حدود لبنان تحت المطرقة السورية: تداعيات ومخاطر

استهدف تنظيما النصرة والدولة الإسلامية مواقع على الحدود اللبنانية للجيش اللبناني وحزب الله لانخراط الأخير بالحرب السورية؛ ما أدخل لبنان في مرحلة جديدة ستترك آثارًا سلبية على مصداقية الجيش وعلى سياسة النأي بالنفس كما كشفت دورًا متعاظمًا لحزب الله في الحكم.
16 October 2014
2014101683035312734_20.jpg
(الجزيرة)
ملخص
شنَّ تنظيما النصرة والدولة الإسلامية خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة هجومين على التوالي عبر الحدود اللبنانية، أولهما كان من قبل التنظيمين ضد الجيش اللبناني وأخذا منه أسرى ومحتجزين (تقريبًا 26 محتجزًا) أما الثاني فاستهدفت به النصرة مواقع عسكرية لحزب الله اللبناني. وشكَّل الهجومان سابقة من حيث اختراقهما للحدود اللبنانية، وأثارا عددًا من المخاوف، منها أن يكون هناك موافقة دولية ضمنية على هذا النوع من الهجمات الذي يستهدف مقاتلي حزب الله حصرًا لدفع هذا الأخير إلى الانسحاب من العمق السوري وحماية معاقله على الحدود، مع ما يعنيه ذلك من تصدع لسياسة النأي بالنفس اللبنانية حيث أصبح لبنان محاطًا بالنار السورية بعد هذه الهجمات. أما الجيش اللبناني فرغم التعاطف الذي يلقاه بسبب احتجاز جنوده ومقتل بعضهم في تلك الحادثة، فإنه قد يجد نفسه مع حزب الله في نفس الخندق؛ ما قد يثير غضب مؤيدي الثورة السورية ومناهضي حزب الله في لبنان، خاصة أنه متهم أصلاً عندهم بخضوعه لحزب الله؛ ما يثير مخاوف جدية من تصدع الثقة بالجيش اللبناني وأن يفقد بالتالي دوره الوطني.

تقوم المعادلة اللبنانية الراهنة التي تحتوي المخاطر الأمنية القادمة من سوريا بشكل أساسي على الدور الأمني للحكومة اللبنانية في محاصرة ما تسميه: "الإرهاب" داخل الحدود اللبنانية -دون التطرق لأمن الحدود- وهدفها تحديدًا موجة "التفجيرات"(1) التي جاءت كرد على انخراط حزب الله في الحرب السورية إلى جانب نظام الرئيس بشار الأسد. وأصبح واضحًا أن هذا الدور يحظى برضى محلي من قِبل قوى 14 و8 آذار، ومن قِبل دول الإقليم لاسيما الراعية منها، أي: السعودية وإيران، إضافة إلى الدول الكبرى المعنية بالشأن اللبناني. ولا يمكن القول بتراجع أي من هذه الأطراف عن التزامها هذا ما دامت حكومة تمام سلام متماسكة، وهي التي أثبتت حتى اللحظة أن دورها الأساس هو ضبط الوضع الأمني، وحفظ الحد الأدنى من انتظام إدارة البلد في إقليم تعمه الفوضى. ولكن أمن الحدود اللبنانية المحاذية لسوريا لم يكن مطروحًا حين تشكَّلت الحكومة(2)، إنما طرح نفسه بعد الاختراق الأخير للحدود اللبنانية بالهجمات التي شنَّها تنظيما جبهة النصرة والدولة الإسلامية واستهدفا بها الجيش اللبناني وتنظيم حزب الله في حادثتين منفصلتين؛ ما وضع لبنان وأمنه تحت اختبار جديد من نوعه.

