ليبيا: إعلان الفيدرالية في برقة.. الخلفيات والتداعيات

أحدث إعلان الفيدرالية بمنطقة برقة في ليبيا تأثيرات داخلية حيث تجنح مناطق أخرى إلى نفس المسار، وأخرى خارجية لوقوع المنطقة بمحاذاة دول تعيش أوضاعًا معقدة سياسيًا وأمنيًا. ولم تتمكن المؤسسات الانتقالية، من مواجهة هذا التحدي، لاعتقادها بضعف القاعدة الشعبية لدعاة الفيدرالية، أو لنيتها حسم المسألة في الانتخابات الدستورية.
20131221172749734_20.jpg
ليبيا: إعلان الفيدرالية في برقة.. الخلفيات والتداعيات

ملخص
تمر ليبيا بمرحلة انتقالية صعبة، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا. وإذا كان قيام دولة مترابطة يحتاج تكوينًا جغرافيًا يتيح تواصلاً بين الأفراد ويربطهم بمفهوم الوطن وتتوفر به مصادر الحياة الأساسية. فإن ليبيا تفتقر إلى هذه الأسس على نحو مريح؛ حيث اصطبغت العلاقات بين الأفراد والسلطة بالجهوية والقبلية. ويقتضي تحليل خلفيات إعلان الفيدرالية في منطقة برقة النظر إليه من زوايا جغرافية وتاريخية واجتماعية واقتصادية؛ حيث يظهر من متابعة المطالبة بالنظام الفيدرالي أن الشعور بالتهميش ظاهرة متنامية لدى سكان هذا الإقليم، أفرزته حالة التحول وما حملته من مشكلات. ولهذا الإعلان تأثير داخلي يتمثل في جنوح بعض المناطق إلى نفس المسار. فقد أظهرت بعض المناطق الجنوبية رغبتها في إنشاء ولاية أسوة بما حدث في برقة. إضافة إلى تلميحات في أقصى المناطق الغربية لتقديم نفس المطالب. وتظهر التأثيرات الخارجية للتوجه الفيدرالي من خلال العلاقة مع الدول المحيطة بالجزء الشرقي في ليبيا، مثل مصر والسودان وتشاد، وهي دول ذات كثافة سكانية عالية، وتواجه مشاكل اقتصادية وأمنية، تشكّل خطرًا على سكان المنطقة الشرقية في ليبيا.

وقد أظهرت المؤسسات الحاكمة الانتقالية، عجزًا عن مواجهة التحدي المتعلق بقضية برقة، ربما لاعتقادها بضعف القاعدة الشعبية لدعاة الفيدرالية، أو لنيتها حسم هذا الأمر في الانتخابات الدستورية.

تمر ليبيا بعد ثورة 17 فبراير/شباط 2011، بمرحلة انتقالية صعبة، وإذا كان برنامج الأمم المتحدة للتنمية يشير إلى بروز الفساد في مراحل ما بعد الصراع، وأن عملية إعاد البناء تتسم في تلك المراحل بإدخال حجم ضخم من الموارد في بيئة ذات أطر قانونية ومؤسساتية ضعيفة؛(1) فإن ليبيا تشهد تجاذبات اجتماعية وسياسية، وإهدارًا لثروتها الطبيعية ودخلها القومي.

وقد ساهمت عوامل عدة في حالة الاضطراب التي تعيشها ليبيا، منها ما يتعلق بطبيعة الثورة، والثقافة التي زرعها النظام السابق، والنخبة والعبء التاريخي.

