اتجاهات الأزمة الاقتصادية العالمية وتأثيراتها على اقتصادات دول الخليج

لم تكن آثار الأزمة الاقتصادية العالمية على دول الخليج بالعمق الذي عرفته بالدول الغربية، لأن أنظمتها المصرفية لم تنسق إلى المضاربات المالية، ثم لأنها راكمت مداخيل كبيرة أثناء ارتفاع أسعار النفط فإنها فرت لها سيولة كافية لمواجهة أزمة القروض
10 October 2010







جورج قرم 


التشابه بين الأزمة الحالية وأزمة ثلاثينيات القرن الماضي 
لماذا بقيَت اقتصادات الجنوب بمنأى عن الأزمة؟ 
ظاهرة انفصال الأسواق المالية الخليجية
أزمة إمارة دبيْ وعِبَرها
الدور الهام لفائض ميزانيات دول مجلس التعاون الخليجي


 التشابه بين الأزمة الحالية وأزمة ثلاثينيات القرن الماضي





الظروف المحيطة بالأزمتيْن مختلفة تماماً من نواحٍ عدة. فالسمة الرئيسية للأزمة الحالية أنها انحصرت تأثيراتها بشكل رئيسي في الاقتصادات الأوروبية واقتصاد الولايات المتحدة. وقد كلَّفت خزائن تلك الدول ومصارفها المركزية آلافا من مليارات الدولارات لإنقاذ أنظمتها المصرفية من الانهيار التام والحؤول دون الوقوع في أزمة سيولة خانقة تشل تماماً القدرات الاقتصادية
كَثُر الحديث عن طبيعة الأزمة المالية والاقتصادية التي انفجرت في نهاية عام 2007 ومسبباتها وتأثيراتها المختلفة في مناطق العالم. فالأزمة بمكوِّنها المالي العملاق الذي ضرب الأنظمة المصرفية في أوروبا والولايات المتحدة أعادت إلى الأذهان الأزمة الشهيرة المماثلة في عام 1929 من القرن الماضي. وكانت هذه الأزمة انطلقت شرارتها من ألمانيا وامتدت إلى الولايات المتحدة ومن ثم إلى سائر الدول الأوروبية وأدَّت إلى تفشي مستويات من البطالة عالية للغاية، كما سهَّلت بروز الأنظمة الفاشستية في أوروبا. وربما تكون هي أيضاً التي شجعت دولة اليابان في طور التصنيع المتسارع على تحدي الاستعمار الغربي المتفشي في القارة الآسيوية واحتلال أجزاء واسعة منها، خاصةً في الأراضي الصينية، وذلك قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية.

والجدير بالإشارة هنا أنَّ هذه الأزمة الاقتصادية العائدة للقرن الماضي كانت قد أثَّرت في اقتصادات الدول العربية، التي كانت جميعها واقعة تحت هيمنة إحدى الدول الأوروبية الكبرى، وبشكل خاص فرنسا وبريطانيا وإيطاليا. فقد كانت تلك الدول حينذاك قد بدأت في تطوير البنى التحتية وتحديث وتصنيع اقتصاداتها ولو بشكل مقيَّد من قبَل المستعمر ومصالحه الاقتصادية. فقد توقف هذا النمو أو تباطأً كثيراً إلى حين نشوب الحرب العالمية الثانية حين تطلبت احتياجات الجيش البريطاني، لمواجهة محاولة هتلر غزو منطقة المشرق العربي والوصول إلى مصر، تنشيط الأوضاع الاقتصادية المحلية، سواءً في المجال الزراعي أو الصناعي أو الخدماتي، بالإضافة إلى الحاجة إلى المزيد من المواد الأولية المنتجة محلياً ومنها موارد الطاقة.


فما هي الحال اليوم في منطقتنا العربية والشرق أوسطية عندما نقارن بين ما فعلته الأزمة الاقتصادية العائدة للقرن الماضي والأزمة الحالية؟


مما لا شك فيه أن الظروف المحيطة بالأزمتيْن مختلفة تماماً من نواحٍ عدة. فالسمة الرئيسية للأزمة الحالية أنها انحصرت تأثيراتها بشكل رئيسي في الاقتصادات الأوروبية واقتصاد الولايات المتحدة. وقد كلَّفت خزائن تلك الدول ومصارفها المركزية آلافا من مليارات الدولارات لإنقاذ أنظمتها المصرفية من الانهيار التام والحؤول دون الوقوع في أزمة سيولة خانقة تشل تماماً القدرات الاقتصادية. أما دول أميركا اللاتينية، وكذلك الصين والهند ودول شرق آسيا ذات الاقتصاد الناشئ والمتطور بسرعة، فلم تتأثر إلا بشكل هامشي، بلْ أصبحت تلعب دور القاطرة التي أخرجت الاقتصاد العالمي ككل من أوضاع اقتصادية انكماشية منتشرة في كل اقتصادات الدول الغربية.


