جيش جمهورية مالي وأزمة الشمال.. أسباب الهزيمة وتداعياتها

استشرى الفساد في مفاصل المؤسسة العسكرية بمالي ولم يعد يهم قادتها سوى ترفهم الشخصي، وبات التوجس يحكم علاقات الجيش بالسلطة. وقد انسحب الجيش المالي أمام هجمات مسلحي الطوارق وتحت ضغط الأهالي المناشدين أولادهم مغادرة جبهات القتال ولو اقتضى الأمر فصلهم فزال بذلك مفهوم شرف الجندي الذي يحفزه على التضحية.
2012710103742943734_20.jpg
استشرى الفساد في مفاصل المؤسسة العسكرية بمالي ولم يعد يهم قادتها سوى ترفهم الشخصي، وبات التوجس يحكم علاقات الجيش بالسلطة (الجزيرة)

ظل المواطنون الماليون ولفترة طويلة ينظرون بعين التبجيل إلى جيشهم الوطني نتيجة إنجازاته العسكرية المفترضة، أو الحقيقية، خاصة إسهاماته في تدخلات دولية كثيرة تحت مظلة الاتحاد الإفريقي أو الأمم المتحدة. لكن هذا الجيش، الذي مثل بوتقة انصهر فيها الماليون، قد مني بالهزيمة وهو يواجه مجموعات مسلحة نجحت في احتلال شمال البلاد خلال شهر مارس/ آذار 2012. وفي خضم الغموض الذي اكتنف هذه الهزيمة العسكرية النكراء بات السكان الماليون والرأي العام في جوارهم القريب يتساءلون عن العوامل والأسباب التي قادت إلى الانتكاسة: عن أوهامها وحقائقها...

لا يمكن الفصل بين تاريخ الجيش المالي منذ تأسيسه قبل واحد وخمسين عاما (لقد غادرت البلاد آخر كتيبة من الجيش الفرنسي يوم 20 يناير/ كانون الثاني 1961) وبين تاريخ البلد ذاته: فهناك تشابك بين الاثنين. فقد مثل الجيش تجسيدا للتضامن الوطني حيث مثلت فيه مختلف الشرائح الاجتماعية في البلاد، لكنه شهد أيضا صراعات داخلية خلفت آثار انشقاق غائرة.

"لقد دشن تأسيس الجيش المالي بخطاب رسمي لقائد الأركان يومئذ النقيب سيكو تراوري. وفي سنة ميلاد الجيش تابع سكان باماكو لأول مرة استعراضا عسكريا تحت إمرة النقيب تيموكو كوناتي. وعلى المستوى التنظيمي كانت الكتيبة الوحيدة التي تتمتع بالجاهزية هي كتيبة سيغو وتتكون من عدة وحدات موزعة على التراب الوطني" حسب ما يقول العقيد سيغا سيسوكو المسؤول بمتحف الجيش.

جيش وطني

ظل الاكتتاب في الجيش المالي منذ إنشائه يكتسي طابعا وطنيا: فهو مفتوح على مجموع التراب الوطني أمام الشباب ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و21 سنة دون تمييز على أساس الجنس أو الدين. وبعد أن ظل الجيش المالي ردحا طويلا من الزمن مقصورا على الذكور فتح أمام الإناث ويتم اكتتابهن حاليا في جميع الوحدات العسكرية على امتداد البلاد.

وطيلة سنوات عديدة استقى الجيش قوته وانسجامه من تنوع أصول أفراده وتمازجهم الاجتماعي والثقافي. وكان التكوين العسكري في الماضي يتسم بالصرامة حيث يخضع المكتتبون الجدد لفحص طبي دقيق يتعلم من يجتازونه بنجاح مهمنة حمل السلاح على أصولها. وتتم مزاولة التكوين العسكري في مراكز خاصة للتدريب العسكري محددة المكان. وبعد تسعة أشهر من التدريب في هذه المراكز يحول الفائزون إلى مختلف الوحدات العسكرية حيث يكملون تكوينهم ميدانيا.

ونظرا لحاجة الجيش إلى مختصين في مجالات حيوية مختلفة فقد كان يسمح بكسر قواعد الاكتتاب الأصلية إذا تعلق الأمر بأخصائيين كالأطباء والمهندسين والقانونيين. ومن باب هذا الاكتتاب المباشر دخل إلى الجيش الكثير من هؤلاء.

