أسعار النفط: تكلفة النزاع وعوائد التعاون

اقتنعت الدول الرئيسية المنتجة للنفط بأن مصلحتها المشتركة تقتضي خفض الكميات المعروضة منه بعد أن تكبدت خسائر هائلة من حرب الأسعار التي شنَّتها على بعضها البعض، إلا أن هذا التعاون غير قابل للدوام إذا لم يشمل منتجين آخرين لا يزالون يستفيدون من ارتفاع الأسعار لكنهم يمتنعون عن تحمل أعباء خفض الكميات المعروضة من النفط.
الاتفاق على خفض الحصص المعروضة أفضل من انهيار الأسعار فوق رؤوس الجميع (رويترز)

تتراوح تقديرات خبراء الطاقة لسعر النفط خلال هذا العام بين 60 و70 دولارًا للبرميل، وهو ارتفاع أفضل من السنة الفائتة، وتعود أسبابه إلى قدرة عدة دول مثل دول جنوب شرق آسيا والصين، تحديدًا، على التحكم في وباء كوفيد-19، وتمكنها من استعادة النشاط الاقتصادي تقريبًا إلى وضعه السابق على الوباء، لكن هناك سبب تنظيمي مهم هو اتفاق السعودية وروسيا على خفض كميات النفط المعروضة في الأسواق الدولية، كي تحافظ الأسعار على مستويات تخدم مداخيل الدول المصدِّرة، لكن هذا الاتفاق لم يتحقق من دون نزاعات شديدة بين الدول المصدِّرة الرئيسية، وهي السعودية وروسيا والولايات المتحدة، وقد بلغ النزاع أشده في 2020، لما تسابقت السعودية وروسيا على إغراق السوق بكميات كبيرة من النفط من أجل توسيع حصتيهما في سوق الطاقة الدولية، فانهارت الأسعار واتجهت نحو 20 دولارًا للبرميل، لكن ضغط الولايات المتحدة عليهما وتقديرهما للفائدة المشتركة من وقف هذه الحرب لرفع الأسعار، جعلاهما تتفقان على تخفيض الحصص المعروضة من النفط إلى 7.5 ملايين برميل حاليًّا، موزعة بين مجموعة أوبك+.

تحليل هذه الفترة الحاسمة في تاريخ سوق الطاقة الدولية، يكشف الأرضية التي يستند إليها استقرار أسعار النفط النسبي، والديناميات التي تتحكم في استمراره مستقبلًا، أو في انتكاسته إذا هيمن النزاع بين أركانه الثلاث بدلًا من التعاون على التحكم في كميات النفط المعروضة في السوق الدولية. علاوة على أنها مثَّلت امتحانًا لدول منطقة الخليج والعالم العربي، كشف مواضع هشاشتها واختلالها حتى تتداركها لتكون قادرة على مواجهة الصدمات القادمة.

نحو حرب الأسعار

دفع انهيار أسعار النفط، في عام 2014، بسبب ثورة النفط الصخري، إلى تكوين تحالف عُرف باسم أوبك+، في عام 2016، بين منظمة أوبك بقيادة السعودية و9 منتجين آخرين من خارج أوبك بقيادة روسيا، لدعم الأسعار. وبالفعل استقرت الأسعار عند مستويات أعلى، وأتاح ذلك الفرصة لاستمرار توسع النفط الصخري حتى أصبحت أميركا المنتج الأول للنفط في العالم. ولكن في الفترات التي سبقت اندلاع حرب الأسعار السعودية-الروسية، لم تكن روسيا تلتزم بخفض الإنتاج مع أنها كانت مستفيدة من ارتفاع الأسعار. ولمواجهة تداعيات تفشي جائحة كوفيد-19، التي أدت في بداية الأمر إلى انخفاض الطلب العالمي على النفط وانخفاض الأسعار (من 69 بداية عام 2020 إلى ما دون 50 دولارًا للبرميل)، كان يتعين على أوبك+ خفض الإنتاج (1.7 مليون برميل يوميًّا) لدعم الأسعار، و لكن روسيا رفضت ذلك في اجتماع أوبك+ في شهر مارس/آذار 2020، مما دفع المملكة، التي يبدو أنها ضاقت بتحمل أعباء خفض الإنتاج وفقدان حصتها السوقية، إلى اتخاذ قرار معاكس بإعلان حرب أسعار شاملة، بخفض أسعار صادراتها إلى أوروبا وآسيا بشكل غير مسبوق، ورفع الإنتاج بطاقتها القصوى عند 13 مليون برميل في شهر أبريل/نيسان(1)، وأدى ذلك إلى انهيار أسعار نفط خام برنت إلى 20 دولارًا(2).