لماذا بقيَت اقتصادات الجنوب بمنأى عن الأزمة؟





سبَّبت التأرجحات الحادة في أسواق المال في دول مجلس التعاون الخليجي بعض المتاعب في وضع السيولة لدى بعض الشركات والمصارف، وذلك خاصة بعد أن تراجع أيضاً نشاط الأسواق العقارية على أثر الأزمة التي عانت منها إمارة دبيْ والتي سنعود إليها في ما بعد
حري بنا هنا أن نتفحص بسرعة الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة التي جعلت اقتصادات الجنوب بمنأى عن معظم عواقب الأزمة التي عصفت بالدول الغربية. فقد بقيت الأنظمة المصرفية في تلك الدول سليمة بفضل تجنّبها الدخول في المضاربات المالية الكبرى، الناتجة عن إقدام كبريات المصارف الأميركية على إطلاق أنواع جديدة من الأدوات المالية "السامة"، التي اعتمدت على إعادة بيْع تسليفات طويلة المدى لشراء المساكن في الولايات المتحدة على أساس مبالغة تضاربية حول قيمة الرهنيات العقارية؛ كما أنَّ الإفراط في استعمال الأدوات المالية المعقَّدة المتفرعة عن عمليات التأمين ضد المخاطر المالية، وعمليات شراء وبيع لأجَل جميع أنواع المواد الأولية وبعض الخدمات (مثل النقل)، هو الذي أدى إلى خسائر جمة في كبريات مصارف الاستثمار الأمريكية، وكذلك في الشركة الأميركية العالمية للتأمين (AIG). ولكن العدوى لم تنتقل إلا إلى المصارف الأوروبية التي تعاملت بكل هذه الأدوات، بينما بقيَت مصارف الاقتصادات الكبرى الأخرى في آسيا وأميركا اللاتينية وكذلك الشرق الأوسط بعيدة عن التعامل بهذه الأدوات.

أما السبب الثاني في تجنب الاقتصادات الناشئة المذكورة الأزمة المالية والاقتصادية، فيمكن أن يعْزى إلى ديناميتها التصنيعية الجديدة وأهمية أسواقها الداخلية وقدراتها التنافسية الفائقة في الأسواق الدولية، بعد أن استفادت إلى أقصى الدرجات من تخلي أوروبا الصناعية والولايات المتحدة عن أجزاء واسعة من صناعاتها التقليدية لصالح تلك الاقتصادات في تقسيم العمل الدولي الجديد الناشئ عن تحرير المبادلات العالمية خلال الثلاثين سنة الماضية. وكما سنرى في ما بعد فإنَّ منطقة الخليج العربي لم تتأثّر إلا هامشياً من وراء الأزمة، وبشكل خاص بما حصل في القطاع العقاري في إمارة دبيْ، وقد ساعد ارتفاع أسعار النفط الكبير الذي حصل عام 2008 في دعم الوضع المالي لحكومات دول مجلس التعاون الخليجي والحفاظ على معدّلات النمو في اقتصاداتها.


حركة المضاربات في أسواق المال الخليجية الرئيسية السابقة للأزمة الدولية


لكن الجدير بالذكر هنا أنَّ منطقة الخليج العربي كانت قد دخلت في فورة مضاربات مالية قبل اندلاع الأزمة الدولية بسنين قليلة، إذْ أنَّ حركة البورصات في اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي كانت قد ارتفعت بشكل حاد بين عاميْ 2002 و2005 ، حيث أنَّ القيمة السوقية للأسهم المدرَجة في بورصات دول مجلس التعاون قد قفزت من 163.3 مليار عام 2002 إلى 1131 مليار في عام 2005، أيْ ما يعني زيادة ستة أضعاف في القيمة السوقية للأسهم، وذلك في ظرف ثلاث سنوات فقط، وقبل أن تكون أسعار النفط قد عادت إلى اتجاه صعودي حاد ابتداءً من عام 2006.


