إشكاليات العلاقة بين النفط والتنمية في أفريقيا

ارتكزت سياسات القوى الكبرى في مرحلة ما بعد الحرب الباردة على التنافس من أجل الحصول على النفط الأفريقي. فما هي طبيعة دور القادمين الجدد وعلى رأسهم الصين والهند وماليزيا وكوريا والبرازيل، وما هي دلالات ذلك بالنسبة لمستقبل التنمية في القارة الأفريقية؟!
25 August 2009







 

حمدي عبد الرحمن


لقد احتل النفط أو ذهب أفريقيا الأسود مكانة بارزة في عملية التكالب الاستعماري على أفريقيا حينما أصبح مصدراً مهما للطاقة مقارنة بالفحم خلال الحرب العالمية الأولى وبعدها. عندئذ عمدت القوى الاستعمارية إلى القيام بأعمال التنقيب عن النفط في القارة السمراء.


ففي أوائل القرن العشرين بدأت عمليات التنقيب في نيجيريا ومصر والجزائر. وخلال عقدي الستينيات والسبعينيات كانت شركات النفط الغربية تهيمن على هذا القطاع الحيوي وذلك بالمشاركة مع الشركات النفطية الوطنية في أفريقيا. ولا يخفى أن العلاقة بين هذه الشركات النفطية كانت تتسم دوما بالفساد وعدم العدالة. إذ كانت شركات النفط الأوروبية تسعى بكافة السبل مدعومة بدولها الأم لإتمام صفقات النفط وإقصاء الأطراف المنافسة.


أولا: النفط وعولمة أفريقيا الجديدة
ثانيا: إشكالية العلاقة بين النفط والتنمية
ثالثا: أبعاد السياسات النفطية في أفريقيا
رابعا: البدائل وآفاق المستقبل


أولا: النفط وعولمة أفريقيا الجديدة 





تهيمن الولايات المتحدة من خلال شركاتها النفطية على منطقة خليج غينيا وساوتومي، في حين أن فرنسا تهيمن على الغابون والكونغو برازفيل، بالإضافة إلى ذلك فإن المصالح النفطية الأنغلو أمريكية تحافظ على وجود قوى في نيجيريا. أما الصين فإنها تثبت أقدامها في السودان وأنغولا.
ثمة من يرى أن التكالب الجديد على أفريقيا “The new scramble for Africa” إنما يرتبط بالدور الصيني تحديدا منذ أعوام التسعينيات وسعيها الدؤوب للحصول على النفط والمواد الخام وفتح أسواق أفريقية جديدة. فالتحرك الصيني الجديد في أفريقيا أخذ ينحي جانبا عوامل السياسة والأيديولوجيا وذلك مقابل هيمنة الاقتصاد والمصالح النفعية البحتة.

فالصين باتت تفكر بمنطق براجماتي مصلحي صرف؛ فهي تهتم بقضايا التجارة والاستثمار والوصول إلى مصادر النفط والمواد الخام أكثر من اهتمامها الأيديولوجي بقضايا مثل الصين الواحدة أو تضامن العالم الثالث... وهكذا.


على أن هناك من يرفض ذلك تماما ويرى أن أفريقيا عرضة دوما للسلب والنهب من جانب القوى الدولية الطامحة في الثروة والنفوذ على مر العصور.


وهناك فريق ثالث يرى أن التكالب الجديد لا يختلف في حقيقته عن التكالب الاستعماري في القرن التاسع عشر حيث أنه في كلا الحالتين توجد مناطق واضحة للسيطرة والنفوذ.


وطبقا لمناطق النفوذ الراهنة يلاحظ أن الولايات المتحدة تهيمن من خلال شركاتها النفطية على منطقة خليج غينيا وساوتومي، في حين أن فرنسا تهيمن على الغابون والكونغو برازفيل، بالإضافة إلى ذلك فإن المصالح النفطية الأنغلو أمريكية تحافظ على وجود قوى في نيجيريا. أما الصين فإنها تثبت أقدامها في السودان وأنغولا.


بيد أن البعد الأكثر أهمية في هذا التخاطف الجديد للنفط الأفريقي إنما يتمثل في تحليل طبيعة دور القادمين الجدد وعلى رأسهم الصين والهند وماليزيا وكوريا والبرازيل، فما هي دلالات ذلك بالنسبة لمستقبل التنمية في القارة الأفريقية؟!


