تنزانيا في إفريقيا: نموذج للاستقرار السياسي والتعايش الديني

يتناول هذا التقرير أسباب الاستقرار السياسي والاجتماعي الذي تعيشه تنزانيا، والتساؤل عن أسباب هذا الاستقرار، وكيف نجحت تنزانيا في تكريسه وفي توطيد مبدأ المواطنة والانتماء المشترك في سياق يغلب عليه الصراع الهوياتي فضلا عن إثارة التقرير للتحديات التي تواجه تنزانيا رغم نجاحها السياسي والاجتماعي.
201541372225411734_20.jpg
(الجزيرة)

ملخص
توجد بتنزانيا هويات متعددة شأنها في ذلك شأن أغلب الدول الإفريقية ففيها أكثر من مائة قبيلة وفيها الإسلام والمسيحية وملل محلية غير أنها استطاعت أن تجعل هذا التنوع مصدر ثراء لا احتراب وعامل قوة لا عامل ضعف. فقد قامت الدولة منذ تأسيسها على اعتماد مبدأ المساواة والتحاور، وكثيرا ما قامت الطوائف بتنزانيا بمناظرات تهدف إلى التقارب والتعايش فتعزز مفهوم المواطنة والانتماء المشترك، وزاد من ذلك اعتماد نظام تعليمي شامل يفتح الفرص أمام الجميع دون استثناء ودون تمييز. وقد كرس التنزانيون تقليدا في الحكم لم ينص عليه في الدستور لكنه صار سنة متبعة ويقوم على أن يتولى الرئاسة مسيحي ثم مسلم بالتناوب والتوالي وقد اطرد هذا التقليد من أول رئيس مسيحي وهو نيريري إلى الرئيس الحالي المسلم جاكايا كيكويتي وهو الرئيس الرابع. ومع الوقت صارت تنزانيا نموذجا إفريقيا للتناغم والتلاحم ونقطة جذب للحوار والتصالح، كما نأت بنفسها عن الاستقطابات المحلية والدولية فلم تتورط في المستنقع الصومالي كما فعلت بعض دول الإقليم كما لم تدخل في التحالف الغربي ضد مكافحة الإرهاب وتحديدا التحالف الموجه ضد حركة الشباب المجاهدين في الصومال كما فعل دول إقليمية أيضا.

ومع هذا الانسجام ونجاح تنزانيا في إرسال مبدأ إدارة التنوع وتكريس مفهوم المواطنة فإنها معرضة لتحديات جسيمة قد تؤثر على هذا الوضع منها نزعة الانفصال عند سكان زنجبار وتفاقم الفقر لذلك فإن تنزانيا مطالبة بإجراءات استباقية وحلول وقائية من شأنها أن تحول دون انزلاقات نحو المجهول.

مقدمة

تمتعت تنزانيا -وما زالت- باستقرار شبه كامل مقارنة بنظيراتها في منطقة شرق ووسط إفريقيا؛ حيث لم تشهد حروبًا ونزاعات قَبَلية أو تمردًا مسلحًا أو حروبًا دينية بخلاف معظم دول الجوار في المنطقة، مثل: رواندا وبوروندي والصومال والكونغو وجنوب السودان، والتي خاضت حروبًا قبلية مدمرة أدى بعض منها إلى تطهير عرقي غير مسبوق، وإثيوبيا وأوغندا اللتين ما زالتا تعانيان من حمى التمرد المسلح، وإفريقيا الوسطى التي شهدت مؤخرًا حربًا دينية لا هوادة فيها، فيما ظلَّت الحالة التنزانية عكس ذلك تمامًا، مما جعلها نموذجًا للاستقرار السياسي والتعايش الديني في منقطة تعتبر من أكثر المناطق صراعًا في إفريقيا.

نحاول في هذه الدراسة أن نسلِّط الضوء على هذا الاستقرار السياسي والتعايش الديني، والأسباب المساهِمة في ذلك، وفيما إذا كانت الأسباب تعود إلى طبيعة المجتمع التنزاني أم لا. كما نلقي الضوء على مدى قدرة تنزانيا على المحافظة على هذا الاستقرار من خلال نظرة استقرائية تحليلية، وفيما إذا كانت هناك عوائق وتحديات ماثلة أمام هذا المكسب الفريد والنوعي في ظل سيطرة حزب واحد على مقاليد السلطة فيها منذ الاستقلال، مع ظهور جدل سياسي في الآونة الأخير حول إصلاحات دستورية مرتقبة، إضافة إلى الانتخابات الرئاسية التي ستجرى خلال عام 2015 وسط استياء المعارضة التنزانية من بعض الترتيبات المتعلقة بتلك الانتخابات.

