الحرب الأوكرانية في شهرها الثاني: تبعات ثقيلة ومتغيرات مديدة

شهد الاجتياح الروسي لأوكرانيا مع بداية شهره الثاني عدة تطورات، أهمها: إخفاق القوات الروسية في تحقيق نصر عسكري سريع وحاسم، وخفض القيادة الروسية لأهدافها الأولية.
27 March 2022
زيلينسكي يخلط الحسابات الروسية (رويترز).

أنهت الحرب الروسية على أوكرانيا، في 26 مارس/آذار، شهرها الأول. والمؤكد، بالرغم من أن المسألة الأوكرانية كانت تزداد تعقيدًا منذ 2014، أنه كان لم يكن مرجحًا للحرب أن تستمر كل هذا الوقت. الناطق باسم الرئيس الروسي، بوتين، يقول: إنه ليس ثمة شيء في مسار الحرب غير متوقع، وإن "العملية العسكرية" أنجزت أهداف مرحلتها الأولى، وإنها تمضي كما خُطِّط لها. ولكنَّ قلَّة، سيما في الغرب، تأخذ هذه التصريحات مأخذ الجد.

في جلسة استماع أمام لجنة الاستخبارات في مجلس النواب الأميركي، 8 مارس/آذار، أشار ويليام بيرنز، رئيس وكالة الاستخبارات المركزية، إلى أن الخطة الروسية للحرب كانت تستهدف السيطرة على كييف خلال يومين من بدء الغزو. تقدير بيرنز، الدبلوماسي المخضرم، يمكن بالطبع أن يُدْرَج ضمن ضباب الحرب ولكن ثمة أدلة على أن الأميركيين يتمتعون بمصادر نافذة في قلب الدولة الروسية، وأن تقديراتهم السابقة لبداية الحرب كانت دقيقة بالفعل.

إضافة إلى ذلك، لابد من تذكر دعوة بوتين الجيش الأوكراني، في 25 فبراير/شباط، اليوم الثاني للحرب، إلى تسلُّم السلطة في كييف، ووصفه القادة الأوكرانيين بمجموعة من المدمنين، وتعهده بتفاوض أسهل مع العسكريين. بمعنى، أن بوتين لم يكن خطَّط لحرب طويلة، وأن الهيئات الروسية المختصة أفادته بتوقع انهيار أوكراني سريع، أو تغيير في قمة السلطة في كييف. عمومًا، إن كانت هذه القراءة صحيحة، فهذا لم يكن الخطأ الروسي الوحيد.

بصورة من الصور، يتفق سيناريو الحرب الطويلة نسبيًّا مع الأهداف الأميركية. الرئيس الأميركي، بايدن، قال صراحة إنه يريدها حربًا طويلة، وإن بوتين أخطأ عندما تصور أنه سيحقق أهدافه في عملية خاطفة وقصيرة. حرب طويلة سينجم عنها مزيد من الخسائر الروسية، ومزيد من الامتعاض والانقسام في صفوف النخبة الروسية الحاكمة، ومزيد من الغضب الشعبي الروسي، ومزيد من الدوافع لتعزيز وحدة الغرب وحشد عدد أكبر من دول العالم في مواجهة روسيا. ولكنَّ حربًا طويلة تعني أيضًا مزيدًا من دمار المدن والبلدات الأوكرانية، ومزيدًا من اللاجئين الأوكرانيين وتفريغ أوكرانيا من السكان والأيدي العاملة، ومزيدًا من الضغوط على النظام الاقتصادي العالمي.

