الممانعة السعودية في مجلس الأمن

في يوم الخميس الموافق 17 أكتوبر 2013، انتخبت المملكة العربية السعودية لعضوية مجلس الأمن لدورة واحدة، ولمدة عامين، لكنها بعد سويعات من إعلان نتيجة حصولها على مقعد غير دائم في هذا المجلس، أعلنت عن اعتذارها عن قبول هذا المقعد، علمًا أن السعودية سعت جاهدةً لتفوز بهذا المقعد؛ ثم أتى قرار الاعتذار.
2013112011313579734_20.jpg

 

المصدر [الجزيرة]

 

ملخص
بعد سويعات من إعلان نتيجة حصولها على مقعد غير دائم في مجلس المن الدولي، أعلنت المملكة العربية السعودية عن اعتذارها عن قبول هذا المقعد، علمًا أنها سعت حثيثًا وعملت بشكل منظم على جمع الدعم الكافي، لنيل هذا المقعد؛ وأخيرًا أتى قرار اعتذارها عن شغله. إنها المرّة الأولى في تاريخ المنظمة الدولية التي تعتذر فيها دولة عضو مؤسس عن قبول شغل مقعد في مجلس الأمن؛ حيث مثل ذلك مفاجأة على عدة أصعدة.
تتناول هذه الورقة بالتحليل سياق هذا الاعتذار، آخذة في الاعتبار أن هناك ثمة أزمة حقيقية في العلاقات السعودية-الأميركية، وسياق هذه الأزمة يقف وراءه بعض من أهم الملفات الإقليمية كالملفين المصري والسوري وكذلك ملف التقارب الأميركي-الإيراني، وذلك يشكل ركنًا أساسيًا لرفض المملكة العربية السعودية شغل مقعدها في مجلس الأمن. كما أن اعتماد الولايات المتحدة الأميركية استراتيجية جديدة، يدعوها الباحث معد الورقة: «اقتسام المغنم والمغرم»، أدت دوت أدنى شك إلى ارتفاع فرص تبني السعودية، لسياسة خارجية أكثر شراسة وهجومية بغرض الحفاظ على مصالحها.

مقدمة

في يوم الخميس الموافق 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2013، انتخبت المملكة العربية السعودية لعضوية مجلس الأمن لدورة واحدة، ولمدة عامين، لكنها بعد سويعات من إعلان نتيجة حصولها على مقعد غير دائم في هذا المجلس، أعلنت عن اعتذارها عن قبول هذا المقعد. يأتي ذلك بعد تدرب فريق من الخبراء السعوديين على دهاليز مجلس الأمن وطرق العمل خلف وأمام الكواليس. علمًا أن السعودية سعت جاهدةً ولفترة طويلة، وعملت بشكل منظم ومحترف على جمع الدعم الكافي، واستخدام أوراق الضغط الراجحة لتفوز بهذا المقعد؛ ثم أتى قرار الاعتذار. وبما أنها المرّة الأولى في تاريخ الأمم المتحدة التي تعتذر فيها دولة عضو مؤسس للمنظمة الدولية عن قبول شغل مقعد في مجلس الأمن؛ فقد مثل ذلك مفاجأة على عدة أصعدة. وسنتناول في هذه الورقة بالتحليل سياق هذا الاعتذار، آخذين في الاعتبار المسائل التالية:

1- ثمة أزمة في العلاقات السعودية-الأميركية، وسياق هذه الأزمة يقف وراءه بعض من أهم الملفات الإقليمية وذلك يشكل ركنًا أساسيًا لرفض المملكة العربية السعودية شغل المقعد في مجلس الأمن.

2- بعد اعتماد الولايات المتحدة الأميركية للاستراتيجية الجديدة، والتي ندعوها هنا: «اقتسام المغنم والمغرم»، ارتفعت فرص تبني السعودية، لسياسة خارجية أكثر شراسة وهجومية بغرض الحفاظ على مصالحها، وهذا يرفع من احتمال المناورات والمواجهات العلنية.