ثانيا: إشكالية العلاقة بين النفط والتنمية 


يروى أن الرئيس الكونغولي الراحل لوران كابيلا الذي أطاح بحكم الرئيس موبوتو قال أثناء زحفه نحو العاصمة كينشاسا لأحد الصحفيين "إن القيام بتمرد عسكري عمل سهل وميسور في أفريقيا. فالمرء ليس بحاجة إلا إلى نحو عشرة آلاف دولار وهاتف جوال". فمعدلات الفقر العالية بين الأفارقة تجعل من السهولة بمكان الحصول على مقاتلين مقابل المال، كما أن الهاتف الجوال يسهل من عقد صفقات غير مشروعة مع الشركات العالمية الكبرى. وطبقاً لبعض التقديرات فإن كابيلا استطاع أن يعقد صفقات تقدر بمبلغ نصف مليار دولار خلال فترة تمرده وقبل اعتلائه سدة الحكم في زائير (الكونغو الديموقراطية حالياً).


ولعل هذه القصة تعبر عن مأساة الأفارقة والتناقض الذي يعيشونه. إنهم فقراء لكنهم في حقيقة الأمر أغنياء بما حباهم الله من نعم وخيرات كثيرة. فالدول الأفريقية الغنية بالنفط مثلاً لا تزال تعاني من مظاهر عدم الاستقرار السياسي وانتشار الأمراض وأعمال القرصنة والإرهاب. وهو ما دعا بعض المحللين إلى الحديث عن لعنة النفط في الواقع الأفريقي فقد أضحى الذهب الأسود في كثير من الأحيان معوقاً لجهود التنمية الوطنية.


إن دولاً مثل نيجيريا والغابون وأنغولا والكاميرون قد انضمت إليها دولاً أخرى مثل تشاد وغينيا الاستوائية والسودان وموريتانيا في إنتاج النفط. ومع ذلك فإنها لا تزال من بين أفقر الدول في العالم.


وعلى سبيل المثال فإن عائدات النفط النيجيرية بلغت خلال ربع القرن المنصرم نحو ثلاثمائة مليار دولار، ومع ذلك فإن معظم سكانها لا يزالون يعيشون بأقل من دولار واحد يومياً.


ولا تزال نيجيريا تعاني من الفساد وعدم الاستقرار حيث تسعى بعض الجماعات المسلحة في منطقة حوض دلتا النيجر الغنية بالنفط إلى إعادة توزيع العوائد النفطية في البلاد بصورة عادلة.


وتقوم تشاد بتصدير النفط منذ عام 2003 بمعدل مائتي ألف برميل يومياً. ومع ذلك فإن عوائد النفط لم تحدث أي أثر يذكر في حياة الفقراء. إن نحو 80% من سكانها ليس لديهم إمكانية الحصول على مياه الشرب النقية كما يموت طفل واحد من بين كل أربعة أطفال قبل سن العاشرة. وطبقاً لتقرير منظمة الشفافية الدولية فإن تشاد قد شهدت معدلات فساد مرتفعة منذ تدفق النفط فيها. وهو ما يعني أن أموال النفط كانت سبباً في إعاقة جهود التنمية المجتمعية.


وتعكس جمهورية غينيا الاستوائية نفس التوجه العام في جدلية العلاقة بين النفط والتنمية. فعلى الرغم من أنها من أكبر الدول المنتجة للنفط في أفريقيا بمعدل 350 ألف برميل يومياً فإنها تحتل المرتبة الثانية بعد تشاد من حيث درجة انتشار الفساد فيها على المستوى الأفريقي.


ثالثا: أبعاد السياسات النفطية في أفريقيا 





لقد ارتكزت سياسات القوى الكبرى في مرحلة ما بعد الحرب الباردة على التنافس من أجل الحصول على الثروة الأفريقية. وعليه يصبح من المهم في هذا السياق تحليل عملية التكالب الاستعماري الجديد من أجل النفط الأفريقي وارتباط ذلك بالسياق والتفاعلات العالمية الأوسع والأشمل من حيث النطاق والعمليات، ويمكن الإشارة إلى عدة أبعاد وجوانب مهمة للسياسات النفطية المرتبطة بعملية التكالب تلك في الواقع الأفريقي الراهن.

