الهند وإستراتيجيتها للطاقة في الشرق الأوسط

تتمتع الهند كعاشر أكبر اقتصاد في العالم بوفرة في مصادر الطاقة لكن ذلك لا يكفي لسد احتياجاتها المتزايدة وتلجأ إلى الاستيراد من الخارج وخصوصًا من مصدِّري النفط الخام والغاز الطبيعي في الشرق الأوسط. تبحث هذه الورقة التوجهات المستقبلية للهند بشأن هذه القضية.
201352103137454734_20.jpg
 

تعد جمهورية الهند سابع أكبر دولة في العالم من حيث المساحة الجغرافية وثاني أكبر دولة من حيث السكان (1.2 بليون نسمة). وتصنف الهند كعاشر أكبر اقتصاد في العالم بأخذ الناتج المحلى الإجمالي في الاعتبار. يرافق ذلك ما تشهده من نمو اقتصادي بمعدل 7 في المائة منذ سنة 2000، وقد استمر نموها المعتاد رغم الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالعالم سنة 2008. وتتمتع الهند بوفرة من مصادر الطاقة التقليدية وغير التقليدية إلا أن هذه المصادر لا تكفي لسد احتياجات الهند المتزايدة ولذلك تلجأ إلى الاستيراد من الخارج وخصوصًا من مصدِّري النفط الخام والغاز الطبيعي في الشرق الأوسط.

تتلخص معضلة الطاقة التي تواجهها الهند في أنها جاءت كرابع أكبر مستهلك للطاقة في العالم في سنة 2011 بعد الولايات المتحدة والصين وروسيا. وتضاعف استهلاك الهند للطاقة بين سنوات 1990 و2011 رغم أن متوسط استهلاك الفرد في الهند ظل متدنيًا بالمقارنة مع الدول الغربية. وحسب التقديرات، فإن 44 في المائة من بيوت الهند لا تحصل على الكهرباء وأكثر من 90 في المائة منها تعتمد على "البايوماس" (خشب ونفايات وغاز).

إن تلبية الطلب المتزايد للطاقة يمثل تحديًا كبيرًا يواجه حكام الهند باستمرار، فقد زاد استيراد الهند من النفط الخام من 40 في المائة من احتياجاتها سنة 1990 إلى 70 في المائة سنة 2011. و تم استيراد نحو 64 في المائة منه من الشرق الأوسط في السنة الماضية (2012). وتقول التقديرات: إنه بمجئ سنة 2032 ستستورد الهند نحو 91 من احتياجاتها من الطاقة من الخارج وسيكون جزء كبير منها من الشرق الأوسط. وفي سياق سعيها هذا أبرمت الهند عقودًا قصيرة الأمد وطويلة الأمد على مستوى الحكومة وأيضًا على مستوى الشركات الخاصة وذلك كضمان للحصول على أفضل الأسعار في سوق متقلب. ورغم هذا القدر الكبير من الاعتماد على الشرق الأوسط لتوفير مادة حيوية وإستراتيجية، لا توجد سياسة واضحة للهند إزاء هذه المنطقة سياسيًا أو اقتصاديًا أو حتى فيما يتعلق بقطاع النفط والغاز الطبيعي.

حدث أهم انعطاف للسياسة الهندية تجاه هذه المنطقة سنة 1992 حين أقامت الهند العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل. وقد ظلت هذه العلاقات تتطور وتتقوى منذئذ حتى تحولت الآن إلى علاقات إستراتيجية وأمنية وهو ما لم ترق إليه علاقات الهند مع أية دولة أخرى في المنطقة. وترك هذه الانعطاف تأثيرا كبيرا على السياسة الخارجية للهند، إذ طورت الهند علاقاتها مع إسرائيل رغم المعارضة الواضحة من قبل مسلمي الهند والقوى اليسارية الهندية ورغم احتجاجات العرب المتواضعة. و يمكن ارجاع ذلك إلى شعور قوي في أوساط النخبة الهندية الحاكمة بأن موقفها التقليدي المؤيد للقضايا العربية لم يقابَل بتأييد عربي للهند وخصوصًا فيما يتعلق بقضية كشمير.