نبذة عن تنزانيا

تنزانيا إحدى دول شرق إفريقيا المطلة على المحيط الهندي، تحدها كينيا وأوغندا من الشمال، ورواندا وبوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية من الغرب، وزامبيا ومالاوي وموزمبيق من الجنوب. خضعت تنزانيا لاستعمار بريطاني وألماني كغيرها من الدول الإفريقية واستقلت عام 1961. اشتُقَّ اسم تنزانيا من دمج الاسمين: تنجانيقا وزنجبار اللتين توحَّدتا في عام 1964 لتشكيل جمهورية تنجانيقا وزنجبار الاتحادية والتي تم تغيير اسمها في وقت لاحق إلى جمهورية تنزانيا المتحدة. وخضعت تنجانيقا لاستعمار ألماني فيما كانت زنجبار مستعمرة بريطانية. 
أصبحت زنجبار مستقلة في 19 ديسمبر/كانون الأول1963 ، وتمت صياغة دستورها في المؤتمر الدستوري في "لانكستر هاوس" بلندن بعد مفاوضات بين القوى الاستعمارية والحزبين السياسيين الرئيسيين: الحزب القومي زنجبار (ZNP) الذي كان يمثِّل المجموعات الآسيوية والعرب، والحزب الأفروشيرازي (ASP) الذي كان يمثِّل الزنوج.

اتحدت تنجانيقا وزنجبار لتصبحا جمهورية تنزانيا المتحدة عام 1964، وأصبح أول رئيس لها "جوليوس نيريري"(1) والذي تبنَّى نظامًا اشتراكيًّا أساسه "يوجوما" وهي كلمة سواحلية تعني الاعتماد على النفس والتعاون التقليدي الإفريقي، وقد أثار الاتحاد بينهما جدلًا بين سكان زنجبار، لكنه كان مقبولًا لدى حكومة "نيريري" وحكومة زنجبار الثورية بفضل أهدافهما السياسية المشتركة.

أما عدد سكان تنزانيا فيصل إلى حوالي ثمانٍ وأربعين مليون نسمة ينتمون إلى العناصر الزنجية والحامية، ومن أبرز العناصر: بانتو، الذين يسكنون الوسط، وباشنجا، وماكونزي، ومآلوا، والسوكوما، والسومبوا، ونجيدو، وبوجورو، وزارامو، وشاما وتيتا، وجوجو، وألميرا. وهناك جالية عربية وآسيوية؛ واللغة الرسمية هي الإنجليزية فيما تشكِّل السواحيلية اللغة القومية والوطنية.

يمثِّل المسلمون 60% من السكان فيما يشكِّل المسيحيون 30%، ويتمركز المسلمون في مناطق عديدة فالأغلبية العظمى من سكان جزيرتي بمبا، وزنجبار، وإقليم البحيرة (تنجانيقا) وكذلك سكان مدينة دار السلام (العاصمة)، هم من المسلمين، كما ينتشر المسلمون في ولاية طابورة في الداخل وفي موشي، وكيجوما وأوجيجي.

وصل الإسلام إلى تنزانيا في نهاية القرن الأول الهجري عبر هجرات متتالية من شبه الجزيرة العربية(2)، وتأسست إمارات إسلامية على الساحل الإفريقي إلى الجنوب مثل إمارة "كلوا" الإسلامية، واستقر الأمر للعرب المهاجرين بسبب التجارة أو بسبب الاضطرابات السياسية التي كانت تسود المنطقة العربية في تلك الفترة ومن ثم توغل الإسلام إلى داخل تنجانيقا، وبرزت مراكز إسلامية بالداخل كان منها في تنجانيقا: طابورة، وأوجيجي على بحيرة تنجانيقا، وتانجا التي كانت من أكبر مراكز الثقافة العربية بالبلاد؛ فيما بزغ فجر المسيحية مع قدوم الاستعمار الأوروبي إلى تنزانيا كغيرها من الدول الإفريقية.

