الصراع مع الحوثيين، جذور المشكل وآفاق الحل

تأتي الحرب الأخيرة مع الحوثيين بعد خمس حروب فشلت السلطة سابقا حسمها لصالحها، ولكنها هذه المرة أعلنت عزمها على الاستمرار في معركتها حتى استئصالهم، بعد أن أصبحت الظاهرة الحوثية تشكل خطرا على الحكم اليمني، بل تجاوزته وتجاوزت البعد المحلي لتصبح معضلة إقليمية.
15 November 2009







ناصر محمد ناصر


الملخص


تنتمي الحركة الحوثية إلى الجارودية وهي إحدى المشارب الزيدية التي تقول بوجوب الإمامة حصرا في أبناء الحسن والحسين، وقد تعملقت هذه الحركة نتيجة توظيفها في الصراعات السياسية، حيث استعملتها السلطة مرة للحد من تنامي نفوذ حزب التجمع اليمني للإصلاح الإخواني الانتماء، وأخرى لمواجهة المد السلفي في اليمن إبان خلافها الحدودي مع السعودية، واستعملها مرة ثالثة مناهضو التوريث من أهل السلطة نفسها، للحيلولة دون انتقال السلطة إلى منافسهم على الحكم نجل الرئيس علي عبد الله صالح.





أصبحت الظاهرة الحوثية تشكل خطرا على الحكم اليمني، بل تجاوزته وتجاوزت البعد المحلي لتصبح معضلة إقليمية.
وتأتي الحرب الأخيرة مع الحوثيين بعد خمس حروب لم تستطع السلطة سابقا حسمها لصالحها، ولكنها هذه المرة أعلنت عزمها على المضي قدما في معركتها حتى استئصال الحوثيين، بعد أن أصبحت الظاهرة الحوثية تشكل خطرا على الحكم اليمني، بل تجاوزته وتجاوزت البعد المحلي لتصبح معضلة إقليمية.

فالظاهرة الحوثية تمثل في بعض وجوهها إحدى الأوراق الإيرانية في المنطقة للضغط على السعودية من جهة الجنوب، كما أن تدهور الأوضاع في اليمن نتيجة الأزمات العميقة التي تعصف بالبلد سواء في الجنوب أو الشمال من شأنها أن تؤدي لتفكك الدولة بما يجعل اليمن ملاذا آمنا لتنظيم القاعدة مع كل ما يمثله من خطر على الرياض ومصالح واشنطن في المنطقة.


أما عن نهاية الحرب ونتائجها فليس من المتوقع أن تنتهي الحركة الحوثية تحت وطأة الخيار العسكري، لأنها ذات جذور اجتماعية ودينية قوية، ولأن معتنقي المذهب الزيدي مقتنعون بأنهم محل قمع وتسفيه من التيارات السلفية السنية، ولأن السلطة في اليمن لا تسيطر سيطرة تامة على أراضيها، كما أن هناك قوى محلية لها مصلحة باستمرار الحرب لإضعاف النظام، فضلا عن أن تضاريس المنطقة وعرة يصعب على الجيش اليمني التغلب عليها.


أما الحل الممكن بلوغه فهو دفع الحوثيين للتخلي عن السلاح مقابل العفو عنهم وإعطائهم حرية مزاولة النشاط السياسي والديني، مع إعادة تأهيل المنطقة وإعمارها بعد وقف الحرب، ثم الكف عن تسييس التعليم الديني وإعادة النظر في المناهج الدينية وإعادة صياغتها وفق منهج علمي مقبول من الجميع، ووفق رؤية وطنية متسامحة.


على أن الحل الجذري والذي يبدو متعذرا في الوضع الراهن، هو فك الارتباط بين الأسرة الحاكمة ومؤسسة الدولة، وإيقاف مشروع التوريث لأنه هو الذي فجر مشكلة الحوثية، وهو الذي أثار مشكلة الجنوب كما أثار الخلافات بين أركان النظام نفسه، وهو الذي سيفجر اليمن إن استمر ويحوله إلى مناطق ومذاهب وقبائل وعشائر، بما يؤذن بتفجير المنطقة بكاملها.


*      *      *


النص


ينحدر بدر الدين الحوثي والد مؤسس الحركة حسين الحوثي من منطقة حوث، في محافظة عمران الواقعة شمال صنعاء والقريبة من محافظة صعدة، ويطلق الحوثيون على أنفسهم مسمى "الشباب المؤمن"، أما تسمية الحوثية فقد أطلقتها عليهم الصحافة، ولكنهم يقولون أنهم يفتخرون بهذه التسمية ولا يعترضون عليها، ويدعي آل الحوثي بأنهم ينتسبون إلى البيت الهاشمي، ويعتنق الحوثيون المذهب الزيدي الذي ينقسم في اليمن إلى ثلاث فرق: البترية، والجارودية، والصالحية.


