الوجود الفلسطيني في معادلة الإعلام الاجتماعي التوثيقي

الصراع الوجودي الذي تخوضه الذات الفلسطينية مع الاحتلال الإسرائيلي يجري في فضاءات وساحات متعددة وعبر وسائل ووسائط مختلفة، حيث تدرك هذه الذات أن الفعل الاتصالي لنقل الصورة المباشر عن واقعها وتوثيق جرائم الاحتلال يمثِّل محددًا وشرطًا وجوديًّا يُعبِّر عن معادلة مختلفة للاستدلال على الوجود الهوياتي الفلسطيني والتأكيد عليه.
16 May 2021
الإعلام الاجتماعي التوثيقي في قلب الصراع مع السياسة الاستيطانية والتهويدية للاحتلال (غيتي)

كشفت أحداث "هَبَّة القدس"، والحرب الإسرائيلية على غزة، مجموعة من المتغيرات المؤثرة في مساراتهما، لاسيما قضية تهجير الفلسطينيين من حي الشيخ جراح، ومسيرات المستوطنين لاقتحام المسجد الأقصى فيما يسمونه "يوم توحيد القدس". فقد كان واضحًا الزخم المتعاظم لنشاط المواطن الصحفي عبر الإعلام الاجتماعي في التوثيق الميداني اللحظي، ونقل الصور الحية المباشرة، لاسيما عبر منصات فيسبوك وتويتر ويوتيوب وإنستغرام وتيك توك، لاعتداءات قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق المواطنين المقدسيين والمسجد الأقصى، وقتل الأطفال وتدمير الأبراج السكنية والبيوت والمنشآت المدنية ومقار وسائل الإعلام في غزة.  

ولئن لم يكن هذا المتغير جديدًا، في سياق التفاعل الرمزي مع تطورات الوضع في الأراضي الفلسطينية، خاصة في الأعوام العشر الأخيرة، إلا أن دينامية هذا النشاط الإعلامي الاجتماعي التوثيقي وآليات اشتغاله وأهدافه، وعلاقته بالذات الصحفية (المواطن الصحفي)، خلقت رابطًا أو علاقة وجودية/هوياتية غير مسبوقة بينهما؛ حيث أصبح النقل اللحظي المباشر والتوثيق الميداني للأحداث إثباتًا لوجود الإنسان الفلسطيني ودفاعًا عن جذوره التاريخية وتراثه الحضاري، في الوقت الذي تسعى فيه جهات مختلفة إلى نفي هذا الوجود ومحوه من ذاكرة التاريخ والجغرافيا. وتشير هذه العلاقة إذن إلى أن الاستدلال على وجود الإنسان الفلسطيني يكون عبر النشاط الإعلامي الاجتماعي التوثيقي الذي يمارسه المواطن الصحفي لتأكيد حضوره الهوياتي في المكان والزمان، حيث تجري الأحداث التي ينقلها ويُوثِّقُها.

والسؤال هنا، ما طبيعة المعادلة الإعلامية التي يُنْشِئُها نموذج الإعلام الاجتماعي الميداني التوثيقي في الحالة الفلسطينية الراهنة (هَبَّة القدس والحرب الإسرائيلية على غزة)؟ وما الأطر الناظمة لهذه المعادلة أو العلاقة الوجودية/الهوياتية غير المسبوقة بين المواطن الصحفي (الفلسطيني) ونشاطه الإعلامي الميداني التوثيقي؟  

معادلة "أنا أُوَثِّق، إذن أنا موجود"

كان دور ونشاط المواطن الصحفي بارزًا في نقل تطورات الأحداث التي أدت إلى "هَبَّة القدس"؛ حيث أدرك المجتمع الفلسطيني، لاسيما في القدس، وحتى خارجها (اللد، والرملة، وعكا، وحيفا، وغزة) أن قضية النقل الميداني اللحظي والمباشر، وتوثيق اعتداءات قوات الاحتلال الإسرائيلي وفضح انتهاكاتها لحقوق الفلسطينيين ونشرها عبر المنصات الرقمية، لا تقل أهمية عن النضال ومقاومة الاحتلال بكل الوسائل المتاحة والوسائط التي يستطيع الوصول إليها، بل أصبحت هذه القضية (الإعلام الاجتماعي التوثيقي الميداني) محددًا وشرطًا وجوديًّا يُعبِّر عن معادلة مختلفة للاستدلال على الوجود الهوياتي الفلسطيني والتأكيد عليه. كيف ذلك؟ وبأي معنى؟  