3- تهدف هذه الخطوة غير المسبوقة برفض الانضمام لمجلس الأمن إلى أمرين رئيسين: أ- اختبار مساحة الخلاف الممكنة مع الولايات المتحدة الأميركية، والذي حتمًا سيتسع، مع قبول الطرفين له وتوافقهما على آلية لإدارته؛ وهذا قد يعني انكشاف هذه المساحة للعلن بشكل كبير. ب- لفت أنظار اللاعبين الدوليين الكبار، بما فيهم الولايات المتحدة الأميركية، إلى جدية احتمال قيام المملكة العربية السعودية بعقد تحالفات استراتيجية غير مرتبطة بالتحالف الاستراتيجي التاريخي مع أميركا.

صدر قرار الرفض في بيان لوزارة الخارجية،(1) وقد عدّد هذا البيان مآخذ السعودية على مجلس الأمن، التي من أهمها: عدم قدرة المجلس على اتخاذ القرار الذي يحسم النزاعات المهددة للسلم والاستقرار الدوليين، خصوصًا في منطقة الشرق الأوسط؛ وهذا على افتراض أن ازدواجية المعايير، من خلال استخدام بعض الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن لحق النقض «الفيتو» بهدف فرض وجودها، تعوق أداء المجلس لدوره في حفظ السلم والأمن العالميين. ولذلك فإن استخدام دول مثل روسيا والصين لهذا الحق بغرض إعاقة التدخل الدولي في سوريا يمثل نقطة إحباط. وقد قابلت بعض الصحف الأميركية هذا القرار بنقد مبالغ فيه، في نفس الوقت الذي تمّ الاحتفاء المبالغ فيه من قبل الصحف السعودية، وبعض الصحف العربية المقربة.

غير أن الرجوع لميثاق الأمم المتحدة الذي ينص في المادة 27 على الالتزام بـ «إجماع القوى العظمى [أي دائمة العضوية]»، وهو ما يُترجَم إلى «الفيتو»، واستعراض عمل السعودية مع مجلس الأمن وقبولها لهذا الحق "الفيتو"، لدى الدول دائمة العضوية (الولايات المتحدة الأميركية، بريطانيا، فرنسا، روسيا، الصين -التي أخذت موقع تايوان في عام 1971-)، يجعل من قرار رفض العضوية هذا غير مفهوم حسب المبررات التي سردها البيان. ولهذا تبرز الحاجة لتحليل معمق لهذا الموقف، والذي سيقودنا إلى نقاط لم يذكرها البيان.

فالسعودية، وهي عضو مؤسس للأمم المتحدة، وبصفتها لاعب أساسي ومحوري في المنطقة ودولي في غاية الأهمية، تدرك هذا جيداً. ويتفهم خبراء السياسة السعوديون هذا التوازن في النظام الدولي، بشكل دقيق. فلماذا إذاً تحتج السعودية اليوم بالذات على ماقبلت به منذ العام 1945، وعلى الإطار الدولي الذي نشطت فيه بشكل مدهش خلال العقود المنصرمة؟ ولماذا سعت بقوة للفوز بالمقعد طالما أنها ستتخلى عنه؟

هنالك تخمينات حول الأسباب التي دعت السعودية إلى هذا الرفض، منها أن القرار كان مفاجئًا للجميع. إلا أن هذه التخمينات لم تلتفت بالشكل الكافي إلى المؤشرات القوية، والتي صدرت من السعودية في أوقات سابقة. فامتناع وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل عن الحديث من على منبر الأمم المتحدة أثناء افتتاح الجلسة الافتتاحية للجمعية العمومية في سبتمبر الماضي، وعدم توزيع كلمة المملكة العربية السعودية السعودية على مندوبي الدول الأخرى، هو أحد أقوى المؤشرات على شيئ يتجاوز التخمينات السابقة. كما أن حديث أمراء بارزين، كالأمير بندر بن سلطان، رئيس الإستخبارات وأمين عام مجلس الأمن الوطني، عن إحباط السعودية المتزايد من عجز الدول الغربية، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأميركية، يشير إلى عدم دقة هذه التحليلات.

