النظام وأصبح الوقت متأخرا للغاية للسيطرة على الموقف.

وفي الأسابيع الأخيرة، تمكنت القوى الثورية من تحرير إقليم فزان الجنوبي الذي كان تاريخيا منطقة ريفية موالية للقذافي، ولم يتبقّ سوى مدينتين تحت سيطرة قواته: مسقط رأسه سرت، ومدينة بني وليد الموالية له، وسرعان ما تداعت مقاومتهما في النصف الثاني من شهر أكتوبر/تشرين الأول 2011. وكما فقد النظام المعارك الأخلاقية والدبلوماسية، فقد المعارك العسكرية، بل إنه خسر الحرب برمتها عندما قُتِل هو وابنُه المعتصم ووزيرُ دفاعه اللواء أبوبكر يونس جابر خارج مدينته سرت.

وفي ظل تلك الملابسات يُطرح سؤالٌ جوهري نفسه: لماذا سقط هذا النظام؟

يمكن القول إنه رغم نجاح النظام في تحسين صورته بعد 2003، وحل مشكلة العقوبات وأزمة لوكربي، لدرجة تلقّى معها القذافي دعوات رسمية لزيارة روما وباريس وحتى الأمم المتحدة في نيويورك، إلا أنه فشل محليا. ورغم أن النظام امتلك أسلحة ومدرعات وطائرات، إلا أنه فقد ولاء الكل حتى عناصر المجتمع الليبي التي كانت ترغب في الانتظار على أمل الإصلاح السياسي يوماً ما.

وكانت قاعدة تأييده الأخيرة قد اختزلت في حلفائه المقربين والمرتزقة الأجانب في مدينتين كبيرتين هما سرت وبني وليد.

صحيح أن الاضطرابات في تونس ومصر المجاورتين ساهمت في إثارة الأحداث في ليبيا، لكن المقاومة استمدت دافعها الأساسي من تجربة الاستعمار الوحشي لليبيا. أما الشيء اللافت للنظر في لغة الثورة فيتمثل في كيف أن فكرة مقاومة الاستعمار التي كان يستخدمها العقيد القذافي أصبحت تستخدم ضده الآن، فشاعت في رسائل الهاتف المحمول والمواقع الإلكترونية ومحطات التليفزيون وصفحات الفيس بوك.

وحتى عندما كانت القوات الثورية تتعرض لهجوم قوات العقيد القذافي، كانت تقاوم الدعوة إلى التدخل الغربي المسلح، بالرغم من أنها كانت تؤيد فرض منطقة حظر جوي. ويُفسِر تاريخ ليبيا هذا الموقف، فقد كان هناك صراع على الرموز الوطنية الليبية أيضا، حيث كانت الشعبوية الوطنية المبكرة عند العقيد القذافي تنبع من آلام الحقبة الاستعمارية، التي استترت خلال الملكية الراغبة في التحديث والتي حكمت من 1951 حتى 1969.

وقد بدأت عملية التحديث والتحضر، وخاصة التعليم، في وقت مبكر مع الاستقلال في 1951 بمساعدة من الأمم المتحدة.

ففي 1954، كانت جامعة ليبية جديدة لها حرمان جامعيان في كل من بنغازي وطرابلس تقدم الفرص التعليمية، وسرعان ما شهدت البلاد توسعا في إنشاء الكليات والجامعات في جميع الأنحاء. وأدت السياسات التعليمية الجديدة إلى ظهور طبقة متوسطة جديدة تعمل بأجر، وحركة طلابية، وطبقة عاملة صغيرة، ونقابات عمال، وطبقة مثقفة حديثة بحلول أواخر الستينيات.

فعلى سبيل المثال، زاد عدد الطلاب من 33 ألفا في 1952 إلى 300 ألف في 1970. وكانت فوزية غرور أول امرأة ليبية تتخرج من الجامعة الليبية في 1958، ثم فتحية مازق، ابنة رئيس الوزراء حسين مازق في 1961. وفي 1965، تأسس اتحاد المرأة الليبية، ونشرت مجلته ذائعة الصيت (المرأة) عددها الأول. وتنتمي النساء الليبيات اللائي شاركن في الثورة اليوم إلى الحركة النسائية الثالثة التي اعتمدت على مكاسب الأجيال القديمة مثل حق المرأة في التعليم المجاني والتصويت والعمل. ويجب أن يتذكر المرء أن ثورة السابع عشر من فبراير كانت في طليعتها محتجات نشطات من أمهات وأخوات وزوجات وبنات ضحايا مذبحة أبوسليم التي وقعت أحداثها في يونيو/حزيران 1996.

