السعودية وتطورات الوضع في اليمن

يصف البعض علاقات الرياض بطهران في المرحلة الراهنة بأنها شبيهه بالحرب الباردة، فمع دعم إيران للحركة الحوثية استخباراتيا وماليا وعسكريا وإعلاميا تجد السعودية نفسها مضطرة للدفاع عن القضايا العربية، ولن تسمح بالمد الإيراني في المنطقة.
24 November 2009







 

زهير الحارثي


ملخص


يقع اليمن جنوب أكبر دولة نفطية في العالم أي المملكة العربية السعودية ويطل على باب المندب، ويقابل القرن الإفريقي المضطرب، ما يجعله محط أنظار أطراف لاستخدامه نقطة عبور إلى هذه الاتجاهات، استنادا لرؤية ومصلحة كل طرف.


وهو ما يفسر الغرابة التي يتسم بها المشهد اليمني وساحاته العسكرية والسياسية، حيث يلاحظ أن فيه ثمة تحالفات متنوعة بين عناصر متناقضة ومتباينة في المرجعية:



  • حوثيون، زيديون يدخلون في قتال مع السلطة اليمنية للسنة السادسة من أجل إعادة الإمامة كما تقول الحكومة اليمنية.
  • تنظيم القاعدة يجد في اليمن ملاذاً آمناً لإعادة بنائه من جديد فضلا عن الدعم اللوجستي والمالي الذي توفر له من عناصر وقوى خارجية.
  • إيران بمشروعها التوسعي تريد محاصرة دول الخليج وإضعاف السعودية تحديداً باستخدام ورقة الحوثيين ودعم تنظيم القاعدة في اليمن.




الرؤية الإيرانية الحالية ترتكز على إثارة الفوضى والقلاقل والفتن في دول المنطقة وتحديدا في تلك التي لا تتفق مع توجهات طهران، بغرض الهيمنة والسيطرة وبما يجعلها قوة إقليمية وحيدة أي شرطي الإقليم.
حلقة الوصل بين هذه المتناقضات هو الدور الإيراني المحوري الذي عاد مع مجيء الرئيس أحمدي نجاد إلى السلطة لسيرته الأولى، والمتمثل بتغليب الطرح العقائدي الأيدلوجي على المصلحي.

فالرؤية الإيرانية الحالية


ترتكز على إثارة الفوضى والقلاقل والفتن في دول المنطقة وتحديدا في تلك التي لا تتفق مع توجهات طهران، بغرض الهيمنة والسيطرة وبما يجعلها قوة إقليمية وحيدة أي شرطي الإقليم، فضلا عن صرف الأنظار عن الداخل الإيراني، وهي تستعمل كل تلك الأوراق التي بحوزتها لمساومة الغرب، ولإيجاد سلاح نووي يكون ضمانا لبقاء نظامها وحمايته من السقوط.


ودعم إيران للحركة الحوثية استخباراتيا وماليا وعسكريا وإعلاميا يأتي في هذا السياق، أضف إلى ذلك قضية خلية حزب الله في مصر المتهمة بالتخطيط "للقيام بعمليات إرهابية", واعترافات السعودي محمد العوفي بتخطيط قاعدة اليمن "المدعومة إيرانيا" باستهداف المنشآت النفطية والحيوية في السعودية, والانقسامات الطائفية بين السنة والشيعة وتزايد النفوذ الإيراني في الملفين اللبناني والعراقي، وتزايد الدعم الإعلامي الإيراني للعديد من الحركات في المنطقة.


والحال هذه فإن السعودية تجد نفسها مضطرة للدفاع -فضلا عن حدودها التي تسلل عبرها الحوثيون- عن القضايا العربية وأن تملأ الفراغ الذي أحدثه سقوط العراق الذي أعقبه التمدد الإيراني، ولن تسمح بهذا المد في المنطقة، وهناك من يصف علاقات الرياض بطهران في المرحلة الراهنة بأنها شبيهه بالحرب الباردة.