أزمة العلاقات السعودية-الأميركية

تكرس الدبلوماسية السعودية جهداً فائقاً في ثلاث مناطق عالية النشاط: تحييد التهديد، ثم توطيد الشرعية، وأخيرا السعي لتحقيق المصالح. هذا هو ما يمكن أن ندعوه «القائمة التقليدية». قد يجادل البعض في أن تحييد التهديد، مثلاً، هو في الواقع مصلحة. لكننا نؤكد أن هذا السرد ما هو إلا مسألة ترتيب المناطق الغنية بالتعاون بين مراكز القوى .

فبسبب تقاسم السلطة على نطاق واسع، يميل التعاون والتماسك إلى أن يكون أكثر وضوحًا في القضايا الأمنية، ما يؤدي إلى خلق بيئة تتمتع فيها السياسات الموجهة للأمن بانتباه دقيق من جميع الجهات تقريبًا. وهكذا، تصبح المسألة الأمنية على درجة عالية من الأهمية والفعالية. وبما أن تعزيز الشرعية هو أداة فعّالة لضمان الأمن، تأتي السياسات التي تركز على الشرعية في المرتبة الثانية. وهذا يمكن أن يفسر جزئيًا لماذا تميل السياسة الخارجية السعودية على مدى العقود الماضية  إلى «ردة الفعل» أكثر من الفعل. وبما أن هنالك تغيرات في بنية السلطة وطبيعتها، فإن هذه القائمة التقليدية مرشحة بقوة للتغيير، مما يؤدي إلى «نبرة» جديدة في الدبلوماسية السعودية .

وفي الوقت نفسه، فإن تكلفة إبقاء الوجود الأميركي في جميع أنحاء العالم أصبحت باهظة. وللحد من هذه التكلفة، تحتاج الولايات المتحدة الأميركية إلى نوع جديد من التعاون مع لاعبين أكفّاء، محليين أو دوليين، ليحل محل جزء من تواجدها. هذه الاستراتيجية الجديدة والتي نطلق عليها اسم «تقاسم المغنم والمغرم» تأتي على حساب حلفائها، مثل المملكة العربية السعودية فيما يتعلق بإيران، أو أوروبا فيما يتعلق بروسيا مثلًا.

يدفع هذان العنصران، التغيير في القائمة التقليدية والاستراتيجية الجديدة، كلا البلدين لإعادة تعريف دورهما في المنطقة. إن هذا هو السياق والإطار العام للأزمة في العلاقات بين السعودية وأميركا.

في حين أن كلاً من البلدين يعتبران الربيع العربي تهديدًا وفرصة في نفس الوقت، فإنهما يختلفان حول تعريف «التهديد» و «الفرصة». وبالتالي، تختلف سياستهما الخارجية فيما يتعلق ببلدان الربيع العربي، مثل مصر وسوريا. و يمكن قول الشيء نفسه فيما يتعلق بالجهات الفاعلة الأخرى في منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي، مثل إيران .

الملف المصري

في مصر، يشكل وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة إشكالية حقيقية للمملكة العربية السعودية. وعلى عكس الولايات المتحدة الأميركية التي لا ترغب في تكرار تجربة علاقتها بالإسلام السياسي مع مصر كما حدث في إيران عام 1979، فإن السعودية لا تنظر بعين الرضى إلى وصول الأحزاب الإسلامية إلى السلطة. إن أحد الأسباب الرئيسة لعدم الرضى هذا، هو أن الإخوان المسلمين جاؤوا بـ «الإسلام» من السجن إلى عرش السلطة. لقد صورت السعودية نفسها دائمًا على أنها تحكم وفقا للقانون الإسلامي (الشريعة)، وحسب مفهومها للشريعة، فإن الديمقراطية والحريات الشخصية لا تتوافق مع الدين. أما الآن فإن لديها منافس يحكم باسم الشريعة "الإخوان المسلمون"، ويبذل هذا المنافس محاولات جادة لتثبيت نظام سياسي ديمقراطي. وهذا ما يفسر جزئيا، التحول المفاجئ من التركيز في خطاب شرعية الحكم في السعودية على فكرة الإسلام بشكل عام إلى السلفية. هذه أزمة رمزية للسعودية ولايبدوا أن الولايات المتحدة الأميركية تولي اهتمامًا كافيًا بها.