الاستقرار السياسي والتعايش الديني

رغم أن تنزانيا تشارك مع نظيراتها، في منطقة شرق ووسط إفريقيا، كل العوامل المؤدية إلى الصراع العِرقي والديني كتعدد القبائل؛ حيث يوجد فيها قبائل متعدِّدة يتجاوز عددها أكثر من مائة قبيلة، إضافة إلى التنوع العِرقي والديني إلا أنها شكَّلت نموذجًا للاستقرار السياسي والتعايش الديني في منطقة تُعتبر من أكثر المناطق صراعًا في إفريقيا.

لم تشكِّل حدَّة الصراعات العِرقية والسياسية في الواقع الإفريقي والتي ترتبط بمطالب المساواة بين الجماعات العِرقية المختلفة في عملية توزيع الثروة والسلطة جزءًا من الواقع السياسي التنزاني، كما أن التحول الديمقراطي الذي عانت منه دول المنطقة وتتخبط من أجل مضاعفاته وتداعياته حاليًا لم يؤثر عليها بخلاف دول المنطقة كما أسلفنا.

فالمناظرات الدينية بين المسلمين والمسيحيين أصبحت أيضًا شيئًا معهودًا لدى كافة الطوائف الدينية في تنزانيا، بل تعدت ثقافة الحوار الديني إلى أبعد من ذلك لتأثر بعض الدول المجاورة لتنزانيا، وكان لهذه المناظرات صدى على التعايش الديني والاندماج الثقافي في تنزانيا، وقد حافظت تنزانيا على هذا الطابع المتميز والفريد منذ عصور قديمة حتى أيامنا هذه، دون أن تمس بنسيجها المتنوع ومجتمعها المتعدد.

أدى هذا الاستقرار السياسي والتعايش الديني في تنزانيا إلى أن تكون محل اهتمام دولي أدخلها في حلبة الصراع الغربي-الصيني، وكانت زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما وزيارة الرئيس الصيني في فترات متقاربة في بداية عام 2013 تصب في إطار ذلك التنافس.

كما لعبت تنزانيا دورًا في احتضان المفاوضات، وورش العمل المتعلِّقة بفضِّ النزاعات في دول إفريقيا، وخاصة ملفي رواندا وجنوب السودان؛ حيث وُقِّعت فيها اتفاقيات أروشا للسلام (العاصمة الثانية) التي جرى من خلالها تقاسم للسلطة بين الهوتو والتوتسي في رواندا، كما اختيرت مقرًّا للمحاكم الرواندية، التي نظرت في الجرائم المرتكبة أثناء الحرب هناك، فضلًا عن أنَّ انفتاح تنزانيا عمومًا على العالم الخارجي، جعل منها المكان المفضَّل للغربيين، لعقد مؤتمراتهم الخاصة في إفريقيا.

شهدت "أروشا" أيضًا الكثير من الورش الخاصة بإنهاء الحرب الدائرة في أجزاء متعددة من القارة، وآخرها اجتماع لتوحيد الحركات الدارفوريَّة (2010)، للتفاوض مع حكومة السودان.