ورغم أن الهند لم تحدد بعد أهدافها في الشرق الأوسط بوضوح إلا أنها تسير ببطء في طريق سيؤدي في نهاية الأمر إلى دور واضح المعالم في المنطقة. وكان أهمها تعيين سفير فوق العادة للشرق الأوسط في مايو/أيار 2005، ثم بدأت البحرية الهندية دورًا مساعدًا للدبلوماسية الهندية حين أخذت تدخل مياه الخليج منذ منتصف سنة 2006، وأجرت مناورات مع القوات البحرية لعدد من دول المنطقة، مثل: الكويت والبحرين والمملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة. وأثبتت الدبلوماسية الهندية أنها تتمتع بقدرة كبيرة على المناورة بالاحتفاظ بعلاقات جيدة في آن واحد مع دول مثل إسرائيل وإيران والمملكة العربية السعودية. وفي الوقت ذاته ماتزال الهند تتمسك بعلاقاتها القوية مع إيران رغم الضغوط الأميركية المستمرة على الهند لتقليص هذه العلاقة.

مصادر الطاقة في الهند

تتمتع الهند بعدد من مصادر الطاقة: طاقة غير متجددة (فحم وليغنايت ونفط وغاز طبيعي)، وطاقة متجددة (ريح، طاقة شمسية، طاقة مائية، الطاقة المستخرجة من الكتل الحيوية "البايوماس"، الطاقة المستخرجة من تفل قصب السكر). و تبدو معرفة حجم هذه المصادر مسألة مهمة تؤكد حاجة البلد من الطاقة المستهلكة والمستوردة و تعطي مؤشرا على أبعاد إستراتيجيتها لتوفير الطاقة المطلوبة من مصادر خارجية. ورغم ذلك  تحاول الهند جاهدة تطوير مصادر محلية بديلة أخرى لمواجهة تحدي الطاقة وتقليص اعتمادها على الخارج.

ذخائر الهند المحلية

يحتاج الحديث عن حاجة الهند للطاقة إلى معرفة ذخائرها على هذا الصعيد، فقد قُدرت الذخائر من الفحم بـ(286) بليون طن في 31 مارس/آذار 2011 وبـ(41) بليون طن من الليغنايت. وبلغت ذخائر الهند المقدرة من النفط والغاز الطبيعي في مارس/آذار 2011 (757) مليون طن من النفط و(1241) بليون متر مكعب من الغاز الطبيعي. ويوجد 43% من احتياطي النفط الهندي في حقول السواحل الغربية و توجد 22% منها في حقول ولاية آسام بشمال غرب الهند والبقية في أمكنة أخرى. وبلغت ذخائر الهند من الغاز الطبيعي 35% منها في حقول السواحل الشرقية و33% منها في حقول السواحل الغربية والبقية في أمكنة أخرى. أما حجم الطاقة المتجددة المقدَّر فبلغ (89760) ميغاوات في 31 مارس/آذار 2012 موزعًا كالآتي: 

  • طاقة الريح: 49132 ميغاوات (55%).
  • الطاقة المائية الصغيرة: 15358 ميغاوات (17%).
  • بايوماس: 17538 ميغاوات (20%).
  • كهرباء من تفل قصب السكر المستخرج بمصانع السكر: 5000 ميغاوات (6%) (1).
  • بالرغم من ضخامة هذه المقدرات، إلا أنها لا تسد حاجة الهند بشكل كامل.

 الإمكانات القائمة لإنتاج الطاقة الكهربائية في الهند

بلغت الإمكانات المتوفرة في 31 مارس/آذار 2011 لإنتاج الطاقة 206526 ميغاوات بالمقارنة بـ16271 ميغاوات في 21 مارس/آذار 1971 أي بزيادة 4ر6 في المائة سنويًا، و64% منها توفرها محطات التوليد الحراري الكهربائية، و2ر18% منها توفرها محطات التوليد المائي الكهربائية. أما إنتاج محطات توليد الكهرباء بالطاقة النووية فلم يزد عن31ر2 % في سنة 2011.

ويشكّل الفحم مصدرًا تقليديًا لتوليد الطاقة في الهند ولكن نظرًا لتدني جودة الفحم المتوفر في الهند يتم استيراده من أستراليا وكندا. وقد ارتفع إجمالي الفحم المستورد من 20,93 مليون طن متري عام 2000-2001 إلى 73,26 مليون طن متري في عام 2009-2010. وخلال نفس الفترة زاد تصدير الهند من الفحم المحلي من 1,29 مليون طن متري إلى 2,45 مليون طن متري. إلا أن استيراد الفحم شهد انخفاضًا بمعدل 5,92% في السنة التالية، بينما زاد تصدير الفحم بنسبة 80% في المدة نفسها(2).

