مقدمة
أيَّد أعضاء مجلس الأمن الدولي خطة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لوقف إطلاق النار في غزة بأغلبية ثلاثة عشر صوتًا وامتناع روسيا والصين عن التصويت بعد أيام من الذكرى السنوية الثانية للحرب التي شنَّتها إسرائيل على القطاع. وباستثناء البند الأول الذي دعا إلى "الإفراج عن جميع الرهائن، سواء الأحياء منهم أو المتوفَّوْن"، مقابل إطلاق سراح عدد من الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، والبند الثاني الذي سعى إلى التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس، تتماهى جُلُّ البنود الثمانية عشر الأخرى في الخطة مع "معادلة النصر الصفرية" التي هَنَّأ بها الرئيس ترامب أعضاء الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) أثناء زيارته القدس بعد قمة شرم الشيخ، وإِنْ طلب من إسرائيل "سحب قواتها من مراكز التجمع السكاني في غزة".
ويترقَّب ترامب من المقاومة الفلسطينية "تسليم أسلحتها" و"إنهاء وجودها المادي والسياسي بذاتها"، ويَسُدُّ الطريق على جميع الفصائل الفلسطينية لأن يكون لها دور في إدارة قطاع غزة بوجود "هيئة دولية" يُدِيرُها ترامب بنفسه حتى نهاية 2027. بيد أن حماس تمسَّكت بأن "تسليم أسلحة المقاومة يُمثِّل مليون خط أحمر وغير قابل للنقاش"، كما صرَّح القيادي في الحركة، سامي أبو زهري. وعَقِب تصويت مجلس الأمن على هذه الخطة، عَلَّق كريغ مخيبر، المدير السابق لمكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، بأنه "يوم العار للأمم المتحدة"، نافيًا أن يكون هناك عضو في مجلس الأمن "يمتلك الشجاعة أو المبدأ أو يُكِنُّ الاحترام للقانون الدولي ليرفض هذا الانتهاك الاستعماري الأميركي/الإسرائيلي". وذكر أن خطة ترامب "قد رفضتها منظمات المجتمع المدني، والفصائل الفلسطينية، والمدافعون عن حقوق الإنسان والقانون الدولي في كل مكان"(1).
في المقابل، صوَّتت 142 دولة من أصل 164 في الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح الخطة الفرنسية-السعودية لإقامة دولة فلسطينية، وتجاوزت بذلك اعتراضات إسرائيل والولايات المتحدة. ويُجسِّد الشكل رقم (1) انكماشًا مُتَدَرِّجًا لكتلة التأييد لسياسات إسرائيل، خلال التصويت في الجمعية العامة بين أعوام 2017 و2023 و2025. ويُشير ذلك إلى تغيُّرات في ثلاثة مناحٍ أساسية: 1) زيادة نسبة التأييد لصالح القضية الفلسطينية من 128 إلى 142 دولة. 2) تَقَلُّص كتلة الدول الممتنعة عن التصويت من 35 إلى 12 دولة. 3) تزايد عدد الدول التي فَضَّلَت عدم المشاركة في التصويت من 21 إلى 29 دولة بين عامي 2017 و2025.
شكل (1): تصويت الدول في الجمعية العامة للأمم المتحدة حول شرعية المطالب الفلسطينية (2017-2025)

يُلاحظ روبرت ساتلوف (Robert Satloff)، المدير التنفيذي لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى وأحد المُنَظِّرين والمحاضرين سنويًّا أمام موظفي وزارة الخارجية الأميركية في "كيفية مراعاة مصالح إسرائيل" منذ الثمانينات، أن "هذا الاتجاه المُقْلِق يتجلَّى بوضوح عند النظر إلى التصويت على ثلاثة قرارات غير متوازنة تتعلَّق بالشأن الإسرائيلي-الفلسطيني.. ويُشكِّل تناقص عدد الدول التي امتنعت عن التصويت اتجاهًا مثيرًا للقلق بالنسبة للقدس"(2). ودعا حكومة بنيامين نتنياهو إلى مراعاة أن "هذا الاتجاه ينبغي أن يكون مثيرًا للقلق عندما يتكرَّر، مع مرور الوقت، فيتحوَّل أنصار أقوياء سابقون إلى الاتجاه المعاكس"(3).
لقد تغيَّرت تمثُّلات صورة إسرائيل خلال الحرب أيضًا في هوليوود، وتعهَّد الآلاف من صانعي الأفلام والممثلين والعاملين في صناعة السينما بعدم العمل مع مؤسسات السينما الإسرائيلية "المتورطة في جرائم الإبادة الجماعية والفصل العنصري ضد الشعب الفلسطيني". ومن بين الموقِّعين على قرار المقاطعة أوليفيا كولمان (Olivia Colman)، وإيما ستون (Emma Stone)، وأندرو غارفيلد (Andrew Garfield)، وهانا إينبيندر (Hannah Einbinder)، التي أثارت ضجَّة عندما أنهت خطاب قبولها جائزة إيمي (Emmy) 2025 بعبارة: "فلسطين حرة"(4). بيد أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ومؤيديه في البيت الأبيض، وجُلَّ الجمهوريين في الكونغرس، يسعون جاهدين، من خلال إدارة الحرب المفتوحة بحكم الأمر الواقع، لتغليب كفة "قانون القوة" على حساب قوة القانون الدولي، التي تقوم عليها فلسفة حفظ السلام والأمن العالميين ضمن ميثاق الأمم المتحدة (1945) والمعاهدات الملحقة، خاصة اتفاقيات جنيف الأربع (1949)، وبرتوكول لاهاي (1977)، ومبدأ "المسؤولية عن الحماية" (Responsibility to Protect- R2P) (2005)، التي تُمثِّل ضوابط القانون الدولي الإنساني. وكانت اللجنة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في الأراضي الفلسطينية المحتلة توصلت إلى أن القوات الإسرائيلية "قامت عمدًا بقتل مدنيين فلسطينيين في غزة باستخدام ذخيرة تُحْدِث وقعًا واسع النطاق يؤدي بحياة عدد كبير من الأرواح"، وأنها كانت "تُدرك جيدًا أن تلك الذخيرة ستُسَبِّب موت المدنيين الفلسطينيين"(5). وفي التاسع عشر والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني 2025 بعد تبنِّي مجلس الأمن خطة الرئيس دونالد ترامب، أودى القصف الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة بحياة 33 شخصًا على الأقل؛ مما يُعَد "من أكثر الهجمات دموية منذ اتفاق حماس وإسرائيل على وقف إطلاق النار"(6).
ويبدو أن السردية الإسرائيلية التي تعودت على الاستثمار سياسيًّا وإعلاميًّا في ترويج صورة "الذات اليهودية" وتدوير فزاعة "المحرقة" (الهولوكوست)، لاستدامة صورتها النمطية "للضحية" لما تُسمِّيه "الإرهاب الفلسطيني"، تُواجه تعثرات متلاحقة بفعل سلوك الجيش الإسرائيلي خلال عاميْن من الحرب على قطاع غزة. وأضحى ارتكاب إسرائيل أفعال إبادة جماعية نتيجة تأكيدية من قِبَل عدد من اللجان الدولية لتقصي الحقائق، ومراكز الأبحاث المستقلة، تنعكس سلبيًّا ضمن استطلاعات الرأي العام عبر دول العالم. وقد اتخذت الرابطة الدولية لعلماء الإبادة الجماعية (International Association of Genocide Scholars - IAGS) ، التي تضم في عضويتها 500 شخصية بمن فيهم خبراء دراسات "المحرقة"، قرارًا بأن "سياسات إسرائيل وإجراءاتها في غزة تستوفيان التعريفَ القانوني للإبادة الجماعية الوارد في البند الثاني من اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها (1948)"(7).