خلف ذلك كله، ثمة ما بات واضحًا تمامًا في طبيعة الأسباب التي دفعت نحو اشتعال هذه الحرب، كما أن هناك ما لا يقل وضوحًا في أبعاد متغيرات النظام الدولي الانقلابية، التي ستفضي إليها هذه الحرب. غير ذلك، لم يزل الغموض يلف مجريات الجانب العسكري من الحرب، وحقيقة الأهداف التي عملت القيادة الروسية على تحقيقها، والمدى الذي قطعه المسار التفاوضي بين الروس والأوكرانيين، وقدرة روسيا على الاستمرار في الحرب وتحمل الأعباء العسكرية والاقتصادية-المالية، التي ألقت بها الحرب على عاتق الدولة والشعب في روسيا.

ما هو أبعد من مطالب روسيا المعلنة

ما لم يعد مجالًا للجدل أن أزمة أوكرانيا وُلِدت من تصور روسيا للتهديد الذي مثَّله توسع حلف الناتو في دول المجال السوفيتي السابق (حلف وارسو)، وعدد من الدول التي استقلت عن الاتحاد السوفيتي، واقتراب الحلف الحثيث من حدود روسيا الاتحادية. المعروف أن المؤسسة الأميركية خلال رئاسة كلينتون الأولى لم تكن مُجْمِعة على توسع الناتو، بل ولا حتى على بقاء الحلف نفسه. ما رجَّح سياسة التوسع كان تأثير حفنة من الأميركيين المثاليين، الذين آمنوا بسيطرة الليبرالية-الديمقراطية على النظام العالمي، وخوف دول أوروبا الشرقية التاريخي من روسيا، سيما بولندا التي هَدَّدت في 1993 بالتسلح النووي إن لم تُقْبَل ضمن مظلة الناتو.

عارضت روسيا من البداية سياسة توسع الناتو؛ وعندما لاحظت بوادر تقرب جورجيا من الحلف في 2008، قامت بعملية عسكرية سريعة، استهدفت تدمير مقدَّرات جورجيا العسكرية وتأمين استقلال أبخازيا وأوسيتيا المنشقتين. ولكن التهديد الأوكراني لم يولد إلا بعد ثورة 2014، التي أطاحت بالرئيس الأوكراني الموالي لروسيا، وتوجه كييف للالتحاق بالناتو والاتحاد الأوروبي. تحرك روسيا لضم شبه جزيرة القرم وتشجيع الأوكرانيين الروس في إقليم دونباس على الانشقاق، كان نتيجة مباشرة للتغيير السياسي الكبير الذي أحدثته ثورة 2014 في حكم أوكرانيا وفي توجهها الغربي.

بيد أن السؤال الذي لم تتوافر الإجابة عليه بعد هو لماذا؟، لماذا كانت الحرب الوسيلة الوحيدة التي لجأت إليها القيادة الروسية لدفع التهديد المتوقع من ذهاب أوكرانيا غربًا؟ المؤكد أن روسيا امتلكت العديد من الأوراق التي كان يمكن استخدامها للضغط على أوكرانيا ومنعها من الالتحاق بالناتو. لروسيا، مثلًا، أصدقاء بالغو النفوذ في صفوف نخبة الحكم الأوكرانية، وبشيء من الصبر وحسن التخطيط كان يمكن مساعدتهم للانقلاب على نظام ما بعد 2014. روسيا، أيضًا، هي مصدر الطاقة الرئيس لأوكرانيا، وكان باستطاعة موسكو إيقاف ضخِّ الغاز ومحاصرة الموانيء الأوكرانية على البحر الأسود، لتركيع حكومة كييف كلية. ولكن الواضح أن الرئيس الروسي عقد العزم من البداية على انتهاج طريق مختلف لتحقيق أهدافه.