وتوجد اليوم نساء أكثر من الرجال في التعليم العالي في ليبيا. وفي أقسام الإنسانيات والعلوم الاجتماعية في الجامعات الليبية، تشكل الطالبات أكثر من 80% من مجموع الطلاب. وهناك نساء يعملن طيارات وضابطات وقاضيات وطبيبات ومعلمات ووزيرات. لم تكن خطوات هذا التقدم منحة من نظام العقيد، بل جاءت نتيجة كفاح خاضته رائدات المجموعات النسائية النشطة اللائي تعلم بعضهن في المنفى في لبنان وسوريا ومصر، وبمساندة سياسات التحديث لنظم ما بعد الاستقلال منذ 1951.

وليس مدهشا أن ناشطات حقوق المرأة الليبية الأُولَيَات ـ مثل حميدة العنيزي، صالحة المدني، خديجة عبد القادر، وخديجة الجهمي ـ ركزّن طاقتهن على موضوع واحد هو تعليم المرأة منذ منعطف القرن العشرين. وبينما كان الجيل الثاني من الناشطات الليبيات يجمع بين الاهتمام بحقوق المرأة والحقوق الوطنية، نجد أنه ركز في ذات الوقت اهتمامه على قضايا جديدة مثل المسار المهني، والأسرة، ونقد نظام الأسرة الأبوية الليبية. كما عبَّرن بشكل متوازٍ عن آرائهن في الصحافة ومختلف الأشكال الأدبية مثل القصة القصيرة والأعمال الروائية.

الأبعاد الجغرافية والرمزية لمقاومة الاستبداد

يرجع تاريخ المعارضة الليبية لنظام القذافي إلى أوائل سبعينيات القرن العشرين على الأقل. وتوجد أقوى قاعدة إقليمية للمعارضة في الإقليم الشرقي من البلاد. وقد قمع النظام حركات معارضة مختلفة، تشمل المعارضة العسكرية والطلابية في السبعينيات، والمعارضة في المنفى في الثمانينيات، والمعارضة الإسلامية في التسعينيات. ويمكن سرد أهم علامات المقاومة في الأمثلة التالية:

  1. خلال سبعينيات القرن العشرين، رد النظام لأول مرة على من قاموا بانقلاب عسكري فاشل بإعدام 170 من صغار الضباط.
  2. وفي 7 أبريل/نيسان 1976 قمع النظام اتحاد الطلبة الليبي في المقرات الجامعية الرئيسية في بنغازي وطرابلس، وأعدم قادة الثورة الطلابية، وعذَّب وأعدم عشرات الطلاب والأساتذة. وكان علي ترهوني ـ الذي يشغل الآن منصب وزير المالية في الحكومية الانتقالية بالمجلس الوطني الانتقالي الليبي ـ ومحمود شمام ـ المتحدث الإعلامي للمجلس الوطني الانتقالي حاليا ـ من الطلاب النشطاء بجامعة بنغازي، ومن بين قادة اتحادات الطلاب الليبيين. وقد طرد إبراهيم غنيوة من جامعة طرابلس في 1976 ولجأ إلى المنفى في الولايات المتحدة، وهناك نظّم واحدا من أشهر مواقع الشبكة العالمية "ليبيا بيتنا Libya our home" ضد النظام الاستبدادي الذي تزعمه القذافي.
  3. وخلال ثمانينيات القرن العشرين كانت مقاومة النظام تحت قيادة جماعة معارضة في المنفى تسمى "جبهة الخلاص الليبية"، والتي تحالفت مع حكومات السودان والمغرب والسعودية والعراق والولايات المتحدة.
  4. وأخيرا، ظهرت موجة جديدة من المعارضة في التسعينيات، والتي قام بها الشباب الليبي المنتسب لحركات إسلامية راديكالية ممن حاربوا في كل من أفغانستان والبوسنة والعراق، وهي حركات تعبر عن شكل أكثر راديكالية من الإسلام السياسي، حيث بدأت الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة وغيرها من الجماعات الإسلامية الأخرى في شرق ليبيا صراعا مسلحا وتحديا للنظام. وعلى سبيل المثال، فإن عبد الكريم بلحاج، رئيس المجلس العسكري لطرابلس، كان واحدا من قادة الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة وأحد المحاربين القدماء في حرب أفغانستان، حيث ينتمي معظم الراديكاليين الإسلاميين إلى المدن الشرقية مثل: أجدابيا، بنغازي، البيضاء، درنة، طبرق، والتي كانت أيضا القاعدة الجغرافية للحركة السنوسية والحكم السنوسي. وكان بعض المقيمين في هذا الإقليم لا يجدون شرعية في الانقلاب الذي قام به القذافي في 1969. ومع ذلك، استطاع نظام القذافي بحلول 1998 أن يسحق هذا التمرد الإسلامي المسلح. وكانت محصلة ما سبق أنه ومنذ عام 1990 أصبح هناك نحو مائة ألف ليبي يعيشون في المنفى في الخارج.
  5. وفي فبراير/شباط 2011، أثار رد الفعل الوحشي لنظام القذافي على المحتجين السلميين في بنغازي، وغيرها من المدن الشرقية الليبية، غضبا شديدا بين كثيرين من طوائف الشعب، ومنهم ضباط جيش ودبلوماسيون وحتى وزراء، إذ أن وزير العدل مصطفى عبد الجليل ووزير الداخلية اللواء عبد الفتاح يونس وسفير ليبيا في الأمم المتحدة، والذي كان وزير الشئون الخارجية لفترة طويلة عبد الرحمن شلقم، وعشرة سفراء ليبيين آخرين رفضوا البقاء مع النظام بعد قمع الاحتجاجات. وبعد ذلك بشهرين انشق المزيد من أعضاء النخبة، منهم موسى كوسا الذي كان رئيس الاستخبارات ووزير الخارجية لفترة طويلة، ووزير الطاقة السابق فتحي بن شتوان، ومحافظ البنك المركزى فرحات بن قدارة، ورئيس الوزراء السابق ورئيس شركة النفط الوطنية الليبية شكري غانم. وبالإضافة إلى ذلك انشق العديد من الجنود والضباط، ليس في المنطقة الشرقية فحسب، ولكن في بقية أنحاء البلاد أيضا. وكان الاستثناء الوحيد يتمثل في المنطقة الجنوبية الليبية، حيث كان معظم المجتمعات معزولة وليست له صلات بأي من مصر أو تونس.

 عضوية المجلس الوطني الانتقالي

التقى قادة الثورة الحالية في بنغازي في 5 مارس/آذار 2011، وكونوا المجلس الوطني الانتقالي الليبي الذي يضم أكثر من أربعين عضوا يمثلون كل مناطق البلاد. ورئيس المجلس هو القاضي مصطفى عبد الجليل، الذي كان وزير العدل في ظل حكم القذافي عندما اندلعت الاضطرابات في فبراير/شباط 2011. وسرعان ما أعلن انشقاقه وأصبح أول مسئول كبير يتخلى عن القذافي، حيث جاء من مدينة البيضاء الشرقية في الجبل الأخضر، وكان مشهورا بالتقوى والأمانة بينما كان يعمل في ظل حكم القذافي. وحاول أن يحقق بعض الاستقلال للقضاء الليبي. ومن مواقفه المشهورة استقالته احتجاجا على عدم إطلاق سراح ثلاثمائة سجين سياسي بالرغم من تبرئة القضاء ساحتهم في 2007.

ونائب رئيس المجلس هو عبد الحفيظ غوقة، محامٍ ورئيس سابق لجمعية البِر الليبية، وغالبا ما كان غوقة المتحدث الرئيس للمجلس الوطني الانتقالي في بنغازي. وكان غوقة المحامي والناشط في مجال حقوق الإنسان من بين مجموعة المحامين التي تترافع عن أسر ضحايا مذبحة سجن بوسليم التي ارتكبتها قوات القذافي في 1996، وقتل فيها 1200 سجين سياسي في سجن طرابلس. وساعدت المطالبة بالعدالة في هذه القضية على إطلاق شرارة الانتفاضة ضد القذافي في فبراير/شباط 2011.

