السياسة اليونانية التوسعية في ألبانيا.. "صناعة الأقلية"

تعد العلاقات الألبانية اليونانية نموذجا للعلاقات البلقانية البلقانية التي ارتبط تاريخها واصطبغ بصبغة المشروعات القومية التي تقوم على حساب أراضي الدول المجاورة، بالاستناد إلى شعار حماية حقوق أقليتها العرقية لتبرير تدخلها الدائم في الشؤون الداخلية لدول الجوار الأضعف.
1_1066915_1_34.jpg

 

هاني صلاح

نجحت الضغوط اليونانية في دفع الحكومة الألبانية للموافقة على إجراء الإحصاء السكاني على أساس معياري العرق والدين أواخر العام الجاري، الأمر الذي رأت فيه شرائح عديدة من المجتمع الألباني تهديدًا لأمن بلادهم القومي، لأن نتائج هذا الإحصاء لن تعكس حقيقة التركيبة العرقية والدينية للمجتمع الألباني، وإنما ستصب لصالح أهداف السياسة اليونانية الساعية إلى "هيلنة* جنوب ألبانيا" والتوسع باتجاهها، كخطوة تمهد لضم الإقليم بشكل تام في مرحلة تالية.

فتاريخيًا لم تدخر اليونان فرصة لاحت في حرب أو سلم إلا استثمرتها للتدخل في شؤون ألبانيا، محاولة ترسيخ سيطرتها وهيمنتها على جزئها الجنوبي، وهو ما سوف يعرض له هذا التقرير.

  1. المعادلة الحالية
  2. طموحات وأهداف اليونان في ألبانيا
  3. الإحصاء السكاني والحصاد
  4. الموقف الألباني والدولي من سياسة الهيلنة
  5. التداعيات والمآلات

1- المعادلة الحالية 

تاريخيًا لم تدخر اليونان فرصة لاحت في حرب أو سلم إلا استثمرتها للتدخل في شؤون ألبانيا، محاولة ترسيخ سيطرتها وهيمنتها على جزئها الجنوبي.
تعد العلاقات الألبانية اليونانية نموذجا للعلاقات البلقانية–البلقانية التي ارتبط تاريخها واصطبغ بصبغة المشروعات القومية التي تقوم على حساب أراضي الدول المجاورة، بالاستناد إلى شعار حماية حقوق أقليتها العرقية لتبرير تدخلها الدائم في الشؤون الداخلية لدول الجوار الأضعف.

فقد اتسمت العلاقات الألبانية/اليونانية دومًا بالتوتر، نظرًا لسلوك اليونان السياسي العدائي تجاه  ألبانيا منذ استقلالها عن تركيا عام 1912، حيث ترى اليونان في ألبانيا مجالاً جيوسياسيًّا حيويا لها، وأعطت لنفسها الحق في التوسع والتمدد عبر أراضيها، وبدا ذلك من خلال المواقف السياسية العملية لمختلف الحكومات اليونانية على مدار القرن العشرين.

انضمت ألبانيا لعصبة الأمم عام 1921 واعترف العالم بحدودها السياسية الحالية، إلا اليونان التي لا تزال الدولة الوحيدة في العالم التي لا تعترف بهذه الحدود حتى اللحظة. إضافة إلى أن "قانون الحرب" ضد ألبانيا، والذي كان قد أعلنه ملك اليونان خلال الحرب العالمية الثانية وصدر به قانون من البرلمان عام 1940؛ ما زال ساري المفعول. وعلى الرغم من عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 1971، إلا أنه لم يتم إلغاء هذا القانون من قِبل البرلمان اليوناني، ما يؤكد عدم رغبة اليونان في طي هذه الصفحة من العداء التاريخي بين البلدين. ومن شأن ذلك إبقاء الباب مفتوحًا أمام كافة الخيارات للحكومات اليونانية المتعاقبة في تحقيق أطماعها التاريخية في السيطرة على جنوب ألبانيا. وهو الأمر الذي خلق بالمقابل شعورا عميقا لدى ألبانيا بوجود تهديد دائم لحدودها الجنوبية من قبل اليونان.

ولما أعلن الاتحاد الأوربي في بداية الألفية الثالثة عن نيته فتح باب العضوية لدول البلقان؛ سعت اليونان لتدعيم دورها في المنطقة باعتبارها "البوابة" التي لابد لدول البلقان من المرور بها نحو الاندماج في المؤسسات الأوروـ أطلسية.