مع الإشارة إلى أن الحوثيين، كفئة لا يمثلون خطرا حقيقيا على أمن المنطقة، لكنهم يمثلون خطرا حقيقيا إذا تم الأخذ بعين الاعتبار أنهم جزء من مثلث يضم إلى جانبهم القاعدة وإيران، وتزداد تعقيدات القضية إن صحت المعلومات المتعلقة برغبتهم في الانفصال عن اليمن رغم نفيهم العلني لذلك.


أما الحل


فهو بتنقية العلاقات ما بين الرياض وطهران من الشوائب، وذلك بالاستناد في هذه العلاقات على قاعدة المصالح المتبادلة التي بإمكانها أن تحقق أرضية صلبة لحل الخلافات، إذ من حق كل دولة أن تبحث عن مصالحها المشروعة، أي دون إلحاق الضرر بدولة أخرى أو تكتل آخر، وهذا يهيئ المناخ لنشوء علاقات حسن جوار تساهم في النمو والاستقرار.


علما بأن السعودية تفضل دوما الحلول السلمية على غيرها، كما أن الخليجيين عموما لا ينتظرون تطمينات إيرانية بقدر حاجتهم لبلورة رؤية مشتركة وموقف جاد ومسئول مع إيران في إنهاء كل الملفات العالقة.


صفوة القول إن حل الخلافات يقتضي تعاونا إستراتيجيا مشتركا، فالمنطقة هي منطقتنا، وأمنها واستقرارها هدف الجميع.


*     *     *


النص


في خضمّ التفاعلات والتساؤلات، وبعد تأمل دقيق لما جرى، وقراءة ردود الفعل، نجد أن الحاجة باتت ملحّة لفهم ما يجري، وبالتالي استيعاب الأحداث وقراءتها قراءة متأنية، لأن الرصد والتحليل والتشريح هنا يقتضي الحياد والموضوعية أو محاولة ذلك ما أمكن على أقل تقدير.


يبدو أنه بات من المستحيل التنبؤ بالمسار الدقيق للأحداث في المنطقة، ولذا ليس من قبيل المبالغة القول إن هناك احتمالا لحدوث تغييرات في الأوضاع القائمة، فالمنطقة مليئة بالملفات الساخنة والملعب بات مكشوفا، مما يعني أنها مرشحة للمزيد من الأزمات، لكن ما يرسخ هذا الشعور هو استقراء الأسباب، بمعنى أنه حين العودة لجذور الإشكالية نجد أن اختلال توازن القوى في المنطقة بعد الغزو الأميركي للعراق، والاختلاف الواضح في مصالح الأطراف الإقليمية على ملفات المنطقة الشائكة، وعدم القدرة في التوصل لصيغة مشتركة بينها، من العوامل الرئيسية التي تساند هذه الرؤية في بقاء المنطقة عرضة للتوتر والمخاطر والتهديد.


هذا استهلال يقودنا بالضرورة لقراءة أحداث المنطقة وتحديدا ما يدور حاليا في اليمن وشريطه الحدودي مع السعودية، فما يحدث في اليمن في الفترة الراهنة، أمر مقلق لا سيما لدول الجوار، فالقضية لم تعد شأنا داخليا بقدر ما أنها باتت تمس أمن واستقرار دول المنطقة، ولعل موقف دول مجلس التعاون بدعم ووحدة استقرار اليمن، وتأكيدهم بأن أمن اليمن لا يتجزأ من أمن دولهم كونه هو العمق التاريخي للجزيرة العربية، جاء ليوضح، وبلا مواربة، استشعار دول الخليج لخطورة الوضع والخشية من تداعياته المستقبلية.


على أن المقام هنا لا يهدف إلى إلصاق التهم أو فبركة معلومات مغلوطة لهذا الطرف أو ذاك، بقدر ما هي محاولة لقراءة موضوعية تستند على أدلة وبراهين متداولة في وسائل الإعلام، ودورنا هنا ربط العلة بالمعلول والتنقيب عن الأسباب لمعرفة حدوث النتائج.


السعودية تساؤلات ومخاوف
الحالة الإيرانية ومنظومتها السياسية
طهران والرياض والمستقبل


السعودية تساؤلات ومخاوف 


ولكي نمضي في المزيد من التوضيح، فسننطلق بداية من أهمية موقع اليمن من الناحية الجيوسياسية، كونه يقع جنوب أكبر دولة نفطية في العالم ويطل على باب المندب، ويقابل القرن الإفريقي المضطرب، لهو أمر يجعله هدفاً لأطراف راغبة في استخدامه نقطة عبور لهذه الاتجاهات، استنادا لرؤية ومصلحة كل طرف.