ترى البترية أن السلطة يجب أن تكون في البيت الهاشمي، ولكنها تجيز أن تكون في غيرهم متى كان الأصلح، أما الجارودية فترى أن السلطة يجب أن تكون حصراً في ما تسميه بالبطنين (أبناء الحسن والحسين)، وتعتبر من يتولاها من غيرهم مغتصباً يجب مقاومته، وإلى هذه الفرقة الأخيرة تنتمي الحوثية.


ورغم أن هذا الاعتقاد تلاشى عقب ثورة 26 سبتمبر (أيلول 1962) في معظم أجزاء المناطق الشمالية من اليمن التي كانت تعتنق المذهب الزيدي، بسبب التعليم وبسبب المد السلفي، إلا أن نواة هذا الاعتقاد بقيت راسخة لدى بعض رموز الزيدية، وبالذات في منطقة "صعدة" التي تعتبر معقل المذهب الزيدي.


الحوثية وتوظيف النظام لها
الموقف الإقليمي والدولي وانعكاسه على الداخل
النهاية المتوقعة للحرب
الحلول الممكنة


الحوثية وتوظيف النظام لها


قام النظام اليمني بتوظيف الحوثية منذ إنشائها لمواجهة خصوم الداخل والخارج واستعملتها أطراف النخبة الحاكمة في صراعاتها حول مسألة توريث الحكم:


التوظيف ضد الخصوم
في عام 1994 خرج الحزب الاشتراكي اليمني من الحرب مهزوماً، بعد أن تبنت قيادته السابقة مشروع الانفصال، وعقب تلك الحرب التي أضعفت وهمشت الاشتراكي نظراً لموقف قيادته السابقة من الوحدة، بدا أن حزب التجمع اليمني للإصلاح -المظلة التي ينضوي تحت لوائها الإخوان المسلمون- قد أصبح القوة الأكثر نفوذاً وامتداداً على الصعيد الجماهيري، خصوصاً بعد أن فك حزب التجمع شراكته مع حزب المؤتمر الحاكم في الحكومة الائتلافية التي تشكلت عقب الحرب.


وهنا بدأ النظام يشعر بخطورة تمدد حزب التجمع اليمني للإصلاح جماهيريا، لاسيما وأن الحزب الحاكم هو في نهاية المطاف حزب دولة يعتمد في وجوده وبقائه على جهاز الدولة وإمكاناتها المالية والأمنية والإعلامية، وليس على قاعدة جماهيرية. ومن هنا بدأ النظام يفكر في إيجاد قوة اجتماعية لها جذور اجتماعية مناوئة للفكر السلفي الذي يرتكز عليه حزب التجمع، فوجد ضالته وقتها في عضو مجلس النواب عن الحزب الحاكم "حسين الحوثي"، حيث قام الأخير بتأسيس مدارس مذهبية على غرار الكتاتيب والحلقات والمدارس السلفية لتدريس الفكر الديني الزيدي المناوئ والمناهض للسلفية، ولذا كان أكثر من 90% ممن يطلقون على أنفسهم مسمى "الشباب المؤمن" في بداية تأسيس الحركة يحملون بطاقة عضوية الحزب الحاكم، وخرج الخطاب الرسمي وقتها ليقول -مشيراً إلى السلفيين- بأن الدولة لن تواجههم بالجيش، وإنما ستواجههم بالشعب.


ومن جانب آخر كان النظام في حالة خصومة شديدة مع السعودية، عقب موقفها الداعم للانفصال، وبسبب التوترات التي أثارها المشكل الحدودي الذي كان وقتها لا يزال عالقاً، فكان النظام وقتها يرى في الحوثية ونزعتها المعادية للسلفية الوهابية قوة اجتماعية يمكن أن تصبح رديفاً للجيش في حالة حدوث مواجهة مع السعودية، فأخذ النظام يغض الطرف عن عمليات التسليح والتدريب التي يقوم بها الحوثيون.