وبهذا تلقت أسواق النفط ضربتين موجعتين: الأولى من فيروس كوفيد-19 الذي طمس الطلب العالمي، والثانية من الخلافات بين المنتجين الكبار.

كيف حدثت حرب الأسعار؟ وما الدور الأميركي في دفع الأطراف المتصارعة إلى التوافق؟ وما آفاق سوق النفط؟

التنازع على الأعباء والنفط الصخري

كانت روسيا تريد الضغط على النفط الصخري الأميركي وتحاجج بأن خفض الإنتاج من خلال أوبك+ أتاح له فرصة التوسع والاستحواذ على المزيد من الحصص السوقية، في حين كان الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، والغرب يفرضان حصارًا على قطاع الطاقة الروسي، وأصبحت الفرصة مواتية للضغط على النفط الصخري الأميركي بخفض أسعار الطاقة حتى لا يكون مربحًا. وقد كانت السعودية متضررة من حرب الأسعار الروسية فشنَّت هجومًا مضادًّا. في إطار ردها على حرب الأسعار السعودية، ادَّعت روسيا أنها يمكنها زيادة الإنتاج بنصف مليون برميل يوميًّا (م/ب/ي)، وأن لديها احتياطيات أجنبية كافية لتحمل أسعار 25-30 دولارًا للبرميل لعقد من الزمن، وأنها ليست في عجلة للعودة للمفاوضات مع أوبك.

كانت روسيا تريد من جميع المستفيدين من خفض الإنتاج تقاسم أعباء خفض الحصص، ومنهم منتجو النفط الصخري وغيره من منتجين مستقلين كالنرويج والبرازيل وكندا. وهو مطلب وجيه، فهؤلاء يركبون الموجة ويستحوذون على المزيد من الحصص ويستفيدون من خفض الإنتاج دون مقابل. وهناك تأويل آخر لحرب الأسعار بين روسيا والسعودية وهو أنها حرب مفتعلة للإضرار بمنافسهما، النفط الصخري الأميركي.

روسيا مقابل السعودية

لا شك أن استمرار حرب الأسعار طويلًا كان سيُلحق ضررًا بروسيا والسعودية، لكن قد تكون أضرار كلتيهما متفاوتة. وقد حذَّرْتُ المملكة ودول مجلس التعاون في مؤتمرات ومحاضرات عامة وأبحاث منشورة، منذ 2013، من عدم الاتكال على لعب دور المنتج المرجح وآليات السوق التي لم تعد تعمل لصالح المملكة كما كانت في الماضي، وأن على دول المجلس أن تجري إصلاحات لهيكل إدارة الاقتصاد الكلي وهياكل الإنتاج، وأن تعمل حثيثًا على تنويع اقتصاداتها، لأن روسيا ستعمل على تنويع اقتصادها وتقليص الاعتماد على النفط. وبالتالي سيكون النصر في حرب النفط القادمة حليف صاحب الاقتصاد الأكثر تنوعًا والأقل اعتمادًا على النفط. وبالفعل، تعلمت روسيا من تجارب الأزمات النفطية السابقة، وأصبحت مهيَّأة بشكل أفضل لتحمل صدمات النفط وانخفاض أسعاره من ذي قبل. فروسيا قضت السنوات الخمسة الماضية في التأقلم مع انخفاض الأسعار، وعملت على تنويع اقتصادها وتعويم عملتها وخفض السعر التعادلي لميزانيتها، وراكمت احتياطيات أجنبية تُقدَّر بـ570 مليار دولار(3). بعد انهيار الأسعار في عام 2014، وبعد الحصار الأميركي، خفضت روسيا السعر التعادلي لميزانيتها من 115 دولارًا للبرميل في عام 2013، إلى 42 دولارًا حاليًّا، والسعر المخطط له للميزانية منخفض، والنفط والغاز يمثلان 40% من مداخيلها الحكومية، وتمنحها مرونة سعر الصرف أفضلية نسبية على السعودية في امتصاص صدمات النفط وتحمل انخفاض أسعاره لفترات أطول. في المقابل، يبدو أن الاقتصاد السعودي أقل تنوعًا وأكثر اعتمادًا على النفط؛ إذ يمثل 70% من مداخيلها الحكومية، وأكثر من 80% من صادراتها. ومع أن تكلفة الإنتاج منخفضة، أقل من 9 دولارات للبرميل مقارنة بـ15 دولارًا لروسيا ، إلا أن السعر التعادلي للميزانية السعودية مرتفع عند 84 دولارًا للبرميل(4)، وهو الأعلى في 20 عامًا، وتناقصت احتياطياتها بالثلث من ذروتها عند 750 مليار دولار، عام 2014، إلى 500 مليار دولار حاليًّا، وإن كانت بعض الدراسات تضعها أقل من ذلك بكثير. وسعر صرفها المثبت أمام الدولار الأميركي لا يعطيها مرونة في امتصاص صدمات النفط ولا يساعد على تنويع الاقتصاد، ويُبقيها عرضه للمضاربات في أوقات الأزمات الاقتصادية والسياسية الحادة، ويشكِّل عبئًا إضافيًّا على الاحتياطيات الأجنبية.