ومن المفارقة أن يحصل في هذا العام نفسه، أيْ في عام 2006، انخفاض حاد في القيمة السوقية إلى 722 مليار دولار كان بمثابة تعديل لا بدَّ منه بعد ثلاث سنوات من الفورة غير المبررة. وعادت القيمة السوقية للتحسن في عام 2007 إلى مستوى قريب من مستوى عام 2005 (أيْ 1112 مليار دولار)، لكن البورصات الخليجية عادت إلى الانتكاسة الشديدة في عام 2008، إذْ تقلَّصت القيمة السوقية إلى 600 مليار دولار أيْ إلى أكثر بقليل من نصف ما كانت عليه في عام 2007 (أيْ 54%). وذلك بالرغم من أنَّ سنة 2008 كانت سنة الارتفاع الحاد لأسعار النفط إلى مستوى 147 دولار للبرميل الواحد في شهر تموز/ يوليو من هذه السنة، مما كان يفترض أن يؤدي إلى التعافي في وضع البورصات الخليجية. ونرى أنَّ القيمة السوقية لهذه البورصات في نهاية شهر حزيران/يونيو 2010 لم تتعدَّ 716 مليار دولار أيْ بزيادة مقدارها 34 في المائة فقط عن مستوى القيمة السوقية في نهاية عام 2004، وذلك بعد خمس سنوات عرفت تصاعد أسعار النفط للغاية.


والجدير بالذكر أنَّ القيمة السوقية للأسهم المدرجة على بورصات دول مجلس التعاون الخليجي التي كانت قد بقيَت أقل من قيمة الناتج المحلي الإجمالي، أصبحت تتفوق على هذه القيمة ابتداءً من عام 2003. فقد وصلت في المملكة العربية السعودية نسبة القيمة السوقية للأسهم إلى الناتج المحلي إلى 204.7% عام 2005 مقابل 39.7% فقط عام 2002. ولكنَّ هذه النسبة عادت وتراجعت بشكل حاد عام 2006 حيث تدنّت إلى 91.7%، لتعود إلى الارتفاع المؤقَّت عام 2007، ثم عادت النسبة لتنخفض إلى 52.5% في عام 2008. والجدير بالذكر هنا مدى تأثير بورصة المملكة العربية السعودية على البورصات الأخرى في مجلس التعاون الخليجي، كونها تمثّل حسب السنين ما بين 46% و57% من القيمة الرأسمالية الإجمالية لبورصات الدول الأعضاء في المجلس. وقد تأرجح مؤشر البورصة السعودية بشكل حاد ما بين 2002 حيث أنهى السنة بمستوى 2518، ووصل عام 2005 إلى مستوى 16712 ليهبط في السنة التالية، أيْ عام 2006، إلى مستوى 7933 ثم يعود إلى الارتفاع سنة 2007 حيث بلغ المؤشر مستوى 11038 ليعود مجدداً إلى الانخفاض الحاد عام 2008 حيث تدنّى إلى مستوى 4802؛ وقد ارتفع مؤخراً، أيْ في أيلول/ سبتمبر 2010، إلى مستوى 6354.


 وقد وصلت كذلك القيمة السوقية للأسهم في بورصة قطر إلى 205.6% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2005 ثم تراجعت إلى نسبة 108.4% عام 2006؛ وفي الكويت حيث كانت قد بلغت القيمة السوقية للأسهم المدرجة على البورصة 161 في المائة عام 2005 عادت وتدنَّت إلى 72.4% عام 2008 أيضاً. والجدير بالملاحظة هنا أنَّ مؤشّر بورصة دبيْ هو أيضاً تأرجح بشكل كبير في هذه المدة، إذْ ارتفع بنسبة 145.7% عام 2004 و219.2% عام 2005، في حين أنَّ المؤشر السعودي ارتفع على التوالي في هاتيْن السنتيْن بواقع 94.7% و111%.