التوظيف في معركة التوريث



الحل الجذري والذي يبدو متعذرا في الوضع الراهن، هو فك الارتباط بين الأسرة الحاكمة ومؤسسة الدولة، وإيقاف مشروع التوريث لأنه هو الذي فجر مشكلة الحوثية.
كان النظام اليمني يعتقد أنه بإضعاف الحزب الاشتراكي بالحرب قد تمكن من تصفية آخر خصومه، وآخر عقبة في طريق توريث السلطة، وأن أي معارضة أخرى لمشروع التوريث يمكن تجاوزها والقفز عليها، وبالتالي أخذ مركز النظام يعد العدة لانجاز مشروع التوريث.

وفي هذا الإطار تم تنحية علي صالح الأحمر الأخ غير الشقيق لرئيس الجمهورية من قيادة الحرس الجمهوري، وأسندت المهمة إلى أحمد علي عبد الله صالح نجل الرئيس، الذي أصبح بهذا يجمع بين قيادته لقوات الحرس الجمهوري وقيادته للقوات الخاصة.


كما تم نقل قوات الفرقة الأولى مدرعة التي يديرها علي محسن الأحمر الأخ الثاني غير الشقيق للرئيس، من محيط العاصمة صنعاء وأعيد موضعتها في المحور الغربي المحاذي للبحر الأحمر، أي بعيداً عن العاصمة ومحيطها التي لم يعد نافذا فيها سوى نجل الرئيس المستند إلى القوات الخاصة وقوات الحرس الجمهوري.


وهنا بدأت أطراف النخبة الحاكمة المنقسمة على نفسها ترى في الحوثية ورقة مهمة يمكن توظيفها واستغلالها في إطار لعبة الصراعات الداخلية. فالمتضررون من سياسة التوريث أخذوا يحرضون الحوثي على الصدع بالحق في الوراثة الدينية بناء على معادلة مفادها: "أن الجمهورية إذا كانت ستؤول إلى وراثة فإن البيت الهاشمي أحق بالوراثة من غيره". كما استثمر الحوثي هذا المناخ للحصول على مزيد من الدعم المالي والعسكري، وأخذ يتطلع إلى السلطة.


وهكذا يمكن القول بأن بواعث الحركة مذهبية، ثم تطورت في خضم الصراع الذي أثارته مسألة التوريث إلى بواعث سياسية. وعندما تم انتقاد الحوثي لإثارته مسألة أحقية البطنين -التي لم تعد تتناسب مع روح وطبيعة العصر- ولقوله بالتوريث بعد ما يناهز النصف قرن من سقوط الملكية في اليمن، رد بالقول: إن مشكلة التوريث بدأت من قصر الرئاسة ولم تبدأ من صعدة.


ومن جانب آخر رأى النظام في "التمرد الحوثي" ورقة يمكن استخدامها لضرب أعداء ومناهضي التوريث، ومن هنا كان إقحام الفرقة الأولى مدرعة في خمسة حروب ضد الحوثيين، لم يشارك في أي منها الحرس الجمهوري أو القوات الخاصة، ليوجه الرئيس بعد ذلك إلي الفرقة وقيادتها (ويقودها أخوه غير الشقيق علي محسن الأحمر)، تهمة الإخفاق عقب كل هزيمة، ومن ثم إقالة أهم قياداتها.


اليقظة المتأخرة
حاول النظام إبان الحرب الرابعة والخامسة توظيف الحركة الحوثية دولياً، فطلب من الولايات المتحدة تصنيفها على أساس أنها حركة إرهابية بهدف الحصول على الدعم الأميركي في سياق حربها العالمية على الإرهاب، إلا أن الولايات المتحدة لم تقتنع بتصنيف الحركة على هذا النحو، ومن ثم رفضت طلب النظام.


وأخيراً استيقظ النظام وبعد خمسة حروب بأن الحوثية لم تعد تهدد طرفاً من أطراف النخبة، ولم تعد مجرد ورقة يمكن توظيفها لتصفية حسابات في إطار الصراع الذي فجره مشروع التوريث، وإنما باتت تشكل خطراً يهدد بقاء النظام وبقاء الدولة نفسها، فكانت الحرب السادسة التي تفجرت في صيف هذا العام، والتي لا تزال دائرة إلى يومنا هذا، والتي أعلن فيها النظام أنه لن يقبل بغير الحسم العسكري، ولن يقبل بأقل من استئصال الحوثية، مهما طال أمد الحرب ومهما تضخمت تكاليفها، اعتقاداً منه بأن النصر فيها بات ضرورياً لبقاء النظام.