وفي عام 2014، حاولت المملكة إخراج النفط الصخري بإغراق الأسواق ولكن لم تستطع، وكانت التكلفة كبيرة على جميع المنتجين، مما استدعى التعاون مع منتجين من خارج أوبك، وهو ما أدى إلى تشكيل تحالف أوبك+ بقيادة السعودية وروسيا.

تحدي النفط الصخري

يتراوح السعر التعادلي لإنتاج النفط الصخري الأميركي ما بين 23-75 دولارًا للبرميل. وتتراوح تكلفة سعر نفط تكساس ونيومكسيكو ما بين 40-50 دولارًا. وكثير من منتجي النفط الصخري كانوا يعانون مسبقًا من صعوبات في التمويل نظرًا لتخوف أسواق المال من  عدم استدامة أرباحهم، فأُقفل التمويل في وجه الكثير منهم، وكان استمرار انخفاض الأسعار يؤدي إلى حالات إفلاس ووقف الاستثمارات وخفض الإنتاج(5). ولكن الكثير من منتجي النفط الصخري قد تحوطوا لانخفاض الأسعار خلال عام 2020، إلا أنه لو استمر انخفاض الأسعار عند 30 دولارًا للبرميل، فسيتوجَّب على المنتجين الصغار والذين لم يتحوطوا الاندماج أو التبخر، ولو استمر انخفاضها لأكثر من سنة فسيُسحق الجميع: الذين تحوطوا والذين لم يتحوطوا.

دفع التهديد الذي شكَّله انهيار الأسعار على منتجي النفط الصخري العديدَ من أعضاء الكونجرس وصنَّاع القرار في واشنطن، بمن فيهم الرئيس ترامب الذي كان يبحث عن كبش فداء في تلك الأزمة، إلى توجيه الاتهام للسعودية بالتسبب في انهيار الأسعار وزعزعة استقرار أسواق النفط، والتهديد بسحب القوات الأميركية وأنظمة الدفاع الصاروخية التي تحمي المملكة وإنهاء 75 عامًا من التحالف الاستراتيجي بين البلدين إذا لم تخفض المملكة الإنتاج(6). وهذه أكبر أزمة من نوعها في تاريخ الشراكة الاستراتيجية بين البلدين التي امتدت منذ عام 1945، والقائمة على الأمن المتبادل. وقد تم تعديل الاتفاق بعد صعود النفط الصخري ومحاولة المملكة إخراجه بين عامي 2014-2016، ليشمل السماح للنفط الصخري بالتوسع والازدهار.