بدأت روسيا حشدًا عسكريًّا مطردًا على حدود أوكرانيا، وفي بيلاروسيا، من نهاية سبتمبر/أيلول. ما افترضته موسكو أن تصعيد التوتر والتهديد باحتمال الحرب سيجبر الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى على التفاوض لحل مشكلة توسع الناتو من جذورها. وعندما أدركت القيادة الروسية أن الغرب ليس بصدد الاستجابة لمطالبها، قررت الذهاب إلى الحرب. والحرب ليست فقط لتركيع أوكرانيا، لأن موسكو رفضت أصلًا الوساطة التركية قبل اندلاع الحرب، التي طرحت إطارًا لاتفاق روسي-أوكراني ثنائي، بحجة عدم الثقة في السياسيين الأوكرانيين. بمعنى أن الحرب أُريد بها أساسًا توكيد موقع روسيا في النظام الدولي باعتبارها قوة كبرى وشريكًا رئيسًا في القرار العالمي، إلى جانب حل مشكلة أوكرانيا. ما رفض الغرب الاعتراف به بعد عملية جورجيا، وبعد الدور الروسي في سوريا، أراد بوتين تحقيقه بغزو أوكرانيا.

ضباب الحرب وغموض المسار العسكري

إن أخذنا تقدير وليام بيرنز لحقيقة الأهداف الروسية العسكرية من الحرب، أو مدى العملية العسكرية، في الاعتبار، فلابد أن الحرب لم تَسِرْ كما خطَّط لها القادة الروس. ولكن، حتى بدون التسليم بصحة تقدير بيرنز، يصعب القول: إن العملية الروسية العسكرية تسير على ما يرام؛ ليس لأنه لا يمكن الاطلاع على الخطة الأصلية للغزو، بل لأن ثمة مؤشرات ملموسة على أن موسكو لم تكن تريد لهذه الحرب أن تستمر طويلًا، ولا أن تتخذ المسار الذي أخذته خلال شهرها الأول.

منذ الأسبوع الرابع للحرب، وبعد أن اتضح حجم الدمار الذي أُوقِع بمدينتي ماريبول وخاركيف وعشرات البلدات الأخرى، سارع مراقبو الحرب إلى التذكير بالنهج التدميري الذي اتبعه الجنرالات الروس في سوريا منذ 2015. ولكن الواضح أن القيادة الروسية حاولت خلال الأيام الأولى من الغزو تنفيذ ما أسماه الرئيس بوتين "عملية عسكرية" عبر اختراق سريع، وبأقل قدر من الدمار، متجنبة، إلى حدٍّ كبير، الأهداف المدنية. وحتى في الأوساط الغربية، الرسمية وغير الرسمية، التي راقبت تقدم الجيش الروسي السريع، لم يكن ثمة شك في اقتراب سيطرة الروس على العاصمة، كييف، وربما على معظم أوكرانيا. والأرجح، أن المشكلة اللوجستية التي باتت تعاني منها القوات الروسية المتقدمة لا تعود إلى قصور أصيل في المنظومة العسكرية الروسية، بل إلى أن الخطة الأولية رُسمت على أساس تحقيق أهداف الحرب خلال أيام قليلة، لا عدة أسابيع أو شهور.

ما توحي به حركة القوات في أيام الحرب الأولى، والشروط التي طالبت موسكو القيادة الأوكرانية بالموافقة عليها، والتي تصل إلى حدِّ الاستسلام، أن روسيا سعت إلى فرض تحكم كامل بأوكرانيا، بغضِّ النظر عمَّا إن كان هذا يتطلب احتلالًا لكافة الأراضي الأوكرانية. بمعنى، أن موسكو تصورت، ربما، أن بالإمكان أن تحقق "العملية العسكرية"، بوتيرة سريعة، تدميرًا شاملًا للمقدرات العسكرية الأوكرانية، والسيطرة المباشرة على جنوب أوكرانيا، بما في ذلك الساحل الأوكراني على بحر أزوف والبحر الأسود، والمدن الكبرى شرق نهر الدنيبر، مركز الصناعة الأوكرانية، والعاصمة، كييف. بذلك، توقع القادة الروس انهيار الإرادة السياسية للقيادة الأوكرانية، وموافقتها على توقيع اتفاق مُرْض لموسكو؛ واضطرار القوى الغربية، من جهة أخرى، إلى القبول، وإن على مضض، بالواقع الجديد، وتقبل إضفاء طابع قانوني دولي على الاتفاق الروسي-الأوكراني.