بين السياق التاريخي والبيئة السياسية

لقد مكّنت الثورة الشعب من السلاح بأنواعه المختلفة؛ ليتحول بعد ذلك إلى عبء ثقيل على أمن السكان والدولة، وسببًا رئيسًا لغياب حكم القانون والحكومة الفاعلة، والاستقرار السياسي والاجتماعي. لقد خلق انتشار السلاح مناخًا مناسبًا لقيام دروع مسلحة من عدة جماعات، باتت تلعب أدوارًا متباينة في المرحلة الانتقالية. وهناك عامل مهم يساعد في تفسير تحولات المرحلة الانتقالية، ويتعلق بالثقافة التي زرعها النظام السابق؛ فإذا أدركنا أن أكثر من 60% من الليبيين هم من فئة الشباب؛ فهذا يعني أنهم لم يروا في دولتهم إلا نموذج حكم بعيد عن العدالة وحقوق الإنسان، وحين غابت الدولة تفاقم هذا السلوك، وطبع الحياة بروح عدم الانتماء والتشويش في مفهوم الوطنية. وقد احتلت ليبيا في العهد السابق أعلى مراتب الفساد على مستوى العالم ككل،(2) وليس مستغربًا أن يستنسخ الليبيون أنماطًا سلوكية كانت من الأسباب التي دعتهم للثورة.

يفتقر الليبيون في هذه المرحلة الانتقالية إلى نخب سياسية؛ حيث أنتجت سياسات العهد السابق انعدامًا في إدراك معنى الممارسة الديمقراطية والدستور والأحزاب والمجتمع المدني. وقد كان أداء المجلس الوطني الانتقالي متواضعًا إلى أبعد الحدود. واتضح ذلك في ما أصدره من إعلانات وقرارات ومواقف؛ فقد أحدث الإعلان الدستوري المؤقت جدلاً واسعًا، وأضحت خارطة الطريق التي وضعها لبناء مؤسسات الدولة أكثر غموضًا، واتخذ سير عضوية المجلس شكلاً ارتجاليًا متأثرًا بالجهوية والقبلية، بحجة التلاحم الوطني؛ حيث تم تهميش أعضائه الأصليين من الثوار، وكان قبول العضوية بعد مراحل الحسم الأولى على حساب أهداف الثورة والوطنية.

وإذا كان الليبيون قد نجحوا في إجراء انتخابات المؤتمر الوطني؛ فإن حداثة التجربة جعلتهم يقدمون على انتخاب مرشحين لا يعرفون هويتهم السياسية بشكل واضح في كثير من الأحيان؛ حيث صار المؤتمر حلبة لصراعات حزبية تعوق مسار العملية الدستورية؛ فمنذ استلام أعضاء المؤتمر الوطني العام مهامهم بدأ أعضاء ممن ترشحوا كأفراد في الإفصاح عن هويتهم الخفية التي لم يعلنوها أثناء حملاتهم الانتخابية،(3) وأصبح المؤتمر يعاني صراعًا بين مكوناته التي لم تتمكن من تحقيق التوافق، بشكل جعله هدفًا للانتقاد والمطالبة بحله.(4)

ويحيل سياق تحليل قضية منطقة برقة إلى ما أسماه أحد العلماء الليبيين بـ"العبء التاريخي" الذي يعكس مسيرة ليبيا من استعمار استيطاني إلى دولة مستقلة تستفيد من تراثها التاريخي والثقافي(5) في تحليل مشكلة الصراعات الحالية؛ حيث يمكن استخدام مفهوم "العبء التاريخي" على نحو يرتبط بما يمكن أن نطلق عليه "الحمل الجيوديمغرافي" لاستناده إلى أسس جيوبوليتيكية، وديمغرافية واجتماعية وتاريخية. حيث يحتاج قيام دولة مترابطة تكوينًا جغرافيًا يسمح بتقارب التجمعات السكانية، ويتيح تواصلاً بين الأفراد، وتتوفر به مصادر الحياة الأساسية؛ مما يربط الفرد بمفهوم الوطن.