لقد لاحظنا أن المجتمع الفلسطيني بفئاته الشابة كان واعيًا بأهمية عملية الإخبار وتوثيق الأحداث بوسائله وأدواته؛ إذ لن تكون هناك وسيلة إعلامية بإمكانها المتابعة المباشرة والتوثيق اللحظي لاعتداءات وجرائم الاحتلال أكثر من الفلسطينيين أنفسهم، لاسيما أن الإعلام الغربي أبرز انحيازه للرواية والدعاية الإسرائيلية والترويج لهما، وهو ذات النهج الإخباري الذي اعتمدته بعض وسائل الإعلام في المنطقة العربية، وقد نُشِرَت تقارير كثيرة تبيِّن أساليب هذا الانحياز وأهدافه. كما أن الاحتلال الإسرائيلي لم يتحرَّج من نسف و"تطهير" مقار وسائل الإعلام بقطاع غزة لإسكات صوتها عن نقل جرائمه وانتهاكاته. لذلك، كان رهان الذات الفلسطينية (المواطن الصحفي) على نفسها في العملية الاتصالية للإخبار عن أوضاعها والتوثيق الميداني للأحداث والوقائع التي تُعد جزءًا منها في الحاضر، وفي صناعة مستقبلها. وفي هذا السياق، تشكَّلت معادلة إعلامية لافتة تجعل النشاط الإعلامي الاجتماعي للمواطن الصحفي الفلسطيني في قلب الصراع مع السياسة الاستيطانية التوسعية والتهويدية للاحتلال لتأكيد الوجود الهوياتي، وتستوحي هذه المعادلة الكوجيتو الديكارتي "أنا أفكر، إذن أنا موجود"، ليصبح الكوجيتو الفلسطيني الذي يميز الذات الفلسطينية (المواطن الصحفي) هو "أنا أُوَثِّق، إذن أنا موجود".

إن فعل "أُوَثِّق"، ومن ثم عملية توثيق الأحداث والوقائع، ليس المقصود بها هنا أَرْشَفَة وتَخْزِين الصور والفيديوهات التي ينقلها المواطن الصحفي عبر هاتفه النقَّال أو كاميرته، وإنما يعني النقل الميداني المباشر والإخبار اللحظي بتطورات الأحداث وتفاعلاتها للعالم الخارجي. وهنا، فإن ما يميز الذات الفلسطينية ويشكِّل وجودها هو التوثيق، بل إن هذا الوجود لا يمكن أن يتحقق دون عملية التوثيق لما يحدث في الميدان، وبذلك تنشأ عملية تماثل أو مطابقة أو معادلة تتلخص في العلاقة الارتباطية بين "التوثيق والوجود" (التوثيق=الوجود)، وهي تُمثِّل الحقيقة الوجودية بالنسبة للذات الفلسطينية متجاوزة المواطن الصحفي، الفاعل الرئيسي في هذه المعادلة. وتحيل مكونات هذه العملية التوثيقة (البث المباشر واللحظي للأحداث والوقائع، الصور، الفيديوهات، الوسوم...) على حقائق موضوعية حول الأوضاع والظروف التي يعيشها الإنسان الفلسطيني تحت الاحتلال الإسرائيلي عبر "النظر إلى مرآة الواقع"، ومحاولة مشاركة هذه الحقائق مع الجمهور بعد أن أصبحت معرفة العالم الموضوعي تعتمد في جزء كبير منها على الصورة التي باتت وسيطًا مهمًّا للتعبير عن الذات والمجتمع في ظل انتشار "ثقافة الأونلاين". ومن ثم يُؤَسِّس هذا النشاط الإعلامي الاجتماعي التوثيقي لمعرفة موضوعية وحقيقية تُعبِّر عن وجود الذات الفلسطينية.

وقد أسهمت دينامية هذا النشاط الإعلامي التوثيقي بجانب متغيرات وعوامل أخرى في استثارة الغضب الفلسطيني في جميع المدن والمحافظات والمناطق والقرى، بل حتى داخل الخط الأخضر، لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي. كما أدى هذا النشاط الإعلامي دورًا مهمًّا في استعادة وحدة النضال الفلسطيني بين جميع القوى والفصائل، وفي إحياء جوهر القضية الفلسطينية التي لا يمكن اختزالها في نزاع عقاري وتحسين ظروفه الحياتية -بل تتعلق بشعب يرزح تحت الاحتلال؛ حيث يتعرض سكانه للتهجير القسري والتمييز العنصري وتهويد مقدساته- بعد أن اعتقدت إسرائيل أن القضية دخلت مرحلة الموت السريري، وأصبحت جزءًا من الماضي في ظل اطمئنانها لحالة التطبيع بتوقيع "اتفاقيات أبراهام" مع الإمارات، والبحرين، والسودان، والمغرب.