وفي هذا السياق، تحاول الدراسة الإجابة على سؤال إشكالي مركَّب: كيف تبدو صورة إسرائيل مما هَنْدَسَتْهُ الصهيونية أوائل القرن العشرين، وما يَجْلُبُه اليمين المتطرف إلى صورتها الحالية، في أعين العالم في ظل التحقيق في سلوكها الإبادي وتناقص رأسمالها الدبلوماسي وعزلتها السياسية؟ وما أبعاد هذه الصورة معرفيًّا وسلوكيًّا ورافد تمثلاتها لدى الرأي العام الأميركي؟ وما تجليات صراع التمثلات المهيمنة والمتحررة والجدلية إزاء إسرائيل وسط الرأي العام الأميركي؟
وتستعين الدراسة في مقاربة هذا السؤال المركَّب بمنهج دراسة الحالة الذي يُمثِّل أحد أساليب البحوث الكيفية، التي تستند إلى مصادر وأدلة متعددة لرصد صورة إسرائيل في أعين العالم، خاصة حالة الرأي العام في الولايات المتحدة الأميركية الذي يُعَد مصدر الدعم الرئيسي لإسرائيل، وتُشكِّل استمالته وإرساء التمثلات المهيمنة عن الذات الإسرائيلية مسألة وجودية لاستمرار هذا الدعم. وهنا، يقوم الباحث بجمع عدد من الحقائق والبيانات المرتبطة بصورة إسرائيل من خلال أحدث استطلاعات الرأي العام. وفي ضوء ذلك، تُحَلِّل الدراسة حصيلة أربعة عشر من الاستطلاعات الجديدة، وخمس دراسات دولية، أُعِدَّت في صيف وخريف 2025، من قِبَل الأمم المتحدة ومؤسسات بحثية رائدة في الولايات المتحدة وأوروبا، منها مركز الدراسات السياسية الأميركية في جامعة هارفارد (Harvard CAPS) ومؤسسة هاريس، وغالوب (Gallup)، ومركز بيو للأبحاث (PEW). وتعتمد الدراسة آليات التَّسبيب (العلاقة السببية) التي تهدف إلى معرفة العوامل والسياقات المحلية والدولية التي تُفَسِّر التغيُّرات التي طرأت على صورة إسرائيل في العالم، وفي الرأي العام الأميركي خصوصًا، وكذلك التحولات التي عرفتها التمثلات الاجتماعية إزاء إسرائيل ودورها في منطقة الشرق الأوسط خلال العقدين الماضيين، وتحديدًا بين عامي 2010 و2025.
1. مدخل نظري
تركيب القناعات: عمل فردي أم تفاعل جماعي؟
بالنظر إلى تغيُّر صورة إسرائيل خلال الحرب على غزة، تَبْرُز أهمية تمثلات اليهود، وتمثلات الرأي العام العالمي عنها، بازدياد الوتيرة في تركيب تمثلات اجتماعية مغايرة عن سابقاتها من خلال تقاطع التفكير والشعور الفردي من ناحية، والتفاعل والتواصل الجماعي من ناحية أخرى. ويستحضر هذا التغيُّر في الانطباعات والمواقف طيفَ نظرية نشأت في علم النفس الاجتماعي، وهي "نظرية التمثلات الاجتماعية" التي بلورها سيرج موسكوفيتشي (Serge Moscovici) (1925-2014)، في الستينات والسبعينات من القرن العشرين، عندما كان مديرًا للمختبر الأوروبي لعلم النفس الاجتماعي، الذي شارك في تأسيسه في "معهد العلوم الإنسانية" بباريس عام 1974.
ويمكن تعريف التمثلات الاجتماعية بأنها "أنظمة من الآراء والمعارف والمعتقدات" الخاصة بثقافة ما، أو فئة اجتماعية، أو مجموعة معينة فيما يتعلق بالأشياء الموجودة في البيئة الاجتماعية(8). ويعدها موسكوفيتشي أشكالًا رمزية تنشأ من خلال التواصل بين الأفراد ووسائل الإعلام، وينطوي نَسْجُها على عمليات صُنْع المعنى الجماعي التي تؤدي إلى تكوين تصورات مشتركة تُنْتِج روابط اجتماعية تُوَحِّد الجماعات والمنظمات والمجتمعات، وتركز على الظواهر التي تصبح "محطَّ نقاش ومشاعر قوية ونزاعات وصراع أيديولوجي؛ مما يُغيِّر التفكير الجمعي في المجتمع"(9) من منطلق حَرَكي غير جامد، يُظْهِر التمثيل الاجتماعي بمنزلة "شبكة" من الأفكار والاستعارات والصور مترابطة بدرجات متفاوتة من التراخي(10).
على غرار هذه التمثلات الاجتماعية، تهتم عدة نظريات تُعْنَى بقوة تأثير الإعلام بشكل متزايد في تطور الأفراد والمجتمعات بين قرن وآخر. ويوضح أحد مُنظِّري التحليل النقدي للخطاب، تون فان ديك(Teun van Djik) ، كيف أن هذه النظريات تنتبه إلى أن الخطاب وأوجه التواصل قد يتخذان أشكالًا متعددة ومتنوعة. وقد يُسيطر الفاعلون الاجتماعيون الأكثر نفوذًا على الخطاب من خلال "تحديد أو اختيار الزمان والمكان، والمشاركين، والجمهور، والأفعال الكلامية المحتملة (مثل الأوامر أو الطلبات)، والجداول الزمنية، والموضوعات، واختيار اللغة، والأسلوب، وإستراتيجيات المجاملة أو الاحترام، والعديد من الخصائص الأخرى للنصوص والمحادثات"(11).
ويمكن اختزال مفهوم التَمَثُّل الاجتماعي في نظام من القيم والأفكار والممارسات ذي وظيفة مزدوجة: أولًا: تحديد بوصلة تُمكِّن الأفراد من التوجه في عالمهم المادي والاجتماعي وإتقان التعامل معه. وثانيًا: تمكين التواصل بين أفراد المجتمع من خلال توفير رمز للتبادل الاجتماعي وآخر لتسمية وتصنيف مختلف جوانب عالمهم وتاريخ جماعتهم بشكل واضح(12). ومن ثم، تُشكِّل التمثلات الاجتماعية الطرقَ التي يُفَكِّر بها الأفراد، ويتفاعلون مع الآخرين، ويُشكِّلون الموضوعات الاجتماعية في تفاعلهم مع العالم المحيط بهم. وتنطلق هذه النظرية من فرضية أن علم النفس الاجتماعي، من نواحٍ عديدة، يقوم على دراسة للواقع الاجتماعي، أي يتعامل مع التفسيرات التي يلجأ إليها الأفراد تلقائيًّا لفهم العالم من حولهم. ويسعى الفرد لإيجاد معنى للأحداث والسلوكيات والأفكار والتفاعلات مع الآخرين، كما يبحث عن قدر من الاتساق والاستقرار في محيطه(13). ولذلك تستند النظرية إلى فكرة البنائية(Constructivism) التي تتكوَّن لدى الأفراد من أنهم هم من يُحدِّدون مفاتيح وعيهم ويُركِّبون مستويات إدراكهم لفهم العالم، من خلال تفاعلهم مع الآخرين عندما تتلاقى التصورات والأحاديث وتتغيَّر الانطباعات والخلاصات. فهي تنبع بشكل جماعي من خلال عملية تواصل أكثر شمولية، وتُتِيح التبادل بين الأفراد والتعرض للاتصال الجماعي لأعضاء المجموعة و"مشاركة العناصر التي ستُشكِّل تَمثُّلًا اجتماعيًّا"(14).
ويرتبط تأصيل هذه النظرية بكتابات عالم الاجتماع الألماني، ماكس فيبر (Max Weber)، في بداية القرن العشرين، عندما اهتمَّ بالبحث في أصل التصورات ضمن "إطار مرجعي" و"مُتَّجِه إلى الفعل الفردي". ووصف المعرفة المشتركة بأنها تمتلك القدرة على توقع وتحديد سلوك الأفراد(15). بيد أن التأصيل الأساسي يُعْزَى إلى اجتهادات عالم الاجتماع الفرنسي، إيميل دوركهايم (Emile Durkheim) (1858- 1917)، الذي وظَّفَها في تفسير أكثر الظواهر الاجتماعية تنوعًا. وكان تصوره لهذه التمثلات على مستويين: أولًا: تمييز التمثلات الجماعية عن التمثلات الفردية، التي تتسم بتغيُّرها الشديد وطابعها العابر الزائل بوتيرة تدفق مستمر، بينما تنمو التمثلات الجماعية خارج نطاق التحوُّل ولا شخصية لها. ثانيًا: تستند التمثلات الفردية إلى الوعي الفردي بوصفه ركيزة لها، بينما تجد التمثلات الجماعية أساسها في نسيج المجتمع بأسره(16).
وتُقدِّم التمثيلات الاجتماعية معايير لتقييم البيئة الاجتماعية التي تُتِيح تحديد أو تبرير أو إضفاء الشرعية على سلوكيات معينة. وبجمع هذه العناصر معًا، عَرَّف موسكوفيتشي مفهوم التمثيل الاجتماعي في عمله الأول المخصص لصورة ونشر نظرية التحليل النفسي في فرنسا في منتصف القرن العشرين. وأثناء دراسته للطريقة التي تتحوَّل بها النظرية العلمية إلى نظرية من قبيل الحس المشترك، رسم الملامح الأولى لما سيُعْرَف فيما بعد بنظرية التمثيلات الاجتماعية، التي لم يتراجع نجاحها منذ ذلك الحين(17). وكان هدف موسكوفيتشي دراسة تحويل شكل من أشكال المعرفة العلمية إلى نظام مركَّب من الآراء وتفسير الواقع، خاصة في كتابه "فضيحة الفكر الاجتماعي" (Le Scandale de la Pensée Sociale) الصادر عام 2013. وقد صاغ نظريته حول ديناميكيات تشكيل المعرفة والتفكير الاجتماعي من خلال التواصل والفعل الذي تقوم به جماعات متجذرة في سياقات تاريخية وثقافية.