بالإضافة إلى التهديد بسحب الدعم العسكري، كانت هناك عدة خيارات مطروحة للضغط على السعودية، تتضمن الدفع مقابل الحماية، كما ذكر ترامب مرارًا وتكرارًا، وفرض ضرائب على صادرات النفط السعودية لأميركا، ومنع الناقلات السعودية من تفريغ حمولاتها في أميركا، والأخطر من ذلك كان تنامي الضغوط على ترامب للتوقيع على تشريع NOPEC الذي يعتبر أوبك كيانًا احتكاريًّا، ويجرِّم تحديد الإنتاج أو الأسعار بشكل مصطنع. ولو أُقِرَّ هذا القانون ستُرفع الحصانة عن أوبك كمنظمة وعن أعضائها كدول، وسيتيح ذلك ملاحقة المملكة قضائيًّا ووضع استثماراتها تحت طائلة قانون مكافحة الاحتكار وعرضة للمصادرة، وكذلك ستكون أرصدة وأصول بنوكها عرضة للتجميد والمصادرة، وستُعطَّل جميع تعاملات المملكة بالدولار الأميركي حول العالم بما فيها النفط الغالب على تعاملاته بالدولار. وسيمكِّن القانون الحكومة الأميركية من ملاحقة أرامكو وأصولها، وصناديقها، وتفتيتها إلى كيانات أصغر لمنعها من الممارسات الاحتكارية ومخالفة قانون الاحتكار في قطاع النفط والغاز والبتروكيماويات أو التأثير في الأسعار(7). وفي فبراير/شباط 2019، كان القانون على وشك العرض للتصويت في الكونجرس ولكن عُطِّل ذلك في آخر لحظة بفيتو من ترامب بعد استجابة المملكة لمطالبه بخفض الإنتاج حينها للإبقاء على الأسعار تحت 70 دولارًا للبرميل.

تناقض المصالح

يبدو أن الحلف الأميركي-السعودي بشكله القائم أصبح باهظ التكلفة على المملكة وبحاجة لمراجعة لتقييم مدى الجدوى منه مستقبلًا، فقد أصبح يضع المملكة أمام خيارات صعبة ومتناقضة، في ظل تحولات هيكلية آخذة في الظهور على أسواق النفط منذ فترة ليست بالقصيرة، وتحديات متصاعدة داخلية وخارجية. فلنفترض أن النظام في المملكة بحاجة للحليف الأميركي كما هو الوضع القائم منذ 75 سنة، فقاعدة الحلف كانت ضمان تدفق النفط السعودي لأميركا والاقتصاد الغربي، ثم أُضيف له بعد صعود النفط الصخري الأميركي عدم التعرض لهذا الأخير، والسماح له بالتوسع والازدهار. ولكن هذا الشرط في حدِّ ذاته يؤدي إلى نقض قاعدة التحالف الأمني (أو إضعافها ورفع تكلفتها على أقل تقدير)؛ فالحلف قائم على مدى الحاجة للنفط السعودي، لكن توسع الإنتاج والاكتفاء الذاتي الأميركي، سيلغي الحاجة للنفط السعودي وبالتالي يلغي الحاجة للتحالف مع السعودية أيضًا. وقد ظهرت بالفعل مؤشرات على تراجع اهتمام أميركا بالمنطقة مع صعود النفط الصخري وتحقيق أميركا للاكتفاء الذاتي(8)، مع تزايد المطالبات بالدفع أيضًا مقابل استمرار التحالف التي تصدر لأول مرة من رئيس أميركي وبطريقة علنية واستفزازية.