ورغم هذا الإصرار على إنهاء الموقف عسكرياً، إلا أن الدبلوماسية والسياسة الخارجية اليمنية أكتنفها قدر كبير من الغموض حيال القوى الإقليمية المحركة للحوثية. فالخطاب الرسمي اليمني يعاني من ازدواجية واضحة حيال الدور الإيراني، فرئيس الجمهورية يقول: إن هناك بعض المراجع الدينية وبعض المؤسسات في كل من إيران ولبنان تدعم الحوثية، لكنه لم يذهب إلى اتهام النظام الإيراني مباشرة، بينما وزير خارجيته يتهم القيادة الإيرانية مباشرة ويهدد باتخاذ إجراءات دبلوماسية ضد إيران.


كما أن صمت اليمن عن الدور الإريتري المساند للدور الإيراني في مجالي التدريب والإمداد للحوثية، وإقدام النظام على اتهام ليبيا بأنها تدعم الحوثية دون تقديم سند أو بينة، واتهام دولة قطر بأنها كانت تهدف من وساطتها إلى حماية الحوثية والإبقاء عليها، بإيعاز من إيران: دفع البعض إلى القول بأن النظام اليمني يوزع الاتهامات حسب ما تريده بعض دول الجوار.


فكل هذا أدى إلى تفريغ الخطاب الرسمي اليمني من مضامينه وجعل مصداقيته موضع شك، الأمر الذي قد يحرم اليمن من تعاطف ودعم المحافل الدولية حيال هذه المعضلة التي تعصف باليمن.


مع ضرورة التنبيه إلى أن الحوثية في وضعها الراهن لم تعد مشكلة يمنية بوسع النظام وضع الحلول لها، ولم يعد بوسع اليمن والسعودية الانفراد بمعالجتها، بل باتت مشكلة إقليمية ذات أبعاد دولية مرتبطة بمجمل الصراع في المنطقة، وبالملفات المفتوحة فيها.


الموقف الإقليمي والدولي وانعكاسه على الداخل 





من مصلحة إيران إبقاء ملف الحوثية مفتوحاً وقابلاً للتحريك في الوقت الذي تريد، شأنه في ذلك شأن ملفات أخرى تمسك بها في المنطقة.
تنبهت السعودية من البداية إلى خطورة الحوثية وخطابها المعادي للمذهب الوهابي، لا سيما وأن النظام اليمني أنشأها أو سمح بإنشائها في مناخ المواجهة معها، ولكن بعد أن تمكن البلدان من حل المشكل الحدودي في عام 1999 من القرن المنصرم، أخذت السعودية تحذر النظام من الحوثية ولكن النظام لم يلتفت لهذه التحذيرات، إذ كان يرى في الحوثية ورقة قابلة للاستخدام الداخلي والخارجي حسب ما تستدعيه الظروف والمتغيرات الداخلية، والظروف والمتغيرات الخارجية على صعيد تقلب العلاقات اليمنية السعودية، وكانت سياسته قائمة على أن تبقى الحوثية قوة ولكن تحت سيطرة وتوجيه النظام.

أما إيران فقد وجدت ضالتها في الحوثية، فإيران تسير في طريق بناء مشروع نووي طموح، يستدعي منها أن تسعى وأن تلهث في كل الاتجاهات بحثاً عن أوراق يمكن استخدامها لمشاغلة خصومها ومناوئيها، وخصوصا الولايات المتحدة وحلفائها الدوليين والإقليميين، وتستطيع بها خلق العراقيل أمام هؤلاء والحد من قدرتهم على تكثيف الضغوط عليها الرامية إلى إجهاض مشروعها النووي.


ومن هنا فإن من مصلحة إيران إبقاء ملف الحوثية مفتوحاً وقابلاً للتحريك في الوقت الذي تريد، شأنه في ذلك شأن ملفات أخرى تمسك بها في المنطقة. فهي ترى أن ملف الحوثية سيمكنها من فتح جبهة جديدة في وجه الولايات المتحدة وحليفتها السعودية في جنوب شبه الجزيرة العربية، بحيث تستطيع بموجبها تحريك ورقة الحوثية كلما أرادت الحد من الضغوط الأمريكية والسعودية عليها، وبما يمكنها من تحديد خيارات السعودية في عقد تحالفاتها الدولية وذلك عن طريق تهديد الداخل السعودي من جهة الجنوب.


وانطلاقاً مما سبق وتأسيساً عليه يمكن القول بأن هناك رغبة أكيدة لدى كل من الولايات المتحدة والحكومة السعودية في ضرورة قطع ما يرونه "يدا إيرانية" امتدت عبر الحوثية إلى شمال اليمن لتهدد أهم حليف لواشنطن في المنطقة، ولتهدد المنطقة برمتها إذا ما أدى تدهور الأوضاع في اليمن إلى انهيار الدولة، وبالتالي تحويل اليمن إلى ملاذ جديد لتنظيم القاعدة.