وتعزَّزت نظرية التمثلات الاجتماعية أيضًا باجتهاد عالم النفس الأميركي البولندي، سولومون آش (Solomon Asch) (1906- 1997) الذي بلور أطروحة ترى أن بعض الإدراكات تقوم بدور محوري في تكوين انطباعاتنا عن الآخرين ضمن أعماله المبكرة عام 1946(18). وركز على دراسة كيفية تكوين الانطباع، والإيحاء بالمكانة الاجتماعية، والامتثال، والعديد من الموضوعات الأخرى. ويتمحور عمله حول فكرة رئيسية مما يُعْرَف بـ"علم النفس الجشطالي" (Gestalt Psychology)، ويقوم على فرضية أن الكل ليس فقط أكبر من مجموع أجزائه، بل إن طبيعة الكل تُغَيِّر الأجزاء تغييرًا جوهريًّا. ويقول آش: "ينبغي فهم معظم الأفعال الاجتماعية في سياقها، وإلا فإنها تفقد معناها. ولا يوجد خطأ في التفكير بالحقائق الاجتماعية أكثر خطورة من الفشل في رؤية مكانتها ووظيفتها"(19). وتتعاون هذه المدرسة في علم النفس مع نظرية التكوين (Configurationism)، التي تركز على معالجة الأنماط والتكوينات برمتها، وليس فقط المكونات الفردية. وقد نشأت في أوائل القرن العشرين في النمسا وألمانيا لمقاومة المبادئ الأساسية لعلم النفس العنصري والبنيوي الذي بلوره ويلهلم وونت (Wilhelm Wundt) وإدوارد تيتشنر(Edward Titchener).
لقد عزَّز مُنظِّرون آخرون التقاطع بين القناعة الفردية والسياق الاجتماعي، ومنهم فريتز هايدر (Fritz Heider) الذي اعتبر أن الأفراد يسعون للحفاظ على درجة من التناسق في طريقة إدراكهم وتقييمهم لعناصر بيئتهم الاجتماعية(20). واقترح مُنظِّر آخر وجود مبدأ التماسك المعرفي الذي يدفع الأفراد إلى السعي لتحقيق تناغم معين بين مختلف المعارف التي يمتلكونها عن أنفسهم. ويؤدي عدم الاتساق بين هذه المعارف إلى حالة من التنافر المعرفي تدفع الفرد لبذل جهود عقلانية تستهدف استعادة التماسك في منظومته المعرفية(21).
شكل (2) يوضح عدد الدراسات المنشورة في المجلات العلمية وشملت في عناوينها أو كلماتها الافتتاحية عبارة "تمثلات اجتماعية" بين 1962 و2020(22)

إذن، نشأت هذه النظرية في حقل علم النفس الاجتماعي، وامتدت إلى دراسات الإعلام والاتصال، وتكتسب انتشارًا واسع النطاق حاليًّا في بقية العلوم الاجتماعية؛ لأن المسلَّمات الأولية التي صاغها موسكوفيتشي كانت مرنة نسبيًّا؛ مما أتاح إمكانية تكييفها مع مشكلات بعيدة إلى حدٍّ كبير عن تلك التي يتعامل معها علم النفس الاجتماعي عادة(23). ويوضح الشكل رقم (2) كيف انفتح الباحثون في شتى العلوم الاجتماعية والإنسانية على توظيف هذه النظرية بعدما نشر موسكوفيتشي كتاباته بين 1961 و1976، ومنها كتاب: "التحليل النفساني: صورته وجمهوره" (La Psychanalyse Son Image et Son Public)، وكتابه الأخير عام 2013 بعنوان :"فضيحة الفكر الاجتماعي". وكانت الدراسات التي نشرتها المجلات العلمية وتشمل في عناوينها أو كلماتها الافتتاحية "تمثلات اجتماعية" بين 25 و63 في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، قبل أن يرتفع العدد إلى 4416 أواخر العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.
نفوذ الإعلام وبناء الوعي الذاتي والتمثلات الواقعية
تعكس نتائجُ استطلاعات الرأي العام العالمي خلاصات التقارير الدولية حول ارتكاب إسرائيل أفعال الإبادة الجماعية، ومنها استطلاع مركز الدراسات السياسية الأميركية في جامعة هارفارد ومؤسسة هاريس، ومؤسسة بروكينغز (Brookings) ، ومركز بيو للأبحاث (PEW)، ومؤسسة غالوب(Gallup) ، واستطلاع نيويورك تايمز/سينا (New York Times/Siena poll)، ومنظمة العفو الدولية (Amnesty International). وتنتج عن هذه المتغيرات تمثلات اجتماعية مغايرة لما كان من قبل، وترتبط بمحتوى التفكير اليومي ومجموعة الأفكار التي تُعْطِي تماسكًا للمعتقدات الدينية والأفكار السياسية والروابط التي يُكَرِّسُها الأفراد بتلقائية. ويقول موسكوفيتشي: إن هذه التمثلات "تُمكِّننا من تصنيف الأشخاص والأشياء، ومقارنة السلوكيات وتفسيرها، وتجسيدها جزءًا من محيطنا الاجتماعي. بينما توجد التمثيلات غالبًا في أذهان الرجال والنساء، ويمكن العثور عليها بنفس القدر "في العالم"، ومن ثم يمكن دراستها بشكل منفصل"(24).
ويبدو أن المجتمع الأميركي أصبح، أكثر من غيره من المجتمعات الغربية، ميدانَ تفاعل غير مسبوق حول تقييم وتصنيف سلوك إسرائيل وحماس وبقية الأطراف المعنية بالصراع الفلسطيني-الإسرائيلي في ضوء تفاعل حصيلة جديدة من التمثلات الاجتماعية. ويشهد السجال المحتدم بين الأميركيين كعينة تركز عليها هذه الدراسة باعتبار أن الولايات المتحدة تُعَد الحليف الأكثر دعمًا ومناصرة لسياسات نتنياهو حاليًّا، بما يصل إلى معركة السرديات وتغيُّر التمثلات الاجتماعية وحصافة نظرية أخرى بين دراسات الإعلام وعلم النفس الاجتماعي والإبستمولوجيا (نظرية المعرفة) هي نظرية نفوذ الإعلام أو الأَعْلَمَة (Mediatization theory). وبقدر ما اعتمدت إسرائيل تاريخيًّا على دور الإعلام وإنتاجات هوليود لترسيخ صورة "إيجابية" عنها في أذهان العالم، يبدو أن تَحَرُّر الإعلام من قبضة الشركات، وجماعات الضغط لصالح خيارات الفرد فيما يُتابع في وسائل الإعلام الجديد والمنصات الرقمية المختلفة، قد أحدث تحولًا هائلًا في صناعة تمثلات إسرائيل حسب المقاس. وكلما انتشرت نظرية نفوذ الإعلام في تحليل ما يحدث حاليًّا حضرت الحرية في تركيب الوعي الذاتي والتمثلات الواقعية بعد نهاية حقبة الاستقطاب وسيطرة الخطاب الواحد المدعوم ماليًّا وسياسيًّا ورقابيًّا بمسوغات "معاداة السامية" و"كراهية" اليهود.