يتمثل البعد الأول في موقع أفريقيا من عولمة ما بعد الحرب الباردة ولاسيما ما يرتبط برأس المال العابر للقوميات، فالهدف الأسمى لرأس المال النفطي العالمي، سواء كان أميركيا أو أوروبيا أو صينيا يتمثل في ضرورة الاستغلال الأمثل للنفط الأفريقي دون أدنى تدخل من الدول النفطية الأفريقية.


وفي هذا السياق استطاعت النخب النفطية الوطنية أن تقيم روابط نفعية مع رأس المال العالمي وتحقق أرباحا طائلة نتيجة ارتفاع أسعار النفط في السوق الدولية. ولعل ما يميز عملية التكالب الجديدة التي نحن بصددها اليوم هو أن الدول الأفريقية النفطية، وعلى الرغم من ضعفها السياسي، إلا أنها تستطيع أن تحدد من يحصل على حق استغلال مواردها النفطية وهو ما يجعل عملية التنافس على النفط الأفريقي بالغة القسوة والشدة.


ثاني هذه الأبعاد يرتبط بهيمنة نخبة أو جماعة أو حتى إقليم على عوائد النفط حيث يتم تهميش أو إقصاء جماعات أو أقاليم أخرى. ولعل المثال الصارخ لهذه الحالة يتمثل في أزمة دلتا النيجر في نيجيريا حيث اتخذت مطالب الجماعات الإثنية والأقليات العرقية الخاصة بالحكم الذاتي واقتسام الثروة شكل التمرد المسلح على المصالح النفطية للحكومة النيجيرية.


وازداد الأمر تعقيدا من خلال وجود شبكات وطنية تتعامل في تجارة النفط الخام المسروق والذي تم الحصول عليه بشكل غير قانوني. ولعل هذه الشبكات والمافيات المنظمة تقف وراء فقدان ما يقرب من نحو (20%) من إجمالي إنتاج النفط النيجيري سنويا.


لقد تمثلت أهداف حركات التمرد المسلح في إقليم دلتا النيجير منذ التسعينيات وحتى الآن، والتي قامت بالاعتداء على المصالح الغربية والصينية في الإقليم، في ضرورة إعادة توزيع عوائد النفط وتحريرها من قبضة الحكومة الفيدرالية. إذ يسود اعتقاد جازم بأن النخبة النيجيرية التي تتحكم في عوائد النفط تنحدر أساسا من الأقاليم غير النفطية. النتيجة المنطقية في هذه الحالة تتمثل في المطالبة بإعادة التوزيع والمشاركة في الثروة من خلال القسمة العادلة.


ويطرح السودان مثالا آخر للصراع على النفط بين مختلف القوى السياسة الفاعلة. إذ لا يخفى أن قضية النفط، الذي يتركز في المناطق الوسطى والجنوبية من البلاد، كانت محور الصراع في الحرب الأهلية السودانية قبل توقيع اتفاق السلام الشامل في يناير/كانون الثاني 2005 بين الحكومة السودانية وحركة تحرير السودان.


فقد أدى اكتشاف النفط على أيدي شركة شيفرون، التي حصلت على حق التنقيب عام 1975، إلى إذكاء نيران الحرب الأهلية في الجنوب، حيث هاجم المتمردون حقوق النفط. وربما أدت هذه الهجمات والضغوط الدولية التي قادتها الولايات المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان العالمية إلى انسحاب شركة شيفرون عام 1992.


وفي ظل المقاطعة الغربية للسودان قامت حكومة الخرطوم بتأسيس شركة نفط النيل الأعظم والتي تضم مؤسسة النفط الوطنية السودانية وشركة النفط الوطنية الصينية بنسبة 40%، وبتروناس ماليزيا 30%، ومؤسسة النفط والغاز الطبيعي الهندية 25%. وقد تمكنت شركة نفط النيل الأعظم بالفعل من إنتاج وتصدير النفط السوداني لأول مرة في عام 1999.


وإذا كان النفط يشكل 70% من عوائد التصدير في السودان فإنه أصبح ركيزة الصراع على السلطة والثروة في البلاد. فطبقا لاتفاق السلام الشامل بين الشمال والجنوب يتم توزيع عوائد النفط مناصفة بين الإقليمين، بيد أن باقي الأقاليم يطالب أيضا بالقسمة العادلة لموارد النفط السودانية.





إذا كان النفط يشكل 70% من عوائد التصدير في السودان فإنه أصبح ركيزة الصراع على السلطة والثروة في البلاد.
إن الارتباط الوثيق بين العوائد النفطية والقوة السياسية على المستوى الوطني جعل من مسألة السيطرة على النفط وتوزيعه قضية محورية في الصراع بين الأقاليم والمناطق من جهة وبين الفئات المهمشة والمحرومة والنخبة الحاكمة من جهة أخرى.