 وهذه التقلبات الحادة في بورصات دول مجلس التعاون الخليجي تدلّ على مشكلة بنيوية في اقتصادات الخليج نظراً للميْل المفرط إلى إطلاق حركات مضاربة مالية وكذلك عقارية، كما سنرى في ما بعد، تشوّه مسار التنمية الاقتصادية فيها. ومن الملفت للانتباه أن كل من بورصة البحرين وبورصة عُمان لم تدخل في حمى المضاربات التي أصابت كل من المملكة السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر. ولكن لا بدّ أيضاً من الإشارة هنا إلى أنَّ مجمل البورصات العربية هي أيضاً دخلت بحالة فورة غير منطقية في ذات السنين، إذْ يظهر جلياً تطور المؤشر العام للبورصات العربية، الذي ينظّمه ويحسبه صندوق النقد الدولي، إلى وجود نفس الاتجاهات التي حصلت في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي. فقد ارتفع هذا المؤشر من قياس 230.5 في يناير/ كانون الأول عام 2005 إلى 437 في نفس الشهر من عام 2006، ثم اتجه بعد ذلك إلى مستوى 223 في الشهر ذاته من عام 2007 وإلى 166.2 في ديسمبر/كانون الثاني من عام 2008.


وقد سبَّبت التأرجحات الحادة في أسواق المال في دول مجلس التعاون الخليجي بعض المتاعب في وضع السيولة لدى بعض الشركات والمصارف، وذلك خاصة بعد أن تراجع أيضاً نشاط الأسواق العقارية على أثر الأزمة التي عانت منها إمارة دبيْ والتي سنعود إليها في ما بعد.
 
وفي هذا المضمار لا تفوتنا الإشارة إلى سمة رئيسية لاقتصادات الدول الخليجية ألا وهي اتكالها المتواصل على أسعار النفط والغاز وتزايد الطلب على موارد الطاقة. فمنذ الستينيات من القرن الماضي، بقي إيقاع معدلات النمو أسير تقلبات سعر النفط، بالرغم من كل الجهود في تنويع النشاطات الاقتصادية؛ ذلك أنَّ الاستثمارات الأكثر ضخامة لتلك الاقتصادات بقيَت مركزة إلى حد كبير إما على مزيد من توسيع البنية التحتية، وإما على الاستثمارات في البتروكيماويات، وهي صناعة مرتبطة إلى حد بعيد بأسعار موارد الطاقة ، وتقلباتها، من جهة، كما تركّزت في كل من القطاع المصرفي، الذي جلب الكثير من الاستثمارات والإيداعات، والقطاع العقاري، من جهة أخرى.


ظاهرة انفصال الأسواق المالية الخليجية عن تطورات معطيات الاقتصاد الحقيقي





دعَّمت الزيادة الكبيرة في أسعار النفط الوضع الاقتصادي الإجمالي لدول مجلس التعاون الخليجي، وبالتالي زادت من قدرات الحكومات على التخفيف من آثار الأزمات الداخلية، سواءً تلك الناتجة عن الفورات في البورصات والقطاع العقاري أو تلك الناتجة عن الأزمة الدولية
يبدو أنَّ الفورة الأخيرة في أسواق المال الخليجية قد انفصلت عن التطورات في الاقتصاد الحقيقي، إذْ أنَّ زيادة القيمة السوقية التي ذكرناها فاقت بأضعاف معدلات النمو في قيمة الناتج المحلي الإجمالي الذي ارتفع في نفس السنين، (أيْ بين عاميْ 2002 و2005)، 1.76 مرة بينما كانت القيمة السوقية في البورصات ترتفع ستة أضعاف في نفس الفترة، ولم يكن مستوى أسعار النفط دخل حينها في اتجاه تصاعدي حاد. وهذه ظاهرة يجب التأمُّل فيها لأنَّ في حال تكرارها مستقبلاً يمكن أن تصبح أكثر إيذاءً من الفورة التي مضت والتي سبقت الأزمة الدولية. وهي ظاهرة تدل على المستوى الاستثنائي للمدخرات في القطاع الخاص في دول مجلس التعاون الخليجي التي تبحث عن مواقع ربح خارج القطاعات الاقتصادية المحلية أو الاستثمار الحقيقي في الدول العربية والدول الأخرى، الآسيوية والإفريقية أو الغربية.