إضافة إلى ذلك، فقد عملت المملكة العربية السعودية على نطاق واسع في العقود الثلاثة الماضية على بناء جبهة ضد إيران في المنطقة، وكانت مصر حجر الزاوية فيها. وتعتبر السعودية أن السياسة الخارجية للإخوان المسلمين تشكل تهديدياً وخطراً على هذه الجبهة، وذلك من خلال الانجراف بمصر بعيدًا عن السعودية من جهة، والتقارب مع إيران من جهة أخرى. ونتيجة لذلك، وفي تناقض حاد مع الولايات المتحدة الأميركية، تدعم المملكة العربية السعودية بشدة تدخل الجيش الذي أطاح بالرئيس المنتخب ديمقراطيًا في مصر "محمد مرسي".

الملف السوري

تنظر المملكة العربية السعودية إلى سوريا على أنها بوابة إيران إلى العالم العربي. هذا هو السبب الرئيس خلف محاولة المملكة العربية السعودية «استقطاب» سوريا وإبعادها عن إيران. وهذا ما حاولت فعله الدول الغربية أيضًا، دون أن تسفر تلك المحاولات عن أي نجاح. ولكن عندما نزل الشعب السوري إلى الشارع، عاد أمل السعودية في فصل سوريا عن إيران.

وبالرغم من دعم السعودية للثورة في سوريا وحماسها لها، إلا أن الولايات المتحدة الأميركية يبدو أنها غير راغبة في تقديم ما يكفي من المعلومات الاستخباراتية والدعم العسكري للثوار. غياب مثل هذا الدعم، من وحهة نظر السعودية، يطيل الحرب في سوريا ويطيل عمر النظام السوري، وكذلك يجعل المتمردين أكثر عرضة للتطرف. أيضا، فقد عقد السعوديون آمالًا كبيرة على توجيه ضربة عسكرية أميركية، في أعقاب استخدام نظام الرئيس بشار الأسد الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين، لوضع حد لعهد هذا النظام، إلا أن تراجع الولايات المتحدة الأميركية عن توجيه هذه الضربة شكّل إحباطا لدى الحكوكة السعودية.

أزمة ثقة

هناك تغيير في القائمة التقليدية السعودية (مما يعكس تغييراً أعمق يمس بنية السلطة وطبيعتها). بالإضافة إلى ذلك، فقد برزت استراتيجية أميركية جديدة، هي تقاسم المغنم والمغرم. في هذا السياق، وإلى جانب إحباط السعودية من سياسة الولايات المتحدة الأميركية المتعلقة بالملفات الإقليمية الهامة، يبدو أن هناك أزمة ثقة بين الطرفين. وهذا ما استدعى المملكة العربية السعودية لإعادة النظر بجدية في قدرتها على الثقة في الولايات المتحدة الأميركية والاعتماد عليها.

ففي نفس الوقت الذي تحاذر الولايات المتحدة الأميركية من توسع حلف شمال الأطلسي شرقا، خشية أن يزعج ذلك روسيا، تقوم بتقديم الضمانات البديلة لحلفائها في أوروبا، مثل نشر صواريخ باتريوت. لكنها وعلى الرغم من اقترابها من إيران، فإنها لا تقدم أي ضمانات بديلة إلى المملكة العربية السعودية. فالضمانات تبدأ وتنتهي، حسب وجهة النظر السعودية، مع شيء واحد: الجبهة المناهضة لإيران. وعدم تعاون الولايات المتحدة الأميركية مع السعودية في ملفي سوريا ومصر من شأنه أن يؤثر في هذه الجبهة سلبًا إلى حد كبير، حسب وجهة نظر السعودية.