أسباب الاستقرار في تنزانيا

  • لم تشكِّل العوامل العِرقية والدينية في تنزانيا عاملًا حاسمًا في توزيع الموارد، ولم يسبق أن احتلت مسألة العِرق والدين دورًا بارزًا في المشهد السياسي التنزاني، على الرغم من أن بعض القبائل في عهد الاستعمار حظيت بفرص التعليم أكثر من غيرها، واستمرت هذه السياسة بعد أن تولى "جوليوس نيريري"، أول رئيس لتنزانيا بعد الاستقلال، منصب رئيس الجمهورية حيث وضع "نيريري" خطة مدروسة لإضعاف قوة المسلمين وحرمانهم من التعليم، ذلك الجانب الحيوي المهم في حياة الأمة، ومع ذلك شكَّلت تنزانيا نموذجًا للتعايش الديني والإثني في منطقة شرق ووسط إفريقيا.
  • لم يسعَ الرئيس التنزاني الأول "نيريري" إلى ترسيخ مبدأ القبلية وتكريس السلطة في يد قبائل بعينها بقدر ما سعى إلى تعزيز هوية المواطنة والانتماء إلى تنزانيا اشتراكية حرة كزعيم قومي أسهم في استقلال البلاد، وذلك إذا ما قورن بالنخب التي حكمت أغلب دول المنطقة وخاصة كينيا عندما كانت تحت حكم الزعيم جومو كينياتا، أول رئيس لكينيا بعد الاستقلال، والذي ظل 15 عامًا في الحكم قضى فيها جُلَّ وقته في تكريس القبلية والاستئثار بالسلطة لصالح قبائل بعينها والتي أدت بدورها إلى كراهية متزايدة بين المجتمع الكيني على أسس عرقية تهدد مستقبل كينيا في الوقت الحاضر.
    ففي الوقت الذي توضح أدلة علمية أن عدم المساواة في توزيع الثروة والأراضي زاد العداء العِرقي في كينيا وغيرها من الدول في المنطقة فإن المساواة في الحصول على الموارد في تنزانيا أسهمت، وبشكل واضح، في ترقية التعايش السلمي بين المجموعات العِرقية والدينية(3).
    فعلى الرغم من أن حزبًا واحدًا يسيطر على السلطة في تنزانيا منذ الاستقلال، أي قبل خمسين عامًا، إلا أنه نجح في تأسيس الدولة بعيدًا عن القَبَلية فوجدت القبائل كافة نفسها في السلطة، الأمر الذي أغلق أبواب الفتنة فيها وأدى إلى استقرار سياسي أبعد تنزانيا عن إشكاليات الصراع وعدم الاستقرار والذي يرتبط في المقام الأول بالروابط والتفاعلات العِرقية والعنف السياسي المرتبط بالتحول الديمقراطي.
  • عبت السياسة التعليمية التي انتهجتها الأنظمة المتعاقبة في تنزانيا أيضًا دورًا كبيرًا في تطوير الشعور الوطني مما رسَّخ احترامًا متبادلًا بين المجتمع بأطيافه العرقية والدينية وهو ما يؤكده شعار الدولة "الوحدة من خلال التنوع".
  • لعل التناوب بين المسلمين والمسيحيين في تولي السلطة في تنزانيا أمر آخر لعب دورًا كبيرًا في تنمية التعايش الديني حيث تعاقب على الحُكم في تنزانيا أربعة رؤساء منذ الاستقلال، وتم انتخاب كل واحد منهم لدورتين متتاليتين؛ فكان الزعيم جوليوس نيريري، أول رئيس لتنزانيا، مسيحيًّا (1961- 1985)، وتولى بعده المسلم علي حسن مويني (1985- 1995)، ثم بنجامين وليام (1995-2005)، وأخيرًا الرئيس الحالي مريشو جاكيايا كيكويتي، وهو مسلم وستنتهي فترة ولايته أكتوبر/تشرين الأول 2015. وإن لم يكن ذلك التناوب غير مقنَّن في دستور البلاد، لكنَّه يشكِّل اتفاقًا خارج الدستور تعارف عليه التنزانيون في إطار ممارسة ما عُرف بــ"الديمقراطية التوافقية"، في مقابل المواجهة بالتناقضات العِرقية، أو الصراعات الدينية؛ مما جعل تنزانيا بعيدة عن التحول الديمقراطي في إفريقيا والذي دائمًا ما ينتهي بصراع عِرقي أو ديني. ويمكن أن نشير إلى العديد من الحالات التي أخفقت فيها عمليات التحول الديمقراطي في تحقيق الاستقرار، بل إنها تسببت في ازدياد حدَّة الصراعات الداخلية، وتقويض دعائم الاستقرار الداخلي.

بالإضافة إلى العوامل التاريخية التي أشرنا إليها فإن هناك أسبابًا آنية أخرى جعلت تنزانيا نموذجًا للاستقرار في المنطقة، وتتجلى تلك العوامل من خلال الآتي:

  • لم تنصع تنزانيا للإملاءات الغربية في مسألة محاربة الإرهاب، والتي استجاب معظم الدول في المنطقة لها بكل حماس، فمنذ تفجير سفارتي الولايات المتحدة الأميركية في كلٍّ من دار السلام ونيروبي 1998، تعرض معظم الدول في شرق إفريقيا لضغوط غربية وأميركية سعى من خلالها إلى إنشاء بنية أساسية تربط ما بين شرق إفريقيا ومنطقة البحيرات العظمى في وسط إفريقيا في سياق ما عُرف باسم (القرن الإفريقي الكبير). وازدادت هذه الضغوط مع بروز حركة الشباب الصومالية في الصومال قبل سنوات، وكان العنوان الأبرز لتلك الضغوط هو تشكيل تكتل سياسي موالٍ للغرب في مواجهة الإرهاب، وقد لاقى هذا المطلب رواجًا من قِبل العديد من الدول، من بينها: كينيا وأوغندا وجيبوتي وإثيوبيا، غير أن تنزانيا لم تتحمس كثيرًا للانخراط في تلك المسألة وتعاملت معها بحذر مع محافظة على صداقة الغرب.
  • خلت الساحة التنزانية من التيار السلفي والذي يُتَّهم في نظر البعض بإثارة الحساسيات الدينية من خلال خطابه التحريضي مقابل التيار الصوفي والذي يميل إلى التلاحم الثقافي، ومن هنا لا يمكن أن نتجاهل محورية الدور الذي لعبته الطرق الصوفية في تنزانيا لمناهضة ما سُمِّي بـــ"الخطاب الوهابي" المثير للجدل في كثير من الأحيان.
  • لم تتورط تنزانيا في المستنقع الصومالي بحيث أبعدت نفسها عن التدخل في الشؤون الصومالية والمشاركة في بعثة الاتحاد الإفريقي بخلاف أوغندا وكينيا وبوروندي ورواندا، هذه الدول التي اكتوت بنار حركة الشباب الصومالية وما زالت تعاني من تداعيات الحرب على الإرهاب، ومع أننا لا نغفل التعاون التنزاني مع دول الغرب بل أصبحت دوله مفضلة لدى الغرب في السنوات الأخيرة، إلا أن القيادة التنزانية كانت أذكى بكثير من حكام شرق إفريقيا في أغلب الأحيان.

مستقبل تنزانيا

هناك تحديات ماثلة أمام تنزانيا في المحافظة على هذا الاستقرار يمكن إجمالها في ما يأتي:

  • بدأ الحديث يزداد في تنزانيا عن مشكلة مزدوجة مرتبطة "بإدارة التنوع ودولة الاتحاد"؛ حيث تمثل واحدة من المقترحات الأكثر إثارة للجدل في مسودة دستور جديد، يُتوقع الاستفتاء عليها في 20 إبريل /نيسان 2015، تغيير نظام الحكم من مستويين حاليًا "تنزانيا المتحدة وزنجبار" إلى هيكل يتكون من ثلاث طبقات(4). وتبقى نقطة الخلاف الرئيسية رفض الحزب الحاكم للنظام الاتحادي الذي من شأنه تشكيل هيكل حكومي ثلاثي يتكون من البر الرئيسي التنزاني وأرخبيل زنجبار الذي يتمتع بحكم شبه ذاتي واتحاد بين الاثنين، وسط دعوات من قِبل بعض سكان جزيرة زنجبار التي تتمتع بحكم ذاتي للانفصال عن جمهورية تنزانيا المتحدة بدعوى أن الاندماج لم يجلب لهم إلا البؤس والفقر.
  • يواجه الحزب الحاكم (Chama Cha Mapinduzi  = CCM وتعني بالسواحيلية: حزب الثورة)، والذي حكم البلاد منذ الاستقلال، أزمة داخلية نتيجة لعدم الشفافية في عملية تعيين الحزب لمرشحيه حيث برز أول اختبار لما يمكن أن يواجه الحزب الحاكم في الانتخابات، المقرر إجراؤها في 30 أكتوبر/تشرين الأول 2015 القادم، إلى الواجهة عندما أبلغ أعضاء الحزب الحاكم في إقليم "متوارا" جنوب شرق البلاد المرشح الوحيد للحزب في الانتخابات الرئاسية الاتحادية، وزير الخارجية السابق جاكايا كيكويتي (الرئيس الحالي) بأنهم لن يصوتوا لمرشح الحزب في الانتخابات البرلمانية الاتحادية في دائرتهم. هذه الخطوة من شأنها أن تؤدي إلى انقسام الحزب على أساس مناطقي، وبالتالي ستؤثر على أداء الحزب ودوره في المحافظة على التوافق الديمقراطي والذي يُعتبر حاميًا للتعايش الديني والاستقرار السياسي في تنزانيا.
  • في ظل الفقر المدقع الذي يسود تنزانيا فإنه من المتوقع أن تستفيد الحركات الجهادية في المنطقة من عامل الفقر والجغرافيا معًا في تجنيد الفئات الشبابية من المجتمع التنزاني ومن ثم القيام بتنفيذ هجمات إرهابية على تجمعات مسيحية بهدف إثارة صراع ديني بين المسلمين والمسيحيين ما يهدد التعايش الديني والاستقرار السياسي في أعقاب ما قد يكون لحظة فارقة في تاريخ تنزانيا الحديث.
  • ولعل التحذيرات التي أطلقها الرئيس التنزاني قبل أسابيع حول هجمات إرهابية محتملة على بلاده تأتي في سياق ذلك(5)، وسط تأكيدات عن اعتقال تنزانيين كانوا يعبرون الحدود الصومالية بهدف الانضمام إلى حركة الشباب في 11 مارس/آذار 2015. 
  • بما أن المسلمين أغلبية ويمثِّلون 60 في المائة من السكان فهناك أصوات في داخل المسلمين تنادي بالتحاكم إلى صناديق الاقتراع وأصوات الناخبين في الانتخابات المقرر إجراؤها في أغسطس/آب المقبل مقابل إنهاء النظام الديمقراطي المبني على التوافق، ومن شأن هذه الخطوة أن تحدد دور الكنيسة في تنزانيا والتي يقال عنها: إنها الحاكم الفعلي للبلاد؛ ما قد يثير حساسية دينية بين المنتسبين للديانتين.

