توجهات كونية 2025.. عالم متغير

الدافع وراء إعداد هذا التقرير هو الحث على التفكير الإستراتيجي واستشراف المستقبل من خلال تحديد أهم التوجهات التي سيعرفها العالم
2 December 2008








عرض د. خالد حاجي


مسلمات
شكوك


إن الدافع وراء إعداد هذا التقرير عن التوجهات الكونية سنة 2025 هو الحث على التفكير الإستراتيجي واستشراف المستقبل من خلال تحديد أهم التوجهات التي سيعرفها العالم والعوامل التي تقف وراءها، وكذا مساراتها وطرق التفاعل فيما بينها.


والتقرير، كما يصرح بذلك الساهرون على إنجازه، ليس محاولة للتكهن بما سيحدث، وإنما هو محاولة لوصف أهم العوامل التي من الممكن أن يكون لها دور مهم في تحديد معالم الحقبة الآتية وتشكيل طبيعة الأحداث التي سيكون لها تأثير بارز على الصعيد العالمي، وذلك من أجل تمكين صناع القرار من التدخل المبكر، إما لتغيير مجريات الأحداث باتجاه ما يرونه نافعا، أو لترسيخ هذه المجريات، درءا لما قد يكون أسوأ.



لقد أنجز هذا التقرير بعد سلسة من الدراسات والندوات واللقاءات. وحظي مجلس الاستخبارات الوطني، الجهة المشرفة على إنجازه، بدعم عدد كبير من مراكز البحث والمعاهد الأكاديمية ومئات الباحثين، سواء داخل الولايات المتحدة الأمريكية أو خارجها.


مسلمات






"
من مسلمات التقرير النسبية أنه من المستبعد زوال الإرهاب بحلول 2025، بالرغم من أن قوة جاذبيته قد يلحقها الضعف في حال استمرار النمو الاقتصادي في الشرق الأوسط وتقلص عدد العاطلين عن العمل وسط الشباب

"
يصدر التقرير عن جملة من "المسلمات النسبية"، ثم يخلص إلى تناول "التأثير المحتمل" لهذه المسلمات. كما يصدر عن "أهم الشكوك" ليفضي إلى الحديث عن "النتائج المحتملة والمتوقعة. من المسلمات النسبية التي يصل إليها التقرير يمكن تلخيصها على النحو التالي:





  • "مع صعود الصين والهند وقوى أخرى، سيشهد العالم بروز نظام متعدد الأقطاب؛ كما سيزداد نفوذ وقوة الفاعلين الجدد، مثل القوى المتحكمة في التجارة، وبعض القبائل، والمنظمات الدينية وشبكات الإجرام". ويخلص التقرير انطلاقا من هذه المسلمة إلى الحديث عن تأثيرها المحتمل والذي يصفه كالتالي: "في حدود 2025، سينقرض "المنتظم الدولي" الأوحد والمكون من دول قومية. ومن المحتمل أن توزع القوة بين اللاعبين الجدد الذين سيحددون بدورهم قوانين لعبة جديدة، هذا في وقت ستتضاعف فيه مخاطر إضعاف التحالف الغربي التقليدي. فعوض محاكاة النماذج الغربية في التنمية الاقتصادية والسياسية، ستنحى العديد من الدول نحو النموذج الصيني متخذة إياه بديلا عن النموذج الليبرالي الغربي.



  • من "المسلمات النسبية" الأخرى التي يحاول التقرير أن يقف عند تأثيراتها المحتملة في سنة 2025، أن أسباب الصراع ستزداد بسبب التحولات السريعة في أجزاء من الشرق الأوسط الكبير، وكذا بسبب انتشار الأسلحة وما يعنيه ذلك من ارتفاع في القدرة على البطش والفتك والقتال. ويفيد التقرير بأن تأثير هذه المسلمة المحتمل هو أن تتعاظم حاجة الولايات المتحدة الأمريكية إلى القيام بدور المُوازِن، على الرغم من أن قوى أخرى، مثل روسيا والصين والهند التي ستقوم بأدوار أكبر مما عليه اليوم سواء كان ذلك على الصعيد الإقليمي أو الدولي. 



  • ومن المسلمات النسبية كذلك، المسلمة التي تفيد بأنه "من المستبعد أن يزول الإرهاب بحلول 2025، بالرغم من أن قوة جاذبيته قد يلحقها الضعف في حال استمرار النمو الاقتصادي في الشرق الأوسط وتقلص عدد العاطلين عن العمل وسط الشباب. أما بخصوص الإرهابيين النشطين، فإن انتشار التكنولوجيا سيساهم في وضع قدرات خطيرة في متناول أيديهم". وأما عن تأثير هذه المسلمة، فمن المحتمل أن "تتضاعف فرض الإرهابيين للقيام بهجمات قد تحدث خسائر جماعية جسيمة إما بواسطة أسلحة كيمياوية أو بيولوجية أو نووية، أو بفعل توسع البرامج النووية. إن النتائج العملية والتأثيرات النفسية لهذه الهجمات قد تتضخم في عالم يشهد عولمة مستمرة".