ومن هنا نفهم عدم إثارة الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين لملف حقوق الإنسان الذي اعتادت على توظيفه مع كل حدث يتعارض مع مصالحها وسياستها، ونفهم أيضاً إصرار النظام اليمني على ضرورة الحسم العسكري للحرب، رغم أنه قد سبق له أن فاوض الحوثيين في الدوحة وتوصل معهم إلى اتفاق قبل أكثر من عام، إذ أن النظام يرى في الظرف الإقليمي والدولي الراهن فرصة لن تعوض يمكن استغلالها لتحقيق نصر حاسم، لا يضطر بعده إلى قبول إملاءات واشتراطات الحوثي، خاصة وأن النظام يدرك أن هناك من يتربص به في الداخل ويراقب بعيون فاحصة ومتحفزة ما سيؤول إليه الصراع بين السلطة والحوثية.


مواقف القوى المحلية
فقادة الاحتجاجات في المحافظات الجنوبية يتطلعون إلى أن يروا النظام وقد خرج منكسراً مرة أخرى أمام الحوثية، حتى يتمكنوا من فرض إملاءاتهم عليه، وفي مقدمتها فرض انفصال المحافظات الجنوبية.


ومعارضو النظام والمتضررون منه ومن همشهم مشروع التوريث من جهة أخرى، يتطلعون إلى رؤية النظام مهزوماً أمام الحوثية، حيث يمكنهم وقتها إرغامه على إعادة النظر في مجمل المعادلة السياسية التي نحتهم جانبا وأبعدتهم عن المشاركة.


أما تكتل أحزاب اللقاء المشترك والتي يطالبها النظام بالوقوف معه ضد الحوثية، ويرفض التفاوض معها في نفس الوقت حول مجمل القضايا الوطنية الملحة، ومنها قضية المحافظات الجنوبية وقضية الحوثية نفسها: فهي تتطلع إلى أن ترى النظام وقد وصل إلى طريق مسدود في حربه مع الحوثية، حتى لا يبقى للنظام حينها من خيار سوى الجنوح للتفاوض معها، وهي تخشى من أن يؤدي انتصار النظام على الحوثية إلى دفعه نحو التشدد في التعامل معها وربما استهدافها، لا سيما بعد أن صدرت عدة تلميحات من السلطة بإمكانية إعلان حالة الطوارئ وإنهاء التعددية السياسية والحياة الحزبية في البلاد.


أما أبناء المناطق الوسطى والشرقية والغربية الذين أخذوا ينظمون أنفسهم تحت مسمى الحراك الهادف إلى تأسيس دولة النظام والقانون، القائمة على مبدأ الشراكة والمواطنة المتساوية فهم يتأرجحون بين رغبتهم في أن تؤدي الحرب إلى تغيير قناعات ونهج النظام ودفعه إلى فتح مفاوضات مع كل القوى السياسية على امتداد الساحة الوطنية، بمن فيهم دعاة المذهبية والانفصال، بهدف الخروج بالبلاد من وضع الأزمة إلى فضاء صيغة سياسية جديدة تسع الجميع، ولكنهم يخشون في نفس الوقت ومعهم شرائح المجتمع المدني من أن يؤدي استمرار الحرب إلى تفسخ وانهيار الدولة جملة.


النهاية المتوقعة للحرب 


سبق للحسم العسكري أن أخذ مكانه في عام 2004، حين وصل الجيش إلى عقر دار الحوثية وتمكن من أسر وقتل مؤسس الحركة الحوثية حسين الحوثي، ولكن المشكلة لم تنته عند هذا الحد، بل عادت بشكل أكثر عنفواناً وقوة من ذي قبل، وأعتقد أن هناك عوامل اجتماعية وثقافية وسياسية ستبقي الحركة على قيد الحياة حتى لو منيت بهزيمة عسكرية أمام الجيش، وهذه العوامل هي:






  1. هناك رغبة أكيدة لدى كل من الولايات المتحدة والحكومة السعودية في ضرورة قطع ما يرونه "يدا إيرانية" امتدت عبر الحوثية إلى شمال اليمن لتهدد أهم حليف لواشنطن في المنطقة.
    إن الحوثية حركة سياسية ذات قاعدة اجتماعية راسخة، فالمذهب الزيدي في محافظة صعدة والمناطق المجاورة لها، له وجود اجتماعي قار في المنطقة، وقد أخذ على يد الحوثية منحى أكثر تشدداً، حيث أصبحت أدبياته وشعاراته أقرب إلى أدبيات وشعارات "الثورة الإيرانية".