الواضح، الآن، أن خطة الحرب الروسية، كما أغلب خطط الحرب عبر التاريخ، سرعان ما انهارت في ساحة المواجهة؛ وهو ما فرض بالتالي وتيرة أبطأ لحركة القوات الغازية. أخطأت موسكو، والرئيس بوتين على وجه الخصوص، في تقدير كفاءة الجيش الروسي، سواء من جهة قدرة القيادة العسكرية على تحريك القوات على مستوى الفرق، والمحافظة على خطوط إمداد منتظمة، أو في الركون إلى المستوى التقني للمعدات العسكرية.

وأخطأت موسكو في قراءة الرأي العام الأوكراني، وحجم المقاومة الأوكرانية. لم ينقسم الأوكرانيون حول الموقف من روسيا؛ وحتى في المناطق الناطقة بالروسية في جنوب وشرق أوكرانيا، واجهت القوات الروسية رأيًا عامًّا عدائيًّا ومقاومة مستميتة. وليس ثمة شك في أن دعوة بوتين الجيش الأوكراني لاستلام السلطة بُنيت على تقديرات خاطئة لمستوى تماسك العسكرية الأوكرانية وولائها الدستوري للقيادة السياسية.

خارجيًّا، أخطأت موسكو في تقدير وحدة الموقف الغربي، وحجم ردود الفعل الغربية على الغزو. الواضح أن القيادة الروسية توقعت افتراق الموقف الأوروبي، سيما الألماني، بهذه الدرجة أو تلك، عن الموقف الأنجلو-أميركي؛ وأن ردَّ الفعل الغربي لن يزيد كثيرًا عن ذلك الذي واجهته روسيا بعد ضمِّ شبه جزيرة القرم في 2014. ما حدث، أن المعسكر الغربي، وبعد تردد أولي، ازداد تماسكًا في تعامله مع روسيا، وأن حجم ونوعية العقوبات التي فُرضت على روسيا وصلت إلى حدِّ عزلها كليًّا عن الفضاء الأوروبي، ووضع نهاية لعقدين طويلين من سياسة احتضان روسيا ودمجها في المجال الأوروبي الاقتصادي. الأكثر من ذلك، أن الحرب على أوكرانيا تسببت في حقبة جديدة من إعادة التسلح الأوروبي، والتسلح الألماني غير المسبوق منذ الحرب العالمية الثانية، على وجه الخصوص.

إلى جانب ذلك، تطورت المساعدات الغربية لأوكرانيا حجمًا ونوعًا. بظهور عزم الأوكرانيين على المقاومة، ازدادت المساعدات العسكرية بصورة ملموسة من كافة الدول الغربية، ولم تعد تقتصر على المساعدات الأميركية والبريطانية، بل اتسع نطاق مصدرها إلى كافة دول الناتو، بما في ذلك ألمانيا، التي ترددت طويلًا قبل أن تقرر إرسال معدات عسكرية لأوكرانيا. كما تطورت المساعدات نوعًا، لتضم مضادات متقدمة للدبابات والسيارات المصفحة، ومضادات أخرى للطائرات؛ بينما تتزايد الضغوط على الولايات المتحدة ودول أوروبا الشرقية للدفع بمنظومة روسية المصدر للدفاع الجوي.