ومهما كانت القوة الرمزية لوسائل الإعلام، فإن بعض مستخدميها على الأقل -كما يرى فان ديك- يكونون قادرين عمومًا على مقاومة هذا النوع من الإقناع. وهذا يُشير إلى أن "السيطرة العقلية من قِبَل الإعلام يجب أن تكون فعَّالة بشكل خاص عندما لا يُدْرِك المستخدمون طبيعة أو تداعيات هذه السيطرة، وعندما يُغيِّرون آراءهم بمحض إرادتهم، وعندما يقبلون التقارير الإخبارية باعتبارها صحيحة، أو أن الآراء الصحفية شرعية أو صائبة. ويتطلَّب مثل هذا التحليل للقوة الاجتماعية وأبعادها الرمزية تجاوز النهج الاجتماعي أو السياسي الضيق للسلطة"(25). وتهتم نظرية نفوذ الإعلام بدراسة التغيُّرات المجتمعية في الشعوب الحديثة المتقدمة المعاصرة، ودور وسائل الإعلام والاتصال التي تتوسط في هذه التحولات. ومن ثم، تؤثر في جميع مجالات الحياة الاجتماعية والثقافية تقريبًا في المرحلة المتأخرة من حقبة الحداثة(26). وتعتمد النظرية منطلقًا تحليليًّا يتبنَّى إعادة البناء للتحولات المعاصرة المرتبطة بالإعلام، إلى جانب التحولات الاجتماعية الموازية في الحياة اليومية والثقافة والمجتمع. ولا تركز بشكل حصري على الإعلام ذاته، بل تسعى إلى إعادة بناء ما حدث من منظور الأفراد المتواصلين والفاعلين الاجتماعيين الآخرين(27). لكن الأهم هو أن نظرية النفوذ الإعلامي أو الأعْلَمَة تسترعي الانتباه إلى ثلاث مسائل أساسية: أولًا: تأثير "منطق معين" يتوالد تلقائيًّا من استهلاك الإعلام، بوصفه آلية محركة وراء عمليات تكريس نفوذ الإعلام ويصبح "منطق الإعلام" (Media Logic). وعندما تتحوَّل العناصر الأساسية لنشاط اجتماعي أو ثقافي إلى شكل إعلامي في خضم هذه التحولات(28)، فإن النشاط يُمَارَس بدرجة أكبر أو أقلَّ من خلال "التفاعل مع وسيط إعلامي؛ إذ يتأثر المحتوى الرمزي وبنية النشاط الاجتماعي والثقافي ببيئات الإعلام ومنطقها، الذي يصبحون معتمدين عليه تدريجيًّا"(29).
ويوضح فان ديك كيف أن قوة الإعلام رمزية وإقناعية في جوهرها، بمعنى أن وسائل الإعلام تملك في المقام الأول القدرة على التَّحَكُّم إلى حدٍّ ما في عقول القرَّاء أو المشاهدين، لكن ليس في أفعالهم بشكل مباشر. وباستثناء حالات القوة الجسدية القسرية، فإن التَّحَكُّم في الأفعال، الذي عادةً ما يكون الهدف النهائي لممارسة السلطة، يتم بشكل غير مباشر في الغالب، في حين أن التَّحَكُّم في النوايا والخطط والمعتقدات أو الآراء، أي التمثلات الذهنية التي تُراقب الأنشطة الظاهرة، يُفترض مسبقًا(30).
ويؤكد مُنَظِّر دراسات الاتصال، نورم فريسن (Norm Friesen)، أن "وسائل الإعلام لا توفر شرطًا ضروريًّا للمعرفة في الممارسة اليومية، بوصفها أنظمة دلالية فحسب، بل وتُشكِّل أيضًا ما يمكن معرفته وحتى التفكير فيه"(31). وتُقدِّم عملية نفوذ الإعلام للأفراد والمجتمعات مجموعة من الأدوات ذات التأثير الأقصى على حواس البصر والسمع والخيال، بل وحتى على طرق التفكير وتصور وجهات النظر الجديدة. لقد أظهر المحتوى التليفزيوني والاتصال التفاعلي اتجاهًا متزايدًا نحو الحتمية الإعلامية في تشكيل ما يُعيد معظم الأفراد بناءه في أذهانهم، أو يُعبِّرون عنه أفكارًا، أو يصوغونه آراءً، أو يدافعون عنه مواقف.
ويُشير علماء اجتماع آخرون، مثل زيغفريد شميت (Siegfried Schmidt)، إلى ضخامة هذا التلقين الذاتي في العصر المؤثر إعلاميًّا. ويجادل بأنه بمجرد إدراكنا أنه لا توجد محتويات خارج نطاق الوسائط، يتعيَّن أن نقبل أن "البحث في الإعلام يجب أن يستثمر عمدًا في كل إمكانيات الملاحظة والوصف التي تُتيحها جميع وسائل الإعلام والتواصل"(32). ومع ذلك، لا ينبغي تفسير نفوذ الإعلام بوصفه مفهومًا تقنيًّا بحتًا، بل أيضًا كتغيرات في طريقة تواصل الأفراد أثناء بناء واقعهم الداخلي والخارجي بالاستناد إلى الوسائل.
وتكمن المسألة الثانية في أن هذه النظرية تختزل آلية تحول تاريخي قد يغيب على الكثيرين التأمل في مدى تأثيره. وهناك من يُصنِّف تأثير الإعلام الجديد والرقمي في مصاف التطورات التاريخية الكبرى التي تُمثِّل "عمليات فوقية"، مثل التحديث، والنزعة التجارية، والعولمة، وهي عمليات تنم عما يؤثر في تَشَكُّل الديمقراطية والمجتمع والثقافة والسياسة وغيرها من شروط الحياة على المدى البعيد(33). ومن ثم، تركز النظرية على كيفية تعاظم تأثير وسائل الإعلام في عدد من الجوانب المختلفة، كنظرية عامة "لا تركز على السياسة فحسب، بل وأيضًا يتم تصورها بأنها على قدم المساواة مع العمليات الكبرى الأخرى في التغير المجتمعي"(34).
وتَبْرُز المسألة الثالثة في أن هذه النظرية تنشط أكثر في مجال علم اجتماع الإعلام. ومن خلال تطوير هذا الحقل المعرفي يمكن قياس نفوذ الإعلام في المجتمع؛ إذ إن ثمة "عملية يخضع فيها المجتمع بدرجة متزايدة لوسائل الإعلام ومنطقها، أو يصبح معتمدًا عليها. وتتسم هذه العملية بثنائية تتمثَّل في أن وسائل الإعلام أصبحت متكاملة مع عمل المؤسسات الاجتماعية الأخرى، بينما اكتسبت في الوقت ذاته وضعًا كمؤسسات اجتماعية مستقلة بذاتها. ونتيجة لذلك، فإن التفاعل الاجتماعي، سواء داخل المؤسسات ذاتها، أو بين المؤسسات المختلفة، أو في المجتمع برمته، يتم عبر وسائل الإعلام"(35).
مقارنة بنظرية نفوذ الإعلام، تكتسي نظرية التمثلات الاجتماعية أهمية خاصة في باب "التسمية" و"التموقع" (أو التموضع). "وعندما يُعايش الأفراد أحداثًا جديدة أو ظواهر لم يستوعبها فَهْمُهُم من قبل، فإنهم"يُجمعون تدريجيًّا على الاصطلاح عليها بتسمية معينة. ومن ثم، ينتشلونها من غموضها المقلق لِيَمْنَحُوها سلالةً نَسَبية ويُدرجونها ضمن نسيج كلمات محددة، أي يُحدِّدون موقعها ضمن مصفوفة الهوية في ثقافتهم"(36). وتكمن فكرة التموقع في أن دينامية التمثلات الاجتماعية وأيضًا نفوذ الإعلام تجعل المجهول معروفًا عبر تحويله إلى شيء ملموس يمكننا إدراكه بالحواس. هو نوع من تجسيد الأفكار المجردة، والذي يحدث أحيانًا، لاسيما في وسائل الإعلام، عبر تصوير هذه الأفكار ظواهر مادية موجودة في العالم المحسوس "ما يُدْرَك يَحلُّ محلَّ ما يُتَصَوَّر"(37).
2. مؤشرات الإبادة الجماعية بمنهج التثليث
أبلغ أحد مسؤولي الخدمات الإنسانية في الأمم المتحدة، راميش راجاسينغهام، أعضاء مجلس الأمن بأن الوضع في قطاع غزة "لم يَعُد مجرد أزمة جوع تلوح في الأفق، بل هو مجاعة واضحة وبسيطة"(38). وقدَّر أليكس دي وال (Alex de Waal)، الخبير في دراسة المجاعات، أن آلاف الأطفال في غزة أصبحوا الآن ضعفاء للغاية لدرجة أنهم لا يستطيعون تناول الطعام حتى لو توافر لهم. ووصلوا مرحلة "سوء التغذية الحاد الشديد؛ إذ لم تَعُد أجسادهم قادرة على هضم الطعام"(39). وفي مؤتمر صحفي في مقر الأمم المتحدة، منتصف سبتمبر/أيلول 2025، صرَّحت المقررة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، فرانشيسكا ألبانيز، أن غزة هي "عارُ زَمَنِنَا.. وأن لا مكان آمنًا للفلسطينيين، ولا مكان آمنًا للقانون الدولي تحت هذا الاحتلال الوحشي. وراء كل إحصائية حياة بشرية، وقصة قُطعت قبل أوانها، وعائلة مُحَطَّمَة. سيدوم الألم والحزن لأجيال. وفي الوقت ذاته، يُواصل الكثير من الدول إغماض أعينها، وتطبيع المعاناة، بل والاستفادة منها. فتجارة الأسلحة والعلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل لا تزال مستمرة دون هوادة"(40).