أي أن الصراع على النفط على الصعيد الوطني اتخذ منحى رأسيا وآخر أفقيا وهو ما أدى إلى تأثيره البالغ على عملية التشكيل الطبقي للمجتمع النفطي. فقد سعت النخب الحاكمة في الدول النفطية إلى الاعتماد على عمليات التراكم الرأسمالي في شكلها الأولي وهو ما يعني القضاء على أي إمكانية حقيقية لإخفاء الطابع الديمقراطي على العلاقات بين الدولة والمجتمع. يبدو ذلك جليا في تجارب نيجيريا وأنغولا والسودان وتشاد وغينيا الإستوائية.


ويتمثل البعد الثالث للسياسات النفطية في أفريقيا في العلاقة بين شركات النفط الأجنبية ورأس المال الوطني في الدول الأفريقية النفطية.


فعلى الرغم من وجود الشركات النفطية الغربية متعددة الجنسيات وشركات النفط الوطنية الآسيوية ومشاركتها للشركات الوطنية النفطية في أفريقيا فإن ثمة طبقة نفطية أفريقية صاعدة تحاول تثبيت أقدامها باعتبارها طبقة رأسمالية وطنية. ولعل المتابع لسياسات الدول الأفريقية النفطية الخاصة بتحرير قطاع الصناعة النفطية يلاحظ عملية التكالب الجديدة على النفط الوطني في أفريقيا.


فقد عمدت الحكومة النيجيرية منذ عام 2000 إلى تثبيت أركان النخبة النفطية من خلال جملة من السياسات والقرارات، مثل زيادة المكون المحلي في الصناعة النفطية ليصل إلى نسبة 70% بحلول عام 2007، وبيع حصص الدولة في شركات قطاع النفط إلى مستثمرين محليين، بالإضافة إلى الاحتفاظ بنسبة (10%)  للجانب الوطني في أي رخصة تمنح للتنقيب عن النفط لمستثمرين أجانب.


ولا يخفى أن الهدف الأساسي الذي يقف وراء تعظيم المشاركة الوطنية في قطاع النفط يتمثل في رغبة الطبقة الحاكمة في الحصول على فوائد ومنافع اقتصادية أكبر.


وعليه فقد أضحى الصراع حول النفط بالغ التعقيد والتشابك حيث أنه يشمل شبكات وعمليات عالمية النطاق. وإذا كان النفط يشكل سلعة يتنافس الجميع عليها من أجل الحصول على النفوذ والثروة والقوة في ظل تيارات العولمة الجارفة فإنه لا يزال محور الصراع الطبقي في الدول المنتجة له، وأيا كانت طبيعة الصراع على النفط بين الشركات العالمية الغربية أو بينها وبين الشركات الآسيوية الصاعدة أو بين هذه وتلك ورأس المال الوطني الخاص العامل بقطاع النفط فإنه يتضمن علاقات غير متساوية وغير متكافئة في الإنتاج والتوزيع، الأمر الذي يعني إشاعة مزيد من التناقضات الاجتماعية في الواقع الأفريقي ويقضي على أية آمال للإصلاح الاجتماعي والسياسي.


رابعا: البدائل وآفاق المستقبل


إذا كانت مراحل الاستعمار والحرب الباردة قد أعاقت تطور الدولة والمجتمع الأفريقي في عهد الاستقلال فإن على الأفارقة اليوم قبول تحدي عصر العولمة وأن يأخذوا على كواهلهم مهمة إقرار منظومة السلم الأفريقي Pax Africana وتحويلها إلى واقع ملموس.


وثمة آراء متناقضة حول قدرة أفريقيا على مواجهة هذا التحدي. إذ يرى بيتر شوارتز وبيتر لايدن أنه على الرغم من فقر وتخلف القارة فإن بمقدورها أن تواجه التحدي إذا استطاعت أن تستغل بعض التسهيلات التكنولوجية العالمية في تحقيق قفزات تنموية كبيرة.


فأفريقيا لديها موارد طبيعية هائلة بما في ذلك الغابات المطيرة التي تمثل مصدرا مهما في ميدان التكنولوجيا الحيوية. وهو الأمر الذي يمكن أن يشكل حافزا مهما للعالم الصناعي كي يقدم يد العون والمساعدة لتحقيق التنمية الأفريقية.