إخفاق خطة التحكم السريع لا يعني بالتأكيد أن القيادة الروسية تخلَّت عن تحقيق الحد الأدنى من أهداف الحرب. الحقيقة، أن موسكو ترى الآن أن الغرب، كما قال وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، يوم 25 مارس/آذار، أعلن حربًا اقتصادية على روسيا؛ وأن الإمدادات الغربية لأوكرانيا تعني حربًا أخرى عسكرية بالوكالة. إن كانت هذه هي حقيقة الموقف الغربي، لم يعد أمام روسيا ما تخسره، وبات من الضروري أن تمضي قدمًا لتحقيق ما يكفي لإعلان النصر، بغضِّ النظر عن حجم خسائر الجيش الروسي، ومدى التدمير الذي سيوقَع بالمدن والبلدات الأوكرانية؛ ومن ثم تعزيز الشعور القومي الأوكراني، وإحداث قطيعة نهائية بين أوكرانيا وروسيا، اللتين نظرت إليهما القيادة الروسية دائمًا باعتبارهما دولتين شقيقتين.

بيد أن الحد الأدنى لما يمكن تحقيقه على أرض المعركة، يجب ألا يعني أهدافًا متواضعة وحربًا قصيرة. ما يبدو، أن روسيا قد تذهب إلى حدِّ تقسيم أوكرانيا إلى منطقتى نفوذ غربي وروسي، بحيث يُلحق الحزام الجنوبي من أوكرانيا، وكافة المنطقة شرق الدنيبر، أو على الأقل القطاع الأكبر من الشرق، بجمهوريتي الدونباس المستقلتين، وانتظار الاستجابة الأوكرانية-الغربية للشروط الروسية، أو خلق أمر واقع أوكراني جديد ومديد.

مسار تفاوضي متعثر

أعلنت موسكو عددًا من المطالب منذ يوم الحرب الأول: حياد أوكرانيا والتخلص من كافة نشاطات الناتو على الأرض الأوكرانية، وتصفية الجماعات الأوكرانية النازية واحترام الثقافة وحقوق الأقليات الروسية، وتقليص الذراع العسكرية الأوكرانية بما ينزع قدرة أوكرانيا على تهديد الأمن الروسي، والاعتراف بالسيادة الروسية على شبه جزيرة القرم، والاعتراف باستقلال جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك المنشقتين.

توجهت موسكو بقائمة مطالبها إلى القيادة الأوكرانية، على وجه الخصوص، وذلك بعد أن أدركت أن الغرب لم يكن مستعدًّا للتفاوض حول جوهر الورقة التي تقدم بها وير الخارجية الروسي لنظيره الأميركي قبل أسابيع من بدء الحرب. وقد ذكرت تقارير أن فشل المسعى الروسي للتفاوض المباشر مع الولايات المتحدة وحلف الناتو، لا يعني بالضرورة أن موسكو تخلَّت عن السعي لوضع الاتفاق الروسي-الأوكراني في إطار دولي؛ لأن موسكو أكَّدت للأوكرانيين رغبتها في أن يُقرَّ الاتفاق المتوقع في النهاية من قِبل الأمم المتحدة.

ولكن المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا لم تنطلق بصورة سريعة وحثيثة، بعد أن ثارت خلافات حول مكان لقاء وفدي الدولتين وطبيعة ومستوى الوفدين. في النهاية، قبل الأوكرانيون بأن تجري المفاوضات على الجانب البيلاروسي من الحدود الأوكرانية-البيلاروسية، وقاد المفاوضات وفدان من المستوى تحت الوزاري، بدون أن تتراجع كييف عن مطلب عقد لقاء قمة بين الرئيسين، الأوكراني والروسي.

خلال الأسبوع الثالث للحرب، أخذت مصادر الوفد الروسي تتحدث عن تقدم ملموس في المفاوضات، وعن قطع منتصف الطريق، وعن تبلور مسودة اتفاق. ما عزز الشعور بالتفاؤل أن موسكو بدت وكأنها أسقطت الحديث عن مسألتي الاعتراف بالسيادة الروسية على القرم واستقلال جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك، وأنها لا تعارض إعطاء أوكرانيا تعهدات أمنية متعددة الأطراف. في المقابل، أقرَّ الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، بصورة واضحة وعلنية أن بلاده لن تصبح عضوًا في الناتو، وقال مسؤولون أوكرانيون إنهم على استعداد لإجراء تعديل دستوري يسقط عزم أوكرانيا الالتحاق بحلف الناتو. أما مسالة عضوية أوكرانيا في الاتحاد الأوروبي، التي قدمت كييف بالفعل طلبًا للحصول عليها، فلم يرشح من طرفي التفاوض أي مؤشر على أنها كانت محل نقاش.