إن ليبيا تفتقر إلى تلك الأسس على نحو مريح؛ حيث اصطبغت العلاقات بين الأفراد والسلطة بروح الجهوية والقبلية؛ حيث وصفها أحد الأكاديميين "بأنها تقوم على تناثر القبائل في عدد من الجزر القبلية الصغيرة؛ حيث يعكس التعدد القبلي ضبابية تجعل تمييزها صعبًا. إن كلاً من النظام الملكي ونظام القذافي اعتمدا على تحالف قبلي لإدارة السلطة، وكان لذلك دور في إثارة الحساسيات القبلية والجهوية".(6)

إن الصراعات القديمة تظهر بقوة حين الأزمات، وهو ما يحدث في ليبيا؛ حيث تبرز قوى  مسلحة تجعل من الحكومة كيانًا غير فاعل، لتنتهك مؤسسات الدولة؛ مما يؤثر في ممارسة العدالة الانتقالية والمصالحة، ويولّد نزعات انفصالية.

سياق وخلفيات إعلان الفيدرالية في برقة

تعد المطالبة بالنظام الفيدرالي في ليبيا، إحدى القضايا الحساسة في المرحلة الانتقالية. وتحليل خلفيات هذا الإعلان يقتضي النظر إليه من زوايا جغرافية وتاريخية واجتماعية واقتصادية. وكما أشرنا لمفهوم "الجيوديموغرافي"، فإن لإقليم برقة ملامح جغرافية تفصله عن طرابلس لوجود صحراء سرت من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد سيطرت داخل برقة تحالفات قبلية مثل طرابلس وفزان".(7) وكان لظهور الحركة السنوسية دور في اكتساء إقليم برقة بمظهر الكيان السياسي؛ حيث أشار الباحث علي حميدة إلى أنه ظهر وسط البيئتين الجغرافية والاقتصادية الجانب الجهوي الذي يرسم الحياة السياسية والاجتماعية في ليبيا؛ فمساحة البلاد وانفصالها بسبب وجود صحراء كبرى، ساعد على نشوء سمات جهوية خاصة، وربما هذا ما دعا أحد الأكاديميين إلى القول بـ"استقلال برقة الذاتي عن طرابلس إلى ما بعد عام 1835؛ حين بسطت الأيالة العثمانية سيطرتها على الريف الطرابلسي وفزان.

لقد تعزز استقلال برقة بفعل التحالف القبلي القوي، ونهوض الحركة السنوسية دينية الطابع خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. كما حوّل تضافر العوامل التجارية والاجتماعية والدينية، وتبلور التنظيم القبلي، برقة إلى دولة عمليًا".(8) ويؤكد حميدة أن برقة بقيت بعيدة عن الإدارة المركزية العثمانية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر لظهور الحركة السنوسية وإبقائها إدارة منافسة في برقة، نافست الدولة العثمانية وحصرتها في المدن الصغيرة كبنغازي والمرج ودرنة".(9) وفي وصفه لهذه الإدارة أضاف: إن "الوضع الإداري لبرقة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر اتسم بعدم الاستقرار. وكانت برقة بين عامي 1836 و1863 قائمقامية تابعة لمركز الولاية في طرابلس ومركز القائمقامية في بنغازي، ولكن في عام 1863 أصبحت متصرفية مستقلة تابعة لمركز الإمبراطورية مباشرة في إسطنبول، بل أصبحت ولاية مستقلة بين عامي 1872 و1888، ولكن في عام 1888 وحتى عام 1911 عادت إلى الوضع القديم كمتصرفية تابعة لمركز الولاية في طرابلس".(10)

وكانت برقة وقت المباحثات الخاصة بالاستقلال كيانًا لا يمانع في قيام دولة متحدة، وتبين قراءة وثائق اجتماعات لجنة الستين أن المجتمعين اتفقوا على معظم القضايا الدستورية باستثناء مقر عاصمة الدولة وصلاحية الملك السنوسي في عقد اتفاقيات دولية. هذه الحقيقة تبين أن ثمة حساسيات ومخاوف ظهرت بين الإقليمين، لكنها لم تصل حد القطيعة.(11)