ولعل من يمعن في المشهد اليمني وساحاته العسكرية والسياسية، وفي خضم هذا الاحتدام، يلحظ أن ثمة مشهدا غريبا يعيشه اليمن وتحالفات متنوعة بين عناصر متناقضة ومتباينة في المرجعية:






  • هناك من يعزف على وتر الطائفية وإعطاء الانطباع أن الصراع الدائر ما بين صنعاء والحوثيين، ما هو إلا صراع مذهبي.
    حوثيون، زيديون يدخلون في قتال مع السلطة اليمنية للسنة السادسة من أجل إعادة الإمامة كما تقول الحكومة اليمنية، والحوثيون ينتمون إلى الطائفة الزيدية التي كانت تحكم قبل ثورة 1962م وهم أقلية تعايشوا مع السنة، لكن هناك من يعزف على وتر الطائفية وإعطاء الانطباع أن الصراع الدائر ما بين صنعاء والحوثيين، ما هو إلا صراع مذهبي.
  • تنظيم القاعدة يجد في اليمن ملاذاً آمناً لإعادة بنائه من جديد فضلا عن الدعم اللوجستي والمالي الذي توفر له من عناصر وقوى خارجية وفق تصريحات محمد العوفي وناصر الوحيشي أمير التنظيم في اليمن وطارق الفضلي قائد الحراك الانفصالي الجنوبي.
  • إيران بمشروعها التوسعي تريد محاصرة دول الخليج وإضعاف السعودية تحديداً باستخدام ورقة الحوثيين ودعم تنظيم القاعدة في اليمن، ولعل تصريحات المسؤولين الإيرانيين الأخيرة، ووجود عناصر من تنظيم القاعدة في طهران مثل سيف العدل وسعد بن لادن والقرعاوي، سبق أن طالبت بتسليمهم السعودية لكونهم متهمين بارتكاب عمليات إرهابية فيها، تدعم هذا الرأي.

تحالف مريب
بناء على ما ذكر، نستطيع أن نقول أيضا ووفقاً لما طرحه المسؤولون اليمنيون الرسميون وأطراف في المعارضة الإريترية، الذين ألمحوا إلى تورط إيراني في الحرب وذلك بدعم مالي وعسكري حيث تم تدريب عناصر حوثية في البقاع اللبناني لدى حزب الله، وكذلك في معسكرات في إريتريا فضلا عن إرسال أسلحة من طهران لإريتريا وتسليمها للحوثيين عبر البحر الأحمر.


كما جاءت في نفس السياق اعترافات القيادي الميداني لتنظيم القاعدة محمد العوفي الذي سلم نفسه للسلطات السعودية، حيث أشار للدعم المالي الإيراني للحوثيين، وأن هناك مساندة استخباراتية وسياسية خارجية لاستهداف الأمن والاستقرار في اليمن والسعودية، وتحول دون ذهاب عناصر التنظيم إلى العراق وأفغانستان، بل ومطالبتهم بالذهاب إلى اليمن لتكوين خلايا فيه، وكأن هناك مشروعا لصوملة اليمن أو أفغنته، إلا أن الوضع سيكون أسوء من حال الصومال أو أفغانستان لكون اليمن يتحكم في أهم المنافذ البحرية ولعل في ذلك إجابة صريحة لماذا اليمن تحديدا؟!


وهذا يعني من جهة تحالف مريب بين القاعدة وإيران بحيث إن إيران تستخدمها كورقة ضغط على دول الجوار، ومن جهة أخرى يكشف أن القاعدة تتعاون مع حركة التمرد الحوثية، ناهيك عن تأييدها للانفصاليين في الجنوب، على اعتبار أن من يطالب بالانفصال كان قاعديا وترى القاعدة أنه سيدعمها بالعناصر لا سيما بعد رد الفضلي على الحكومة برفضها تسليمه المعتقلين الذين ينتمون لحركته، وبالإضافة إلى تصريحات ناصر الوحيشي أمير تنظيم القاعدة في اليمن ودعمه الحراك الانفصالي في جنوب اليمن فضلا عن تصريحات طارق الفضلي قائد الحراك الانفصالي واعترافه باحتضانه لأعضاء من القاعدة.