وكان لافتًا أيضًا حجم التفاعل الذي أثاره النشاط الإعلامي الاجتماعي التوثيقي لمجريات الأحداث في هَبَّة القدس والحرب على غزة، سواء في المنطقة العربية أو خارجها، وهو ما لا يمكن حصر أشكاله ومجالاته في هذا السياق، لكن يكفي أن نشير إلى تحوُّل "المسجد الأقصى" و"حي الشيخ جراح" و"غزة" إلى أيقونات في شبكات التواصل الاجتماعي تتصدَّر الاتجاه العام للأحداث في العالم العربي عبر وسوم (القدس تنتفض، المسجد الأقصى، أنقذوا حي الشيخ جراح، فلسطين تنتفض، غزة تحت القصف...). كما لجأ مستخدمو شبكات التواصل الاجتماعي إلى التعريف بهوياتهم بوضع أيقونة المسجد الأقصى في صورة البروفايل الشخصي للمستخدم، وانتشرت أيضًا بطاقات تهنئة في خلفيتها أيقونة المسجد الأقصى بمناسبة عيد الفطر، وكذلك فيديوهات بالصواريخ التي أطلقتها حركات المقاومة في غزة، فضلًا عن حملات تدعو إلى مقاطعة المنتجات الإسرائيلية والشركات العالمية الداعمة للاحتلال.

وكان التفاعل أيضًا مع النشاط الإعلامي التوثيقي لهبَّة القدس والحرب على غزة خارج المنطقة العربية، وقد اتخذ أشكالًا مختلفة وشمل مجالات متعددة، لاسيما وسط المجتمع المدني والثقافي والفني؛ حيث أبدى كثيرون (مشاهير الفنانين، ولاعبو كرة القدم...) تضامنهم مع القضية الفلسطينية عبر نشر فيديوهات وصور ومنشورات وتعليقات ووسوم (حياة الفلسطينيين مهمة). كما سارع بعض السياسيين والمشرِّعين في أوروبا وأميركا إلى التعبير عن آرائهم المندِّدة بالاحتلال الإسرائيلي وآلته العسكرية الإسرائيلية بعد الجهد الإعلامي التوثيقي الذي قام به المواطنون الصحفيون في الإخبار بالواقع الفلسطيني.  

الأطر الناظمة للإعلام الاجتماعي التوثيقي الميداني

تقوم معادلة الكوجيتو الفلسطيني "أنا أوثِّق، إذن أنا موجود"، على التلازم بين كينونة الذات الفلسطينية والتوثيق الإعلامي الميداني اللحظي للأحداث، وتتحدَّد هذه العلاقة بين المكوِّنين أو طرفي المعادلة بأطر مختلفة في سياقها المجالي (الاحتلال) والزمني (الحاضر والمستقبل) لإيصال محتوى الرسالة إلى الجمهور المستهدف، وإن كان فعل الإعلام التوثيقي الميداني اللحظي نفسه هو الرسالة المعبِّرة عن الذات والوجود. وهنا يمكننا رصد بعض الأطر الدالَّة على هذه العلاقة/المعادلة.

- تسييل الحدث: وهو النقل المباشر اللحظي للحدث من المكان أو المجال الجغرافي الذي يفرض الاحتلال الإسرائيلي سلطته عليه إلى الفضاء التفاعلي المفتوح عبر العوالم والمنصات الرقمية المختلفة التي تمكِّنه من الانتشار الواسع، كما يدل على ذلك المعنى اللغوي المباشر لكلمة "تسييل" التي يُقصد بها تحويل المادة من الحالة الجامدة إلى الحالة السائلة. وهنا، لا يظل الحدث أو الخبر محاصَرًا داخل القدس أو أية مدينة فلسطينية أخرى، وإنما يتجاوز حواجز الاحتلال بأشكالها المختلفة نحو مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي والشبكات الإعلامية الدولية والرأي العام الدولي، ومن ثم التفاعل مع حقائقه. وهو ما يجعل المواطن الصحفي الفلسطيني مصدرًا فاعلًا ومؤثرًا في إنتاج المعرفة الحدثية (من الأحداث) بالواقع الفلسطيني عبر عملية الإعلام التوثيقي الميداني اللحظي، والتي تمثِّل -كما ذكرنا- شرطًا وجوديًّا لكينونته (الذات الفلسطينية).  