  2. إن الأيدلوجية الشيعية الحوثية لها امتداد داخل الأراضي السعودية، المحاذية لليمن وبالذات في منطقة نجران، حيث يوجد بها شريحة اجتماعية شيعية تعتنق الإسماعيلية وهي متعاطفة مع الحوثية، ومتذمرة من السلطة السعودية وهذا الوجود النائم يشكل خميرة لإمكانية انتشار الحوثية وامتدادها إلى داخل الأراضي السعودية متى وجدت الظروف المناسبة، التي هي غير متوفرة في الوقت الراهن بسب الوضع المعيشي الجيد في السعودية، وبسبب قوة الحكومة المركزية.


  3. إن معتنقي المذهب الزيدي في محافظة صعدة والمناطق المجاورة لها يعتقدون "أنهم كانوا ولا زالوا محل اضطهاد وقمع وتسفيه من قبل التيار السني السلفي الغالب" في كل من اليمن والسعودية، ومن قبل الجماعات السلفية الوهابية "الأكثر تشدداً والمدعومة من المملكة"، وبالذات أولئك الذين تخرجوا من الجامعات الدينية السعودية، والذين عادوا إلى منطقة صعدة وبتوجيه من بعض دوائر النظام اليمني وأسسوا مدارس دينية سلفية متشددة، تسفه أتباع المذهب الزيدي وترمي بهم إلى مربع الزيغ وتطالبهم بالعودة إلى ما تعتبره الدين الصحيح: مثل المعاهد الدينية التي أسسها مقبل الوادعي، ومعاهد دماج السلفية المتشددة، والتي كرس وجودها مشاعر متنامية من الكراهية والعداء لكل من السلفية والسعودية والنظام، وذلك في تلك المناطق وفي أوساط معتنقي المذهب الزيدي.


  4. إن الحكومة اليمنية لا تسيطر سيطرة تامة إلا على عاصمة الدولة وعواصم المحافظات، مع وجود شكلي في عواصم المديريات بمساندة الموالين لها من شيوخ القبائل، أما المناطق الريفية التي تشكل معظم مساحة اليمن فلا وجود للسلطة فيها على الإطلاق إلا فيما ندر، الأمر الذي يعطي الحوثيين وكل من أراد الخروج على الدولة مساحات شاسعة للتدريب والتخفي وبناء القوة بعيداً عن أي سلطة أو رقابة.

    - هناك أطراف داخل النظام السياسي، وداخل المجتمع اليمني تدفع نحو استمرار الحرب، بهدف إضعاف النظام وإخضاعه لأي مطالب مستقبلية، تطرح من قبلها. وهذه الأطراف هي التي تسمح بتوصيل المال والسلاح إلى الحوثيين، وعبر منافذ وقنوات الدولة نفسها، كما حدث في ظرف الأسابيع القليلة الماضية، عندما أقدم بعض مشايخ مأرب والجوف بالتعاون مع قادة في وزارة الدفاع لاستيراد شحنة أسلحة صينية للحوثي باسم الوزارة. وقد أثيرت المشكلة في مجلس النواب الذي طلب مساءلة وزير الدفاع، الذي بدوره امتنع عن الحضور وأرسل إلى المجلس نائب رئيس الوزراء للشؤون الأمن والدفاع، الذي لا صلة ولا معرفة له بالموضوع، وبالتالي مات الموضوع في مجلس النواب ولم يعد أحد يثير قضية الأسلحة الصينية.


  5. إن تضاريس منطقة صعدة والمناطق المحيطة بها تعد أكثر ملاءمة لحركات التمرد من أفغانستان نفسها، فصعدة ومحيطها تتوزع معظم أراضيها بين جبال شاهقة ووديان سحيقة تغطي أراضيها مزارع الحمضيات الممتدة بطول تلك الوديان، وبالتالي فإن من الصعب على الجيش اليمني رغم خبرته بالمنطقة – وهو الذي تعوزه الإمكانيات والتكنولوجيا- أن يحقق في هذه المناطق ما لم تتمكن الولايات المتحدة وحلفائها وبكل ما يملكونه من إمكانيات من تحقيقه في أفغانستان.

