مقتل عماد مغنية

تقرأ الورقة حادثة الاغتيال أحد أبرز قادة حزب الله العسكريين عماد مغنية بوصفها من حوادث الاغتيال الكبرى في التاريخ فلابد أن ترى باعتبارها مؤشراً على مرحلة جديدة في الصراع بين الدولة العبرية وحزب الله، وفي الموقع
17 March 2009








 

إعداد: د. بشير نافع


اغتيالات أثرت تاريخيا
اغتيال مغنية مؤشر مرحلة جديدة









بشير نافع

ثمة قراءة سائدة في أوساط دارسي التاريخ والسياسة بأن حادثة اغتيال واحدة في التاريخ الحديث لم تغير في موازين القوى؛ بمعنى أن دولة أو حركة سياسية ما لا تستطيع عن طريق تصفية خصم رئيس لها تغيير حقائق الصراع الصلبة.


حظوظ الفشل لا تنقلب إلى حظوظ نصر بمجرد اغتيال قائد سياسي أو عسكري كبير في معسكر الخصم. ولذا، فإن مقتل عماد مغنية، أحد كبار قادة حزب الله العسكريين، لن يؤثر تأثيراً ملموساً على علاقات القوة التي تحكم الصراع بين الدولة العبرية وحزب الله، مع تزايد الأدلة على أن الدولة العبرية هي المسؤول عن تصفية مغنية، وأن بيان رئيس الوزراء الإسرائيلي في هذا الشأن، الذي تنصل من المسؤولية عن الاغتيال كان بياناً كاذباً، ويستبطن محاولة إسرائيلية هشة للتخلص من العواقب.


اغتيالات أثرت تاريخيا





"
بعض حوادث الاغتيال ولدت تحولات هائلة في مجريات التاريخ،سواء بإطلاق الشرارة لاندلاع الحروب بتوفير المسوغ للحروب، أو بالتعبير عن تطور معين في مسار الصراع

"

على أن هذا لا يعني بالضرورة أن حوادث الاغتيال الكبرى لا تلعب دوراً في سياقات الصراعات. الحقيقة أن بعضاً من حوادث الاغتيال ولدت تحولات هائلة في مجريات التاريخ، سواء بإطلاق الشرارة لاندلاع الحروب، بتوفير المسوغ للحروب، أو بالتعبير عن تطور معين في مسار الصراع. حادثة اغتيال الأرشيدوق النمساوي في صيف 1914 لم تكن هي التي صنعت الانقلاب الكبير في موازين القوى الصناعية والعسكرية بين ألمانيا وبريطانيا، الانقلاب الذي كان في طريقه إلى دفع أوروبا نحو حرب طاحنة حول مستقبل القارة.


ولكن الحادثة لعبت دور الشرارة الضرورية التي كانت خارطة القوة الأوروبية الجديدة في انتظارها لانفجار حرب عالمية، طويلة وهائلة. ومحاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في صيف 1982 لم تصنع نظرية استراتيجية إسرائيلية مختلفة، ولكنها كانت المبرر الذي استخدمته حكومة بيغن للحرب على لبنان واحتلاله، الحرب التي لا تقل في تأثيرها البعيد على مقدرات الصراع عن حرب يونيو/ حزيران 1967.


وقد شهدت مصر حادثتي اغتيال مروعتين، الواحدة منها تلو الأخرى في نهاية 1948 ومطلع 1949، والبلاد ما تزال فعلياً في حالة حرب، أودت الأولى بحياة رئيس الوزراء النقراشي باشا والثانية بحياة مؤسس حركة الإخوان المسلمين وزعيمها التاريخي، حسن البنا. كانت مجموعة إخوانية تتبع الجهاز السري هي من اغتالت النقراشي، ومجموعة حركها رئيس الوزراء إبراهيم عبد الهادي، صديق النقراشي وخليفته، من اغتالت البنا.


لا اغتيال النقراشي أطاح الحكومة المصرية أو غير من سياساتها، ولا اغتيال البنا أضعف الإخوان وأزاحهم من الساحة السياسية المصرية. ولكن الحادثتين أشرتا لسياق كان في طريقه إلى التبلور، على أية حال، سياق صراع طويل بين الإخوان المسلمين والدولة المصرية، بغض النظر عن النظام الحاكم لهذه الدولة.


اغتيال مغنية مؤشر مرحلة جديدة





"
حادثة الاغتيال كما أغلب حوادث الاغتيال الكبرى، لابد أن ترى باعتبارها مؤشراً على مرحلة جديدة في الصراع بين الدولة العبرية وحزب الله،

"

بهذا المعنى تجب قراءة حادثة اغتيال عماد مغنية. كان مغنية أحد أبرز القادة العسكريين والأمنيين لحزب الله، وقد اعتبره الإسرائيليون أحد أكثر عقول الحزب إبداعا وقدرة على الابتكار؛ ويمثل مقتله بالتالي ضربة مؤلمة للحزب ولحصانة قادته الأمنية، وانتصاراً معنوياً كبيراً للدولة العبرية. ولكن اغتيال مغنية لن يغير في حقائق القوة وموازينها في ساحة الصراع الفعلية.