انضمت إلى هذه التوليفة قوى المعارضة التي ظهرت في القسم الشرقي من البلاد، وتتكون من جماعات منشقة ومنفية وكونت القيادة الجديدة للثورة، فعُرفت باسم "المجلس الوطني الانتقالي المؤقت".

وشكّل المجلس لجانا عسكرية وقضائية، ومجلسا تنفيذيا للحكم برئاسة الدكتور محمود جبريل، وهو عالم سياسة تعلم في أميركا، وكان حتى السنة الماضية رئيس مجلس التخطيط الليبي. وأصبح الدكتور علي الترهوني، المنفي وأستاذ الاقتصاد بجامعة واشنطن في سياتل، وزيرا للمالية. وأصبح محمود شمام، وهو أحد الليبيين المنفيين ممن تعلموا وعاشوا في الولايات المتحدة، وزيرا للإعلام والاتصال. وقد بدأ المجلس العمل في صيغة برلمانية. والمجلس عبارة عن تجمع من المهنيين والأكاديميين والأطباء والمحامين والإصلاحيين والمنشقين والإسلاميين والملكيين، وبعض شخصيات قبلية تقليدية من المناطق الريفية.

وكانت القاعدة الاجتماعية للثورة تتمثل في الشباب الليبي الحضري الأصغر من ثلاثين عاما الذين انضموا للمسيرات وأصبحوا جيش التحرير التطوعي الذي حارب قوات النظام وألوية الأمن، حيث تدربوا بقيادة الجنود والضباط الليبيين المنشقين. وكذلك شاركت النساء بفعالية في المقاومة من خلال أدوار عديدة مثل إنتاج الأفلام التي توثق الأعمال الوحشية للنظام، ورعاية الأطفال والجرحى وإعداد الطعام للمقاتلين وحياكة علم الاستقلال.

الرموز الثورية

تم استخدام ثلاثة رموز لحشد التأييد الشعبي لمواجهة النظام:

  1. صورة عمر المختار المقاوم المناهض للاستعمار.
  2. تم رفع علم المَلكية الليبي القديم واعتبر بمثابة علم الاستقلال.
  3. تم تبني النشيد الوطني القديم بعد حذف اسم الملك ووضع اسم عمر المختار بطل المقاومة ضد الاستعمار الإيطالي. وهذا أمر لافت للنظر بعد أربعة عقود من طقوس نظام القذافي الذي كان يعرض نفسه على أنه الذروة الشرعية لحركة مقاومة الاستعمار. وبعبارة أخرى، فإن المسألة الوطنية المرتبطة بالحقبة الاستعمارية الوحشية لا تزال ماثلة في المجتمع الليبي.

ويتوقف مستقبل ليبيا على ما إذا كانت القيادة ستستطيع تحقيق الاستقرار واستعادة النظام وجمع السلاح المنتشر بين أيدي المدنيين، وتجميع وتوحيد كل الليبيين، مع التعلم من الأخطاء التي ارتكبت في العراق وأفغانستان والصومال وإيران. وإذا نجحت في ذلك فإنها ستؤسس نموذجا جديدا للاستقرار والديمقراطية. على أن الثورة بمقدورها بناء دولة ذات مؤسسات قوية مستقرة، وتجمعات مدنية لتشمل كل الليبيين، ذلك أن ليبيا تتمتع بمجتمع حديث متعلم، وتستطيع عائدات النفط والغاز إعادة بناء البلاد وتعويض العقود الثلاثة التي أهدرت في الدمار والفساد والاستبداد. وسوف يكون الخلاف الآن على النظام الجديد ودور الإسلام ووضع المرأة والعلاقة مع الناتو والولايات المتحدة والدول العربية والإفريقية.

ولكن، ورغم كل هذه المحاذير، دعونا نأمل في أن يستطيع الشباب الليبي ـ الذي كان القوة الدافعة لهذه الثورة الديمقراطية ـ أن يتعلم من أخطاء كل من النظام الملكي ونظام القذافي، مع العلم أن تحديات بناء ديمقراطية مدنية تعددية مستقرة تعد أكثر صعوبة وقسوة من دحر النظام الاستبدادي الذي أرساه القذافي.
___________________
علي عبد اللطيف احميده-أستاذ العلوم السياسية في جامعة نيوايغلاند