غير أن كل هذا يعزز تلك المقولة التي ترى أن في علم السياسة لا عداوة دائمة ولا صداقة دائمة وإنما هناك مصالح دائمة، بمعنى أن ما يحدث ليس سوى تقاطع المصالح رغم التباين المذهبي ومن يعرف أدبيات القاعدة، يوقن أنها تجيز لعناصرها استخدام الوسائل المشروعة وغير المشروعة، واستغلال كل الظروف والمعطيات من أجل تحقيق الهدف، وهذا ما جاء في فكر أبي الأعلى المودودي وسيد قطب.


تساؤلات ومخاوف
على أن هناك تساؤلات تطرح نفسها استنادا على المعطيات السابقة تتمثل في التالي: هل هناك فعلا قوى خارجية تريد تحويل اليمن إلى موطن للإرهاب من أجل تنفيذ أجندة ومخططات يراد بها توريط المنطقة، وهل ما يقوم به الانفصاليون هو إشغال القوات اليمنية العسكرية في عمليات حربية ضد الحوثيين، والأجهزة الأمنية في التصدي لتنظيم القاعدة مما يعطيهم الفرصة تحقيق مطلبهم في الانفصال؟


وهل الحوثيون فعلا الذين يجدون دعما ماديا وعسكريا من إيران يطمحون إلى إنشاء دويلتهم الأمامية؟ وهل ترغب إيران في تحويل دول الجزيرة العربية إلى وضع مشابه إلى باكستان وأفغانستان وذلك بفتح جبهة على الحدود السعودية اليمنية لزعزعة أمن السعودية، وتكون البداية باستهداف المنشآت النفطية كما جاء في أقوال العوفي؟


ماذا عن صحة المعلومات التي نشرتها الديلي تلغراف حول إرسال عناصر من الحوثيين للتدرب في معسكرات حزب الله في البقاع اللبناني، وماذا عن القاعدة وهدفها في السيطرة على المنافذ البحرية (باب المندب) للتواصل مع عناصرها في الصومال والضغط على مصر في التأثير على قناة السويس، في ظل حضور الأسطول الحربي الإيراني المتواجد في المنطقة بحجة حماية نفطه من القرصنة؟





كأن هناك مشروعا لصوملة اليمن أو أفغنته، إلا أن الوضع سيكون أسوء من حال الصومال أو أفغانستان لكون اليمن يتحكم في أهم المنافذ البحرية ولعل في ذلك إجابة صريحة لماذا اليمن تحديدا؟!
هل السلفية المتشددة في الجنوب ستتلاقح مع الشيعة الزيدية في الشمال لتتخلص من الشافعية في الجنوب، وبالتالي يتم الانفصال وشطر اليمن إلى ثلاثة أقسام؟ وأخيرا هل تحولت مأرب وصعدة إلى مركز للإرهاب؟

تساؤلات حارقة ومؤلمة في آن، وقد نجد لها إجابات في ثنايا هذا المقال وقد لا نجد، وليس ذلك مهما بقدر ما المهم يكمن في الاعتراف بوجودها على الساحة، أنها ما زالت تطفو على السطح مما يصعب معه تجاهلها.


على أن الأحداث التي ارتسمت على الشريط الحدودي ما بين السعودية واليمن، جاءت كجرس إنذار لخطورة الوضع الداخلي اليمني وعدم قدرة صنعاء على بسط نفوذها على كافة أرجاء الدولة اليمنية، وكان من الطبيعي دخول الجيش السعودي إلى هذه المعركة، لأنه، ووفقا للرواية السعودية الرسمية، تم رصد تواجد لمسلحين قاموا بالتسلل إلى موقع جبل دخان داخل الأراضي السعودية في قطاع الخوبة بمنطقة نجران. وقد قام هؤلاء المتسللون بإطلاق النار على دوريات حرس الحدود من أسلحة مختلفة ونتج عن ذلك مقتل رجل أمن وإصابة آخرين.