وتعتمد الهند على استيراد النفط الخام ومشتقاته لسد احتياجاتها المتزايدة. وقد ظلت الكميات المستوردة تزداد سنة بعد أخرى. وقفز استيراد الهند من النفط الخام ومشتقاته من 11,68 مليون طن عام 1970-1971 إلى 163,59 مليون طن عام 2010-2011. وقد شهد عام 2010-2011 زيادة 2,72% على السنة السابقة. وتقوم الهند حاليًا باستيراد نحو 70% من احتياجاتها من النفط الخام ومشتقاته من مختلف المصادر عبر العالم.

توجد في الهند 20 مصفاة نفط، يملك القطاع العام 17 منها بينما يملك القطاع الخاص ثلاث مصاف. وكانت الطاقة الإجمالية لهذه المصافي في 31 مارس/آذار 2011 (187) مليون طن سنويًا. وكانت هذه المصافي تعمل بطاقة 105,7% سنة 2009-2010، وبطاقة 110% خلال سنة 2010-2011(3). وقد أنشأت الهند مختلف التسهيلات لتكرير ومعالجة النفط الخام ومشتقاته في السنوات الماضية لدرجة أنها أصبحت الآن تصدِّر مشتقات النفط. وقد زاد تصدير الهند لمشتقات النفط من 0,33 مليون طن عام 1970-1971 إلى 59,13 مليون طن سنة 2010-2011 وبزيادة 16% عن السنة السابقة. تمتلك الهند خامس أكبر شبكة في العالم لتوليد الكهرباء باستخدام الريح. وتبلغ قوة الشبكة الهندية 11,800 ميغاوات سنويًا. وتستهدف الهند إنتاج 20 ألف ميغاوات من الطاقة الشمسية بحلول سنة 2022.

إنتاج واستهلاك الهند من النفط الخام

تنتج الهند واحدًا في المائة من إجمالي إنتاج النفط الخام في العالم وهو ما يعادل 38,9 مليون طن من النفط الخام عام 2010-2011(4). وقد استهلكت 155,5 مليون طن من الإنتاج العالمي من النفط الخام أي ما يساوي 3,9 في المائة من الإنتاج العالمي من النفط الخام في عام 2010 -2011(5). أما في مجال إنتاج الغاز الطبيعي فأنتجت الهند 1,6 في المائة من الإنتاج العالمي أي 45,8 مليون طن في عام 2010 –2011(6)، و70% من الطاقة الهندية يعتمد على الوقود الحفري، ونصيب الفحم منها 40% والنفط الخام 2.4% والغاز الطبيعي 6%(7). وهذه الأرقام توضح معضلة الطاقة في الهند التي يمكن تلخيصها في: النقص المتزايد في منتجات الطاقة المطلوبة وتطوير مصادر جديدة للطاقة البديلة والمتجددة وخصوصًا الطاقات الشمسية والنووية والريح.

مصادر استيراد النفط الخام الهندي

(المصدر: إحصائيات الطاقة الدولية لإدارة معلومات الطاقة الأميركي)

إجمالي استهلاك الطاقة في الهند سنة 2011

(المصدر: إحصائيات الطاقة الدولية لإدارة معلومات الطاقة الأميركي)

تريد الهند تحقيق اكتفاء محلي في مجال الطاقة بنسبة 25% باستخدام مصادر الطاقة المتجددة بمجيء سنة 2030. وقد أصدرت قانونًا بذلك. وأنشأت لتحقيق هذا الهدف "وزارة الطاقة المتجددة" سنة 1992. وانتهجت سياسة تشجع وتقدم حوافز لمشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الريح والكهرباء المستخرج من النفايات. وتلجأ إلى تقديم مزايا للشركات العاملة في هذا المجال، كما تقوم بإصدار سندات "الطاقة الخضراء"، وتخفيض رسوم الجمارك على المعدات المستوردة لإنتاج الطاقة المتجددة، وتوفير قروض ميسرة وتيسيرات مالية. وانصرف التركيز الحالي على توليد الكهرباء من الماء وزيادة طاقة الريح والطاقة الشمسية بغرض تقليل الهوة بين تكلفة إنتاج الكهرباء بهذه الوسائل وبين الوسائل التقليدية. و رافق ذلك تشجيع بناء مبان "خضراء" تقلل من استهلاك الطاقة.