 كاشف الاختلالات

طال أثر انهيار الأسعار بالإضافة إلى السعودية ذاتها دولَ مجلس التعاون وزملاء السعودية في أوبك الذين وقعوا في موقف صعب، وإن كان بدرجات متفاوتة، ولكن بشكل عام انخفضت مداخيل هذه الدول وارتفع عجزها، والدول ذات أسعار الصرف الثابتة كان وضعها أصعب، فإما أن: تخفض الإنفاق، أو تسحب من الاحتياطيات، أو تقترض، والتي لا تستطيع أيًّا من ذلك فسيكون وضعها أكثر صعوبة. فالدول التي لم تنوع اقتصادها كنيجيريا وبعض دول إفريقيا وأميركا اللاتينية، بالإضافة إلى الدول العربية التي تعاني من هشاشة مسبقة كالعراق والجزائر، واجهت تحديات مضاعفة بسبب أزمة جائحة كوفيد-19، وشكَّل ذلك تحديات هائلة على هذه الدول، وأدى إلى ارتفاع العجز الداخلي والخارجي، وقلَّص الإنفاق وأحدث صعوبات في دفع الأجور والإنفاق على الصحة والتعليم والخدمات العامة، وفرض ضغوطًا اجتماعية، ولو طال أمد انهيار أسعار النفط ربما يتزعزع الاستقرار الاجتماعي والسياسي في هذه الدول، بعد انحسار جائحة كوفيد-19(9).

وهناك تأثير غير مباشر أيضًا على الدول العربية غير المصدِّرة للنفط، ومنها دول تعاني حالات عدم استقرار (كاليمن والسودان) وأخرى تعاني من هشاشة مسبقة ولم تستفد من تجربة ثورات الربيع العربي في إجراء إصلاحات مقنعة (كمصر ولبنان)، من خلال انخفاض تحويلات العاملين، والإعانات، والطلب على السياحة عليها من الدول المصدِّرة للنفط، مما يؤدي إلى شح في تدفقات العملة الصعبة، وضغوطات على العملات المحلية وارتفاع في معدلات التضخم، بالإضافة إلى ارتفاع معدلات البطالة وغير ذلك من تحديات داخلية تفرضها أزمة كوفيد-19 على هذه الدول، بما يؤدي إلى زعزعة الاستقرار الاقتصادي والسياسي في هذه الدول.

أما في دول مجلس التعاون، فإن البحرين وعُمان بالإضافة إلى المملكة نفسها الأكثر تضررًا؛ إذ إن هذه الدول تواجه تحديات كبيرة في الإنفاق وارتفاعًا في العجز الداخلي والخارجي وضغوطات على الاحتياطيات الأجنبية. فأكثر من 75% من مداخيل البحرين من النفط، ووصل الدَّيْن العام فيها إلى 105% من الناتج المحلي بعد أن كان 44% قبل انهيار الأسعار في عام 2014، في حين خطَّطت عُمان لعجز يبلغ 8% من الناتج المحلي بسعر 58 دولارًا للبرميل، وعند سعر 30 دولارًا يرتفع العجز في الميزانية إلى 22% والدَّين العام إلى 60% من الناتج المحلي الإجمالي.

ومع ثبات أسعار الصرف، ستكون التحديات مضاعفة في دول مجلس التعاون، نظرًا لتقلص حيِّز السياسات بسبب الشلل الذي يحدثه الربط بالدولار الأميركي لسياسة سعر الصرف والسياسة النقدية، ويحول دون استخدامها كأدوات تصحيح اقتصادي للتخفيف من حدة أثر انهيار أسعار النفط من جهة، ومن جهة أخرى يضع ذلك ضغوطات كبيرة على الاحتياطيات والصناديق السيادية للتعويض عن فشل السياسات في إدارة الدورة النفطية. ومن جهة ثالثة، يشكِّل ذلك عبئًا إضافيًّا على الاحتياطيات بتحييد جزء كبير منها جانبًا للدفاع عن أسعار الصرف الثابتة، في حين المطلوب هو مزيج مرن ومعاكس للدورة النفطية من السياسات الثلاثة: المالية، والنقدية، وسعر الصرف لإدارة الدورة الاقتصادية، ولكن دول مجلس التعاون عمليًّا تستخدم سياسة مالية، هي سياسة الإنفاق الحكومي، في رد فعل موافق للدورة النفطية، أي توسع في الإنفاق أثناء الرواج وتقشف أثناء الانكماش، بينما تبقى السياسة النقدية وسياسة سعر الصرف معطلتين بسبب الربط بالدولار، وهذا يضع ضغوطات كبيرة على الاحتياطيات ويؤجج وضع الدورة الاقتصادية، أي يعمق الانكماش مع الركود، ويرفع التضخم في فترات التوسع والرواج.