حدود لبنان مع سوريا تحت النار

اخترق الحدود اللبنانية هجومان استهدفا الجيش اللبناني وحزب الله في بلدتي عرسال وبريتال وجرودهما، جاء الأول في 2 أغسطس/آب 2014 من قبل جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية ضد الجيش اللبناني والقوى الأمنية اللبنانية في عرسال ردًّا على اعتقال مخابرات الجيش اللبناني لأحد القادة السوريين الميدانيين يُدعى عماد جمعة، واختطف التنظيمان العشرات من العسكريين بقصد مبادلتهم مع موقوفين ومعتقلين لبنانيين وسوريين لدى السلطات اللبنانية ومنهم جمعة نفسه(3).

 وكانت النصرة قد أطلقت عدة محتجزين لتُظهر استعدادها للتفاوض(4)، ولكن بسبب بطء عملية التفاوض أو عدم جديتها -كما يعلِّلون- هدد الخاطفون بإعدام من في أيديهم فقتل تنظيم الدولة اثنين من العسكريين ذبحًا، في حين أعدمت النصرة آخر رميًا بالرصاص، ويُقدَّر عدد الذين لا يزالون قيد الاحتجاز بـ26 عنصرًا(5).

أما الهجوم الثاني فقد شنَّته جبهة النصرة في 5 أكتوبر/تشرين الأول 2014 واستهدف مواقع لحزب الله في جرود بريتال اللبنانية(6)، وهو متصل بحرب الاستنزاف التي تخوضها المعارضة السورية في منطقة القلمون التي سقطت بيد الجيش السوري وحزب الله، ولكن يبدو أن هذه الحرب بدأت تمتد لتصل إلى حزب الله على الحدود اللبنانية؛ ما يفتح الباب مجددًا أمام الحديث عن المخاطر والتداعيات التي يمكن أن يتعرض لها لبنان في هذه المرحلة من عمر الأزمة السورية وانعكاساتها على لبنان.

ومن المهم التأكيد على أن أعظم المخاطر التي تهدد لبنان من الجانب السوري هو انتقال الحرب إليه، باعتبار أن المكونات اللبنانية والسورية مترابطة المصالح والأهداف بعد وجود سوري دام طويلاً على الأراضي اللبنانية تحكَّم ببنية الحكم وبتوزع القوى فيه وتحالفاتها الخارجية والداخلية.

ولكن هذا الاحتمال ليس متداولاً اللحظةَ باعتبار أن كل الفرقاء المعنيين بالشأن اللبناني، اللبنانيين وغير اللبنانيين، يعتبرونه الخط الأحمر الذي يجب عدم الاقتراب منه البتة، فهو بمثابة الحد الذي إذا تم تجاوزه فإنه سيفضي بالأزمة اللبنانية إلى المجهول وسيقضي على اللعبة السياسية القائمة.

ولكن في إطار هذا الحد هناك مخاطر ملموسة ومتوقعة في المدى القريب، ستزيد من تصدع الكيان اللبناني وتجعله عرضة لموجات عاتية من الاضطراب الأمني والسياسي، يمكن الوقوف عند أهمها وحصرها في ثلاث من حيث خطرها الداهم، أولها: تصدع سياسة النأي بالنفس وفق التفسير اللبناني، ثانيها: تصدع مصداقية الجيش اللبناني، والثالثة: بوادر صعود "طائفة سياسية حاكمة" بسبب تنامي دور حزب الله الأمني وتوسعه بما قد لا تحتمله القوى اللبنانية الأخرى.

1- تصدع سياسة النأي بالنفس
لا يزال اللبنانيون يحتمون بالرعاية الإقليمية والدولية، التي تمارس ضغوطها على الأطراف السورية لتبقى بعيدة عن الأزمة اللبنانية، ونتيجة لذلك فُسّرت سياسة "النأي بالنفس" التي اعتمدتها حكومة الرئيس نجيب ميقاتي السابقة، خدمة لهذا الهدف حصرًا، أي: منع امتداد تداعيات وتأثيرات مجريات الحرب السورية على لبنان، في حين لم تكن جدية في الشق المتعلق بإبعاد اللبنانيين عن الأزمة السورية؛ حيث أصبحت مشاركة حزب الله في القتال الدائر في سوريا في المعادلة اللبنانية شبيهة بسلاح حزب الله بوصفه سلاح مقاومة في مواجهة إسرائيل، أو هذا ما تعمل على تكريسه قوى 8 آذار في مقابل عجز كامل من قبل قوى 14 آذار؛ حيث تكتفي هذه الأخيرة بالبيانات الداعية لانسحاب قوات حزب الله من سوريا لا أكثر.