الخلاصة

مع أن تنزانيا دولة مستقرة وحافظت على هذا الاستقرار حتى الآن ومن شأنه أن يستمر لفترة طويلة، إلا أن محافظتها على هذا الإنجاز النوعي قد تكون على المحك بسبب تلك العوامل مجتمعة، ما لم تتخذ القيادة التنزانية عدة خطوات وقائية ربما ستشكِّل سدًّا منيعًا أمام أي انزلاق تنزاني نحو صراع عِرقي أو ديني في المستقبل.

فعلى الرغم من الاستقرار السياسي والوحدة الوطنية اللذين تقوم عليهما قوة تنزانيا الحالية فإن هذا البلد الواقع في شرق إفريقيا يواجه تحدي المحافظة على اتحاد مضى عليه قرابة 50 سنة واندمجت بموجبه تنجانيقا وزنجبار في عام 1964.
_________________________________
باحث في شؤون إفريقيا الشرقية والبحيرات العظمى

الإحالات
1 – جوليوس نيريري وُلِد 1922 في بوتياما؛ درس بين عامي 1949 و1952 في جامعة إدنبره بالمملكة المتحدة، أسس عام 1954 الاتحاد الوطني الإفريقي تنغانيقا كحزب وطني، ثم أصبح عام  1960رئيسًا للوزراء. قاد "نيريري" الحركة التي أدت إلى استقلال تنجانيقا عن بريطانيا عام 1961، وقد أصبح رئيس تنجانيقا عام 1962. كما ساعد أيضًا في اتحاد تنجانيقا وزنجبار لتكوين تنزانيا عام 1964، وأصبح رئيس الدولة الجديدة حتى 1985. ظل نيريري باعتباره رئيسًا لتنزانيا، المتحدث الرسمي الرئيسي للتعاون بين أمم إفريقيا السوداء، وقد ساعد في توحيد العديد من المجموعات العِرقية في تنزانيا، وتبنى سياسات أدت إلى التقدم الاقتصادي لبلاد، توفي نيريري عام 1999 عن عمر يناهز 77 عامًا.
2 – يمكن الاطلاع على هذه الهجرات من خلال كتاب "انتشار الإسلام في شرق إفريقية ومناهضة الغرب له" الدكتور/ محمد عبد الله النقيرة، دار المريخ للنشر، الرياض، 1982، ص79-104.
3 - Weber, A" The Causes of Politicization of Ethnicity" A Comparative Case Study of Kenya and Tanzania, Working Paper 47,Centre for Comparative and International Studies, Swiss Federal Institute of Technology and Zurich University, Tanzania, 2009 afile:///C:/Users/user/Downloads/WP_47_Weber_Politicization_final%20(1).pdf
4 - Salma Maoulidi," Religion, national unity and Tanzania’s search for a new constitutional pathway", 24 July, 2014 http://www.constitutionnet.org/news/religion-national-unity-and-tanzanias-search-new-constitutional-pathway
5 - Tanzania Al-Shabaab Terrorism Threat Assessment, published by "Strategic Intelligence News" March 5th, 2015http://www.intelligencebriefs.com/tanzania-al-shabaab-terrorism-threat-…;