إن مرونة سعر الصرف تساعد على امتصاص صدمات النفط وتنويع الاقتصاد، وتحرير السياسة النقدية، بحيث توجَّه نحو إدارة الدورة الاقتصادية المحلية، بينما يؤدي ربط العملات إلى شل السياسة النقدية وسياسة سعر الصرف، وإبقاء الاحتياطيات عرضة للاستنزاف، والعملات عرضة للمضاربات أثناء الأزمات الاقتصادية والسياسية الحادة، ومستويات الاحتياطيات من الصرف الأجنبي منخفضة في البحرين على وجه الخصوص، مما يهدد بضغوطات على الدينار البحريني مجددًا، وأزمة سعر صرف، والوضع ذاته في سلطنة عُمان لذات الأسباب، وحينها قد تمتد العدوى للمملكة العربية السعودية مع تحييد العوامل الأخرى(10).

إن السماح لسعر الصرف بالانخفاض والارتفاع مع سعر النفط، يساعد على مواجهة تحديات الإنفاق العام عند انخفاض مداخيل النفط، وخفض معدلات التضخم عند ارتفاعها.

 امتحان تقاسم الأعباء

كانت هناك صدمة مزدوجة على أسواق النفط، فبدايةً أدت صدمة كوفيد-19 التي شلَّت اقتصادات شرق آسيا إلى إضعاف الطلب العالمي على النفط خلال شهري يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط 2020، ثم أدى اندلاع حرب الأسعار السعودية في أوائل شهر مارس/آذار 2020 إلى زيادة العرض في وجه الطلب المتهاوي والمزيد من انهيار الأسعار، ثم أدى تفشي جائحة كوفيد-19 بشكل واسع على المستوى العالمي، إلى انهيار الطلب العالمي على النفط بما يقارب الثلث (28 م/ب/ي) والأسعار بما يقارب الثلثين، وتبين من ذلك أن حرب الأسعار بين السعودية وروسيا تفضي إلى خسارة الجميع، لأنها وقعت في سياق يهدد بكساد لم يشهده الاقتصاد العالمي منذ الكساد العظيم في ثلاثينات القرن الماضي.

دفعت الضغوط الأميركية، مع التبعات الكارثية لانهيار الطلب العالمي على أسواق النفط والمنتجين، إلى التفاوض على خطة لحفض الإنتاج بـ15 م/ب/ي في شهر أبريل/نيسان 2020، كانت حصة أوبك+ منها 9.7 م/ب/ي في شهري مايو/أيار ويونيو/حزيران 2020، وتُركت البقية لمنتجين من خارج أوبك+، بما فيهم أميركا وكندا، اعتمادًا على أن قوى السوق ستؤدي إلى المزيد من خفض الإنتاج في حدود 5-10 م/ب/ي، وادَّعى ترامب آنذاك أن أميركا قد أسهمت بحصتها من خلال انخفاض إنتاج النفط الصخري الأميركي تلقائيًّا بمليوني برميل يوميًّا نظرًا لانخفاض الأسعار(11).

لكن التقيد بذلك الاتفاق متعدد الأطراف لا يكفي لأن كميات الخفض المشار إليها أقل بكثير من الانخفاض في الطلب العالمي الذي كان 28م/ب/ي يوميًّا حتى شهر أبريل/نيسان 2020، وقد أغرقت الأسواق بالنفط وملئت المخازن، وظلت هناك تخمة في العرض تنذر باستمرار انخفاض الأسعار عن مستوياتها القياسية التي تجاوزت 100 دولار، وقد يستمر الانخفاض النسبي لفترة تمتد حتى عام 2022، ومن غير المتوقع أن تتعافى أسواق النفط قبل ذلك.