حاولت المعارضة السورية المسلحة وخاصة النصرة إجبار حزب الله على الانسحاب من الحرب السورية بنقل حربها ضده إلى العمق اللبناني، واستهداف حاضنته الشعبية وذلك من خلال التفجيرات المتنقلة التي ضربت الضاحية الجنوبية وبعلبك حيث المعاقل الأساسية لحزب الله، إضافة إلى سلسلة من العبوات التي لاحقت بعض مواكب مسؤولي ومقاتلي حزب الله، هذا فضلاً عن رمي بعض القرى المؤيدة للحزب والمحاذية للحدود ببعض الصواريخ على فترات مختلفة(7).

ولكن هذا التوجه لقي رفضًا إقليميًّا ودوليًّا وكذلك من كل الأطراف اللبنانية، خوفًا من أن يقود إلى حرب أهلية لبنانية، خاصة وأن هذا التوجه لم يخلُ من رد غير مباشر من النظام السوري بالوكالة، أو هكذا قرأه البعض، حيث كانت القوات السورية النظامية، في نفس السياق الزمني، تقصف من حين لآخر قرى في شمال لبنان محاذية للحدود السورية -يغلب على أهلها تأييد الثورة السورية- ومن بينها بلدة عرسال طبعًا، هذا فضلاً عن اعتقاد السلطات اللبنانية بوقوف جهة محلية لبنانية مدعومة من النظام السوري وراء التفجيرين اللذين استهدفا مسجدين من مساجد السنة في طرابلس(8)، وقد يضيف آخرون إلى ذلك أيضًا اغتيال الوزير والقيادي في تيار المستقبل محمد شطح(9).

واللافت أن ما حصل مؤخرًا من اختراق للحدود اللبنانية لم يلقَ اعتراضًا شبيهًا بذاك الذي كان في مواجهة موجة "التفجيرات"؛ حيث انصبت الجهود الوطنية لأولئك المناهضين لحزب الله على التعاطف مع الجيش اللبناني وعناصره المختطفين، لكن هجوم النصرة على مواقع حزب الله تم التعامل معه من الجهات الدولية المعنية من زاوية التحليل لمجريات الحرب الدائرة في سوريا؛ ما قد يعطي انطباعًا بأن هذا النوع من الاختراقات في الضغط على حزب الله للانسحاب من سوريا قد يدخل في حيز الممكن والمسموح ولو بشروط؛ ما يعني أن تعديلاً قد جرى على سياسة النأي بالنفس بالاعتبار الدولي فيما يخص استهداف حزب الله على الحدود.

هذه السابقة ستشجع قوى المعارضة السورية على تكرار مثل هذه الهجمات لتُسقط أو تُضعف سياسة النأي بالنفس السائدة وفق الرؤية اللبنانية والدولية التي تسمح لحزب الله بخرق الحدود السورية والسيطرة على الأرض، في حين يبقى ذلك ممنوعًا عليها. ليحل محلها تفسير آخر أو بالأحرى معادلة أخرى تسمح للمعارضة بتعزيز سياسة خرق حدود لبنان لإشغال حزب الله بالدفاع عن معاقله الحدودية بما يحد من مشاركته العسكرية في العمق السوري، وقد تسيطر بعض هذه القوى على أراض لبنانية نتيجة لتطور الصراع أو لحسابات خاطئة. وهذا الإجراء بحده الأدنى "استهداف الحدود" أو الأعلى "السيطرة على أراض"، فضلاً عن إضعافه سياسة النأي بالنفس اللبنانية، سيزيد من ربط الشأن اللبناني بالشأن السوري بإضافة لاعبين سوريين جدد –وربما جهاديين- إلى الأزمة اللبنانية، وبالتالي ستدخل عوامل تأزيم جديدة على الأزمة اللبنانية.