لقد سارت البلاد في السنوات الأولى بعد الاستقلال سيرًا حسنًا قياسًا بمفهوم الدولة الحديثة التي كانت تبحث عن كسب رهان قيام دولة كان معظم المجتمع الدولي يعتقد أنها سوف لن تستمر، رغم الفقر وقلة الموارد؛ حيث كانت ليبيا من أفقر دول العالم.(12) وقد ظهر في هذا السياق النظام الفيدرالي -الذي تأسس عبر دستور 1951- مناسبًا لدولة حديثة النشأة ذات تكوين جغرافي صعب.

وباكتشاف النفط حدثت تغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية؛ إذ تحولت الدولة من النظام الفيدرالي إلى نظام الدولة الموحدة البسيطة عام 1963، وتحسن الدخل القومي وتغيرت مظاهر الحياة الاجتماعية نحو مجتمع يرنو للمدنية، خاصة بعد ما بُنيت الجامعة الليبية والمدن الرياضية ومساهمتها في تقريب سكان المناطق وزيادة إحساسهم بالانتماء لكيان واحد.

ولكن لم تسر البلاد بنفس الوتيرة التي بدأتها في السنوات الأولى بعد الاستقلال؛ حيث عطّل حكم القذافي حركة النمو، وكانت المنطقة الشرقية أو منطقة برقة غير متوافقة مع نظام القذافي، إلى درجة محاولة تغيير بنيتها الديمغرافية. ولو تم استخدام الأسلوب الإحصائي لتبين أن أكثر ضحايا النظام السابق كانوا من المنطقة الشرقية، ولعل مجزرة سجن أبو سليم التي أُعدم فيها 1200 شخص، مثال لمعاناة المناطق الشرقية سابقًا.(13)

وإذا كان المشهد الثوري ووقوف ثوار المنطقة مع نظرائهم في طرابلس والزاوية ومصراتة عكس تلاحمًا وطنيًا؛ فإنه يثير تساؤلاً حول خلفيات النزعات المطالبة بالفيدرالية أو الحكم الذاتي ليس في المنطقة الشرقية وحدها، بل في مناطق أخرى.

أسباب الدعوة للفيدرالية في منطقة برقة

يمكن أن نعزو أسباب الدعوة للفيدرالية للتالي:

  1. استعجال المجلس الوطني الانتقالي بالتحول من مدينة بنغازي مهد الثورة إلى طرابلس بعد تحريرها. وقد أدت هذه الخطوة التي تدل على ضعف في التقدير إلى إنهاء الحالة الثورية التي كانت عليها البلاد، والعودة إلى نمط بيروقراطي، ثم بداية ظهور فساد إداري ومالي، والعجز عن إيجاد الحلول لمشكلات المرحلة الانتقالية.
  2. أعادت الحالة السابقة وضع التهميش القديم لمنطقة برقة، وبدأ الناس تدريجيًا يشعرون بالإحباط، وتتلاشى آمالهم في تحقيق أهداف الثورة التي ضحّوا لأجلها. ويعبّر عن ذلك نشطاء سياسيون وحقوقيون، في مناسبات شعبية ووطنية ولقاءات إعلامية؛ ففي كلمة المرأة في المؤتمر الذي تم فيه إعلان برقة، تساءلت إحدى الأكاديميات: "هل كُتب على برقة أن تدفع الثمن: ثمن الاستعمار وثمن الديكتاتور، وثمن المرحلة الانتقالية بمساوئها وأخطائها وضعفها الواضح للجميع؟".(14)
  3. لم يبادر كل من المؤتمر الوطني العام والحكومة، بخطوات تعالج قضية التهميش، ما عدا البيانات الإعلامية الصادرة أحيانًا، والتي لم تُنفَّذ مضامينها. وحتى في الحالات التي تشهد فيها مدينة بنغازي مشكلات أمنية عديدة ومتكررة، لم يأت رئيس مجلس الوزراء إليها ويتفقد أمورها رغم أنه أجرى زيارة واحدة قصيرة لها يوم 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2013. وفي هذا السياق، يشير تقرير الأمين العام عن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إلى أن الممثل الخاص للهيئة الدولية زار بنغازي في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2012 واجتمع بأعضاء المجلس المحلي وممثلي المجتمع المدني والأحزاب السياسية، الذين أكدوا ضرورة أن تتخذ الحكومة خطوات شاملة للتصدي لحالة التدهور الأمني المتنامية في شرق ليبيا، ومعالجة شعور السكان في تلك المنطقة بالتهميش الشديد، ودعوا لنزع صبغة المركزية عن الخدمات الحكومية وانتخاب هيئة تأسيسية لصياغة الدستور، تأخذ في الاعتبار تطلعات سكان شرق ليبيا.(15)
  4. تزامن كل ذلك مع حالات إهدار للمال العام عن طريق صرف مرتبات ومكافآت مجزية للمدعين بأنهم شاركوا في القتال بعد انتهائه، وعن طريق ما يقدم لفئات من المجتمع عوضًا عن إيجاد حلول جذرية وسياسات عامة، تجعل المواطن في وضع آمن على صعيد العمل والمعيشة. 