تكاتف على الأعباء

إن المطلوب لاستقرار أسعار النفط واستدامتها هو مشاركة جميع المستفيدين من خفض الإنتاج في تحمل أعباء خفض الحصص، وفي مقدمتهم منتجو النفط الصخري. لقد طرأت على سوق النفط تحولات هيكلية أدت إلى دخول منتجين رئيسيين جدد وإلى زيادة الإنتاج مرة أخرى من خارج تحالف أوبك+، كما حدث في انهيار عام 2014، عندما استدعى استقرار أسواق النفط تعاون منتجين رئيسيين من خارج أوبك، فأدى ذلك إلى تكوين تحالف أوبك+، بين أوبك بقيادة السعودية ومجموعة منتجين من خارج أوبك بقيادة روسيا. إن تحقيق هذه الغاية يقتضي تعاون منتجي النفط الصخري أيضًا وغيرهم من منتجين رئيسيين، كالنرويج والبرازيل وكندا والمكسيك، في تقاسم حصص خفض الإنتاج، فهم يركبون موجة خفض الإنتاج ويستفيدون منها دون مقابل لكن هذا الوضع غير قابل للاستمرار. هل ستدفع المصلحة المشتركة أوبك+ وهؤلاء مستقبلًا للتعاون على تقاسم الحصص المخفضة أم نرى أوبك++؟

ABOUT THE AUTHOR

References

1) السعودية تعلنها حربًا: إنتاج 13 مليون برميل نفط يوميًّا وتقشف حكومي، العربي الجديد، 11 مارس/آذار 2020، (تاريخ الدخول: 19 أبريل/نيسان 2021):(اضغط هنا

2) موجة هبوط جديدة للنفط.. هل يتكرر سيناريو انهيار أسعار الخام الأميركي؟، الجزيرة نت، 28 أبريل/نيسان 2020، (تاريخ الدخول: 19 أبريل/نيسان 2021):(اضغط هنا )

3) كم عامًا يمكن لروسيا خلالها أن تتحمل أسعار نفط منخفضة؟، روسيا اليوم، 10 أبريل/نيسان 2019، (تاريخ الدخول: 19 أبريل/نيسان 2021):( اضغط هنا

4) وكالة فيتش: انهيار أسعار النفط يضر بميزانيات دول الخليج، وكالة الأناضول، 9 مارس/آذار 2020، (تاريخ الدخول: 19 أبريل/نيسان 2021):(اضغط هنا

5) موجة من حالات الإفلاس تضرب شركات النفط الصخري، الاقتصادية، 30 مايو/أيار 2020، (تاريخ الدخول: 19 أبريل/نيسان 2021):

https://www.aleqt.com/2020/05/30/article_1838266.html

6) جويس كرم، ترامب وسحب الباتريوت من السعودية، الحرة، 8 مايو/أيار 2020، (تاريخ الدخول: 19 أبريل/نيسان 2021):

https://www.alhurra.com/different-angle/Trump-and-the-Removal-of-Patrio…

7) ياسمين فاروق، اضطرابات في الجنة، كارنيغي، 25 أبريل/نيسان 2019، (تاريخ الدخول: 19 أبريل/نيسان 2021):

https://carnegie-mec.org/diwan/78997

8)هل أوشكت أميركا على تحقيق الاستقلال الكامل في مجال الطاقة؟، الجزيرة نت، 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، (تاريخ الدخول: 19 أبريل/نيسان 2021):(اضغط هنا

9) أسعار النفط والاقتصادات العربية.. أي دول هي الأكثر تضررًا؟، أورو نيوز، 27 مارس/آذار 2020، (تاريخ الدخول: 19 أبريل/نيسان 2021):

https://arabic.euronews.com/2020/04/27/how-does-declining-demand-for-oi…

10) تصاعد الضغوط على دول الخليج لإصدار أدوات الدَّيْن، الجريدة، 21 أكتوبر/تشرين الأول 2020، (تاريخ الدخول: 19 أبريل/نيسان 2021):

https://www.aljarida.com/articles/1603210683833927900/

11) جون بيفيسبيتر ناجلي، آفاق أسواق السلع الأولية في ثمانية رسوم بيانية، مدونات صندوق النقد الدولي، 22 أكتوبر/تشرين الأول 2020، (تاريخ الدخول: 19 أبريل/نيسان 2021):

 https://blogs.worldbank.org/ar/voices/afaq-aswaq-alsl-alawlyt-fy-thmany…

12) الذهب الأسود في مواجهة كورونا.. ما هي توقعات الخبراء لأسعار النفط؟، الجزيرة نت، 9 أكتوبر/تشرين الأول 2020، (تاريخ الدخول: 19 أبريل/نيسان 2021):(اضغط هنا