اغتيال مغنية لن يجعل الدولة العبرية أكثر قدرة على اجتياح الجنوب اللبناني، أو على اجتثاث نفوذ حزب الله في لبنان. ولن يخيف الاغتيال حزب الله أو يربك قراره السياسي، كما لن يضعف قدرات التعبئة لدى الحزب. لقد تجاوز حزب الله منذ زمن طويل مرحلة التأسيس، وبات أقرب إلى مؤسسة مستقرة ومتوالدة من الهيئات العسكرية والأمنية والاجتماعية والإعلامية؛ بحيث يمكن القول أن الحزب هو أقرب لدولة مستقرة صغيرة الحجم، بدون أن تثقل كاهله بيروقراطية الدولة وكوابح الفعل والحركة لديها.


إضافة إلى التجارب الخاصة التي تعمل مؤسسة الحزب العسكرية على استخلاصها من سنوات الصراع الطويلة التي خاض الحزب غمارها ضد الجيش والأجهزة الأمنية الإسرائيلية، فإن كوادره وعناصره تتلقى تدريباً عسكرياً عالياً على يد قوات الحرس الثوري الإيراني. وليس ثمة شك أن انتصار الحزب في حرب صيف 2006، رفعت من تقدير الإيرانيين لفعاليته العسكرية وجعلتهم أكثر حرصاً على تقديم أرفع الخبرات العسكرية لكوادره.


بيد أن حادثة الاغتيال، كما أغلب حوادث الاغتيال الكبرى، لابد أن ترى باعتبارها مؤشراً على مرحلة جديدة في الصراع بين الدولة العبرية وحزب الله، وفي الموقع اللبناني للحزب.



1- لا يستطيع حزب الله غض النظر عن اغتيال واحد من كبار قادته، ليس فقط لأن الرد على الاغتيالات أصبح تقليداً ثابتاً من تقاليد عمل الحزب، بل أيضاً لأن عدم الرد هذه المرة يوحي بالضعف والتراجع والارتباك السياسي، ويعمل على كشف ظهر الحزب في الصراع مع الدولة العبرية وفي التدافع اللبناني الداخلي. هذا فوق أن اغتيال مغنية جرى في غير الساحة الأساسية للصراع، التي هي الساحة اللبنانية – الإسرائيلية. آجلاً أو عاجلاً، سيقوم حزب الله بالرد على مقتل قائده، وسيكون الرد بحجم حادثة الاغتيال، إن لم يكن أكبر. إن ابتلع الإسرائيليون الرد وغضوا النظر، فستكون تلك نهاية هذه الحلقة من الصراع. كان التهديد الذي أعلنه حسن نصر الله في تشييع مغنية دقيقاً؛ إذ لم يعلن اندلاع حرب مفتوحة، بل قال، مخاطباً الإسرائيليين، "إن كنتم تريدون هذا النوع من الحرب المفتوحة، فليسمع العالم كله فلتكن إذن حرباً مفتوحة." بمعنى أن حزب الله سيرد، فإن قام الإسرائيليون بالرد على الرد، فهي الحرب المفتوحة. وهي حرب مفتوحة على كل الاحتمالات؛ فقد تندلع في مناطق متعددة من العالم، وقد تؤدي إلى انفجار الجنوب اللبناني من جديد، وقد تتجلى في سلسلة من العمليات والعمليات المضادة في لبنان والدولة العبرية.


2- ارتكب الإسرائيليون خطأً فادحاً في الحسابات السياسية. فبالرغم من الإخفاق الفادح للجيش الإسرائيلي في حرب صيف 2006، فإن تداعيات الأوضاع السياسية الإقليمية خلال العام ونصف العام التاليين، سواء ذات الصلة بالحرب أو غير ذات الصلة، جاءت في مجملها لصالح الدولة العبرية. قرار مجلس الأمن، الذي وضع نهاية للحرب، فرض وجود قوات دولية في منطقة الجنوب اللبناني وانتشار للجيش اللبناني في المنطقة، مما حد من نشاط وانتشار قوات حزب الله في الشريط الحدودي، الذي سيطرت عليه قوات الحزب كلية منذ الانسحاب الإسرائيلي في ربيع 2000. وقد غرق لبنان بعد الحرب في حالة انقسام سياسي داخلي وعربي عميق (حمل أبعاداً طائفية)، جر حزب الله إلى مستنقعه؛ مما ترك ظلالاً ثقيلة على صورة الحزب بصفته قوة مقاومة تحظى بإجماع اللبنانيين والعرب وتعلو على خلافاتهم السياسية. وسرعان ما انهار التعايش الفلسطيني الداخلي الهش، موقعاً انقساماً سياسياً وجغرافياً بين حكومة حماس في قطاع غزة وحكومة عباس في الضفة الغربية. ومنذ نهاية 2007، بدا أن السياسة الأميركية في العراق أخذت في تحقيق بعض النتائج، مفيدة من انقسام مناطق المقاومة العربية السنية الرئيسة على نفسها، ومن الزيادة الكبيرة في تعداد قوات الاحتلال. ولا يقل الانقسام العربي الرسمي عن انقسام القوى السياسية والمجتمعات في لبنان وفلسطين والعراق.