ولكن لغة حديث التفاوض والاتفاق، على أية حال، أخذت في التغير مع الأسبوع الرابع للحرب.

عاد الرئيس الأوكراني إلى التوكيد بعدم الاستسلام وعدم تقديم أية تنازلات عن السيادة الأوكرانية؛ بينما قال وزير خارجيته، دميترو كوليبا، 25 مارس/آذار: إن المفاوضات صعبة ومعقدة، وإن الوفد الأوكراني أظهر شجاعة وصلابة. في المقابل، بدأت أوساط الوفد الروسي المفاوض تتحدث عن بطء عملية التفاوض، وعن عدم جدية الجانب الأوكراني. ولم يتردد مسؤولون روس عن اتهام القوى الغربية بالتأثير على كييف ودفع الجانب الأوكراني إلى التراجع عن إبرام اتفاق مع روسيا.

الحقيقة، أن المسار التفاوضي وإن انطلق بصورة جدية فسرعان ما أصبح أسيرًا لسياق الحرب الأوسع، سواء في جانبها العسكري، أو ما يتعلق منها بتصاعد الإجراءات الغربية ضد روسيا. يعود تصلب الموقف الأوكراني التفاوضي إلى ثقة متزايدة بالنفس، وشعور بأن المقاومة الأوكرانية أصبحت أكثر قدرة على الاستمرار، وعلى دفع القوات الروسية إلى الخلف في أكثر من محور قتالي، وعلى إيقاع خسائر ملموسة بالجانب الروسي. أما استعادة المسؤولين الروس لغة التشدد، فترجع إلى تقدير المفاوضين الروس أن الأوكرانيين باتوا أقل جدية في التزام المسار التفاوضي، وأن من الضروري فرض ضغوط عسكرية أكبر على القيادة الأوكرانية إلى أن تدرك أنها تخوض معركة خاسرة تمامًا.

ما بعد الحرب

بعض مما ستفضي إليه هذه الحرب من متغيرات في السياسة الدولية أصبح أكثر تأكيدًا مما كان عليه في أيامها الأولى، والبعض الآخر لم يزل محل الاحتمال وتضارب المؤشرات.

المؤكد أن الولايات المتحدة حققت الهدف الأساس، المعلن، من الحرب: عزل روسيا عن أوروبا، وحشد القوى الأوروبية في مواجهة طويلة مع روسيا. وليس ثمة شك في أنه مهما كانت قدرة روسيا وأصدقائها على الالتفاف على العقوبات الهائلة التي فرضتها القوى الغربية) إضافة إلى اليابان، نيوزيلندا، أستراليا، كوريا الجنوبية)، فإن الأعباء الاقتصادية والمالية والتنموية التي ألقيت على عاتق روسيا، دولة وشعبًا، ستكون ثقيلة.

كما أن الصعوبات التي تواجهها روسيا في ساحة المعركة، وحجم وطبيعة ردود الفعل الغربية، تعني أن احتمالات تقدم روسيا، بعد الانتهاء من أوكرانيا، نحو بولندا أو دول البلطيق، أو التوجه نحو الضغط على تركيا لتغيير نظام المرور وأمن المضائق، باتت أقل توقعًا. ولكن ذلك لا يعني أن تركيا، على وجه الخصوص، ستواجه تغييرًا أكبر في ميزان القوى في البحر الأسود إن مضت روسيا إلى السيطرة على أوديسا. 