شكوك





"
يرجح التقرير أن يظل الاضطراب سيد الموقف في الشرق الأوسط استقرارا وبالأخص العراق وفي قضية النزاع العربي الإسرائيلي 

"
وأما بخصوص "أهم الشكوك" و"نتائجها الكامنة بالقوة"، فإن التقرير يطرحها على النحو الآتي:


  • هل من الممكن أن "يشهد العالم انتقالا في مجال الطاقة من البترول والغاز-انتقالا مدعوما بمخزون الطاقة المُحسَّنة/المطورة، والوقود الحيوي، والفحم النظيف - في حدود 2025؟ ومن النتائج التي قد تترتب على هذا الانتقال بالقوة، أن "كلا من روسيا وإيران سترفع بشكل ملحوظ مستويات قوتهما القومية، وأن الناتج المحلي الإجمالي لروسيا يمكنه الاقتراب من الناتج المحلي الإجمالي لكل من فرنسا وبريطانيا. وأما الانخفاض المتواصل في الأسعار، مدعوما بالإقبال على مصادر جديدة للطاقة، سيكون انحطاطا وتراجعا على المدى البعيد في قدرة الدول المنتجة على القيام بدور عالمي أو إقليمي".



  • هل سيشهد الشرق الأوسط استقرارا، وبالأخص العراق، وهل سيحل النزاع العربي الإسرائيلي سلميا؟ ويرجح التقرير أن يظل الاضطراب سيد الموقف في جميع الأحوال. إن استئناف النمو الاقتصادي، مرفوقا بعراق أكثر استقرارا، وبحل للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني، كل هذا قد يساهم في توليد نوع من التوازن في وقت تحاول فيها المنطقة التعامل مع القوة الإيرانية المتعاظمة وانتقال العالم نحو طاقة جديدة متخليا عن البترول والغاز.



  • كل المؤشرات تدل على أن النظام الدولي الموروث عن حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية سيؤول إلى الزوال في 2025 بفعل القوى الجديدة الصاعدة، والاقتصاد المعولم، وكذا الانتقال النسبي للثروة والقوة الاقتصادية من الغرب إلى الشرق، ثم تنامي تأثير الفاعلين الجدد، غير الدول.



  • من المحتمل أن يتمركز التنافس الاستراتيجي حول التجارة والاستثمار والتجديد التكنولوجي وكذا اقتناء التكنولوجيا؛ لكن هذا لا يمنع من إمكان حدوث سيناريوهات القرن التاسع عشر مجددا، أي سيناريوهات السباق نحو التسلح والتوسع في الأراضي ثم التنافس العسكري. 



  • من المستبعد أن يتجذر الصراع الإديولوجي، من قبيل الصراع الذي عرفته الحرب الباردة، في عالم تكون فيه معظم الدول منشغلة بمجابهة تحديات العولمة وتحالفات القوى العظمى المتغيرة باستمرار. بيد أن الإيديولوجيا ستحافظ على قوتها في العالم الإسلامي، خصوصا في شقه العربي؛ ففي الدول التي تتصارع مع القوى الشابة الصاعدة وتواجه ضعفا اقتصاديا، مثل باكستان وأفغانستان ونيجريا واليمن، من المرجح أن تحافظ السلفية الراديكالية على بريقها وتنمي قدرتها على الاستقطاب.



  • باختصار شديد، ماذا يمكن أن نقول عن المستقبل كما يبدو في تقرير مجلس الاستخبارات الوطني؟ إن جملة التوجهات الواردة في التقرير تشير إلى أن المستقبل سيتميز بالقطائع والتحولات وسيحمل الصدمات والمفاجآت. فمن هذه المفاجآت استعمال السلاح النووي وتفشي الأوبئة. ولعل حدوث مثل هذا الأمر يظل مؤكدا والمسألة هي مسألة زمن وليس أكثر. فهناك أمور حتمية لا تقبل الرجوع، مثل انتقال الطاقة؛ إذا جاز لنا أن نتساءل بخصوص وقوع هذا الانتقال، فهو تساؤل بخصوص زمن وقوعه ومدى حدته، لا غير. لقد وقع الانتقال من نوع من الوقود (الوقود الحجري) Fossil fuels إلى وقود بديل مرة واحدة في القرن العشرين.، وقد رافقت هذا الانتقال نتائج عظيمة. فالانتقال من الحطب إلى الفحم كان وراء التصنيع، أما اليوم، فإن الانتقال- خصوصا إذا كان انتقالا سريعا- من الوقود الحجري سيكون له انعكاسات قوية على منتجي النفط في الشرق الأوسط وأوراسيا، الأمر الذي سيؤدي إلى انهيار مستمر لبعض الدول ونهاية دورها كفاعل عالمي وإقليمي.



  • يبدو تقرير مجلس الاستخبارات الوطني محكوما بهاجس "سقوط الغرب" أو انزياحه عن مكان الريادة لصالح دول صاعدة مثل الهند والصين وروسيا والبرازيل. ويتوقع المساهمون في إنجازه تراجعا للدور الأمريكي عالميا. أما بخصوص أوربا، فيظل إدماج المسلمين وقضية الشيخوخة من القضايا الملحة على ما يذكر التقرير. فإدماج المسلمين قد يغني أوربا عن كثير من المتاعب، لكن الفشل في إدماجهم قد يؤدي إلى تراجع محقق. وفضلا عن هاجس السقوط والانزياح عن الريادة العالمية، فهناك هاجس العالم الإسلامي الذي يتوقع التقرير أن يظل على حاله، محكوما بالظروف نفسها التي كانت وراء صناعة الإرهاب والتخلف.

________________
مركز الجزيرة للدراسات
مجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي
Global Trends 2025:
A Transformed World
National Intelligence Council - November 2008


ملاحظة: يمكن الاطلاع على النص الكامل للتقرير في موقع مجلس الاستخبارات الوطني على هذا الرابط:http://www.dni.gov/nic/PDF_2025/2025_Global_Trends_Final_Report.pdf