2- تصدع مصداقية الجيش
من المفارقات أن الجيش اللبناني تعرض لهجوم مباغت من تنظيمي النصرة والدولة بعد ساعات على الاحتفال بعيده التاسع والستين (يصادف الأول من أغسطس/آب)، وفي ظل جمود سياسي شبه تام، مع استمرار الشغور في كرسي الرئاسة اللبنانية -حيث الرئيس هو القائد الأعلى للقوات العسكرية- لعدم انتظام النصاب القانوني المطلوب للانتخاب بسبب الخلافات بين أطراف الحكم، وفي ظل مجلس نيابي ممدد له محدود الصلاحيات، حتى إن قائد الجيش اللبناني نفسه جان قهوجي، تم التمديد له في ظل ظروف صعبة كان الجيش يُتهم فيها بالانحياز إلى طرف لبناني دون آخر، أي إلى قوى 8 آذار في مواجهة قوى 14 آذار(10).

ورغم المواقف المؤيدة للجيش في محنته من قبل الأطراف السياسية اللبنانية كافة، فإن ما حدث في عرسال قُرئ من قبل بعض مؤيدي الثورة السورية في لبنان وسوريا، وهو ما تخشاه قوى 14 آذار، على أنه يأتي في سياق خدمة أجندة حزب الله في حربه ضد المعارضة السورية، وأنه -أي: حزب الله- من مصلحته استدراج الطرفين: الجيش اللبناني والمعارضة السورية إلى معركة كهذه وأنه بصدد تعظيمها وجعلها جبهة مفتوحة بما قد يخلق وقائع وظروفًا ستدفع بالحكومة والدولة اللبنانية بكل مكوناتها لأن تكون شريكًا مباشرًا له في تحمل مسؤولية حربه -أي: حزب الله- في جرود عرسال، وشريكًا غير مباشر في تحمل تداعيات حربه في جرود القلمون، لاسيما وأن استلام الجيش أمن المنطقة هناك "سيخفف عنه ولو بعض الأعباء"، والأهم أنه سيضفى شرعية على حربه هناك ويجعلها مصلحة "وطنية" لا "فئوية".

وهذه التحليلات بغضِّ النظر عن مقدار الخطأ والصواب فيها، فإنها تعكس على المستوى اللبناني بالنسبة لقوى 14 آذار إلى حد ما، ولمؤيدي الثورة السورية في لبنان بدرجة أشد وغالبهم من السنة، ضعف ثقتهم بدور الجيش اللبناني على الصعيد الأمني رغم أنهم يشكِّلون ثقلاً عدديًّا فيه، لاسيما وأن الجيش اللبناني يظهر وكأنه ينفذ أجندة حزب الله ويقوم بالدور العسكري المكمل للحزب، ولكن هذه المرة في سوريا وذلك بعد أن قام بهذه المهمة وفق هذه الرؤية أكثر من مرة في لبنان.

وسبق أن تعرض الجيش للنقد مرارًا بذريعة أنه يميز بين فئة من اللبنانيين وأخرى، فهو يستطيع حكم كل الأراضي اللبنانية ما خلا الضاحية الجنوبية حيث معقل حزب الله، وأنه يتحرك حيث يسمح له هذا الأخير وأن هذا ما كان منه في موقفه من اجتياح حزب الله لبيروت عام 2008. وجاء النقد الأشد للجيش عندما انخرط في مواجهة ظاهرة الشيخ أحمد الأسير في مشهد بدا لتيار المستقبل نفسه وكأن حزب الله يُوقِع بالجيش متى شاء؛ حيث خرجت إلى العلن تصريحات سياسيين لبنانيين تؤكد مشاركة حزب الله في هذه المعركة مطالبة بالتحقيق في أحداثها كما حذَّر رؤساء سابقون للحكومة من وضع الجيش في مواجهة السنة(11). هذا فضلاً عن الرواية التي تداولها بعض مناهضي حزب الله ومفادها أن المعركة ضد الأسير كانت مفتعلة واستُدرج إليها الطرفان بتواطؤ من قبل عناصر لحزب الله كانت بالزي الرسمي للمؤسسة العسكرية(12)، بينما اعتبر الأسير أن الجيش اللبناني يخضع لإملاءات حزب الله ودعا السنة للانشقاق عليه مثيرًا نقاشًا ولو خافتًا داخل الطائفة السنية حول موقعها في المؤسسة العسكرية، وطبيعة دور هذه المؤسسة في الأمن.