ويظهر من متابعة المطالبة بالنظام الفيدرالي أن قضية الشعور بالتهميش ظاهرة متنامية لدى سكان هذا الإقليم، وكذلك بعض الأقاليم الليبية الأخرى، أفرزتها حالة التحول وما حملته من مشكلات. صحيح أنها لا تكتسب صفة الإجماع، لكنها تبقى ظاهرة تتنامى بالقدر الذي لا تكترث به الحكومة بالمعاناة الأمنية والخدمات الحكومية لسكان المنطقة الشرقية.

لقد سبق أن أُعلن إقليم برقة كيانًا فيدراليًا مرتين بقيادة أحمد الزبير السنوسي، غير أن الأمر لم يتعد ذلك، وهذا ما يؤكد أن الدعوة للفيدرالية جاءت كرد فعل على أداء الحكومة أكثر من أن تكون توجهًا عميقًا لدى سكان الإقليم؛ فسوء أحوال البلاد وزيادة حدة المركزية دفع إلى الإعلان عن إنشاء مكتب سياسي يستند إلى دستور عام 1951، كما تم تشكيل جيش ومكتب تنفيذي (حكومة) لإدارة الإقليم مكون من 24 حقيبة، وتم تقسيم الإقليم إلى أربع محافظات، هي: طبرق وبنغازي والجبل الأخضر وأجدابيا.(16) لكن هذه الكيانات لم تفصح حتى الآن عن وجود فعلي حقيقي.

وفي تطور آخر، تمت السيطرة على منشآت تنتج حوالي 60% من الثروة النفطية في ليبيا، وأُعلن بشكل منفرد يوم 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2013 عن إنشاء المؤسسة الليبية للنفط والغاز، تتولى بيع النفط المستخرج من المنطقة الشرقية. وقد صرح مسؤول ليبي نفس اليوم بأن جميع موانئ النفط مقفولة ما عدا ميناء البريقة.

ولا ينبغي تفسير هذه الخطوات على أنها رغبة في الانفصال؛ فهي نوع من التحدي للسلطة الحاكمة لكي تنتهج الأسلوب اللامركزي، وتمنح استقلالاً إداريًا وماليًا للأقاليم، وتفعّل ديوان المحاسبة في الدولة لضمان عدم ضياع أموال الشعب الليبي.