ومنذ تأسيسه إلى اليوم يمثل الجيش المالي بوتقة وطنية بالنظر إلى أنه لم يبن على أسس عرقية أوقبلية. وهذا الطابع الوطني الذي جسده حضور كل أعراق البلاد ومجموعاتها الثقافية وأقلياتها في صفوف الجيش هو الذي يفسر النظرة الإيجابية له في الوعي الجمعي المالي.

وقد ظل الماليون ينظرون إلى أفراد جيشهم بوصفهم "بناة" يجسدون "روح الوطن". فالجندي بالنسبة لهم باني للوطن والجيش المالي لا ينحصر دوره في مهمته الأصلية التي هي الدفاع عن حوزة البلاد الترابية بل بات يسهم في بناء الوطن من خلال نشاطاته الإنمائية المتمثلة في بناء الطرق والمراكز الصحية وغيرها من المنشآت...

معاول الفساد والمحسوبية

بين عشية وضحاها انهار هذا الصرح الجميل الذي شيده الجيش المالي. ولا بد بالاعتراف أن عوامل مهدت لهذا الانهيار بدأ بعضها يفعل مفعوله منذ عقد التسعينيات. فقد فقدت المؤسسة العسكرية المنغلقة على نفسها الكثير من قيمها. على سبيل المثال قلصت مدة تكوين الجنود بشكل ملحوظ حيث تذكر بعض المصادر العسكرية أن فترة التكوين باتت 3 أشهر فقط بدل 9 أشهر الأصلية. ويرى المراقبون أن هذا الأمر كانت له عواقب وخيمة على تمرس الجنود بالتقنيات العسكرية. ونجمت عن ذلك اختلالات كبرى تم تشخيصها داخل الجيش منها عدم انتظام التدريبات على استخدام الأسلحة الخفيفة والثقيلة وضعف المتخصصين. وفي هذا المضمار ذكر مصدر عسكري رسمي أن الأمريكيين اكتشفوا خلال مناورات عسكرية مع جنود ماليين اختلالات خطيرة منها على سبيل المثال أن دورية متنقلة كان العديد من عناصرها عاجزين عن سياقة سيارة، والأدهى من ذلك أن بعضهم لم تكن له أي مهارة في استخدام الرشاشات الثقيلة.

وفاقم من هذه الاختلالات التقنية سيادة الظلم في معاملة الجنود وسوء تسيير الموارد البشرية والمادية (فالمسؤولون يتصرفون في الموارد حسب هواهم). وقد أثر كل هذا سلبا على معنويات الجنود كما تؤكد وقائع الميدان.

وبعد أن خيب الجيش آمال منتسبيه بات التوجس يحكم باضطراد علاقاته بالسلطة السياسية. وأصبح قدامى العسكريين أي أصحاب المدرسة القديمة كما يقال يحذرون من آثار علاقات التوجس على أداء الجيش. على سبيل المثال تم إلغاء النظام الغذائي القديم الذي كان يمكن الجنود من تناول وجباتهم الغذائة جماعيا لغرس الروح الجماعية في صفوفوهم. فقد قررت السلطة السياسية مع السنوات الأولى للديمقراطية إلغاء الوجبات الجماعية وتعويضها بمبالغ نقدية تدفع مباشرة للجنود. وقد مكن هذا الإجراء من رفع مستوى دخل الجنود فلاقى استحسانا منهم. ويرى بعض الضباط أنه نتيجة هذا الإجراء حلت روح التوظيف بدل روح الجندية في صفوف منتسبي الجيش.

وقد عمدت السلطات إلى هذا القرار نتيجة التوجس الكبير الذي كان ينتاب الرئيس من الجيش وكان ذاك الرئيس هو ألفا عمر كوناري وهو أول رئيس ينتخب ديمقراطيا وقد حكم البلاد من 1992 إلى 2002. وفي تلك الفترة أيضا وبعد اتفاقات مرتجلة وقعت على عجل مع حركات التمرد، فتح باب الاكتتاب المباشر في الجيش أمام متمردين سابقين لم يتلقوا من قبل تكوينا عسكريا.