إنَّ الفورة في نشاط بورصات دول مجلس التعاون الخليجي كانت هي نفسها في البداية نتيجةً للارتفاع في أسعار النفط الذي بدأ بطيئاً انطلاقاً من عام 2002-2003، إذْ أنَّ الاتجاه الصعودي تجسَّد في ارتفاع المعدل السنوي لسعر البرميل من 23.74 عام 2002 إلى 49.35 عام 2005. غير أنَّه، وخلافاً لما كان يحصل في العقود الماضية عندما كانت موجات ارتفاع أسعار النفط تؤدي إلى فورات اقتصادية ومالية محلية، تغيّرت الصورة ابتداءً من عام 2006، إذْ أنَّ الفورة الكبيرة في أسعار النفط، حيث ارتفع معدل سعر البرميل السنوي إلى 61.5 عام 2006 و94.34 عام 2008 وبلغ 150 دولار خلال الربع الثاني والثالث من عام 2008، قد ترافقت مع الأزمة الحادة في البورصات الخليجية (باستثناء بورصة البحرين وعمان كما ذكرناه سابقاً) التي وصفناها أعلاه، وذلك رغم فورة أسعار النفط. وهذا ما يدل، ولأول مرة، على انفصال تطورات أسواق المال المحلية عن التطورات في أسعار النفط العالمية وتطورات أسواق المال الغربية حيث تُوَظَّف مبالغ هامة من الرساميل الخليجية، العامة والخاصة. فبينما كانت أسواق المال الغربية ترتفع بحدة عاميْ 2006 و2007، انتكست أسواق المال الخليجية.


من جهة أخرى، إنَّ تطورات أسعار النفط وتكثيف العلاقات الاقتصادية مع الشرق الأقصى قد خففت من الآثار السلبية لكل من الأزمة المحلية والأزمة الدولية في منطقة الخليج. لقد عزّزت ودعَّمت هذه الزيادة الكبيرة في أسعار النفط الوضع الاقتصادي الإجمالي لدول مجلس التعاون الخليجي، وبالتالي زادت من قدرات الحكومات على التخفيف من آثار الأزمات الداخلية، سواءً تلك الناتجة عن الفورات في البورصات والقطاع العقاري أو تلك الناتجة عن الأزمة الدولية. لذلك، عند انفجار الأزمة المالية والاقتصادية الدولية، لم تتأثر اقتصادات الخليج من ورائها، وذلك لأسباب عدة، منها أولاً أنَّ المصارف الخليجية بشكل عام وباستثناءات قليلة، وعلى غرار المصارف العربية الأخرى، لها مصادر أرباح محلية كافية، لذا لم تقدم على شراء الأدوات المالية السامة الجديدة المذكورة سابقاً. فلم تحصل من وراء ذلك أية خضة مصرفية كبرى، مع الإشارة إلى أنَّ ما حصل في الكويت من بعض المتاعب المصرفية لم يكن مرتبطا بالأزمة المالية الدولية، بلْ كان مرتبطاً بالفورة في نشاط البورصة المحلية بشكل يذكِّرنا، على نطاق أضيق، بما كان قد حصل في الثمانينيات من القرن الماضي بعد انهيار فورة "سوق المناخ". كما أنَّ متاعب بعض المصارف الخليجية كانت مرتبطة بالتطورات السلبية الناتجة عن الأزمة العقارية في دبيْ (انظر لاحقاً).


والجدير بالذكر أنَّ باستثناء حالة دبي التي سنتحدث عنها في ما بعد، فإنَّ معدلات النمو في الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي لم تتأثر بشكل ملموس ومعمَّق بما أصاب الولايات المتحدة وأوروبا من أزمة مالية وما نتج عنها من أزمة اقتصادية. وقد يعود ذلك إلى تكثيف المبادلات بين الاقتصادات الخليجية والاقتصادات الآسيوية الكبرى، وبشكل خاص مع الصين والهند، وهما قاطرتان رئيسيتان للاقتصاد العالمي ، كما ذكرنا سابقاً، ويهمهما تكثيف علاقتهما بالدول النفطية نظراً لاحتياجاتهما المتزايدة بسرعة من موارد الطاقة. هذا بالإضافة إلى أنَّ أسواق دول مجلس التعاون هي أسواق استهلاكية مهمة للغاية بالنسبة إلى هذيْن الاقتصادين، وكذلك بالنسبة إلى اقتصاد دول شرق آسيا المتنامية بسرعة (كوريا الجنوبية، ماليزيا، سنغافورة، تايوان، تايلاند، اندونيسيا).