ويُستبعد وجود أجندات إقليمية منظمة تقف وراء الدعوة إلى الفيدرالية، ولكن هناك شعور جماعي بالتهميش يدفع بعض سكان الإقليم إلى التعبير عنه علانية عبر الممارسات التي ذكرنا سلفًا، فيما يظل الكثير من السكان في حالة خوف وترقب وانتظار لما ستسفر عنه التفاعلات الجارية حاليًا بشأن صياغة دستور الدولة، وما سيتم تحديده بشأن قضية المركزية واللامركزية. ويُستبعد وجود قوى متصارعة حول استقلالية إقليم برقة داخليًا، رغم ما يظهر من مواقف مختلفة حولها، تُظهرها القبائل البرقاوية الرئيسة، وتُبرَّر بحسابات الخسارة والربح في حالة تحقق النظام الفيدرالي. بالمقابل، يلاحَظ على المستوى الوطني رفض سكان المنطقة الغربية فكرة الفيدرالية، واعتبارها فكرة انفصالية.

التأثيرات المحتملة داخليًا وإقليميًا

ما يحدث في إقليم برقة من تفاعلات تتأرجح بين المناداة بتطبيق النموذج الفيدرالي، أي العودة إلى ما كانت عليه حال البلاد في الفترة ما قبل عام 1963، وإحداث حكم ذاتي، له تأثيرات داخلية وإقليمية نوجزها في النقاط التالية:

أولاً: التأثيرات الداخلية
يمكننا تناول تأثيرات ظاهرة مناداة البعض بالنموذج الفيدرالي أو استقلال إقليم برقة من خلال النظر إلى إدراك المواطنين الليبيين لمفهوم الفيدرالية، والنتائج التي يمكن أن يفضي إليها الاتجاه إلى ذلك المفهوم، وذلك بالنظر لاتجاهات الأفراد الملموسة في الشارع الليبي.

فالبنسبة لإدراك المواطنين الليبيين لمفهوم الفيدرالية يمكننا الاستناد إلى نتائج المسح الشامل حول الدستور الذي أجراه مركز البحوث والاستشارات بجامعة بنغازي؛ حيث أوضحت النتائج، على سبيل المثال، في سؤال عن شكل توزيع الاختصاصات بين السلطة المركزية والسلطات المحلية، الذي يفضله الليبيون أن 57% منهم يفضلون الدولة اللامركزية، و31% يفضلون الدولة المركزية، بينما 8% فقط يفضلون أن تكون الدولة فيدرالية.(17) كما بيّن المسح أيضًا أن 15% فقط يفضلون النظام الفيدرالي من سكان برقة. لكننا لا نستطيع أن نستند على هذه النسب لإعطاء أحكام صحيحة، رغم علمية ودقة الاستبيان، وذلك بسبب الإجابات المتناقضة التي قدمها الليبيون لأسئلة لها علاقة بالنظام الفيدرالي، مثل إجابتهم عن سؤال يتعلق بمدى تفضيلهم أن تكون للسلطات المحلية صلاحيات تشريعية واسعة أو محدودة؛ حيث تبين أن 15% فقط من سكان المنطقة الشرقية يفضلون عدم إعطاء السلطات المحلية صلاحيات تشريعية واسعة.(18) يوضح هذا الأمر قصورًا في فهم معني الفيدرالية وأبعادها القانونية والسياسية، وهو انعكاس لحالة التغييب الثقافي والإدراكي التي أرساها النظام السابق. وتشير تلك الإجابات إلى أن بروز ظاهرة المناداة بالفيدرالية ظهر بسبب تخوف الناس من إعادة استنساخ النظام الحالي للسياسات التي كان يتبعها النظام السابق.

وإذا ما أُخذ في الاعتبار عدم التوافق الجماعي على مسألة الفيدرالية وانتشار السلاح والحسابات المختلفة للقبائل، فإن قيام نزاعات مسلحة أمر محتمل إذا استمر الليبيون غير قادرين على حسم قضاياهم الخلافية عن طريق دستور يحظى بالقبول.