ورغم أن الهند مستورد رئيسي للنفط الخام إلا أنها أيضًا مصدِّر كبير للنفط المكرر وقد أنشأت لذلك عددًا من المصافي وخصوصًا في ولاية كوجرات. وتقوم شركتا إيسار أويل Essar Oil وريلايانس RIL بتصدير النافتا والبنزين إلى الأسواق العالمية وخصوصًا إلى سنغافورة واتحاد الإمارات العربية وإندونيسيا وسيريلانكا وإيران. وتقوم شركة ريلايانس بتصدير المنتجات النفطية إلى الأسواق الأميركية أيضًا. وتعزز هذه القدرة من مكانة الهند السياسة و الاقتصادية مستقبلا.

احتياجات الهند

يقدر أن تكون الهند ثاني أكبر دولة من حيث الضغط على وسائل الطاقة عالميًا بمجيء سنة 2025(8). و تحتاج الهند إلى المزيد من الكهرباء حاجة ماسة، ويمكن ادراك خطورة الوضع بمعرفة أن 56% من بيوت الريف محرومة من الكهرباء حاليًا(9). وتحاول الهند الاستجابة لهذا الوضع بتوسيع نطاق الطاقة المتجددة محليًا وزيادة إمكاناتها النووية لتوليد الطاقة ليرتفع نصيب الطاقة النووية من 4,2% حاليًا إلى 9% خلال الـ25 سنة القادمة. ويأتي ذلك مدعوما بوجود (5) مفاعلات نووية لتوليد الكهرباء حاليًا، كما تعمل لإنشاء (18) مفاعلاً نوويًا آخر لهذا الغرض في سنة 2025. ولو تحقق هذا فستكون هذه أعلى نسبة في أي بلد من المفاعلات النووية لإنتاج الطاقة في العالم.

الاستثمار الخارجي

إلى جانب توسيع شبكة توليد الطاقة داخل البلاد، سعت الهند إلى الشراكة مع دول وشركات أجنبية كما سعت للحصول على حقوق التنقيب في الخارج. ولتحقيق ذلك تشجع الحكومة الهندية الشركات الهندية الحكومية والخاصة على شراء حقوق تنقيب وإنتاج في الخارج كوسيلة لوقاية السوق المحلية من تقلبات الأسعار العالمية. والجدير بالذكر أنه قد تم إحراز هذه المكاسب رغم معارضة الولايات المتحدة(10).

اشترت الهند هذه الحقوق في 24 دولة عبر العالم. واستثمرت مؤسسة النفط والغاز الطبيعي ONGC (الحكومية) وحدها 11 بليون دولار في مثل هذه العقود، و تتواجد هذه الشركة الحكومية الآن في 15 دولة و تدير 40 مشروعًا. وهذه الدول هى فيتنام وروسيا والسودان وميانمار وكوبا وكولومبيا وسوريا وإيران والعراق وليبيا والبرازيل وفنزويلا ومنطقة التطوير المشتركة بين نيجيريا وساوتومي وبرينسيب، ونيجيريا ومصر. وتقوم شركة ريلايانس (الخاصة) بشراء حقوق في مشاريع الغاز الطبيعي shale الأميركية. وكذلك تقوم شركات خاصة أخرى مثل هيندوستان بتروليوم ومجموعة إيسار Essar وبهارات بتروليوم بأنشطة مماثلة خارج البلاد. و تأتي هذه الجهود في سياق بحث الحكومة الهندية دومًا عن المزيد من هذه الفرص كما أن السفارات الهندية مكلفة بالبحث عن هذه الإمكانات و كتابة تقارير إلى الحكومة بشأنها(11).

وفي مجال البحث عن الفرص قررت الهند الاستثمار حتى في قطاع الطاقة الإسرائيلي، واستثمرت مبالغ غير معروفة على وجه الدقة في حقل "ليفياثان" الإسرائيلي للغاز في السنة الماضية (2012). ولم تغير الهند سياستها هذه رغم احتجاج الكويت والذي فسرته الهند بأنه جاء بإشارة من السعودية(12).