من الناحية القانونية يعتبر هذا التسلل غير مشروع، ويحق للدولة -أي دولة- أن تحمي حدودها وفقا لقواعد القانون الدولي، إلا أن الخطورة كانت تكمن في أن هؤلاء كانوا مسلحين أو ما يسمى وفق المصطلح الدولي (تسلل مسلح).


على أن الحوثيين، كفئة لا يمثلون خطرا حقيقيا على أمن المنطقة، لكنهم يمثلون خطرا حقيقيا إذا تم الأخذ بعين الاعتبار أنهم جزء من مثلث يضم إلى جانبهم القاعدة وإيران، وتزداد تعقيدات القضية إن صحت المعلومات المتعلقة برغبتهم في الانفصال عن اليمن رغم نفيهم العلني لذلك.


أياً كان الأمر، فإن السعودية، ووفقا لتصريحات مسؤوليها، لا تتدخل في شؤون اليمن الداخلية، لكنها في ذات الوقت تقول بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي عندما يمس أمنها واستقرارها، وبالتالي فإن دول الجوار ترى أمر الحوثيين بيد الحكومة الشرعية في اليمن التي يجب أن تحسم هذا الأمر بكل الطرق المشروعة مع دراسة مطالب وحقوق أهل الشمال والجنوب.


فهم مواطنون يمنيون في نهاية المطاف ومن حقهم المطالبة بمشاريع للتنمية والمشاركة السياسية وذلك إطار الدستور. أما حمل السلاح لتحقيق مطالبهم فهو أمر يرفضه العقل والقانون والمنطق، وبالتالي إذا فشلت لغة الحوار فلغة الحسم هي من تفرض نفسها، لأن الأمر لم يعد شأنا داخليا وإنما تبعاته تمس المنطقة بالكامل.


والقاعدة وجدت في هذه المنطقة مرتعا آمنا لها، وإيران وجدت في القاعدة والحوثيين أداتين طيعتين مثلهما مثل حزب الله في لبنان، فهم أدوات لتكريس الهيمنة الإيرانية في المنطقة من جهة، ومن جهة أخرى وسائل لإشغال الرأي العام الإقليمي والدولي عن حقيقة ما يجري في إيران من حراك داخلي بفعل نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة.


أما إذا كان هناك خشية من أن تتحول هذه الحرب إلى ساحة استنزاف للجيش السعودي بالنظر إلى التعقيدات الجغرافية للمنطقة الحدودية وبسبب طبيعة حرب العصابات التي تنتهجها جماعة الحوثي فإن هذا يعود في المقام الأول إلى قدرة الحكومة اليمنية، فإن حُسمت معركة صعده فإن المعادلة بلا ريب ستتغير، كما إن السعودية لا ترغب في أن تنجر لحرب لا ناقة لها فيها ولا جمل، فما تحرص عليه وتؤكده علنا أنها تحافظ على حدودها وتمنع التسلل إلى أراضيها وستحاول قدر الإمكان ضبط النفس وعدم التورط في جرها للمنزلق، لأن طمع إيران كما يبدو ومن يقوم بالحرب وكالة عنهم هو أقلمة الصراع في اليمن، في حين أن السعودية تصر على أن ما يحدث في اليمن هو ملف داخلي يخص الحكومة اليمنية.


دور القاعدة
أما القاعدة ودورها هناك، فإنه يقتضي منا قراءة تشريحية لها من أجل محاولة فهم إستراتيجيتها، فاختيارها لليمن له مغزى ودلالة، كونها تستقر في المكان غير المستقر، بمعنى أن البيئة غير المستقرة سياسيا تعزز نمو هذه الحركات ولو تأملنا دولا كأفغانستان والصومال والعراق واليمن لتبين لنا فلسفة تواجد هذه التنظيمات، كما أن هذا التنظيم له أجندة سياسية تهدف في المقام الأول إلى الاستيلاء على السلطة، ولعل أدواته ووسائله ترتكز على اختراق العناصر الشابة وتجنيدها واستغلال ظروف وأحداث المنطقة للتغرير بهم والاستفادة منهم من أجل بناء شبكته البشرية في حين أن أسلوبه التكتيكي في ضرب اقتصاديات الدول المراد زعزعة أمنها يتمثل في استهداف المنشآت النفطية، فمن الطبيعي أنه عندما يُضرب الاقتصاد يتزعزع الأمن وينهار النظام.