ولكن روسيا، ومهما كانت نتيجة المواجهة في أوكرانيا وتكاليفها، ستخرج من الحرب أكثر تصميمًا على الحفاظ على موقعها ودورها كقوة كبرى. روسيا هي دولة كبرى بالفعل، غنية بالموارد، وتحتفظ بمقدرات تسليح توازي المقدرات الأميركية. والحرب، في النهاية، ومهما كانت تكاليفها، تجري على أرض أوكرانيا وليس على الأرض الروسية. وما لم تشهد موسكو انقلابًا جذريًّا على بوتين وسياساته، تبدو روسيا مجبرة على انتهاج سياسة قطبية، وعلى السعي إلى توسيع دائرة حلفائها، في أوروبا -إن أتيحت لها الفرصة- كما في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية.

وليس ثمة شك في أن رد الفعل الغربي السريع وواسع النطاق على غزو أوكرانيا أريد به توجيه رسالة إلى الصين كذلك. ما تستبطنه العقوبات المفروضة على روسيا أن الغرب لن يتردد لحماية هيمنته على الشأن العالمي في التخلي عن مجمل المنظومة الاقتصادية والسياسية-الدولية التي عمل على إنشائها منذ نهاية الحرب الباردة. هذا التحول في المقاربة الغربية إلى العلاقات بين الدول، وليس محاصرة روسيا وحسب، ما سيدفع الصين إلى أن تصبح أكثر اندفاعًا في الحفاظ على مصالحها في العالم وتعزيز دائرة حلفائها.

في المدى القصير، أي خلال عام إلى ثلاثة أعوام مقبلة، يبدو أن النظام الدولي يتجه إلى قطبية ثلاثية: معسكر غربي تقوده الولايات المتحدة، يتمتع بثقل عسكري واقتصادي وثقافي كبير؛ ومعسكر روسي، تدور في فَلَكه دول آسيا الوسطى السوفيتية السابقة، وبيلاروسيا، وعدد محدود من دول العالم الثالث؛ ومعسكر صيني يرتكز إلى علاقات اقتصادية وثيقة أكثر من التحالفات العسكرية والسياسية. أغلب دول الصف الثاني، مثل الهند، وتركيا، وجنوب إفريقيا، والبرازيل، وربما حتى إيران، ستحاول الحفاظ على علاقات متوازنة مع كافة الأطراف. ولكن الدول المنتجة للنفط والغاز ستكون محل تنافس محتدم بين الأقطاب.

بيد أن دلالة تسلُّح ألمانيا، سواء من جهة توازن القوى في أوروبا، أو من جهة التزام ألمانيا بالقيادة الأميركية للغرب وسياسة المواجهة مع روسيا، تظل غير واضحة. كما أن مستقبل التوجه الصيني يبقى محل التكهنات. ليس ثمة شك في أن الصين تتعاطف مع روسيا، وترغب ألا تنتهي الأزمة الأوكرانية بهزيمة روسية. في الوقت نفسه، تحاول الصين ما استطاعت تجنُّب عقوبات غربية، أو ضغوط تفضي إلى تباطؤ عجلتها الاقتصادية. ولكن ذلك لا يعني استبعاد تقارب صيني-روسي في المدى الوسيط، يصل إلى حدِّ التحالف، بالرغم من أن خلافات كبيرة تقف عائقًا في الوقت الراهن بين الدولتين.

في هذا التموضع الجديد للنظام الدولي، يصعب التكهن بمستقبل أوكرانيا، التي أطلق الصراع عليها كل هذا الحراك في علاقات القوة العالمية. وسواء انتهت الحرب باتفاق، أو بالمراوحة في المكان، ستبقى أوكرانيا ساحة تدافع مديد بين روسيا والكتلة الغربية. ونظرًا لحجم الدمار الذي أُوقِع بمدنها وبنيتها التحتية، وعدد اللاجئين الهائل الذين تركوا البلاد، ويُستبعد عودة أغلبهم بعد نهاية الحرب، فإن تعافي أوكرانيا سيظل هدفًا بعيد المنال.