وقالت رئيسة وزراء الدنمارك، ميتي فريدريكسن، التي كانت تتولَّى رئاسة الاتحاد الأوروبي، في 16 أغسطس/آب 2025: إن نتنياهو "أصبح مشكلة بحدِّ ذاته"(41). وتعهَّدت بأن كوبنهاغن ستدعم فرض عقوبات "سواء ضد المستوطنين أو الوزراء أو حتى إسرائيل برمتها". وبعد عشرة أيام، وقَّع 209 من السفراء والمسؤولين الأوروبيين السابقين على رسالة مفتوحة تُطالِب "بفرض مجموعة من العقوبات على إسرائيل"(42).
ويتأكد قيام إسرائيل بأفعال الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين في التقرير الجديد للرابطة الدولية لعلماء الإبادة الجماعية الذي أعلنت فيه أن "سياسات وإجراءات إسرائيل في غزة تُشكِّل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية كما هي مُعَرَّفَة في القانون الإنساني الدولي ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية"(43). ودعت الحكومة الإسرائيلية إلى "الكفِّ فورًا عن جميع الأفعال التي تُشكِّل إبادة جماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحقِّ الفلسطينيين في غزة، بما فيها الهجمات المتعمدة ضد المدنيين وقتلهم ومن بينهم الأطفال والتجويع وحرمان السكان من المساعدات الإنسانية والمياه والوقود وغيرها من المواد الأساسية لبقائهم على قيد الحياة والعنف الجنسي والإنجابي والنزوح القسري للسكان"(44).
وعَزَتِ الرابطة دواعي قرارها بشأن تحميل مسؤولية الإبادة الجماعية إلى إسرائيل إلى عدة عوامل من أهمها: 1) أن إسرائيل أجبرت تقريبًا جميع الفلسطينيين البالغ عددهم 2.3 مليون في قطاع غزة على النزوح عدة مرات، ودمَّرت أكثر من 90% من البنية التحتية السكنية في المنطقة، 2) أن عواقب هذه الجرائم شملت تدمير عائلات بأكملها وأجيال متعددة من الفلسطينيين، 3) أن إسرائيل دمَّرت المدارس والجامعات والمكتبات والمتاحف وسجلات الأرشيف، وكلها أساسية لاستمرار الرفاهية الجماعية والهوية الفلسطينية، و4) أن إسرائيل قتلت أو أصابت أكثر من 50 ألف طفل، وأن هذا التدمير لجزء كبير من مجموعة بشرية يُشكِّل إبادة جماعية. كما أكد ذلك إعلان تدخل مشترك في قضية محكمة العدل الدولية لغامبيا ضد ميانمار من قِبَل ست دول: كندا، والدنمارك، وفرنسا، وألمانيا، وهولندا، والمملكة المتحدة، الذي ينص على أن "الأطفال يُشكِّلون جزءًا كبيرًا من المجموعات المحمية بموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية، وأن استهداف الأطفال يُعَد مؤشرًا على نية تدمير المجموعة برمتها، على الأقل جزئيًّا. فالأطفال أساسيون لبقاء أي مجموعة، وأن التدمير المادي للمجموعة مؤكد عندما تعجز عن تجديد نفسها"(45).
إذا جُمِعَت هذه المعطيات ضمن رؤية تركيبية، يبدو أن الحرب على غزة تُمثِّل ذروة اعتماد إسرائيل على القوة العسكرية بشكل مطلق في تاريخ وجودها منذ سبعة وسبعين عامًا. ويُظْهِر استطلاع للرأي، أُجْرِيَ في مارس/آذار 2025، تَمَثُّلات الإسرائيليين لما تقوم به حكومة نتنياهو. فقد أيَّد 82% منهم التطهير العرقي للفلسطينيين في غزة. وكشف استطلاع سابق، في يونيو/حزيران 2024، أن 70% من الإسرائيليين اليهود كانوا يعتقدون أن المستوطنات إما تُساعد الأمن القومي أو لا تتعارض معه(46). ومن مفارقات التاريخ أن تيودور هرتزل (Theodor Herzl)، الذي يُعد أبا الصهيونية الحديثة، خطَّط للتواصل مع المستعمر البريطاني الشهير، سيسيل رودس (Cecil Rhodes)، الذي قاد الاستعمار البريطاني لجنوب إفريقيا، طلبًا للنصيحة والموافقة على خُطَّته لاستعمار فلسطين. أما اليوم، فلا توجد قوة سياسية رئيسية في إسرائيل، كما يلاحظ بعض المراقبين، تنظر إلى "ما هو أبعد من التطبيق المباشر للقوة العسكرية العارية للحفاظ على أنشطة الاستعمار وحمايتها. وليست هذه العقلية حكرًا على السياسيين فحسب، بل هي قناعة واسعة الانتشار بين الجمهور الإسرائيلي"(47).
ويُشير يوسي ألفر (Yossi Alpher)، وهو محلِّل مستقل للشؤون الأمنية وشغل منصب مدير مركز جافي للدراسات الإستراتيجية في جامعة تل أبيب سابقًا وكان مسؤولًا رفيعًا في جهاز الموساد، إلى أن "قدرات جيش الدفاع الإسرائيلي على تسوية مدن كاملة في قطاع غزة بواسطة جرافات "د-9" (D-9) الضخمة، ونقل مئات الآلاف من المدنيين الغزاويين إلى ما يُشْبِه "مدينة إنسانية" ناشئة، وما شابهها من ابتكارات، لا تزيد إلا في تعقيد المعضلة الإسرائيلية. ويبدو أنها تعكس غيابًا مقلقًا للتفكير الإستراتيجي لدى جيش الدفاع الإسرائيلي فيما يتعلق بقطاع غزة... ومستقبلًا، لا تزال إسرائيل تفتقر إلى إستراتيجية قابلة للتطبيق تجاه غزة"(48).
3. توالد التمثلات الذهنية المغايرة وتحولات الرأي العام الأميركي
ذكَّرت اللجنة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في الأراضي الفلسطينية المحتلة ببعض تصريحات بنيامين نتنياهو ومسؤولين إسرائيليين وظَّفُوا، في خطابهم إلى الجيش والرأي العام الإسرائيلي، تمثلات تاريخية قديمة بشكل يُحرِّض على ضرورة "الانتقام المُتَخَيَّل"، وأَلْهَمُوا جنودهم برفع مستوى العنف وأفعال الإبادة الجماعية للفلسطينيين في غزة وتبريره بمسوغات تلمودية. مثال ذلك أن نتنياهو استحضر، في خطاب عبر شاشات التليفزيون، يوم 28 أكتوبر/تشرين الأول 2023، قصة "العماليق" لتوظيفها في التحريض قائلًا: "يجب أن تتذكَّروا ما فعله العماليق بكم، كما يقول كتابُنا المقدس. ونحن نتذكَّر ونحن نقاتل... قواتُنا الباسلة لديها هدف رئيسي واحد: هزيمة العدو القاتل تمامًا وضمان وجودنا في هذا البلد. لطالما قلنا: لن يتكرر هذا. لن يتكرر الآن". وبالمثل في رسالة إلى الجنود والقادة الإسرائيليين، يوم 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، جدَّد نتنياهو دعوته: "تذكَّروا ما فعله العماليق بكم... هذه حرب بين أبناء النور وأبناء الظلام. لن نتراجع عن مهمتنا حتى ينتصر النور على الظلام"(49). وكان وزير الدفاع آنذاك، يوآف غالانت، قد أعلن، في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2023، فرض حصار كامل على غزة، مُدًّعِيًا أن إسرائيل تُقاتل "حيوانات بشرية" ويجب أن "تتصرف وفقًا لذلك"(50).
ويعزو كتاب التوراة الذي يُفصِّل عادة في بيان أنساب الأقوام والقبائل السامية، العماليق إلى ذرية عيسو: "وَكَانَتْ تِمْنَاعُ سُرِيَّةً لِأَلِيفَازَ بْنِ عِيسُو، فَوَلَدَتْ لِأَلِيفَازَ عَمَالِيقَ". وكان هؤلاء العمالقة يسكنون في جنوب فلسطين، وجاء في سفر التوراة عن منازلهم: "العَمالقةُ مُقيمونَ أرضِ الجنوبِ، والحِثِيُونَ واليـبوسيُونَ والأموريُونَ مُقيمونَ بِالجبَلِ، والكنعانيُونَ مُقيمونَ عِندَ البحرِ وعلى مَجرى الأُردُنِ" (سفر العدد 13/29). ويوضح القرآن الكريم قصة العماليق على الشكل التالي: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَ فِيهَا قَوْمًا جَبَارِينَ وَإِنَا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَا دَاخِلُونَ﴾ المائدة، الآية 22.