الحوثيون، كفئة لا يمثلون خطرا حقيقيا على أمن المنطقة، لكنهم يمثلون خطرا حقيقيا إذا تم الأخذ بعين الاعتبار أنهم جزء من مثلث يضم إلى جانبهم القاعدة وإيران.
غير أن الحقيقة المؤلمة تكمن في أن معتنقي هذا الفكر المتطرف ينطلقون من أرضية أيديولوجية راديكالية لا تؤمن بالحوار ولا بالرأي الآخر، ولا يرون المستقبل والحاضر إلا من خلال الماضي، كما أنهم في ذات الوقت لا يستطيعون الانفكاك من هذا الإسار الفكري الظلامي، الذي يمنعهم من رؤية الأشياء كما هي، بل يصورها (كما يجب أن تكون)، ولعمري إنها لأزمة فكرية خانقة، لا تنفع معها المهدّئات ولا المسكّنات، فالحل يكمن في البتر وقطع العضو الفاسد، وبالتالي إنقاذ الجسد من الموت!

على أن البتر هنا، لا يعني الملاحقة الأمنية والمراقبة الاستخباراتية والمداهمة وما إلى ذلك من مصطلحات أمنية لكشف تلك الخلايا ومحاكمتها. أقول لا تعني ذلك، رغم أهمية ما سبق، لكن ما أقصده هنا يتعلق بالمعالجة الدائمة وليست اللحظية، والبتر ليس بالضرورة أن يكون لحظياً، بل يستند إلى إستراتيجية تنزع إلى الدراسة العلمية المعرفية ومحاولة ربطها بالواقع، لا سيما أن هنالك أسباباً سوسيولوجية وسيكولوجية لظهور هذا الفكر المتطرف وإن كان هذا ليس مثار نقاشنا.


الحالة الإيرانية ومنظومتها السياسية 


أما إيران وما أدراك ما إيران، فهي مالئة السمع والبصر في عصرنا الراهن، وهذا يستدعي منا شرح الحالة الإيرانية ومنظومتها السياسية، فهناك قراءة ترى بأن إيران تخشى من سقوط نظامها الذي لا يلقى شرعية محسومة لدى الغرب، وتجد في إيجاد سلاح نووي حماية لها وصيانة لبقاء نظام الثورة الإسلامية، وبالتالي هذا السلاح سيكون رادعاً لمن يحاول الاقتراب من إسقاط النظام، فضلا عن أنه لا يمكن لإيران أن تساوم أو تفاوض الغرب دون أن يكون في يدها أوراق فاعلة في الدول ذات الملفات الملتهبة. ولعل المتابع لما يجري في المنطقة ومنذ غزو العراق واختلال موازين القوى في المنطقة، يلحظ أن ثمة تداعيات أحرزتها على الإقليم، لعل أهمها بروز الطرح الطائفي بالمنطقة، ومخاطر الانقسام بين السنة والشيعة، فضلاً عن ظهور المد الإيراني المؤثر في الملفين العراقي واللبناني آنذاك.


ولم يعد سرا القول إن إيران ترى أن التدخل في شؤون الدول الأخرى وهز استقرارها هدفا يحقق لها الهيمنة والسيطرة على تلك الدول، وبالتالي تكون قوة إقليمية وحيدة (شرطي الإقليم) ويرى البعض أن تدخلها يكون عادة عبر دعم العناصر والعملاء والحركات مادياً وعسكرياً وإعلامياً بدءا من أفغانستان إلى العراق وفلسطين ولبنان مروراً بدول الخليج واليمن فضلاً عن اختراقاتها في سورية ومصر.