وتقديرا على ما سبق بيانه من أن الحوثية كحركة سياسية وعسكرية ومذهبية لن تنتهي ولن يتم القضاء عليها، ولكنها في نفس الوقت لن تتوسع ولن تستطيع تجاوز حدود محافظة صعدة ومحيطها، كونها مرفوضة فكرياً وسياسياً من قبل الغالبية العظمى من اليمنيين حتى في أوساط من يعتنقون المذهب الزيدي نفسه، أي أن الحوثية ستبقى ورقة قابلة للتوظيف وستبقى مشكلة مزمنة لكل من اليمن والسعودية والمنطقة برمتها.


أما الحسم العسكري وعلى صعوبته فإنه حتى في حالة تحققه لن ينهي المشكلة وفي أفضل الحالات سوف يحول المواجهة المباشرة الحالية بين الجيش والحوثية إلى حرب عصابات أكثر تعقيداً، وأكثر امتداداً على الصعيدين الجغرافي والزمني.


الحلول الممكنة 


إزاء الوضع االلراهن بالغ التشابك والتعقيد، فإن الحل الأكثر عملية وواقعية يتمثل في الآتي:






  1. الحوثية كحركة سياسية وعسكرية ومذهبية لن تنتهي ولن يتم القضاء عليها، ولكنها في نفس الوقت لن تتوسع ولن تستطيع تجاوز حدود محافظة صعدة ومحيطها، بل ستبقى ورقة قابلة للتوظيف وستبقى مشكلة مزمنة لكل من اليمن والسعودية والمنطقة برمتها.
    دفع الحوثيين للتخلي عن أسلحتهم ومواقعهم في الجبال والمزارع والوديان وتسليمها إلى الدولة، مقابل أن تسمح لهم الدولة أن يتحولوا إلى حزب سياسي يزاول عمله ومعارضته للنظام علناً وبالوسائل السلمية وتحت مظلة الدستور والنظام والقانون، مع التزام النظام بعدم ملاحقة رموز وأقطاب الحركة، والتزامه بإصدار عفو عام يشمل كل من شاركوا في الحرب.

    العائق أمام هذا المطلب هو أن عبد الملك الحوثي رغم قبوله بمبدأ المفاوضة لا يزال يرفض رفضاً قاطعاً، التخلي عن السلاح، أو النزول من المواقع التي يتحصن فيها، ويشترط في أي مفاوضة مع النظام بقاء مناطق جغرافية تحت سيطرته ونفوذه، وهو ما يشي لخصومه بأن كل ما يسعى إليه الحوثي هو مجرد هدنة تعطيه مزيداً من الوقت لبناء القوة وليس حلاً ينهي المشكلة.

    ولا يمكن التكهن ما إذا كان الضغط العسكري سيدفع بالحوثي إلى التحول إلى حزب سياسي، فربما يفضل الرجل خيار حرب العصابات كما يرى البعض، بناء على أنه يعتنق "فكراً متشدداً يرفع فيه شعار غلبة الدم على السيف".

    إلا أن هذا كله لا ينفي إمكانية جنوح الحوثي إلى الخيارات العقلانية، فقد صدر عن بعض رموز الحوثية ومنهم يحيى الحوثي -الشقيق الأكبر للقائد الميداني عبد الملك الحوثي- والمقيم حالياً في ألمانيا، ما يدل على استعدادهم للسير في طريق التحول إلى العمل السياسي السلمي.


  2. إعادة تأهيل أبناء المنطقة بعد الحرب -في حالة وقفها- فكرياً وثقافياً، وذلك بالعمل على دمجهم ضمن منظومة ثقافية وطنية، وهذا لا يكون إلا باحتكار الدولة للعملية التعليمية، وبالكف عن تسييس المؤسسة التعليمية، وبإعادة النظر في مضمون المقررات الدينية في المناهج الدراسية وإعادة صياغتها ضمن معايير علمية، وضمن رؤية وطنية تنزع إلى التسامح والقبول بالآخر والمختلف، وبحيث تكون محل قبول من كل أطراف التعدد المذهبي السائد في اليمن.

    على أن وضع هذا الحل موضع التنفيذ يستدعي تعاون عدة أطراف محلية وإقليمية ودولية، فعلى النظام اليمني إن كان يريد الحل فعلا، أن يحترم التزاماته حيال أي ترتيبات للحل من شأنها أن تضمن سلامة وحرية حركة أقطاب الحوثية على صعيد النشاط السياسي، وأن يعمل جاهداً على بناء مؤسسة تعليمية بمعايير علمية، بعيدة عن التوظيف السياسي التي درج عليها والتي خلقت هذه المشكلة، وأن يعمل على إعادة إعمار المنطقة وإزالة مظاهر التمييز والظلم التي يشتكي منها الجميع في عموم اليمن بمن فيهم أبناء محافظة صعدة.