 

الاستراتيجية الأميركية الجديدة في اقتسام المغنم والمغرم

 بما أن تكلفة الإبقاء على حضور أميركا العالمي باهظة، خصوصًا في ظل أزمة اقتصادية طاحنة، فقد اعتمدت أميركا استراتيجية "اقتسام المغنم والمغرم". يعكس ذلك الانسحاب من العراق، وإعادة الانتشار في آسيا وأوروبا. وسيكون الاقتسام مع الأقوى والأقدر على التفاهم حول المصالح الأميركية. وهذا يعني أن تصبح أميركا طرفًا في إخضاع المنطقة، بما فيها السعودية، لنفوذ لاعب ما، كإيران مثلاً، بغرض الحفاظ على مصالحها. والسعودية تدرك هذا جيدًا. هذا العامل، مقرونًا بالتغير في بنية السلطة السعودية داخليًا، سيدفع السعودية، إلى تبني سياسة أكثر شراسة بغرض الدفاع عن مصالحها. يأتي هذا في إطار التقارب الأميركي-الإيراني، وإصرار الولايات المتحدة الأميركية على التفاهم مع إيران وروسيا وأوروبا، بهدف الحفاظ على مصالحها.

وبما أن هذه الاستراتيجية الأميركية أتت في لحظة يمر فيها العالم العربي بأزمات عميقة، بدءًا من تداعيات الربيع العربي، وانتهاءً بضعف نظام العمل المشترك، فإن تخلي الولايات المتحدة الأميركية عن حلفائها الوثيقين، كنظام مبارك، يُعد عنصرًا غير باعث على الثقة؛ فلم يعد بمقدور الدول الحليفة للولايات المتحدة الأميركية الاعتماد عليها، وهذا ينسحب على السعودية أيضًا. وتردد في بعض التقارير رفض الولايات المتحدة الأميركية نشر قطع عسكرية بغرض المساعدة على حفظ المصالح السعودية الحيوية في الخليج العربي؛ مما يزيد من اهتزاز الثقة في التحالف مع أميركا. هذا الاهتزاز في الثقة يستدعي البحث عن بدائل؛ مما يعني احتمال الاصطدام مع نفوذ أميركا.

فالسعودية التي تحالفت مع الولايات المتحدة الأميركية في العام 1945 بغرض موازنة نفوذ أوروبا ذات الإرث الاستعماري، ها هي تعود الآن للبحث عن طريقة توازن بها نفوذ الولايات المتحدة الأميركية، في معرض بحثها عن بدائل. (2) من هنا، تبرز الحاجة إلى مزيد من المبادرة والابتداء بالفعل الدبلوماسي لدى السعودية، مدعومة بتغيير داخلي يساعد على هذا التوجه. بهذا يمكننا فهم خروج العلاقات السعودية-الأميركية عن إرثها التقليدي، والذي يشكّل العمل خلف الكواليس أحد أبرز عناصره.

وبما أن أمر الفيتو ليس مشكلاً جديدًا بحد ذاته، ولكون أميركا قد تبنّت استراتيجية اقتسام المغنم والمغرم؛ فإنه يصبح من المنطقي تفسير رفض السعودية لمقعد مجلس الأمن على أنه ليس موجهًا لمجلس الأمن بقدر ما هو موجه لفراغ التحالفات الاستراتيجية الأمنية التي بدأت تشعر السعودية بعلامات قدومه المبكرة. وعليه، يمكن أن يتبادر إلى الذهن اهتزاز التحالف الاستراتيجي بين السعودية وأميركا، لكون الأخيرة هي من يملأ هذا الفراغ منذ اتفاقية النفط مقابل الأمن عام 1945. (3)

لكن السعودية لا تملك بدائل أمنية جاهزة؛ ولذلك يصبح من مصلحتها إيجاد صيغة توافقية مع الولايات المتحدة الأميركية على المدى القصير والمتوسط. وبما أن للسعودية مكانة إقليمية ودولية ونفوذ واسع، فإن للولايات المتحدة الأميريكية مصلحة أصيلة في المساعدة على إيجاد مثل هذه الصيغة.