- الكشف: يسعى الإعلام التوثيقي الميداني اللحظي عبر إبراز الحدث في حالته التفاعلية إلى كشف سياسة الاحتلال الإسرائيلي وفضح انتهاكاتها لحقوق الإنسان الفلسطيني؛ حيث يدرك المواطن الصحفي أن عملية توثيق اعتداءات وجرائم الاحتلال والمستوطنين تمثِّل جزءًا من الصراع حول الرواية التي تُنْشِئُها إسرائيل بخصوص الذات الفلسطينية والوضع في الأراضي الفلسطينية عمومًا، وأن هذا الصراع الرمزي لا يقل ضراوة عن الصراع السياسي والعسكري. لذلك، يسعى الإعلام التوثيقي الميداني اللحظي إلى كشف زيف الرواية الإسرائيلية وفضح أطروحاتها وإبطال دعايتها، لاسيما أن هذا الصراع الرمزي حول الروايات تمتد آثاره إلى الإعلام والمحافل الدولية، وتتشكَّل مواقف الأفراد والجماعات بناء على أطروحاته ومقتضياته.   

- الكينونة: عندما يُوَثَّق الحدث لحظيًّا، ويتابع المستخدم تفاصيله وصوره ومشاهده التي تعكس حقائق الوضع الفلسطيني تحت الاحتلال الإسرائيلي، يُشكِّل هذا الفعل تَمْثِيلًا للوجود الراهن للذات الفلسطينية، وهو ليس وجودًا جسديًّا أو جسميًّا فقط وإنما حالة الإنسان الفلسطيني من زاوية وجوده التاريخي والحضاري والثقافي والحقوقي، والتي تعكس أيضًا طبيعة القضية الفلسطينية نفسها باعتبارها قضية وجودية بالأبعاد المذكورة. وهنا، نفهم العلاقة والتلازم العضوي بين الإعلام التوثيقي الميداني اللحظي والكينونة، أي "أن يكون" الإنسان الفلسطيني ذاته (موجودًا) في حال قام بالتوثيق (أنا أوثِّق)، أو "لا يكون" هو ذاته الفلسطينية في حال تخلَّى عن توثيق اللحظة التي تُنْتَهَك فيها حقوقه (أنا لا أوثِّق، إذن أنا غير موجود). وتترسخ هذه العلاقة بإدراك المواطن الصحفي أن الوجود الإسرائيلي يستمد هويته من الاحتلال والاستيطان، وهو ما تدل عليه قصة المستوطن الإسرائيلي الذي استولى على بيت سيدة فلسطينية في حي الشيخ جراح: "إذا لم أسرقه أنا، سيسرقه غيري". لذلك، يصبح الإعلام الاجتماعي التوثيقي أداة أو وسيلة لتعزيز الكينونة.

خلاصة

بيَّنت معادلة الإعلام الاجتماعي الميداني التوثيقي أهمية الدور المحوري لعملية الفعل الاتصالي التوثيقي للوضع الفلسطيني، في سياق هَبَّة القدس والحرب الإسرائيلية على غزة؛ حيث سمح بنقل الأحداث في لحظتها المباشرة، وتسييل المعلومات والحقائق حول جرائم الاحتلال وانتهاكاته لحقوق الفلسطينيين والاعتداء على مقدساتهم، وهو ما أسهم في استثارة غضب الشعب الفلسطيني وتوحيد نضال فصائله ضد الاحتلال. كما أثار هذا الفعل الإعلامي موجة تضامن واسعة في المنطقة العربية مع القضية الفلسطينية التي عادت لصدارة الاهتمام في المجال العام لتذكِّر العالم بقصة شعب تحت الاحتلال. وهو التضامن الذي ظهر أيضًا في شوارع بعض الدول الغربية، ووسط المجتمع الثقافي والفني والرياضي، وكذلك السياسي.      

لكن أهم ما يثير في هذه المعادلة هو العلاقة العضوية والترابط البنيوي بين الوجود الفلسطيني والإعلام الاجتماعي التوثيقي اللحظي؛ حيث يصبح هذا الفعل الإعلامي شرطًا لإمكان وجود الذات الفلسطينية؛ إذ من خلاله (أنا أوثِّق) تتحقق كينونة المواطن الصحفي (أنا موجود)، كاشفًا حقيقة وضع هذه الذات وظروفها تحت الاحتلال الذي يحاول بكل الوسائل الرمزية والسياسية والقضائية والعسكرية نفي وجودها وطمس هويتها وتاريخها وتراثها الحضاري. وهنا يأتي دور هذا الإعلام الاجتماعي التوثيقي اللحظي كفعل اتصالي لإثبات هذا الوجود والدفاع عن الجذور التاريخية وحماية التراث الحضاري عبر تسييل الحدث والمعلومة وخلق رأي عام مناصر لقضيتها، والتأثير في مجريات الأحداث.

ABOUT THE AUTHOR