كرست معركة الجيش ضد الأسير مقولة: إن الجيش اللبناني بيد حزب الله ويأتمر بأمره، حتى أصبحت لازمة في أغلب البيانات الصوتية والمكتوبة والمصورة لتنظيمي النصرة والدولة، كما تكررت على ألسنة بضعة عسكريين لبنانيين -على قلتهم- يعلنون انشقاقهم عن الجيش اللبناني للالتحاق بالمعارضة السورية بغية مواجهة حزب الله(13).

وتكمن الخطورة في هذه الدعوات في أنها تحاول استعادة حادثة غيَّرت مجرى الحرب الأهلية اللبنانية والتي عُرفت بحركة 6 شباط عام 1986؛ حيث انقسم يومها الجيش اللبناني ما بين القوى المؤيدة لسوريا وتلك التي كانت تخضع لرئيس الجمهورية آنذاك أمين الجميل. ويخشى أن تصادف هذه الاستراتيجية ظرفًا محليًّا وإقليميًّا ملائمًا بما قد يؤدي إلى زعزعة السلم الأهلي الهش الذي يعيشه لبنان أو نسفه. ومما يؤكد هذه المخاوف أن أحداث عرسال أطلقت بالتزامن معها وبسببها أعمالاً عدائية ضد الجيش اللبناني في منطقة طرابلس حيث الأغلبية السنية، لا بل هذا الهجوم نفسه في عرسال على الجيش اللبناني كان وراء التشجيع عليه أو ذريعته هذه الدعوات وما تحمله من استنتاجات، أن الجيش بيد جهة -أي: حزب الله- أو الطائفة الشيعية وليس الوطن.

3- دولة الطائفية السياسية
هناك توسع ملحوظ لدور حزب الله الأمني منذ العام 2008 بعد أن اجتاح مسلحوه بيروت ردًّا على قرار للحكومة اللبنانية يدعو لإزالة شبكته الهاتفية السلكية من بيروت إضافة إلى قرارات أخرى، وذلك بعد أن كان هذا الدور منحصرًا بحاجات "العمل المقاوِم" ضد إسرائيل والمنطقة التي ينشط فيها.

وتوسع مرة أخرى بعد أن أصبحت معاقله في الضاحية الجنوبية وبعلبك وسواهما عرضة للاستهداف من "جماعات سورية متشددة" بسلسلة من التفجيرات، وشاع ظهور مسلحيه في الشوارع وممارسة أدوار أمنية متقدمة في ظل وجود الجيش وبقية الأجهزة الأمنية اللبنانية الأخرى، كإقامة حواجز عسكرية وأمنية على مداخل الضاحية الجنوبية والتحقيق مع الناس والتحقق من تحركاتهم، وشاع مع ذلك الحديث عمَّا يسمى "الأمن الذاتي" وحق الناس في أن تتولى أمنها بنفسها بسبب "عجز الدولة عن حماية مواطنيها".