لقد قامت الاستراتيجية الأميركية الجديدة "اقتسام المغنم والمغرم"، بجعل كلفة العمل الدبلوماسي باهظة بالنسبة للسعودية. ولا يبدو أن أميركا تفهم هذا، أو تكترث له. وحال البيت الأبيض هنا يشبه حال ماري أنطوانيت عندنا أطلقت مقولتها الشهيرة: "فليأكلو الكعكة إن لم يجدوا الخبز!"؛ فبعد ارتفاع كلفة العمل الدبلوماسي السعودي، تتوقع أميركا من حليفتها تفهم مواقفها الجديدة، دون أن تسعى السعودية للحفاظ على مصالحها (والذي قد يعني اتساع التوتر بينهما). ولا يبدو أن الولايات المتحدة الأميركية تريد تحمل نصيبها من المسؤولية عن التوتر الحاصل في العلاقات بين البلدين.

أهداف الرفض السعودي لشغل مقعدها في مجلس الأمن

يهدف رفض إنضمام المملكة العربية السعودية إلى مجلس الأمن، في هذه الخطوة غير المسبوقة، إلى أمرين رئيسين:

أ- اختبار مساحة الخلاف الممكنة مع الولايات المتحدة الأميركية

رفضت المملكة العربية السعودية شغل مقعدها في مجلس الأمن، بغرض إرسال رسالة حازمة للولايات المتحدة الأميركية، بشكل خاص، مفادها أن أحداث الأعوام القلائل الماضية هزت الثقة في قدرة السعودية على الاعتماد على حليفتها الاستراتيجية. ومع إدراك الطرفين لحتمية استمرار التعاون بينهما، ووجوب تفادي مواجهة قد تؤثر على العلاقات الاستراتيجية القائمة بينهما بشكل يصعب التراجع عنه، فإن فحوى الرسالة يدور حول تعريف مساحة الخلاف وآلية إدارته. لقد حان الوقت لأن تنتقل هذه العلاقة إلى مستوى جديد؛ ولذلك فإنه من المنطقي القول بحتمية اتساع الخلاف، مع قبول الطرفين له وتوافقهما على آلية لإدارته. وذلك ما يقودنا إلى القول بأن تراجع السعودية عن الرفض ممكن، وهذا قد يعني انكشاف هذه المساحة للعلن بشكل كبير؛ مما سيترتب عليه أن السعودية التي قد تتحرج من مواجهة حليفتها الكبرى في مجلس الأمن، حول المسائل الخلافية، في حال قبولها لمقعد مجلس الأمن الدولي، سيزول عنها هذا الحرج.

بمعنى آخر، فإن زوال الحرج مرتبط بالتوافق حول مساحة الاختلاف؛ مما يبقي احتمال تراجع السعودية عن رفضها ممكنًا؛ وفي حال قبول السعودية لشغل المقعد في مجلس الأمن، مع استمرار الخلافات حول كيفية التعامل مع سوريا والتقارب الأميركي-الإيراني والضغوط الأميركية على المرحلة الانتقالية في مصر بقيادة الجيش، فإن ذلك سيؤدي إلى مواجهات علنية بشكل حتمي. وهذا سيسبب حرجًا كبيرًا للبلدين، وسيؤثر بشكل عميق على العلاقة الاستراتيجية التي تربط بينهما، إلا في حالة التوافق على مساحة خلافية أكبر وآلية واضحة لإدارة الخلاف. وهذا ما ستتركز عليه نتائج زيارة وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، للرياض.

يأتي ذلك في ظل تفهم بعض الدول الكبرى، كفرنسا مثلاً، للإحباط السعودي؛ فقد صرح مندوب فرنسا الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير جيرار أرو باعتقاد بلاده بأن السعودية تستطيع المساهمة بشكل إيجابي في مجلس الأمن، لكنها تتفهم الإحباط الذي أدى بالسعودية إلى رفض شغل المقعد في مجلس الأمن. جاء ذلك بعكس الموقف الروسي الذي اعتبر هذا الرفض «غريبًا». إن من شأن هذه الأزمة أن تضع مصداقية مجلس الأمن، ومن ورائه مؤسسات الأمم المتحدة الأخرى، على المحك؛ فبالإضافة لكونها تاريخية، حيث يتم رفض شغل مقعد في مجلس الأمن للمرة الأولى، فإن هذا الرفض يعبّر عن موقف دول كثيرة شعرت -ولا تزال تشعر- بالإحباط من عدم قدرة المنظمة الدولية على أداء مهمتها الرئيسية في الحفاظ على السلم والأمن العالميين. ومن المرجح بشكل كبير أن يزيد ذلك من وتيرة الجدل الدائر حول أهمية إصلاح مجلس الأمن، والمستمر منذ العام 1965. (4)

ب- لفت أنظار اللاعبين الدوليين الكبار، بما فيهم الولايات المتحدة الأميركية، إلى جدية احتمال قيام المملكة العربية السعودية بعقد تحالفات استراتيجية غير مرتبطة بالتحالف الاستراتيجي التاريخي مع أميركا.
 