باغتيال مغنية، وانفتاح ساحة الصراع على الاحتمالات، أعادت الدولة العبرية الأولويات إلى نصابها. ستؤكد حادثة الاغتيال وتداعياتها من جديد على دور حزب الله كقوة مقاومة، وعلى الدولة العبرية باعتبارها مصدر التهديد الرئيس لأمن العرب واستقرار بلادهم. وفي حال أفلتت تداعيات الاغتيال من عقال الحسابات، فليس من المستبعد أن تؤثر سلباً على الوضع الأميركي في العراق، على مسار المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية، وعلى وضع معسكر 14 آذار اللبناني ودور حلفائه الأوروبيين والأميركيين والعرب في لبنان.


3- حمل خطاب نصر الله في تشييع جثمان مغنية نصين بالغي الدلالة على تصور حزب الله للبنان ولدوره في لبنان. قال نصر الله، في رد على قوى الأكثرية اللبنانية البرلمانية الحاكمة، أن لبنان لن يكون إسرائيلياً ولا أميركياً؛ وهو ما يستدل منه أن الحزب ليس على استعداد لتقديم تنازلات جوهرية في المفاوضات الجارية لانتخاب رئيس لبناني وتطبيع الوضع في البلاد. كما أكد نصر الله، في إجابة مباشرة على دعوة الطلاق بين فرقاء الأزمة اللبنانية التي أطلقها الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، أن لبنان لن يقسم ولن "يفدرل"؛ وهو ما يستدل منه استعداد حزب الله لاستخدام القوة على نطاق لبناني واسع إن استدعت ضرورات الحفاظ على وحدة البلاد. ولكن ملاحظة نصر الله الثالثة كانت هي الأهم. فقد أشار زعيم حزب الله، في مقارنة بين تطورات الصراع بين الحزب والدولة العبرية بعد اغتيال الشيخ راغب حرب وأمين عام الحزب السابق عباس الموسوي، إلى أن حادثة اغتيال مغنية هي بداية مرحلة النهاية للدولة العبرية. يمكن، بالطبع، تفسير هذه الملاحظة على أنحاء شتى، ولكن إحدى أهم دلالاتها لابد أن تتعلق بتصور نصر الله لدور حزب الله ولمستقبل لبنان. ففي نصه هذا يربط نصر الله في شكل بعيد المدى بين مستقبل لبنان ووجود الدولة العبرية. السلام أو الهدنة أو الخروج من الصراع، الذي ترغب به قوى 14 آذار للعلاقة بين لبنان والصراع العربي – الإسرائيلي، هو هدف غير ممكن التحقق من وجهة نظر حزب الله.


ثمة عدد من العوامل التي تؤكد توجه حزب الله نحو خيار استمرار الصراع مع الدولة العبرية. فحرب 2006 (بخلاف حرب 1973، مثلاً) لم تنته بإعادة اعتبار للجيش الإسرائيلي أو بعملية سلام، كما السلام بين الدولة العبرية ومصر. الدولة العبرية لا يمكن أن تدع هزيمتها في حرب 2006 تمر، واستنتاج نصر الله بأن الحرب لم تزل مستمرة هو استنتاج صحيح تماماً. من ناحية أخرى، فإن المصالح الاستراتيجية لحلفاء حزب الله تشير كذلك نحو استمرار الصراع. تواجه سورية مسلسلاً مستمراً من الاعتداءات الإسرائيلية على سيادتها ومنشئاتها وأمنها، كما أنها مهددة بمحكمة اغتيال الرئيس الحريري ذات الطابع الدولي، ولم تصل بعد إلى علاقة آمنة ومستقرة مع لبنان، حيث لا تواجه كتلة لبنانية معارضة فحسب، بل وإرادة أميركية أيضاً. أما إيران فإن ملفها النووي يزداد تعقيداً، سواء بفعل العقوبات الاقتصادية والمالية الدولية أو الأورو– أميركية المفروضة عليها، أو بالتهديدات الإسرائيلية والأميركية بعمل عسكري ضد النظام الإيراني أو منشئاته النووية.


ما يستبطنه استمرار الصراع أن الجدل اللبناني الداخلي حول سلاح حزب الله قد وصل فعلاً إلى نهايته، وأن لبنان سيكون ساحة رئيسة للصراع مع الدولة العبرية إلى أمد بعيد، بكل ما في ذلك من أثر على الأزمة اللبنانية السياسية وعلى الآفاق المفتوحة، أو المغلقة، لعلاقات قواه المختلفة.
_______________
كاتب وخبير في التاريخ الحديث
أعدت هذه الورقة في 19 فبراير/ شباط
2008