ومن المتوقع بعد الهجمات الأخيرة على جرود بريتال، أن يتطور دور حزب الله الأمني والعسكري على الحدود ليتلاءم مع التهديدات الجديدة، ولتتضاعف ترسانته كمًّا ونوعًا ومساحة المناطق الأمنية الخاضعة له في الداخل اللبناني أو على الحدود بما تشمله من أراض وسكان وموارد ومسؤوليات على "حساب الدولة اللبنانية وسيادتها"، وستجعله -رغم كل التنسيق مع الجيش والأجهزة الأمنية وبعض السكان- في مواجهة مع لبنانيين آخرين يختلفون معه في التوجهات ولكن يخضعون لسياساته أو نتائجها قسرًا. ويمكن القول مع بعض التحفظ: إنه لتلبية حاجاته وأهدافه المتعاظمة في الإقليم، قد يصبح من حيث الدور والبنية والشرعية الواقعية أشبه "بجيش شبه رسمي" في الداخل وعلى الحدود، بعد أن كان جماعة مسلحة لها تسهيلات خاصة تُنتزع وفقًا للحاجة ولكل حادثة بعينها.

ولهذا بدت قوى 14 آذار بعد مشاركتها في حكومة تمام سلام تحت شعار "ربط النزاع" وكأنها في استسلام تام لسياسة حزب الله الأمنية، فهذا الشعار رسم سياسة تقوم من جهة على تأكيد الاختلاف السياسي مع 8 آذار خاصة فيما يتعلق برفضها انخراط حزب الله في الحرب السورية، لكنها من جهة أخرى تتعاون مع 8 آذار في مواجهة التحديات والمخاطر الأمنية التي تهدد لبنان نتيجة لانخراط الحزب في هذه الحرب.

وبسبب هذه السياسة التي ركنت إليها الحكومة بدت الخطط الأمنية التي أطلقها وزير الداخلية نهاد المشنوق المحسوب على صقور تيار المستقبل خطة عرجاء، تلاحق المؤيدين للثورة السورية بوصفهم إرهابيين في حين تقوم القوى المؤيدة للنظام السوري بتعزيز وجودها ورؤيتها الأمنية الخاصة داخل النظام اللبناني.

وفي ضوء هذا، وباعتبار التجربة اللبنانية التاريخية، من المشكوك فيه أن تبقى الساحة اللبنانية على استقرارها الهش دون "انتفاضات" -سواء كانت متعمدة ومخططًا لها أو غير ذلك- ضد هذا الوضع الذي يشير إلى تصاعد نفوذ حزب الله في الدولة اللبنانية ليتحول إلى ظاهرة سياسية "حاكمة"، لاسيما أن الرؤية الأمنية اللبنانية بعد اتفاق الطائف (1989)، الذي أنهى الحرب الأهلية، كانت تحرص على تجنب تكرار تحكم طائفة أو جهة دون أخرى بأمن لبنان وتوجهاته، كي لا يتكرر نظام "الطائفية السياسية"(14) الذي تمثل في "المارونية السياسية" وما نتج عن ظلمها من ظاهرة "المحرومين والمستضعفين" في الطوائف الأخرى وكانت سببًا أساسيًّا للحرب الأهلية اللبنانية.

وإذا كان هذا الاحتمال ضعيفًا اللحظة، فإن محاولة إيجاد مساحات أمنية مقابلة أو قوى موازنة لحزب الله ستبقى احتمالاً قويًّا قابلاً للتكرار، كما جرى مع ظاهرة الشيخ أحمد الأسير في صيدا جنوب لبنان (2013)، أو ظاهرة فتح الإسلام في مخيم نهر البارد شمال لبنان (2007)، وربما بمحاولات أكثر إصرارًا وبوتيرة أشد بداعي محاربة "الطائفية السياسية" أو هزيمتها.

مآلات وخاتمة

تقوم مقاربة قوى 8 و14 آذار للأزمة السورية على رؤيتين مختلفتين وتحت سقف حكومة واحدة، الأولى: ترى في قوى المعارضة السورية عمومًا قوى "إرهاب وتكفير" وتتمسك بسلاح حزب الله وبتدخله في سوريا باعتباره سلاح مقاومة ودفاع عن لبنان ضد التكفيريين كما هو ضد إسرائيل، وتُدرِجه تحت ثلاثيتها الدفاعية "جيش، مقاومة، شعب" التي اعتمدها حزب الله أصلاً لمواجهة إسرائيل(15).