وإذا لم يؤثر هبوط أسعار النفط من أعلى مستوياتها (150 دولار للبرميل الواحد) إلى المستوى الأكثر اعتدالاً (65-85 دولار للبرميل)، فيعود ذلك إلى الحجم المتواضع لاقتصادات دول الخليج ومحدودية عدد السكان (36 مليون نسمة) مقارنةً مع اقتصادات أخرى. هذا مع الإشارة إلى أنَّ عدد السكان الوافدين والعاملين كيد عاملة في قطاع البنى التحتية والقطاع العقاري هم جميعاً من محدودي الدخل، وليسوا من الفئات الميْسورة التي لها مستويات استهلاك عالية.


أزمة إمارة دبيْ وعِبَرها





نجاح نموذج دبي مرتبط بتنامي الفئات الثرية في كل من روسيا والصين والهند ودول أخرى، فأصبحت تقوم ببعض نشاطاتها انطلاقاً من دبيْ لما يتميز به نظامها الاقتصادي من حرية مطلقة، فأصبحت دبي، (مونتي كارلو) الشرق
أما أزمة دبي فهي أزمة ناتجة عن الفورة التي حصلت في القطاع العقاري والتي فاق نشاطها الحاجات الفعلية للنمو الاقتصادي، إذْ يبدو أنَّ الإمارة لم تُحسِن تخطيط مشاريعها العقارية الطموحة متكلةً على نجاح نموذجها المتمحور حول الانفتاح التام، التجاري والخدماتي، وكذلك الانفتاح السكاني والثقافي الذي أدى إلى جلب العديد من المؤسسات الأجنبية وإنشاء فروع لها في الإمارة، كما جلبت أيضاً إليها الملايين من السواح الأجانب الغربيين أو الآسيويين.

ومما لا شك فيه أنَّ نجاح نموذج دبي كان مرتبطاً إلى حد بعيد بتنامي الفئات الثرية في كل من روسيا والصين والهند ودول أخرى، فأصبحت تقوم ببعض نشاطاتها انطلاقاً من دبيْ لما يتميز به نظامها الاقتصادي من حرية مطلقة، أكانت اقتصادية أم مالية أم ثقافية. فقد أصبحت دبي، (مونتي كارلو) الشرق، تلفت الأنظار بمشاريعها العقارية البرّاقة التي تطورت إلى حالة مضاربات أضرت باقتصاد الإمارة.


وقد اضطُرَّت الشركات العقارية الكبرى في دبيْ، المملوكة من حكومة الإمارة، إلى طلب تأجيل المستحقات المترتبة عليها من جرَّاء مديونيتها تجاه المصارف العالمية والخليجية على السواء بمقدار 60 مليار دولار تقريباً، وذلك في شهر نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2009، مما أثار حالة مؤقتة من الهلع ليس في الأسواق المحلية، حيث ساد الترقُّب والحذر، إنّما بشكل خاص في الأسواق المالية الدولية.


لكن سرعان ما أتت الحكومة الاتحادية لتساعد حكومة دبيْ عبر مدها بالسيولة، مما أوقف حالة الخوف. لكن السوق العقارية في الإمارة بقيت في حالة انكماش كبير نظراً للفائض من المعروض في السوق العقارية بالنسبة للطلب الذي كان قد تراجع إلى حد كبير.


لكن هذه حالة فريدة في دول مجلس التعاون، إذْ أنَّ الأسواق العقارية الأخرى في كل من أبو ظبي والمملكة العربية السعودية وقطر لم تتأثَّر، بلْ إنَّ معدلات النموّ العام عادت إلى الارتفاع بسبب تدفق الإيرادات النفطية (أو إيرادات الغاز في قطر) التي زادت نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة عام 2008.



الدور الهام لفائض ميزانيات دول مجلس التعاون الخليجي





تأثرت المملكة البحرينية أقل من غيرها من الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي ربما بسبب تنوع القطاعات الاقتصادية فيها وعدم اعتمادها على الإيرادات النفطية بنفس النسبة التي تتميز بها الدول الأخرى
كانت الفوائض في ميزانيات دول مجلس التعاون الخليجي كبيرة جداً ابتداءً من عام 2005 حيث ظهر مجدداً الاتجاه الصعودي الحاد في أسعار النفط. فالفائض في الموازنة العامة للمملكة العربية السعودية قد ارتفع من 28.6 مليار دولار عام 2004 إلى 154.9 مليار دولار عام 2008. كما زاد هذا الفائض في الكويت من 4.8 مليار دولار إلى 33.3 مليار دولار بين هاتيْن السنتيْن. وبشكل إجمالي، فإنَّ مجموع الفائض في موازنات الدول العربية قد ارتفع بين السنتيْن المذكورتيْن من 36.1 مليار دولار إلى 252 مليار دولار في الفترة المذكورة، مما عزز كثيراً الوضع المالي الإجمالي في المنطقة العربية. وقد زادت أيضاً الودائع المصرفية في منطقة الخليج.