في إطار توفير الطاقة وتنويع مصادرها، وقَّعت الهند على معاهدة خط تابى TAPI القادم من تركمانستان عبر أفغانستان وباكستان، إلا أنها لم توقّع بعد على اتفاقية أنبوب الغاز الإيراني المار عبر الأراضى الباكستانية. وتعلل السلطات الهندية محليًا أن السبب أمني يتلخص في خوف الهند من أن تستغل باكستان أنبوب الغاز للضغط على الهند في أوقات الأزمات إلا أن الضغط الأميركي المستمر والتهديد بفرض العقوبات على الهند هو المسؤول عن تلكؤ الهند في التوقيع على هذه الاتفاقية التي ستحل أزمة الطاقة في الهند وستوفر لها الغاز الطبيعي بأسعار أقل من الأسعار العالمية وبشروط أفضل في الدفع.

وعلى صعيد العلاقة مع الجمهورية الإسلامية كاد تصويت الهند في الوكالة الدولية للطاقة الذرية ضد إيران في نوفمبر/تشرين الثاني 2009 أن يعصف بعلاقاتها مع طهران ويطيح بالمفاوضات لأجل الأنبوب الإيراني إلا أن الهند تداركت الأمر بسرعة وغيرت موقفها من إيران إلى موقف محايد.

مازالت الهند تبدي حرصا على العلاقات النفطية مع إيران رغم الضغوط الأمريكية على هذا الصعيد. وقد أدت التهديدات الأميركية بالهند إلى تخفيض استيرادها من النفط الخام الإيراني من 18,1 مليون طن في السنة الماضية إلى 13 مليون طن في السنة الحالية. ويتم نقل هذه الكمية عبر ناقلات النفط إلى شواطئ الهند الغربية(13). لكن الهند رفضت الانصياع الكامل للضغوط الأميركية التي تطالبها بعدم استيراد النفط أو الغاز مطلقًا من إيران. وقامت أميركا بإغلاق التسهيلات البنكية لدفع مستحقات إيران مما دفع بالهند إلى اللجوء إلى وسائل مبتكرة للدفع عبر عواصم أخرى وبعملات غير الدولار إلى جانب اللجوء إلى المقايضة لدفع مستحقات إيران. وحين رفضت شركات التأمين الغربية تأمين ناقلات النفط والغاز الإيرانية، قامت الهند بتكوين صندوق تأمين بقيمة 3,70 بليون دولار لتأمين ناقلات النفط والغاز الإيرانية القادمة للهند وذلك بواسطة مؤسسة التأمين العام الهندية الحكومية(14).

تقليص الاعتماد على الشرق الأوسط والبحث عن مصادر أخرى

تحاول الهند جاهدة تقليص اعتمادها على الشرق الأوسط كمصدر للطاقة بسبب عدم الاستقرار السياسي في تلك المنطقة، وتحاول تعويضها بمصادر داخلية وأخرى بعيدة مثل الاستثمار في حقول خارج منطقة الشرق الأوسط وتحسين العلاقات مع دولة ميانمار المجاورة بغية شراء الغاز منها. وكذلك سمحت الهند لمؤسسة النفط والغاز الطبيعي (الحكومية) وشركة ريلايانس (الخاصة) بالتنقيب عن الغاز والنفط في أرجاء الهند وسواحلها بكثافة، كما سمحت لشركات أجنبية أيضًا –مثل كيرن الكندية- بدخول مجال التنقيب وخصوصًا في ولاية راجَستهان الصحراوية المشابهة للبلاد العربية المنتجة للنفط، وحوض كريشنا-غوداوَرِي في جنوب الهند وبمناطق شمال شرق الهند حيث تم اكتشاف النفط بولاية آسام في وقت مبكر (سنة 1889م).