ولم يغير في هذا الوضع شيئا اعتلاء جنرال سدة الحكم هو أمادو توماني توري الذي حكم البلاد من 2002 إلى 2012 وأطاح به انقلاب عسكري. بل ازدادت أوضاع الجيش ترديا في ظل حكم توري حيث تفشى الفساد والمحسوبية في مجال الاكتتاب. وخلال السنوات العشر الماضية ظلت وسائل الإعلام المحلية تستنكر غياب الشفافية في عمليات الاكتتاب في الجيش خاصة أن نسبة من كل دفعة تكتتب تخصص للمقربين من النظام، لكن استنكار الصحافة للأمر لم يلق قط آذانا صاغية.

وفي هذا الجو المفعم بالفساد كان أبناء كبار الضباط ومن يوصي عليهم المسؤولون السامون أكثر حظوة في الاكتتاب من المتفوقين في اختبارات الكفاءة البدنية والصحية. وفي عام 1992 تم إعداد وإجازة قانون للبرمجة العسكرية يقضي بتخصيص مبلغ للاستمار في الجيش قدره 20 مليار فرنك غرب إفريقي كل سنة لمدة خمس سنوات، لكن هذا القانون ظل حبرا على ورق.

ووفق عدة مصادر عسكرية فقد عانى الجيش لسنوات متتالية من نقص فادح في الاستثمار انعكس بجلاء على قدراته العملياتية. ويؤكد أحد الضباط "أن الجيش المالي لم يقم بتجديد معداته خلال العشرين سنة الماضية إلا في مرات قليلة وبشكل محدود، وأن عمليات التكوين باتت عملة نادرة مع أنها في الأصل هي سبب ما أحرزه هذا الجيش من نجاحات".

عوامل الهزيمة

تضاف إلى عوامل الفشل السابقة عوامل أخرى ترتبط بمعنويات الجنود وانضباطهم. فعندما اندلع التمرد المسلح في يناير/ اكنون الثاني 2012 عاش الجيش مأساة حقيقية من خلال عمليات الهروب المتكررة التي أعقبت انسحاب العناصر المنتمية لقبائل الطوارق. ولم تكن العلاوة الممنوحة للجنود الذين يتم نشرهم في شمال البلاد بالكافية لحفزهم على أداء مهمتهم. فالكثير منهم كانوا يرون في مهمتهم نوعا من العقاب ولا تكاد أقدامهم تطأ ساحات المعارك في الشمال حتى يبدؤوا المطالبة بالرجوع إلى وحداتهم الأصلية في محاولة لا تتوقف للفرار من الاقتتال.

ونتيجة هذا الضعف في العزيمة لم يقاوم الجنود مقاومة تذكر الهجمات التي شنتها الجماعات المسلحة فانسحبوا بسهولة من المواقع الاستراتيجية تاركين المتمردين يحتلونها دون كبير عناء. وحدث أسوأ سيناريو يمكن أن يقع في خضم الحرب عندما قام الأهالي بمناشدة أولادهم مغادرة جبهات القتال والعودة إلى العاصمة ولو اقتضى الأمر فصلهم من الجيش والبحث لهم عن وظائف بديلة. وبالنسبة للكثير من هذه الأسر التي ظلت بعيدة من مسرح القتال، فإن مفهوم شرف الجندي الذي يحفزه على التضحية بروحه في سبيل الوطن لم يعد له معنى بالنسبة لهم فقد فقد هذا المفهوم معناه منذ استشرى الظلم والفساد في مفاصل المؤسسة العسكرية التي لم يعد يهم قادتها سوى ترفهم الشخصي.

وقد نقلت الصحافة عن جندي فضل عدم ذكر اسمه قوله: "إن غياب الحوافز ونقص التكوين وتهالك المعدات عوامل يفسر تضافرها الهزيمة التي منيت بها القوات الحكومية المالية وهي تواجه الجماعات المسلحة بشمال البلاد. وفي الحقيقة لم يكن الانسحاب التكتيكي أو الإستراتيجي الذي تذرعت بها قيادة هذه القوات سوى استسلام مكن المحتلين من إحراز تقدم مذهل في الميدان".