وتأخذ نظريتا التمثلات الاجتماعية ونفوذ الإعلام، بالحسبان المسار الأنثروبولوجي للتاريخ والدين والثقافة في ترميم السرديات والخطاب العام بين الأزمنة، وتتقاسمان فرضية عدم الجمود أو الاستقرار في تَشَكُّل الانطباعات والتأويلات والمواقف، بل هي "أفكار متحركة" تتطور من خلال التواصل داخل المحيط المجتمعي للفرد وضمن سياق ارتباطه اليومي بالوسائل والمنصات الرقمية المختلفة(51). وتُفسِّر هاتان النظريتان كيف تغيَّرت وتتغيَّر قناعات الكثيرين في دول العالم بأن إسرائيل "قامت بأعمال إبادة جماعية" في غزة.
ويوضح الشكل رقم (3) نتائج استطلاع جامعة هارفارد ومؤسسة هاريس بشأن مدى انقسام المستجوبين الأميركيين حول بواعث حرب الإبادة الجماعية التي شنَّتها إسرائيل في غزة، وأيضًا مدى اليقين بأنها كانت ترتكب إبادة جماعية في استطلاع أغسطس/آب 2025. وحول سؤال ما إذا كان الأميركيون يعتقدون أن أسباب انتقاد إسرائيل على سلوكها في الحرب تُعْزَى إلى المشاعر المعادية للسامية (بنسبة 49%) أم إلى القلق على حقوق الإنسان الفلسطيني (بنسبة 51%)، جاءت النتائج متقاربة باختلاف واحد في المئة (1%). وتقاربت النتائج أيضًا على الوتيرة ذاتها بشأن سؤال آخر: "هل تعتقد أن إسرائيل تقوم بأعمال إبادة جماعية في غزة أم لا؟" فقد تساوت مواقف المستجوبين بنسبة 50% لكل من الجوابيْن المحتمليْن في أغسطس/آب 2025، بعدما كانت بنسبة 34% في يناير/كانون الثاني 2024(52).
شكل (3): انقسام المستجوبين حول انتقاد إسرائيل والإبادة الجماعية في غزة

وفي استطلاع سابق، أُجْرِي في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أظهرت النتائج أن أغلبية الأميركيين بنسبة 51% لا يعتقدون أن إسرائيل تحترم الاتفاقية لتبادل الرهائن الإسرائيليين والأسرى الفلسطينيين، مقابل موافقة 49%. وحول سؤال مماثل: "هل تعتقد أن حماس تحترم الاتفاقية حتى الآن أم لا؟"، تباينت الآراء بين 64% من غير المقتنعين و34% من الموافقين(53). وجسَّدت نتائج استطلاع أغسطس/آب 2025 ضمن الشكل رقم (4) تباينًا في مواقف الأميركيين في تقييم سلوك كل من إسرائيل وحماس. ويتضح أن نسبة 49% وافقت على إجراءات إسرائيل في قطاع غزة، فيما عارضته نسبة 51%. لكن نسبة الفرق كانت بشأن سلوك حماس التي تُعارضها أغلبية 77%، وتؤيدها نسبة 23%(54).
شكل (4): تقييم الأميركيين لسلوك إسرائيل وحماس

في الوقت ذاته، أظهر استطلاع للرأي منفصل أجراه مركز استطلاعات قضايا حيوية، في جامعة ميرلاند، أن 47% من الأميركيين الذين تتراوح أعمارهم بين الثامنة عشرة والرابعة والثلاثين، يرون أن أفعال إسرائيل تُشكِّل "إبادة جماعية أو شبيهة بالإبادة الجماعية"، مقارنة بنسبة 10% فقط يعدونها "أفعالًا مُبَرَّرَة في إطار حقِّ الدفاع عن النفس". وكما يتضح في الشكل رقم (5)، أبرزت نتائج الاستطلاع فجوة كبيرة بين الجمهوريين الأصغر والأكبر سنًّا؛ إذ يرى 52% من الجمهوريين الذين تبلغ أعمارهم 35 عامًا فأكثر أن أفعال إسرائيل "مُبَرَّرَة"، فيما لا تُوافق على ذلك سوى نسبة 22% ممن تقلُّ أعمارهم عن 35 عامًا. وتكشف المقارنة بين استطلاعيْ أغسطس/آب 2024 ومارس/آذار 2025 أن عدد الأميركيين الذين يعدون أفعال إسرائيل "إبادة جماعية أو شبيهة بها" شهد ارتفاعًا كبيرًا من 23% قبل عام إلى 41% في الاستطلاع الجديد، بينما انخفض عدد الذين يعدون هذه الأفعال "مُبَرَّرَة" من 28% عام 2024 إلى 22% صيف 2025(55).
شكل (5): آراء الأميركيين في الأعمال العسكرية الإسرائيلية في غزة

يتعاظم النقاش أيضًا بين حدِّين على طرفيْ نقيض: هل "تتفادى إسرائيل استهداف المدنيين في الصراع"، ومن ثم "لا ترتكب إبادة جماعية" أم أن هناك نية في الاتجاه المعاكس؟ ويوضح الشكل رقم (6) تباين مواقف الأميركيين؛ إذ يؤيد 69% منهم أن "إسرائيل تحاول ألا تُحدث إصابات بين المدنيين في حربها ضد حماس" بنسبة 69%، فيما تعتقد نسبة 31% أن "إسرائيل لا تتفادى المدنيين". في المقابل، جاءت الردود على سؤال حول ما إذا كانت "تقوم بالإبادة الجماعية ضد أولئك الأفراد في غزة أم تدافع عن نفسها وتقضي على حماس" قريبة من نتائج السؤال الأول. لذلك تنعكس النتيجة السابقة بشكل متقارب بين الأغلبية بنسبة 66% ممن يعتقدون أن "إسرائيل تدافع عن نفسها وتحاول القضاء على حماس"، والأقلية بنسبة 34% ممن ترسخت لديهم القناعة بأن "إسرائيل تقوم بأعمال الإبادة الجماعية"(56).
شكل (6): آراء المستجوبين حول ما إذا كانت إسرائيل تتفادى استهداف المدنيين وارتكاب أعمال إبادة جماعية

وتُشير عدة منظمات دولية، ومنها برنامج الغذاء العالمي ومنظمة العفو الدولية، إلى حدوث مجاعة بين الفلسطينيين بسبب سياسة التجويع التي تعتمدها إسرائيل. وتوصلت دراسة قام بها خبراء منظمة العفو إلى أن تدمير إسرائيل للأراضي الأكثر خصوبة في غزة، حيث يتم عادة إنتاج موارد الغذاء للسكان المحليين، ينبغي النظر إليه على أن "إسرائيل تستخدم التجويع أداةً من أدوات الحرب". وضربت المنظمة مثالًا على إغلاق إسرائيل عمدًا منافذ إيصال المواد الغذائية من خارج القطاع بأن منعت وصول شاحنات الأغذية والمواد الإنسانية الأخرى لمدة سبعة وسبعين يومًا ابتداء من اليوم الثاني في شهر مارس/آذار 2025(57).
وتُسْهِم مثل هذه النتائج والمؤشرات الدولية في توالد تمثلات ذهنية مغايرة لما سبق، ومن ثم تنعكس في تحوُّل مهم في قناعات الأميركيين المستجوبين ضمن استطلاع جامعة هارفارد ومؤسسة هاريس. ويستعرض الشكل رقم (7) تباين تلك التمثلات بشأن حدوث مجاعة في قطاع غزة ومن يتحمل المسؤولية. وتعتقد الأغلبية بنسبة 69% بأن المجاعة أمرٌ واقعيٌّ يحدث بالفعل في غزة، ويُعاني السكان من آثاره وتداعياته، فيما تُشكِّك الأقلية بنسبة 31%. في المقابل، يختلف تحديد الجهة المسؤولة عن تلك المجاعة بين الأغلبية التي تُحمِّل المسؤولية لحركة حماس بنسبة 61%. وتعتقد الأقلية بنسبة 39% أن إسرائيل هي من تتحمَّل المسؤولية(58).
شكل (7): آراء المستجوبين الأميركيين حول ما إذا كانت هناك مجاعة في قطاع غزة ومن يتحمل المسؤولية عنها

تتغيَّر هذه التمثلات، وتتبدَّل مواقف الأميركيين العاديين إزاء تأييد حكومة ترامب والجمهوريين في الولايات المتحدة لسياسات إسرائيل، ومعارضتهما مشاريع القرارات التي تنتقد إسرائيل في مجلس الأمن. وتُفضي إلى ثلاثة تحولات رئيسية حسب دراسة جديدة نشرتها مؤسسة بروكينغز، في أغسطس/آب 2025: 1) يعتقد معظم الناخبين الأميركيين أن استمرار الهجمات الإسرائيلية على غزة غير مُبَرَّر. ويدعمون بنسبة 84% وقفًا فوريًّا لإطلاق النار، بينما يؤيد بعضهم سياسات نتنياهو بنسبة 27%. 2) يَتَّجِه الديمقراطيون من جميع الأعمار نحو موقف متشابه من الرفض لأفعال إسرائيل المستمرة في غزة. 3) لم يَحْدُث تراجع التأييد الشعبي الأميركي لإسرائيل بين ليلة وضحاها، بل كان يتشكَّل تدريجيًّا على مدار أعوام متعاقبة(59).