ويمكن الجزم بأنه –باستثناء إسرائيل- فالهند غير مهتمة حاليًا بالسعي لعقد تحالف إستراتيجي أو حتى تعاون وثيق مع أي من دول الشرق الأوسط بما فيها إيران؛ فمنذ تبني سياسة التحرر الاقتصادي سنة 1992 -والتي بدأت على يد رئيس الوزراء الحالي (الدكتور مان موهان سنغ) الذي كان مستشارًا اقتصاديًا للحكومة الهندية المركزية آنذاك- تحاول الهند التقرب من الدول الغربية و تعطي أهمية كبيرة لعلاقاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل والانسجام مع سياساتها والتنسيق معها سياسيًا وأمنيًا. و يبدو أن علاقاتها القديمة الوثيقة مع بعض الدول العربية مثل مصر أصبحت في خبر كان ،و دلل على ذلك الاستقبال الهندي البارد للزيارة الرسمية للرئيس المصري الدكتور محمد مرسي لدهلي الجديدة في شهر مارس/آذار الماضي. وكان واضحًا خلال الزيارة أن الهند غير مهتمة بإعادة الحرارة إلى علاقاتها مع الدول التي كانت يومًا ما تقود معها حركة عدم الانحياز. و مازالت تجربة العراق ماثلة إلى اليوم فقد كان صدام حسين ونظامه أقرب الأنظمة العربية للهند وكان الحاكم العراقي يعطي للهند أسعارًا وشروطًا خاصة لشراء النفط(15)، وحين تعرض العراق للغزو الأميركي لم تحرك الهند ساكنًا بل كانت مستعدة لإرسال قوة عسكرية كبيرة (سنة 2003)  لتنضم إلى التحالف الدولي بقيادة أميركا لولا ضغط الشارع الهندي وموقف أحزاب المعارضة والمسلمين الهنود الشديد ضد خطوة كهذه. و في السياق نفسه قامت الهند بتغيير وزير النفط (ماني شانكار أيار) الذي كان متحمسًا لأنبوب الغاز الإيراني ولعلاقات وثيقة مع الدول العربية واستبدلت به في سنة 2006 (مورلي ديورا) الموالي لأميركا.

لا تجد العلاقات العربية الهندية نجاحا مماثلا لما وصلت إليه علاقاتها مع إسرائيل ويمكن ارجاع سبب علاقات الهند الوثيقة والإستراتيجية مع تل أبيب لاعتقاد النخبة الحاكمة في دهلي الجديدة بأن اللوبي اليهودي في واشنطن مدخل مهم للتأثير في صنّاع القرار الأميركي. وترى الهند أن العلاقات الجيدة مع الولايات المتحدة هى مفتاح لعلاقات جيدة مع دول الخليج العربي على الأقل. في المقابل حاولت الهند عقد معاهدات التجارة الحرة مع بعض الدول العربية، لكنها لم تنجح حتى الآن إلا في عقد معاهدة التعاون الاقتصادي مع دول مجلس التعاون الخليجي في أغسطس/آب 2004، وهى وثيقة حسن نوايا أكثر منها معاهدة عملية للتعاون الاقتصادي(16).

 ومازالت المشاريع الهندية في المنطقة متواضعة اقتصاديا، رغم أن مئات من الشركات الهندية فتحت مكاتب تمثيل ومخازن لبضائعها في دول الخليج كما قامت بعض الشركات الهندية بإقامة مشاريع في المناطق الحرة بمصر. ووقّعت الهند على معاهدة لإنشاء مشروع مشترك للطاقة الشمسية في واحة سيوة بمصر في مارس/آذار الماضي لإنارة قرية مصرية في محافظة مطروح بالطاقة الشمسية كمشروع نموذجي يمكن تعميمه وتوسيعه في السنوات القادمة، كما أنشأت مصنعًا للسماد في سلطنة عمان باستغلال الغاز المتوفر بها.

إمكانات التعاون

هناك إمكانات كبيرة للتعاون بين الهند و الدول العربية في كل المجالات بسبب القرب الجغرافي إذ لا تبعد الهند أكثر من ثلاث إلى أربع ساعات جوًا عن كل دول الشرق العربي إلا أن عدم اكتراث الجانبين بالأمر أهدر فرصًا كثيرة، ولم تفق الدول العربية إلا خلال السنوات القليلة الماضية حين أخذت وسائل الإعلام الغربية تتحدث عن قفزات الهند في مجال تقنية المعلومات وكونها مرشحة للبروز كإحدى القوى الاقتصادية الكبرى في العالم خلال العقدين القادمين. وعُقدت آمال كبيرة في أعقاب زيارة الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود للهند في يناير/كانون الثاني 2006 على أمل قيام تعاون صناعي واقتصادي وثيق بين الهند والمملكة واستثمارات سعودية كبيرة في الهند إلا أنها لم تتحقق إلا في نطاق ضيق.