لماذا توارى الضباط السامون؟

هناك ظاهرة لافتة للانتباه برزت مع الانقلاب العسكري الذي قاده النقيب سانوغو يوم 22 مارس/ آذار 2012 ألا وهي تلاشي القيادة العسكرية. وقد نجم عن ذاك التلاشي احتلال الجماعات المسلحة في أيام معدودات مدن الشمال الثلاث الكبرى: كيدال وتمبوكتو وغاو. كما نجم عنه أيضا الصعود المذهل للجنود إلى مصاف قيادة الجيش بعد أن توارى الضباط السامون عن الأنظار.

وحسب تحليل أحد الضباط "فإن الجنود قد غاظهم انحراف القيادة وباتوا مقتنعين بأنهم مجرد دروع لحماية ضباط فاسدين ولذلك كانوا يغتنمون أي فرصة تسنح للهروب من ساحات القتال". ويرى هذا الضابط أن فرار الجنود هو نوع من الانتقام من الجنرالات الذين كانوا يتهمونهم بالانشغال بامتيازاتهم عن إدارة المعارك.

وعندما خارت عزائم الجنود شاع العصيان في صفوف الجيش. وهكذا اغتنم الجنود في المعسكرات انقلاب سانوغو، الذي وجدوا فيه أنفسهم، لينقضوا بدورهم على قياداتهم المباشرة. فلم يكد يعلن عن الانقلاب حتى بادر الجنود إلى وقف قوادهم وتقييدهم ثم تسليمهم إلى سادة الجيش الجدد.

ويتحدث أحد الضباط السامين عن الخروقات التي حدثت بعد الانقلاب في نظام الترقيات العسكرية الذي يصفه بالمقدس قائلا: "مع استيلاء الانقلابيين على مقاليد المؤسسة العسكرية حدثت ترقيات من الدرجة 6 إلى الدرجة 13 مباشرة". ويرى هذا الضابط أن مثل هذا النوع من الخروقات يشوه الجيش ويمثل طعنا في مصداقيته.

الجيش المالي والسياسة

عاش الجيش المالي مفارقة غريبة طيلة السنوات العشرين الماضية: فبينما يقدر تعداد منتسبي الجيش بمختلف تخصصاته بنحو مائتي ألف رجل، فإن عدد الجنرالات لا يقل عن الخمسين وكذلك عدد العقداء. وبدون أي مبالغة فإن أي خبير عسكري يمكن أن يؤكد أن مالي "ليس بحاجة عمليا لكل هذا العدد من كبار الضباط".

لكن السبب في تزايد عدد الضباط السامين هو سبب سياسي محض. ومع تكاثر عدد هؤلاء أرست السلطات تقليدا ترسخ على مر الأيام خلال السنوات العشرين الماضية ويقضي باستحداث وظيفة أمنية في كل قطاع حكومي يتولاها "موظف سام من قطاع الدفاع" وليس ذلك الموظف سوى ضابط كبير في الجيش. وبفضل هذا الإجراء انتشر ضباط الجيش داخل الإدارة المدنية.

ورغم تطاول العهد على هذا الإجراء فإن هذه الوظيفة الأمنية لم تؤد غرضا واضحا ومحددا ولم تتحول حسب الخبراء إلى تجربة مفيدة حيث ظل الضابط السامي جسما غريبا على الإدارة التي "زرع" فيها قسرا ولم يعرف الوزراء في أغلب الأحيان كيف يستفيدون من هذه الخبرة الأمنية والعسكرية التي لا حاجة إليها أصلا.

وقد بات شائعا أن أغلب الضباط السامين لم يحصلوا على رتبهم نتيجة الاستحقاق أو الأداء المهني. فنياشينهم لم تأت ثمرة لأدائهم في ساحات المعارك وإنما منحة من النظام السياسي الذي تفانوا في الولاء الأعمى له.

وهذا ربما ما يفسر كون بعض الضباط الذين كانوا حريصين على تحصيل رتبهم بشكل شريف رأوا أن الترقية المهنية لم تعد تتم بالشكل الطبيعي النزيه فخاناوا أمانتهم العسكرية وهم ينغمسون في سياسة الولاء للنظام حتى يضمنوا أن ينتهي بهم المطاف إلى الدخول في مجموعة المحظوظين وهو يدركون جيدا أن خيارهم الجديد يتعارض مع ترقية الاسترقاق العسكري.
_______________________________
بقلم/ تيكورا سامكيه: صحفي وكاتب مالي
ترجمة/ محمد بابا ولد اشفغ: قناة الجزيرة