    وبإمكان السعودية والولايات المتحدة وبعض الصناديق العربية والغربية أن تساهم في عملية إعادة الإعمار، شريطة وضع قيود صارمة على النظام حتى لا تتسرب هذه الأموال إلى دهاليز الفساد كما يحدث عادة مع الدعم الدولي الذي لم تستفد منه اليمن، على أن بإمكان بعض الأطراف السياسية التي لا تثير حساسية لدى النظام السعودي كمصر، والتي تعد مقبولة من قبل النظام، وليست محل اعتراض من الحوثية في أن تقود عملية الجهود الدبلوماسية.


  3. على أن الحل الجذري والذي لا تتوفر شروطه اليوم يتمثل في فك الارتباط بين الأسرة الحاكمة ومؤسسة الدولة، وإلغاء مشروع التوريث الذي تجمع كل القوى السياسية اليمنية على أنه قد استلب اليمن أرضاً وإنساناً، وحولها من مشروع بناء دولة بحجم مساحة فرنسا لمجتمع يتجاوز تعداده 25 مليون نسمة، إلى مشروع سلطة ينبغي أن يحصر في أسرة بعينها. فمشروع التوريث هو الذي فجر مشكلة الحوثية، وهو الذي فجر مشكلة الجنوب، وهو الذي فجر الصراع داخل النظام، وهو الذي سيفجر -إن استمر- اليمن برمته، ويحوله إلى مناطق ومذاهب وقبائل وعشائر متصارعة، مما يؤذن بتفجير المنطقة بكاملها.

    إن مشروع التوريث هو المعضلة التي تواجه اليمن، والمشكلة التي تهدد عموم المنطقة، والتي يبدوا أنها مستعصية على الحل اليوم، فإذا كان رأس النظام لا يقبل مشاركة إخوانه في الحكم، فكيف به أن يقبل مشاركة الحوثي أو غيره من أبناء اليمن في إطار أي حل موضوعي يستوعب جميع الفرقاء السياسيين كالحوثيين وأبناء المحافظات الجنوبية وتكتل أعضاء اللقاء المشترك، على قاعدة المشاركة السياسية الحقيقية، وهو الحل الموضوعي الذي يسع الجميع، والذي بوسعه أن يخرج اليمن من أزمتها الراهنة، ويحولها من بؤرة توتر قابلة للانفجار إلى دولة مستقرة وآمنة ومزدهرة.

    كما أن محافظة صعدة ليست جزيرة معزولة في محيط، فهي جزء من نسيج المجتمع اليمني والدولة اليمنية، ولا يمكن حلها حلاً جذرياً بمعزل عن الوضع العام في اليمن، الذي يتطلب تصحيح وضع النظام في اليمن وتحويله من نظام أسري وراثي إلى نظام يسع ويستوعب الجميع.

وأخيرا



إذا لم تحل مشكلة السلطة في اليمن على قاعدة مشاركة جميع أبناء اليمن دون استثناء، فإن الوضع برمته مرجح للتفاقم وتفاقمه سيؤدي إلى المزيد من التأزم الاقتصادي والمعيشي لليمنيين.
الراجح أن تستمر الأزمة اليمنية بل ستتفاقم وستصدر كل إفرازاتها إلى المنطقة والعالم، فإذا لم تحل مشكلة السلطة في اليمن على قاعدة مشاركة جميع أبناء اليمن دون استثناء، فإن الوضع برمته مرجح للتفاقم وتفاقمه سيؤدي إلى المزيد من التأزم الاقتصادي والمعيشي لليمنيين الذين باتوا اليوم في وضع مزرٍ، الأمر الذي قد يفقد النظام في نهاية المطاف السيطرة على زمام الوضع، وحينها ستتبدى معطيات جديدة تسمح للخارجين على النظام مفاوضته من مواقع أكثر قوة.

وفي خضم هذه التطورات المستقبلية ليس بوسع أحد أن يتنبأ بالمصير، أو أن يضع حداً لحدود الكارثة، فاحتمال تفكك وتفسخ الدولة أمر قائم وقد يصعب تجنبه، وإذا لم تأخذ القوى الإقليمية والدولية اليوم المشكل اليمني على محمل الجد، وتشخص مسببات الأزمة، وتضغط من أجل احتوائها ووضع الحلول لها، فربما سيكون عليها مستقبلاً أن تتعايش وأن تتعامل مع وضع غاية في الاضطراب في جنوب شبه الجزيرة العربية.
_______________
باحث يمني