وجاء تدخل حزب الله في سوريا ليُظهر أن هذه المعادلة تنسحب على مجمل الحياة السياسة اللبنانية وتوجهاتها الإقليمية لتزيد من حجم الهوة بينها وبين قوى 14 آذار، لاسيما وأن رؤية هذه الأخيرة تقوم على التمييز بين قوى المعارضة السورية "المعتدلة" المناهضة للرئيس الأسد، وتلك "المتشددة" من أمثال تنظيم الدولة، فهي تقبل بالأولى وتراها ثورة مشروعة وترفض الثانية وتراها "إرهابًا"، كما ترفض تدخل حزب الله العسكري في الحرب السورية بالمطلق، لا بل ترى في نزع سلاحه مدخلاً لتحقيق الأمن الفعلي وبناء الدولة.

ومن هنا نشأ التناقض في ممارسة الأمن؛ حيث دخل الجيش والأجهزة الأمنية في متاهات التوفيق بين الرؤيتين على الأرض أو تغليب واحدة على أخرى وفقًا لإكراهات الواقع وضروراته، ومن هنا مبعث الخوف أن يبقى الجيش أسيرًا لهذا الدوامة بما قد يُضعف الثقة بدوره في حفظ الأمن اللبناني وتوازناته، ليخسر جميع الأطراف دور الجيش الوطني عندما يوصف من أحد الأطراف "بالفئوي".

ومن الواضح أن حزب الله لن يتراجع عن دوره في الحرب السورية إلا لمغنم أو مكرهًا وبحسابات تتصل بالإقليم وليس بلبنان، كما أن المعارضة السورية لن توقف حربها على حزب الله ما دام منخرطًا في الحرب السورية على الأقل، والوضع الإقليمي الراهن لا يشي بتغير موازين القوى الإقليمية بما يعود بتغيير ما على الحدود اللبنانية-السورية، ولا يمكن بهذا الاعتبار أن تنجح سياسة "النأي بالنفس" ولا "ربط النزاع" التي قامت على أساسهما الحكومة الحالية، فهي ستكون عاجزة عن التعامل بكفاءة مع هذه التداعيات بانتظار تفاهم إقليمي جديد يأخذ هذا المستجدات بعين الاعتبار، فيرسم حدودًا لدور حزب الله في سوريا أو خارطة طريق للانسحاب منها ليتوازن دوره نسبيًّا في لبنان، ويضع خطًّا أحمر لقوى المعارضة السورية دون الحدود اللبنانية فتلزمها لتنصرف لقضيتها الخاصة، وإلى ذاك الحين، تحيط بلبنان مخاطر النيران السورية لتأكل من أطرافه كما تأكل أزمات الكيان اللبناني من داخله.
___________________________________________
شفيق شقير - متخصص في شؤون المشرق العربي والحركات الإسلامية