ولعل تصريحات وزير الخارجية الإيراني ورئيس البرلمان الإيراني في الفترة الماضية، جاءتا لتؤكدا أن ثمة تدخلا لطهران في الحرب الدائرة في اليمن، وهي في مضمونها إدانة واضحة للتورط الإيراني، وتكشف عن دعم سياسي معلن للحوثيين، فضلا عن أنها تضمنت إملاءات على صنعاء والرياض قوبلت بالاستهجان لا سيما أنها تأتي متزامنة مع موسم الحج والمراقب المحايد لهذه التصريحات يشعر بأنها لا تساهم في خلق مناخ إيجابي في المنطقة، ولا تخدم استقرار دول المنطقة وتحد من التقارب بين دول الخليج وإيران، رغم أن إيران تعلم بأن الوضع الإقليمي أحوج ما يكون إلى التهدئة والحوار، ولكنها بذلك تصب الزيت على النار من أجل إشعال فتيل فتنة في منطقة أخرى بعدما أشعلتها في اليمن والعراق وفق رؤية البعض.


وهنا نحن بحاجة للعودة للوراء من أجل محاولة معرفة الخلل في السياسة الإيرانية إن وجد، فمن يتأمل المشهد الإيراني، يلحظ أن ثمة معادلة ما زالت مهيمنة عليه تتمثل في الاعتبار العقائدي والمصلحة الوطنية في ما يتعلق بعملية القرار السياسي داخليا وخارجيا.


بدأت ملامح المعادلة منذ نجاح الثورة الإيرانية في فبراير/ شباط عام 1979، حيث اتضح تغليب النظرة الأيديولوجية العقائدية، بدليل استخدام أسلوب تصدير الثورة ومساندة حركات المعارضة الإسلامية الراديكالية ودعمها ضد المصالح الأميركية، وقامت بالتعبئة لرجال الدين في العالم الإسلامي والتأثير عليهم فكريا بما يتفق مع أفكارها الثورية. لكن سرعان ما أخذت المعادلة منحى آخر عقب تولي رفسنجاني رئاسة الجمهورية، فكان التحول إلى البراغماتية والواقعية، حيث شهدت فترة خاتمي أبرز صورها، وهي مرحلة أكدت على تغليب المصالح الوطنية على الفكر الإيديولوجي مما جعل البعض يعتقدون أنها مرحلة دشنت مفهوم الدولة وأغلقت الباب على إفرازات الثورة.


كانت إيران في العهد الإصلاحي برئاسة خاتمي تمثل النضج السياسي والذي شهد تقاربا خليجيا/إيرانيا، وانفتاحا على العالم، مما خلق حالة من الثقة والارتياح والوفاق، وهيأ مناخاً تفاؤلياً في المنطقة، غير أنه لم يلبث أن تلاشى هذا الشعور الايجابي مع مجيء الرئيس محمود أحمدي نجاد الذي يبدو أنه في طريقه إلى إعادة المعادلة إلى نشأتها الأولى، حيث يتم تغليب الطرح العقائدي الإيديولوجي على مصالح الوطن واهتماماته.


ومن نافلة القول إن إشعال أي فتيل في المنطقة يعني مزيدا من القلق والتوتر لمنطقة هي متوترة بالفعل، فمسألة أمن الخليج قضية مطروحة منذ ثلاثة عقود لكونها تتميز بعاملي النفط والموقع الإستراتيجي، وهي المنطقة الملتهبة والتي شهدت ثلاث حروب مدمرة طوال العقدين الماضيين، مما أدى إلى زعزعة استقرارها الإقليمي، وما زالت دولها تعاني من تداعياتها، وطالما أن الأمر كذلك، فإنه من الطبيعي أن تثار حفيظة العالم إزاء ما تطرحه الرئاسة الإيرانية من خطابات متشددة ولغة استفزازية في منطقة تشهد اختلالا في موازين القوى.


على أن هذه الرؤية ترتكز على إثارة الفوضى والقلاقل والفتن في دول المنطقة وتحديدا تلك التي لا تتفق مع توجهات طهران, ولعل خلية حزب الله في مصر وخططها للقيام بعمليات إرهابية, فضلا عن المعلومات التي ذكرناها آنفا من اعترافات السعودي محمد العوفي بتخطيط قاعدة اليمن المدعومة إيرانيا باستهداف المنشات النفطية والحيوية في السعودية ودعم الحوثيين, جاءت لتضع المخطط الإيراني في المنطقة تحت المجهر وترسخ نهج السياسة الإيرانية في خلط الأوراق واستخدام وسائل غير مشروعة من أجل المراهنة على دور أكبر لها في المنطقة. ويبدو أن الصورة بدأت تتضح, واللغز لم يعد لغزا بدليل ما نسمعه من تصريحات لمسئولين إيرانيين تدعو للدهشة والاستغراب.