وتُلاحظ دراسة بروكينغز، من خلال تأمل الصورة الأكبر في ضوء العقدين الأخيرين، أن التعاطف العام الأميركي إزاء الفلسطينيين والإسرائيليين بدأ يتغيَّر بين 2010 و2020 بعدما كان بنسبة 60% لصالح الإسرائيليين ونسبة 20% لصالح الفلسطينيين. لكن كفتي الميزان تأرجحت في ظل الحرب على غزة، وغدت النتائج ذات دلالات جديدة بنسبة تأييد لا تزيد عن 46% للإسرائيليين وارتفاع النسبة إلى 33% إزاء الفلسطينيين(60). وعلى الضفة الأخرى من الأطلسي، تؤيد الأغلبية في بريطانيا، التي يرتبط اسم رئيس وزرائها بوعد بلفور 1917 وسياسة الانتداب في فلسطين قبل 1948، إلغاء تصدير الأسلحة البريطانية إلى إسرائيل بنسبة 57%، وتعارضه نسبة 18%، فيما تدنَّت نسبة التأييد لسياسات إسرائيل بشكل عام منذ بداية الحرب إلى 4%(61).
ويُشير يارون بيليغ (Yaron Peleg)، أستاذ الدراسات العبرانية الحديثة في جامعة كمبردج البريطانية، ومُؤَلِّف كتاب جديد بعنوان: "عبرانيون جدد: صناعة الثقافة الوطنية بطريقة صهيون"(62) إلى أنه عندما "شرع الصهاينة في اختراع أنفسهم من جديد، فإنهم غرسوا أيضًا بذور التخريب الذاتي، فوَلَّدَت تلك النزعة المبكرة من الفخر والتحدي، إلى جانب التجاهل للعرب الأصليين في فلسطين، غريزةَ البقاء وكذلك عَسْكَرَة خطيرة.. تلك الكلمة الواحدة: "المذابح" تختصر كل شيء. تمحو مئة عام من التاريخ الصهيوني وتُعيد إحياء المظالم اليهودية القديمة. قد يكون هذا أحد التفسيرات لردِّ الفعل المفرط للدولة في غزة. هذا ليس تبريرًا، بل تفسيرًا يستدعي الخطوة التطورية التالية في تاريخ الصهيونية -خطوة تُدرِك فيها إسرائيل أنها حققت الهدف الذي أُقيمت من أجله-. وينبغي أن تُدرِك إسرائيل أنها تمتلك القوة- أنها قوة بحدِّ ذاتها- وأن القوة تأتي معها المسؤولية"(63).
وإزاء هذا الواقع، فإن التمثلات الذهنية لدى الأميركيين لا تتغيَّر بفعل السجالات المحتدمة في المجال العام الداخلي وحده، بل وأيضًا بفعل تحولات خارجية في خطاب الدبلوماسية الدولية وسمعة الولايات المتحدة في أعين العالم. فقد أحال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في الخامس والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2025، تقريرًا جديدًا حول "حالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967" إلى الجمعية العامة، لم يُحمِّل فيه المسؤولية إلى حكومة إسرائيل فحسب، بل وأيضًا إلى ما أسماها "الدول الثالثة" التي تُسْهِم في الإبادة الجماعية المستمرة في غزة. وأوضح التقرير أنها "جريمة جماعية يدعمها تواطؤ الدول الثالثة المؤثرة التي تُمكِّن إسرائيل من ارتكاب انتهاكات ممنهجة طويلة المدى للقانون الدولي. وقد سهَّل الخطاب الاستعماري، الذي يُجرِّد الفلسطينيين من إنسانيتهم، ارتكابَ هذه الفظائع التي تُبَثُّ على الهواء بفضل ما تُوفره الدول الثالثة من دعم مباشر ومساعدات مادية وحماية دبلوماسية، بل وبمشاركتها الفعلية في بعض الحالات. فقد كشفت عن هوة غير مسبوقة بين الشعوب وحكوماتها وعن خيانة للثقة التي يركز عليها السلام والأمن العالميين"(64). وشدَّد التقرير في خلاصته على أن العالم الآن "يقف على حدٍّ فاصل بين انهيار سيادة القانون الدولي والأمل في التجديد. ولن يتسنَّى التجديد إلا بمواجهة التواطؤ والوفاء بالمسؤوليات وتحقيق العدالة"(65).
وطرأت تغيُّرات على مواقف الفئات الثلاث الرئيسية من الأميركيين، المهتمين بالسياسة الخارجية وارتباطها بالصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، بين ديسمبر/كانون الأول 2023، عقب اندلاع الحرب على غزة، وصيف 2025، وفق استطلاع أجرته مؤسسة غالوب. وتبيَّن من ردود المستجوبين على سؤال: "هل توافقون أو تعارضون الأعمال العسكرية التي تقوم بها إسرائيل في غزة؟"، أن موقف الجمهوريين لم يتذبذب كثيرًا عن تأييد إسرائيل بنسبة 71% بين أواخر 2023 وصيف 2025، كما يوضح الشكل رقم (8)، وإِنْ حدث تراجعٌ ضئيلٌ إلى نسبة 64% في مارس/آذار 2024، ثم ارتفاعٌ طفيفٌ إلى 76% في يونيو/حزيران 2024، وبعدها طرأ تراجعٌ محدودٌ إلى نسبة 66% في سبتمبر/أيلول 2024.
بيد أن التغيُّر اللافت للانتباه حدث في مواقف المستقلين والديمقراطيين بتراجع التأييد للإجراءات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة إما بنسبة النصف أو نسبة ثلاثة أرباع بدلالات متعددة. فقد تقلَّص تأييد المستقلين من نسبة 47% في ديسمبر/كانون الأول 2023 إلى 29% في مارس/آذار 2024، ثم إلى 34% في يونيو/حزيران 2024، ثم 41% في سبتمبر/أيلول 2024، ليشهد تدنِّيًا كبيرًا بلغ 25% في يوليو/تموز 2025. في المقابل، انكمش تأييد الديمقراطيين بنفس الوتيرة وبفارق أكبر من نسبة 36% في ديسمبر/كانون الأول 2023 إلى 18% في مارس/آذار 2024، ثم 23% في يونيو/حزيران 2024، قبل أن تحدث طفرة سلبية قياسية إلى 8% فقط في يوليو/تموز 2025.
شكل (8): آراء المستجوبين حول الأعمال العسكرية لإسرائيل في غزة

4. روافد تمثلات الأميركيين عن إسرائيل
تنطوي التغيُّرات الراهنة في مواقف الديمقراطيين والمستقلين بشكل أساسي على أكثر من مفارقة عند تقاطع السياسة والمصالح والقيم والأخلاق في مجتمع لا يزال يَعْتَدُّ بروافده من الثقافة البيوريتانية (Puritanism)، فيما تظل تأثيراتُها "قوية ومتأصلة بوصفها أصبحت جزءًا من الهوية الأميركية"(66). وتشبَّعت البيوريتانيةكحركة بروتستانتية ظهرت في إنجلترا، في القرن السادس عشر قبل انتقالها مع المهاجرين إلى أميركا، بضرورة تحويل المجتمع إلى مجتمع تقي من خلال إصلاح كنيسة إنجلترا وتطهيرها من كل ما تبقى من تعاليم وممارسات الكنيسة الرومانية الكاثوليكية(67). وكان انتقال المثال البيوريتاني لتحقيق الكومنولث المقدس، من خلال إنشاء مجتمع متعاهد في مستعمرة فرجينيا، بفضل مساعي توماس ديل (Thomas Dale). لكن الفرصة الأكبر توافرت في منطقة نيو إنجلاند شمال شرقي الولايات المتحدة حاليًّا.