هذه التحسّن الكبير في المالية العامة لدول مجلس التعاون الخليجي قد يكون ساعد أيضاً الحكومات في تحمُّل الخسائر التي قد تكون مُنِيَت بها الصناديق السيادية من جرَّاء توظيفاتها في البورصات العالمية. لكن لا تتوفر أية بيانات عنى مدى تلك الخسائر نتيجة الأزمة الدولية.


ومن التأثيرات الفرعية التي لا بد من ملاحظتها أنَّ حركة الاستثمارات الخليجية في الدول العربية يبدو أنَّها تراجعت، كما أنَّ عدد العاملين الأجانب في دول مجلس التعاون الخليجي قد انخفض شيئاً ما، خاصةً في إمارة دبيْ. لكنَّ البيانات الإحصائية تنقصنا في هذا المجال. والجدير بالملاحظة أنَّ المملكة البحرينية هي التي تأثرت أقل من غيرها من الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي ربما بسبب تنوع القطاعات الاقتصادية فيها وعدم اعتمادها على الإيرادات النفطية بنفس النسبة التي تتميز بها الدول الأخرى.


ملاحظات ختامية


وفي الختام يكمن استخلاص العبر التالية من تطور الأوضاع خلال السنين الخمسة الأخيرة في منطقة الخليج العربي:



1.  إنَّ تطوّر الأوضاع الاقتصادية في هذه المجموعة من الدول العربية ما يزال يرتبط من حيث الوضع الاقتصادي الإجمالي ارتباطاً وثيقاً بتطورات أسعار النفط العالمية، وإنْ كانت التطورات في قطاع الأسواق المالية المحلية، وإلى حد ما في القطاع العقاري، يبدو أنها انفصلت عن الارتباط الوثيق بتطور سعر النفط.

2.  إنَّ فترات الزيادة الحادة في أسعار النفط تسبب دائماً فورات اقتصادية ينتج عنها الإقبال على المضاربات المالية والعقارية في غياب استراتيجيات واضحة للتخفيف من حالة الاتكال على القطاع النفطي لتغذية القطاعات الأخرى.

3.  إنَّ اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي أصبحت ترتبط أكثر فأكثر من نواحٍ عدة بالاقتصادات العملاقة المتسارعة النمو في آسيا، وهذا ما يجنِّبها التأثيرات السلبية لحالات الانكماش أو الضعف الاقتصادي في اقتصادات الدول الصناعية القديمة في أوروبا وأميركا.

4.  إنَّ وفرة المدخرات في القطاع الخاص أصبحت بيئة مشجّعة لتكرار حالة من الفورة العقارية والمالية المحلية التي أصبحت منفصلة تماماً عن التطورات في الأسواق العالمية أو عن فترات الصعود في أسعار النفط؛ ولا بد في هذا المضمار للسلطات المالية والنقدية والمصرفية بأن تأخذ الإجراءات الكفيلة بالحؤول دون تكرار ما حصل بين عاميْ 2003 و2005 من إقبال مفرط وعشوائي على البورصات الخليجية وعلى القطاع العقاري.

5. على كلٍّ من القطاع العام والقطاع الخاص في دول مجلس التعاون الخليجي أن يتفقا على إستراتيجية واضحة لتحقيق تنوّع أكبر في النشاطات الاقتصادية المنتجة خارج القطاع النفطي والبتروكيماوي، وكذلك خارج القطاع المالي والعقاري، والتخفيف من الاتكال على العمالة الآسيوية الرخيصة الكلفة وتنمية الموارد البشرية المحلية والعمل من أجل تسهيل وضع العمالة العربية ذات الكفاءة المهنية في تلك الدول.


_______________
وزير مالية سابق في لبنان وأستاذ في الجامعة اليسوعية في بيروت