وهنا بدا لليونان أن عصرها الذهبي في ألبانيا قد بزغ؛ فمارست ضغوطا متواصلة عليها لتحقيق أكبر قدر من مصالحها في مقابل عدم إعاقة ملف انضمامها للمؤسسات الأوروـ أطلسية، وأضحت معادلة "التنازل" مقابل "الاندماج"، بمثابة الميزان الذي يتحكم في العلاقات اليونانية-الألبانية، خلال العقد الماضي تحديدًا وحتى اليوم.

2- طموحات وأهداف اليونان في ألبانيا 

تتجه الأطماع اليونانية تحديدًا نحو جنوب ألبانيا وهى المنطقة التي تطلق عليها "أبير الشمالية" VORIO - EPIRUS، بزعم أنها كانت أراضي يونانية في الماضي، وحققت اليونان المرحلة الأولى من مشروعها التوسعي داخل الأراضي الألبانية باحتلالها لإقليم تشاميرية (1912-1913) الذي تسميه "جنوب أبير".

وبانهيار حلف وارسو وسقوط الشيوعية في ألبانيا عام 1991، خرجت ألبانيا دولة منهارة اقتصاديًا وشعبا يعاني الفقر والبطالة، وبدا لليونان أن الوقت قد حان مجددا لاستكمال المرحلة الثانية من هذا المشروع بضم جنوب ألبانيا أي "إبير الشمالية" بحسب اصطلاحها.

وبدأت النخبة اليونانية من السياسيين والمثقفين في إعادة طرح هذا الهدف في كافة وسائل الإعلام اليونانية عبر كتاباتهم التي تنشر من حين لآخر. وبالتوازي بدأت الحكومة اليونانية سلسلة من الإجراءات والخطوات التي تأتي ضمن عملية يمكن أن يطلق عليها اسم "هيلنة جنوب ألبانيا".

"هيلنة" جنوب ألبانيا
تهدف هذه العملية بالدرجة الأولى إلى زيادة عدد ونسبة السكان ذوي العرق اليوناني في جنوب ألبانيا ولو نظريًا من خلال المستندات الرسمية فقط، إضافةً لسعيها للهيمنة على أوجه الحياة في جنوب ألبانيا تمهيدًا لضمه في مرحلة تالية في المستقبل. وتتم هذه العملية عبر تكامل دور الكنيسة مع الدولة.

فالكنيسة الأرثوذكسية اليونانية تعتبر نفسها مسؤولة وبشكل مباشر عن جميع الأرثوذكس في ألبانيا فضلا عن أي أرثوذكسي يوناني الأصل في ألبانيا، ولا تعترف بأن هناك أرثوذكسًا من الألبان أو الأقليات العرقية الأخرى التي تعيش في ألبانيا كـ"الأروم" والتي تعود أصولها لرومانيا. أي أنها ترى أن الدين والهوية عنوان للقومية والعرقية. ويتضح هذا في ادعاء اليونان بأن الأقلية اليونانية في ألبانيا تصل نسبتها لنحو 20% من تعداد السكان وذلك لتأكيد أن كل أرثوذكسي هو يوناني.(لاحظ أن الأرثوذكس الألبان 20% من تعداد السكان).

لذلك نجد حرص اليونان على "هيلنة" الكنيسة الأرثوذكسية الألبانية التي كانت ومنذ تأسيسها عام 1921 مستقلة عن اليونان ويترأسها بطريرك ألباني، إلا أنه منذ سقوط الشيوعية عام 1991خضعت الكنيسة الألبانية الأرثوذكسية للكنيسة اليونانية، وأصبح بطريرك هذه الكنيسة يعين من قبل اليونان. ويعد "يانوللاتوس" ( Janullatos ) أول بطريرك لها، وهو بدوره قام بتعيين غالبية الأساقفة اليونانيين على الكنائس الألبانية، بهدف ترسيخ هيمنة الكنيسة اليونانية على الكنيسة الألبانية ولتأكيد هدفهم الذي يخدم مشروعهم التوسعي، بأن الأرثوذكس الألبان في الأصل هم يونانيون.

وإلى جانب دور الكنيسة، تقوم الحكومة اليونانية بسياسة الهيلنة (*) تجاه الألبان المسلمين؛ حيث استغلت الأزمة الاقتصادية التي مرت بها ألبانيا بسقوط النظام الشيوعي (1991) وانفتاح البلاد على العالم الخارجي، واشترطت على الألبان –المسلمين- من كافة أنحاء ألبانيا مع تركيزها على مناطق الجنوب تحديدًا والراغبين في السفر إلى اليونا