ويمكن تصور ثلاثة سيناريوهات أساسية للمستقبل الأفريقي:






  1. إذا كانت مراحل الاستعمار والحرب الباردة قد أعاقت تطور الدولة والمجتمع الأفريقي في عهد الاستقلال فإن على الأفارقة اليوم قبول تحدي عصر العولمة وأن يأخذوا على كواهلهم مهمة إقرار منظومة السلم الأفريقي وتحويلها إلى واقع ملموس.
    يتمثل أولها في حدوث نهضة اقتصادية كبيرة تقودها جنوب أفريقيا حيث تسعى الدول الأفريقية إلى تقليد النموذج الجنوب أفريقي.

    وطبقا لهذا السيناريو يصبح السوق الاقتصادي للجنوب الأفريقي حقيقة واقعة، وهو ما يسهم في إحداث ازدهار اقتصادي للمنطقة ككل. وبحلول عام 2050 ستحقق الدول الأفريقية قفزات كبيرة في مجال التنمية مع تحول جنوب أفريقيا نفسها لتصبح عملاقا اقتصاديا على الصعيد العالمي.


  2. أما السيناريو الثاني فهو تشاؤمي حيث تتخذ الدول المتقدمة موقفا دفاعيا لتحمي نفسها من مخاطر وتداعيات الدول المنهارة والفاشلة في النظام الدولي. وعليه فإن المنطقة وفقا لهذا التصور تسير لا محالة في طريق الفوضى والانهيار الشامل.


  3. ويبدو السيناريو الثالث مرتكزا على إحداث تحولات حقيقية في النظام الدولي حيث يبدأ الاهتمام بقضايا التلوث البيئي وتدمير الطبيعة، كما تنهض القارة الأفريقية من خلال تولي قادة جدد يأخذون على كاهلهم إصلاح وتحديث مجتمعاتهم.

لقد أدرك كثير من الزعماء الأفارقة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة أن أفريقيا لا تستطيع أن تحقق التنمية الاقتصادية إلا من خلال وضع أسس الحكم الصالح من منظور أفريقي خالص، وعليه فقد تم في أكتوبر/تشرين الأول 2001 الاتفاق على تأسيس الشراكة الجديدة لتنمية أفريقيا المعروفة باسم النيباد والتي سعت إلى الحصول على مساعدات ودعم الدول الغربية والمطالبة بتخفيف الديون إلى حد إلغائها مقابل تبني أفريقيا لآلية مراجعة النظراء.


وأيا كان الأمر فإن على أفريقيا أن تتحد لمواجهة هذه التحديات السابقة، وعلى عاتقها مهمة الإصلاح السياسي والاقتصادي من خلال تبني منظور جامع للأمن والتنمية. ولا يمكن أن يحدث ذلك في ظل هذا التكالب الجديد على النفط والموارد الأفريقية، ولكن من خلال بناء شراكة حقيقية بين أفريقيا والقوى المهيمنة في النظام الدولي، كما ينبغي أن يتحمل الغرب مسؤوليته التاريخية والأخلاقية بتعويض أفريقيا عن عمليات النهب الطويلة منذ عصر سفينة العبيد وحتى عصر سفينة الفضاء.


إن على الأفارقة تحمل المسؤولية التاريخية للدفاع عن استقلالهم وكرامتهم بما يحقق لهم "شعار أفريقيا للأفريقيين" ويجعل ثروات وموارد القارة الغنية تعود بالنفع على جميع الأفارقة. وربما يتطلب ذلك شراكة حقيقية مع العالم الخارجي شرقاً وغرباً.


وحتى يبدأ قطار النهضة الأفريقية لابد من الحصول على التعويض المناسب جراء عمليات الاسترقاق والنهب المنتظم التي قامت بها قوى الرأسمالية الكولوينالية عبر القرون والسنوات الطويلة، وهو ما أسهم في إفقار وتخلف أفريقيا.


ولعل ما قامت به الحكومة الإيطالية وموافقتها على تعويض ليبيا عن سنوات الاحتلال لها يمثل نموذجاً يمكن تطبيقه في الحالة الأفريقية. عندئذ يمكن لنا أن نرى الفيل الأفريقي يقوم من كبوته وينافس بقوة في إطار قوى العولمة الجارفة.
_______________
باحث مصري