طهران والرياض والمستقبل 





طالما أن الرياض وطهران هما اللاعبان البارزان في المنطقة، فهناك ضرورة لتنقية شوائب العلاقة ما بينهما ووضعها على الطريق الصحيح رغم الفتور الراهن.
قد يجادل البعض بالقول إن أي تصعيد في المنطقة قد يؤدي إلى كارثة حقيقية، وفي هذا الكثير من الصحة، إلا أن الأكثر صحة أن علاقة العرب مع إيران عبر التاريخ فيها شيء من الريبة، وأن الأخيرة لها الرغبة في التوسع والتهديد، ناهيك عن خطابها الراهن الذي يفتقد إلى الدبلوماسية واللياقة، كما أنها أعادت وضع الخيارات الأمنية والعسكرية في سلم الأولويات على حساب الاستحقاقات الداخلية من وضع اقتصادي مترد وانفجار سكاني وترهل تعليمي واجتماعي، وهو ما دفع دول المنطقة إلى عقد تحالفات عسكرية مع الغرب خشية من التهديدات الإيرانية في الثمانينات، ويبدو أنها الآن بدأت تعود من جديد، فضلا عن الفارق المهول في القدرات العسكرية والبشرية بينها وبين إيران.

وطالما أن الرياض وطهران هما اللاعبان البارزان في المنطقة، فهناك ضرورة لتنقية شوائب العلاقة ما بينهما ووضعها على الطريق الصحيح رغم الفتور الراهن، علما بأن السعودية موقفها واضح تماما حيث إنها تدعو إيران إلى عدم التدخل في الشؤون العربية الداخلية وعدم زرع الفتن بين أهله، والحد من الصراع الطائفي ولجمه، لكونه بات قنبلة موقوتة في المنطقة، كما أن السعودية تفضل دوما الحلول السلمية، وهناك من يصف علاقتها بإيران بأنها شبيهه بالحرب الباردة، ومع ذلك فالسعودية مضطرة للدفاع عن القضايا العربية وأن تملأ الفراغ الذي أحدثه سقوط العراق، ولن تسمح بهذا المد الفارسي في المنطقة.


صفوة القول إن الارتهان إلى لغة العقل والحوار والحكمة والموضوعية في حل هذه الملفات، تقتضي تعاونا استراتيجيا مشتركا فالمنطقة هي منطقتنا، وأمنها واستقرارها هدف الجميع، من أجل حياة كريمة ومنتجة لشعوبنا وأجيالنا القادمة. فالخليجيون لا ينتظرون تطمينات إيرانية بقدر ما حاجتهم تتجه لبلورة رؤية مشتركة وموقف جاد ومسئول مع إيران في إنهاء كل الملفات العالقة.


ولعل الاستناد إلى قاعدة المصالح المتبادلة بإمكانها أن تحقق أرضية صلبة لحل الخلافات، إذ من حق كل دولة أن تبحث عن مصالحها بشرط أن يكون في إطار وضعها الصحيح، أي دون إلحاق الضرر بدولة أخرى أو تكتل آخر، وهذا يهيئ المناخ لنشوء علاقات حسن جوار تساهم في النمو والاستقرار، ومع أن النوايا الحسنة ضرورية، لكنها ليست منتجة طالما أنها لن تترجم إلى أفعال على أرض الواقع، ومع ذلك، وطالما أن الحديث عن حرب اليمن، فإنه لا احد يمكنه أن يتكهن بما سيحدث في القادم من الأيام، ولا أحد يستطيع التأكيد على قرب انتهائها أو عدم عودتها من جديد طالما أن الأسباب لم تعالج، وهل أنها ستقف عند نقطة محددة أم أنها سوف تتمدد إقليما فهذا ما سيكشفه القادم من الأيام وهي حبلى على أي حال.!!
_______________
كاتب وعضو مجلس الشورى السعودي