المصادر
1- شفيق شقير، تفجيرات لبنان: تداعيات للأزمة السورية أم بوادر حرب أمنية؟، الجزيرة للدراسات، 3 أكتوبر/تشرين الأول 2013،
http://studies.aljazeera.net/reports/2013/10/201310174929157964.htm
2- شفيق شقير، الرئاسة الأولى والحكومة اللبنانية: ربط النزاع بانتظار تفاهم لبناني جديد، الجزيرة للدراسات، الخميس 8 مايو/أيار 2014،
http://studies.aljazeera.net/reports/2014/05/20145811193295356.htm
3- عرسال: الجيش والشعب وقوى الأمن في مواجهة الإرهاب، صحيفة المستقبل اللبنانية، 3 أغسطس/آب 2014،
http://www.almustaqbal.com/v4/article.aspx?type=NP&ArticleID=626891
4- "جبهة النصرة" تفرج عن 5 جنود لبنانيين، الحياة اللندنية، 31 أغسطس/آب 2014،
http://www.alhayat.com/Articles/4386671/-%D8%AC%D8%A8%D9%87%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B5%D8%B1%D8%A9--%D8%AA%D9%81%D8%B1%D8%AC-%D8%B9%D9%86-5-%D8%AC%D9%86%D9%88%D8%AF-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%8A%D9%8A%D9%86
5- النصرة تعلن إعدام أحد الجنود اللبنانيين المحتجزين لديها، الجزيرة نت، 19 سبتمبر/أيلول 2014،
http://www.aljazeera.net/news/arabic/2014/9/19/%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B5%D8%B1%D8%A9-%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%86-%D8%A5%D8%B9%D8%AF%D8%A7%D9%85-%D8%A3%D8%AD%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D9%88%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D8%AA%D8%AC%D8%B2%D9%8A%D9%86-%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%87%D8%A7
6- معركة جرود بريتال تُدخِل لبنان مرحلة جديدة، الحياة اللندنية، 7 أكتوبر/تشرين الأول 2014،
http://alhayat.com/Articles/4926887/%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D8%AC%D8%B1%D9%88%D8%AF-%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%84-%D8%AA%D9%8F%D8%AF%D8%AE%D9%90%D9%84-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D9%85%D8%B1%D8%AD%D9%84%D8%A9-%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A9
7- لا تزال الصواريخ التي تطول الأراضي اللبنانية تتجدد ولو على فترات متباعدة.
8- أصدر القضاء العسكري اللبناني أمرًا بتوقيف النائب السابق على عيد المتواري عن الأنظار، وهو من الموالين للنظام السوري، على خلفية اتهامه بتهريب مطلوبين بجرم تفجير مسجدي السلام والتقوى في طرابلس.
9- اغتيل شطح في 27 ديسمبر/كانون الأول 2013
10- للمفارقة مُدِّد لقهوجي بتأخير تسريحه لمدة عامين من قبل وزير الدفاع نهاية يوليو/تموز 2013، أي: عشية عيد الجيش.
11- اجتماع بين ميقاتي ورؤساء الحكومة السابقين في السرايا: رفض الاعتداء على الجيش ومحاولة وضعه في مواجهة مع السنَّة، صحيفة المستقبل، 25 يونيو/حزيران 2013،
http://www.almustaqbal.com/storiesv4.aspx?storyid=576552
وانظر نص البيان في موقع قوى 14 آذار،
http://www.14march.org/news-details.php?nid=NDcwMTIz
وانظر بصدد تعطل التحقيق بأحداث تصفية ظاهرة الأسير ومشاركة حزب الله فيها في صحيفة السفير اللبنانية، غصن يتغيب عن «الدفاع» رفضًا لمحاسبة الجيش، 19 يوليو/تموز 2013،
http://www.assafir.com/article.aspx?EditionId=2518&ChannelId=60739&ArticleId=1855
12- الشهال يكشف حقيقة المخطط الطائفي المدبر ضد الأسير، مفكرة الإسلام، 24 يونيو/حزيران 2013،
http://www.islammemo.cc/akhbar/arab/2013/06/24/174737.html
13- انظر على سبيل المثال أحد الجنود المنشقين مؤخرًا والملتحقين بالنصرة، وما ساقه من أسباب الانشقاق، كما ورد على اليوتيوب، وكالة الأناضول، 
http://www.youtube.com/watch?v=6KAtkYGo-gU&list=UUgGQS5r9Vv4d_Wd35qMlHew
14- الطائفية السياسية، المراد منها في هذا السياق تحكم طائفة لبنانية ببقية الطوائف من خلال زيادة نفوذها في أجهزة الحكم.
15- القراءة المبرِّرة لشرعية سلاح حزب الله كمقاومة أو الرافضة له، ما زالت تُطرح في سياق تكوين استراتيجية دفاعية في مواجهة إسرائيل فقط، وكمثال على ذلك يمكن الاطلاع على وجهتي النظر في صفحة قضايا، مركز الجزيرة للدراسات، وجهتا نظر: سلاح حزب الله، سلاح ميليشيا أم مقاومة؟، 24 مارس/آذار 2014،
http://studies.aljazeera.net/issues/2014/03/201432410657830631.htm

ABOUT THE AUTHOR