لا تزال الهند جهة غير مرغوب فيها للاستثمارات العربية والتي بدأت قبل نحو عقد من الزمان حين قرر المستثمرون العرب التوجه نحو الشرق وخصوصًا الهند ولكن تعقيدات الهند الإدارية وعدم شفافية القوانين وتفشي الرشوة على كافة المستويات لم تشجع كثيرًا على تدفق الاستثمارات العربية على نطاق واسع إلى الهند. ولم يتعد الأمر بعض المصانع الصغيرة واستثمارات خفيفة بما فيها استثمار المملكة العربية السعودية عن طريق شركة أرامكو في خمس مصافٍ نفطية.

وينسحب نفس الشيء على الاستثمارات الهندية في البلاد العربية وخصوصًا في قطاع النفط والغاز والصناعة، فالهند لا تشعر بأنها مرحّب بها في البلاد العربية وترى أن البلاد العربية تميل إلى باكستان وتفضلها عليها، وأوضح دليل على ذلك استبعاد الهند من عضوية مؤتمر التعاون الإسلامي بسبب التعنت الباكستاني رغم وجود 180 مليون مسلم في الهند يمثلون ثاني أكبر كتلة إسلامية في العالم بعد إندونيسيا.

تسعى الهند في السنوات الأخيرة لإنشاء علاقات أمنية أيضًا مع بعض دول المنطقة في إطار محاربة الإرهاب والجريمة المنظمة. وقد عقدت معاهدة تبادل المجرمين مع كل من اتحاد الإمارات العربية والمملكة العربية السعودية. وحضرت الهند مؤتمرًا في المملكة العربية السعودية حول الإرهاب سنة 2004 وأيدت الاقتراح السعودي بإنشاء مركز إقليمي لمكافحة الإرهاب.

محاور السياسة الهندية في الشرق الأوسط

يدور جلّ ما تهتم به الهند حاليًا في إطار مصالحها مع بلاد الشرق الأوسط حول أربعة محاور: 

  1. أولاً: استمرار الحصول على النفط الخام والغاز الطبيعي بأسعار منخفضة وبشروط دفع أفضل كلما أمكن. وترى الهند أن أوضاع الشرق الأوسط ستتحسن لصالحها في المستقبل؛ فترى أن "تحرر" الولايات المتحدة من الحاجة الماسة لنفط الشرق الأوسط بسبب التوسع في الإنتاج المحلي للغاز الطبيعي سيخلق وضعًا جيوسياسيًا جديدًا في المنطقة، جاء هذا على لسان (شيو شانكار مينون) مستشار الأمن القومي الهندي خلال خطبة ألقاها في أغسطس/آب من العام الماضي أمام المجلس الهندي للطاقة والبيئة والماء. وقال مينون:

    "الشرق الأوسط الآن أقل أهمية بالنسبة لمصادر الطاقة، وقد سهّل هذا للعالم أن يتحمل الأزمة الراهنة في الشرق الأوسط. فأزمة الطاقة التى تنبأوا بها عند تفجر ما يسمى بـ "الربيع العربي" والركود بسبب أزمة البرنامج النووي الإيراني لم تتحقق، بل الحقيقة هي أنه لو تم تجميع كل مصادر الطاقة في العالم اليوم فسيشهد العالم وفرة كالتي شهدها في الثمانينيات"(17).

  2. ثانيًا: تبحث الهند دومًا عن إمكانيات المشاركة في التنقيب والحصول على امتيازات كما هي الحال في العراق وليبيا والسودان إلا أن هذه الجهود تقابَل بمعارضة أميركية.

  3. ثالثًا: تهدف السياسة الهندية إلى تأمين الأسواق العربية للبضائع الهندية إذ تعتبر البلاد العربية وخصوصًا الخليج في مقدمة مستوردي البضائع الهندية من مختلف الأنواع. وتعتبر الإمارات العربية المتحدة أكبر مستورد للبضائع الهندية في الخليج حاليًا ويتم توزيعها لاحقًا إلى الأسواق العربية والإيرانية والإفريقية. وقد بلغ حجم التجارة الهندية مع الإمارات 8 بلايين دولار سنة 2006. و تعد الهند رابع أكبر شريك تجاري للمملكة العربية السعودية المورد الأكبر للنفط للهند.