وهنالك تأثير داخلي آخر أحدثه التوجه الفيدرالي في منطقة برقة يتمثل في جنوح بعض المناطق والأقاليم إلى نفس المسار؛ فقد أظهر بعض المناطق الجنوبية رغبتها في إنشاء ولاية أسوة بما حدث في برقة. إضافة إلى ظهور تلميحات في أقصى المناطق الغربية بتقديم نفس المطالب.

ولا يزال الليبيون -سواء كانوا من أصحاب التوجه الفيدرالي أو الوحدوي- يعبّرون عن تمسكهم بالانتماء إلى ليبيا كدولة تضمهم جميعًا؛ حيث عبّر دعاة الفيدرالية مرارًا عن حرصهم على الاحتفاظ بالدولة الأم: ليبيا.

ثانيًا: التأثيرات الخارجية
يمكن توضيح التأثيرات الخارجية للتوجه الفيدرالي عبر العلاقة مع الدول المحيطة بالجزء الشرقي في ليبيا؛ فالدول الملاصقة له هي مصر والسودان وتشاد، وهي دول ذات كثافة سكانية عالية، وتواجه مشاكل البطالة وانخفاض مستوى المعيشة؛ مما يشكّل خطرًا أمنيًا على سكان المنطقة الشرقية في ليبيا.

وعلى مستوى العلاقة مع مصر فإن هناك عاملين لابد من أخذهما في الاعتبار عند النظر إلى هذا المشهد، أولهما: يتعلق بالبعد السكاني حيث يصل عدد سكان مصر إلى ما يقرب من 85 مليون نسمة بينما لا يتجاوز سكان المنطقة الشرقية في ليبيا مليونًا وسبعمائة وثمان وعشرين ألفًا،(19) وهذا يعني أن التوازن السكاني ليس في مصلحة تلك المنطقة بل يشكّل تهديدًا لها.

وقد ظهرت تلميحات بمطالبات مصرية ببعض مناطق الإقليم الشرقي في ليبيا، اتضحت من خلال ما صرّح به محمد حسنين هيكل في لقاء له مع قناة الجزيرة، وكذلك التصريحات المنسوبة لرئيس الوزراء المصري السابق هشام قنديل حول أحقية مصر في الأراضي الليبية. وقد أحدث ذلك أزمة سياسية بين الجارتين ودفعت علي زيدان رئيس الوزراء الليبي إلى استدعاء سفير مصر لدى طرابلس هشام عبد الوهاب لاستيضاح ما جاء في تلك التصريحات.(20)

خاتمة

تُظهر مواقف الأجهزة الحاكمة الانتقالية في ليبيا تجاه الدعوة للفيدرالية من خلال ما صرح به كل من رئيس المؤتمر الوطني الانتقالي ورئيس الوزراء، وكذلك بعض من أعضاء المؤتمر، بعدم جواز أن تقوم جهة ما باتخاذ مثل ذلك الفعل خارج نطاق الشرعية (المؤتمر الوطني العام).

لكن بالمقابل أظهرت المؤسسات الحاكمة الانتقالية، بحكم عدم امتلاكها للقوة، عجزها عن مواجهة التحديات التي تواجهها. ولم تظهر تلك المؤسسات علنيًا سياسات تتعلق بمواجهة التحدي المتعلق بقضية برقة. ربما لاعتقادها بضعف القاعدة الشعبية لدعاة الفيدرالية، وربما لأنها تريد أن يُحسم هذا الأمر في الانتخابات الدستورية.