إن رفض شغل السعودية المقعد في مجلس الأمن يعكس أزمة ثقة وحاجة ماسّة لآلية إدارة الخلاف بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية. هذا مع ارتفاع فرص توسيع التحالفات الاستراتيجية بين السعودية ودول أخرى، غير الولايات المتحدة الأميركية. ومن شأن ذلك أن يحفز هذه الأخيرة على تسهيل عملية التوافق حول المسائل الخلافية، وتفهم حاجات السعودية الأمنية ودفاعها عن مصالحها الحيوية. وفي نفس الوقت، فإن هذا الرفض، المرافق بمحاولات جدية لتوسيع التحالفات،(5) سيرسل بإشارة جدية للدول الكبرى والتي يمكنها ملء الفراغ الناتج عن السياسة الأميركية، مفادها جاهزية السعودية لمثل هذه التحالفات.

الخاتمة

هنالك تغيرات في بنية السلطة داخل السعودية، ما يؤدي إلى انعاكسها على سياستها الخارجية، من حيث أن التزام موقع ردة الفعل الذي عُرفت به السعودية لم يعد كافيًا. وعلى العكس من ذلك، فقد بدأت السعودية في تبني الفعل الدبلوماسي، في مقابل ردة الفعل، ومن ذلك عدم توافقها مع أميركا حول ملفات المنطقة، بالإضافة لرفضها شغل مقعد في مجلس الأمن. بعد اعتماد الولايات المتحدة الأميركية للاستراتيجية الجديدة، والتي ندعوها: «اقتسام المغنم والمغرم»، ارتفعت فرص تبني السعودية، مثل دول كثيرة غيرها، لسياسة خارجية أكثر شراسة وهجومية بغرض الحفاظ على مصالحها، وهذا يرفع من احتمال المناورات والمواجهات العلنية. وتهدف هذه الخطوة غير المسبوقة برفض السعودية الانضمام لمجلس الأمن إلى أمرين رئيسين: أ- اختبار مساحة الخلاف الممكنة مع الولايات المتحدة الأميركية، والتي حتمًا ستتسع، مع قبول الطرفين لها وتوافقهما على آلية لإدارتها. وهذا قد يعني انكشاف هذه المساحة للعلن بشكل كبير؛ مما يبقي الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام السعودية للتراجع عن رفضها شغل مقعد مجلس الأمن. ب- لفت أنظار اللاعبين الدوليين الكبار، بما فيهم الولايات المتحدة الأميركية، إلى جدية احتمال قيام المملكة العربية السعودية بعقد تحالفات استراتيجية غير مرتبطة بالتحالف الاستراتيجي التاريخي مع أميركا.
________________________________________________
*منصور المرزوقي البقمي، باحث متخصص في الشأن الخليجي.

المراجع

1- صدر البيان في 18 أكتوبر/ تشرين الأول 2013.
2- منصور المرزوقي البقمي «العلاقات السعودية الفرنسية في شرق أوسط متغير»، الدوحة، مركز الجزيرة للدراسات، 1 أغسطس/ آب 2013. http://studies.aljazeera.net/reports/2013/07/20137318323717777.htm  
3- Robert VITALIS، America’s Kingdom: Mythmaking on the Saudi oil frontier (Stanford University Press, 2007), second chapter.
4-E. Wirkola. 'Reform of the UN Security Council and Veto Player Theory', in Department of Political Science (2010), pp. 80.
5-منصور المرزوقي البقمي، العلاقات السعودية الفرنسية ، مصدر سابق.