  4. رابعًا: ترى الهند أن من أولوياتها رعاية وحماية مصالح العاملين الهنود في الشرق الأوسط؛ فالهند حريصة على أن تستمر دول الشرق الأوسط وخصوصًا دول الخليج في توفير العمل لملايين من الهنود من كل من العقول الراقية إلى العمالة اليدوية غير المحترفة إذ يوجد بالخليج على الأقل 3,5 مليون عامل هندي يحولون للهند مبالغ ضخمة (6 بلايين دولار سنة 2006) مما يعد أكبر مصدر للعملة الصعبة في الهند والذى يتحقق بدون أية كلفة سياسية أو اقتصادية أو غيرها؛ إذ لا يطالب هؤلاء العمال بأية حقوق ومزايا خاصة داخل الهند لقاء هذه الخدمة المجانية.

اهتزت الهند حكومة وشعبًا حين تحدثت الأخبار في أوائل شهر إبريل/نيسان الحالي حول تعرض آلاف من الهنود للترحيل من المملكة العربية السعودية بعد تنفيذ لوائح "السعودة" والتشديد في لوائح العمل، وتدخلت الحكومة الهندية على أعلى المستويات لدى السلطات السعودية فأعطت الأخيرة مهلة شهرين للعمالة الأجنبية المخالفة لتسوية أوضاعها.

ورغم الضباب الذى يلف بسياسة الهند إزاء الشرق الأوسط يمكن الاستنتاج بأنها تقوم حاليًا على أمرين أساسيين: أولاً: الحفاظ على أمن الطاقة الهندي، أي ضمان وصول ما تحتاج إليه الهند من المنطقة من نفط وغاز طبيعي بدون توقف وبأفضل الأسعار والشروط الممكنة. وثانيًا: مواصلة سياسة نهرو القائلة بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى إلا أن هذه السياسة مرشحة للتغيير في المستقبل حين يتغير وضع الهند على المسرح الدولي بعد بروزها كقوة اقتصادية يُحسب لها حساب. ومن المتوقع أن تصبح الهند والصين الشريك الرئيسي لدول الشرق الأوسط بعد انكفاء الولايات المتحدة التدريجي وعدم اهتمامها بنفط المنطقة. وسيكون من مصلحة دول المنطقة إقامة علاقات وثيقة مع الدولتين معًا حتى لا تتحكم إحداهما بمقدرات هذه المنطقة المهمة.
_______________________________________
د. ظفر الإسلام خان - صحفي وباحث هندي

الهوامش والمراجع
1- إحصائية الطاقة 2012 (نشرة هندية رسمية):
http://mospi.nic.in/mospi_new/upload/Energy_Statistics_2012_28mar.pdf
2- المصدر السابق، ص 42.
3- المصدر السابق، ص 18.
4- المصدر السابق، ص 81.  
5- المصدر السابق، ص 83.
6- المصدر السابق، ص 86.  
7- يمكن الرجوع إلى: http://en.wikipedia.org/wiki/Energy_policy_of_India
8- المصدر السابق.
9- المصدر السابق.
10- المصدر السابق. 
11- Venu Rajamony, Joint Secretary for Energy Security in the Indian Ministry of External Affairs, speaking to Knowledge@Wharton, Sept 2010 –
http://knowledge.wharton.upenn.edu/arabic/article.cfm?articleid=2533
12- Kabir Taneja, "India’s stake in the Middle East," Tehelka Magazine, 22 March, 2013 -- http://blog.tehelka.com/indias-stake-in-the-middle-east-2/
13- The Pioneer, Delhi, 8 April, 2013
14- المصدر السابق. 
15- هذا ما كشفته الوثائق الأميركية التى نشرتها ويكيليكس فى أوائل إبريل/نيسان 2013؛ فقد قالت: إن صدام حسين كان يبيع النفط للهند بسعر 8,5 دولار للبرميل سنة 1974 حين كان سعر السوق عشرة دولارات للبرميل: Times of India, Delhi, 10 April, 2013
16- انظر نص الوثيقة في:
http://www.eximguru.com/exim/trade-agreement/framework-agreement-with-gcc.aspx
17- Indrani Bagchi, “Less dependence on Middle East energy to impact geopolitics: national security advisor,” Times of India, 25 August, 2012 –
http://articles.timesofindia.indiatimes.com/2012-08-25/india/33384879_1_energy-challenge-energy-sources-energy-crisis

ABOUT THE AUTHOR