ويبدو من متابعة التحولات الليبية صعوبة توقع ما ستفسر عنه الدعوة للفيدرالية مستقبلاً، لارتباط ذلك بعدة سيناريوهات تبررها متغيرات داخلية وخارجية، أهمها: تمكن الليبيين من صياغة دستور يحقق مطالبهم. وفي حين يمثل استمرار الوضع السياسي والأمني الذي نتج عن حرب التحرير واقعًا يصعب حله حاليًا؛ فقد تكون الفيدرالية حلاً لا مفر منه، مع الأخذ بعين الاعتبار الدور المحتمل للمجتمع الدولي وتدخله لحماية مصالحه النفطية، وكذلك لاهتمامه بقضية الهجرة غير الشرعية.
_________________________________________
عمر إبراهيم العفاس - عميد كلية الاقتصاد، جامعة بنغازي- ليبيا

المصادر
1-Fighting Corruption in Post-Conflict and Recovery Situations: Learning from the Past, (New York: UNDP, 2010), PP.9-10
2- مصطفى عبدالله خشيم، تأثير التحولات الديمقراطية على الثقافة السياسية في ليبيا الجديدة (بنغازي: مركز البحوث والدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، هيئة تشجيع ودعم الصحافة، 2013) ص136.
3- محمد بن غشير، "إشكالية المؤتمر الوطني العام: بين نقص عدد الأعضاء وتغير صفاتهم داخل المؤتمر
http://http//www.Libya-al-mostakbal.org/news/clicked/37865
4- يوسف محمد جمعة الصواني، ليبيا: الثورة وتحديات بناء الدولة، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2013)، ص151.
5- علي عبداللطيف حميدة، "بعد الثورة: إشكالية وتحديات الإنصاف والمصالحة الوطنية في ليبيا"، المجلة الليبية للعلوم الاجتماعية، (بنغازي: مركز البحوث والدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية)، 2013.
6- يوسف محمد الصواني، "ليبيا بعد القذافي: الديناميات المتفاعلة والمستقبل السياسي في "ليبيا .. آفاق وتحديات التحول الديمقراطي، (حلقة نقاش) تقديم وإدارة خير الدين حسيب، المستقبل العربي، (بيروت: نوفمبر/تشرين الثاني 2011)، ص12.
7- علي عبداللطيف حميدة، المجتمع والدولة والاستعمار في ليبيا: دراسة في الأصول الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لحركات وسياسات التواطؤ ومقاومة الاستعمار 1830-1932، ط2، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1998)، ص109.
8- علي عبداللطيف حميدة، الأصوات المهمشة: الخضوع والعصيان في ليبيا أثناء الاستعمار وبعده، ترجمة عمر أبوالقاسم الككلي، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009)، ص26.
9- علي عبداللطيف حميدة، المجتمع والدولة والاستعمار في ليبيا: دراسة في الأصول الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لحركات وسياسات التواطؤ ومقاومة الاستعمار 1830-1932، مرجع سبق ذكره، ص109.
10- المرجع السابق، ص110.
11- الجمعية الوطنية التأسيسية الليبية، مجموعة محاضر الجمعية الوطنية، 50-1951.
12- مقالة "ليبيا: مولد أمة"، نُشرت في مجلة التايم الأميركية، يوم الاثنين 31 ديسمبر/كانون الأول 1951.
13-Amal Obeidi,” From Forced Reconciliation to Recognition: The Abu Salim Case in Historical Perspective” in Searching for Justice in Post-Gaddafi Libya, edited by Jan Michiel Otto, Jessica Carlisle and Suliman Ibrahim, (Leiden University: Van Vollenhoven Institute, 2012), pp.142-150
14- د. عزة الصيد الحوتي، كلمة المرأة، مؤتمر إعلان إقليم برقة، بنغازى، 6 مارس/آذار 2012.
15- تقرير الأمين العام عن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، (منشورات مجلس الأمن، 21 فبراير/شباط 2013).
16- إيلاف، صحيفة إلكترونية تصدر من لندن 24 أكتوبر/تشرين الأول 2013.
17- مركز البحوث والاستشارات، نتائج المسح الوطني الشامل حول الدستور، (بنغازي: جامعة بنغازي، 2013)، ص69.
18- المرجع السابق، ص71.
19- النتائج النهائية للتعداد العام للسكان لعام 1995، (طرابلس-ليبيا).
20- http://arabic.cnn.com/2013/middle_east/1/20/Egypt.Libya