كان النموذج الأصلي لتنظيم الكنيسة في مستعمرة خليج ماساتشوستس وقتها يُمثِّل "طريقًا وسطًا" بين نظامي المشيخة والانفصال. وتبنَّت أربع مستعمرات بيوريتانية في نيو إنجلاند معًا "منصة كامبريدج"؛ مما أسَّس نظامًا تجميعيًّا لحكم الكنيسة، عام 1648. وقد قام اثنان من أبرز الباحثين المتخصصين في البيوريتانية في نيو إنجلاند وإرثها، وهما: بيري ميلر (Perry Miller)، الأستاذ في جامعة هارفارد في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، وعالم الاجتماع، ساكفان بيركوفيتش (Sacvan Bercovitch)، بدراسة الإستراتيجيات البلاغية التي استخدمها البيوريتانيون في شمال شرقي أميركا. وأظهرا المدى المذهل الذي ابتكر القادةُ ورجالُ الدين من خلاله "أسطورة مسيحية أميركية غنية لوصف دورهم القَدَري كشعب الله المختار الجديد في التاريخ العالمي"، كما يقول فرانسيس بريمير (Francis Bremer)، الأستاذ ومدير "مركز الأفكار والمجتمع" في جامعة كاليفورنيا حاليًّا(68). وتتضح المفارقة عند تلاقي فكرة "شعب الله المختار" عند البيوريتانيين في أميركا والصهاينة في إسرائيل؛ مما يُسهِّل فهم العلاقة الوطيدة والدعم الأميركي اللامتناهي سياسيًّا وماديًّا وثقافيًّا لإسرائيل، وكيف تُناصر الترامبية المتجددة بشعار الماغوية (MAGA) أو "استعادة عظمة أميركا"، ما يقوم به نتنياهو لتحقيق طموحات اليمين المتطرف بشأن المشروع الصهيوني بين الدول العربية.
كان الحزب الديمقراطي تاريخيًّا أكثر تأييدًا لقيام إسرائيل ودعمًا على شتى الجبهات مقارنة بالحزب الجمهوري. وفي الأمس القريب، لم يُخْفِ الرئيس السابق، جو بايدن، اعتداده بأنه "صهيوني"، وأيضًا وزير الخارجية السابق، أنتوني بلينكن، بأنه "يهودي" أولًا وأخيرًا، خلال زيارته إسرائيل، عقب هجوم كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، على مستوطنات إسرائيلية في غلاف غزة، في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لتأكيد التزامهما بخدمة مصالح إسرائيل داخل الولايات المتحدة وخارجها. وتعزو بعض الآراء هذه العروة الوثقى مع إسرائيل إلى أن "التعلُّق العاطفي الرسمي بها" أصبح جزءًا بارزًا جدًّا من المرض السياسي الأميركي، وهو يُجسِّد قدرةَ أقلية صغيرة لكنها مصممة على انتزاع الموارد الضريبية لقضيتها بينما تُعِيق أي محاولات مساءلة حول تلك المطالب(69). ويُلاحظ تشاس فريمان (Chas Freeman)، الذي كان مسؤول ملف الصين في وزارة الخارجية الأميركية ثم مساعدًا لوزير الدفاع لشؤون الأمن الدولي وسفيرًا للولايات المتحدة لدى السعودية، أن "القبضة الحديدية التي يفرضها اليمين الإسرائيلي على الخطاب الأميركي حول الشرق الأوسط تضمن أن تبقى أميركا مجرد متفرج بدلًا من أن تكون فاعلًا مؤثرًا في القضايا التي تؤثر على إسرائيل، عاجزة عن حماية المصالح طويلة المدى لإسرائيل أو مصالحها هي نفسها"(70).
وتكمن المفارقة الثانية في أن ديناميات هذا الحزب وانشطار مواقف الأجيال الجديدة فيه عمَّا خَطَّه الجيل القديم، يُجسِّدان أول مختبر عام لنظرية الجدلية المفتوحة في واشنطن بين أولوية خدمة مصالح إسرائيل أم خدمة مصالح الولايات المتحدة. وهذه هي الفرضية التي انطلق منها جون ميرشايمر (John Mearsheimer)، أستاذ السياسة في جامعة شيكاغو، وستيفان وولت (Stephen Walt)، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد، خلال تأليف كتابهما "اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية"، بين 2005 و2007. وفي مقابل هذا التفكير النقدي، تُحاول لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية "أيباك" التباهي بنفوذها بشكل صارخ. لكن أصوات طبول بعيدة في أرجاء الولايات المتحدة تُثير أسئلة جديدة حول علاقتها بإسرائيل، وما إذا كان نفوذ "أيباك" "يُمارَس دائمًا بما يخدم مصلحة إسرائيل أو أميركا على وجه الدقة(71).
لقد أصبح الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل موضوع نقاش حادٍّ، فضلًا عن تمثلات أخرى تتغيَّر كما يتضح في الشكل رقم (9) منذ عام 1980. ووفقًا لاستطلاع أجراه مجلس شيكاغو للشؤون العالمية، في العشرين من أبريل/نيسان 2025، تراجع التمثل الإيجابي بين الأميركيين من نسبة 61% قبل 1980 إلى 50% في عام 2025. لكن تقسيم المستجوبين إلى ثلاث فئات (جمهوريين، ديمقراطيين، مستقلين) يُبْرِز دلالات أعمق في تطور التمثلات عن إسرائيل. لم تتغيَّر نسبة تأييد الجمهوريين لإسرائيل إلا بنقطة واحدة من 62% قبل 1980 إلى 63% عام 2025. ويبدو أن هناك قرينة أو علاقة ارتباط مع وجود دونالد ترامب في البيت الأبيض فترتين رئاسيتين منذ 2017. بيد أن تأييد المستقلين كان في مستوى تأييد الجمهوريين بنسبة 62% قبل 1980، وتراجع إلى نسبة 50% عام 2025. في المقابل، ظهر التحول الأكبر بين الديمقراطيين الذين تقلَّص تأييدهم من 61% قبل 1980 إلى 41% عام 2025. هذه نتيجة تتوافق مع ما أظهره الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة غالوب كما جاء في الشكل رقم (8).
شكل (9): مشاعر الأميركيين إزاء إسرائيل

تنعكس تمثلات الأميركيين من شتى المشارب السياسية أيضًا في قضايا متصلة بسياسة بلادهم الخارجية بشأن الدعم الدبلوماسي والإنساني الذي تُقدِّمه إلى إسرائيل والفلسطينيين. وقد قرَّر الرئيس، دونالد ترامب، في فترة رئاسته الأولى إغلاق مكتب تمثيل السلطة الفلسطينية في واشنطن، واحتدمت منذ بداية الحرب سجالات حول أداء وكالة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) وتمويلها، واستهداف بعض العاملين فيها. ويُظْهِر استطلاع للرأي أجراه مجلس شيكاغو للشؤون العالمية، في الرابع من مايو/أيار 2025، حول سؤالين مهمين: أولهما: هل تُوافق على قيام الولايات المتحدة بدور رئيسي في إعادة إعمار غزة أم تُعارضه؟ فكانت نسبة التأييد 37% بالنسبة لجميع الأميركيين خلال عام 2024، وتغيَّرت إلى 35% عام 2025. لكن التصنيف حسب الانتماء الحزبي يُظْهِر تمثلات أكثر دلالة كما يبدو في الشكل رقم (10)؛ إذ إن الجمهوريين هم الفئة الأقل تأييدًا بنسبة 24% خلال عام 2024، لكن التأييد زاد بعشر نقاط إلى نسبة 34% خلال عام 2025، ثم جاء بعدهم المستقلون الذين أيَّدوا دورًا أميركيًّا في إعمار غزة بنسبة 36% في 2024 و2025. في المقابل، بلغت نسبة التأييد لدى الديمقراطيين 51% عام 2024، ثم تراجعت إلى 39% خلال عام 2025.
وتناول السؤال الثاني مدى موافقة الأميركيين أو معارضتهم لاعتراف الولايات المتحدة بقيام دولة فلسطينية، وقد أيَّدتها 142 دولة في الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2025. ويُبْرِز الشكل رقم (10) أن الجمهوريين هم الفئة الأقل تأييدًا بنسبة 33% عام 2024 و24% عام 2025. ويأتي المستقلون في المرتبة الثانية بنسبة تأييد بلغت 49% بين عامي 2024 و2025. أما الفئة الأكثر تأييدًا لاعتراف أميركي بدولة فلسطينية فتنتمي إلى الديمقراطيين الذين رحَّبوا بذلك بنسبة 66% عام 2024 ثم 65% عام 2025.
شكل (10): الدعم الدبلوماسي والإنساني للفلسطينيين

ثمة حاجة لتأملات تعتمد رؤية أكثر شمولية إلى أهمية إسرائيل إستراتيجيًّا وسياسيًّا بالنسبة للمصالح الأميركية في المنطقة في ضوء موازنتها مع مصالح الولايات المتحدة وعلاقتها بالعرب والإيرانيين والأتراك وبقية الفاعلين السياسيين شرقي البحر المتوسط. وجاء استطلاع للرأي أجراه مجلس شيكاغو للشؤون العالمية، في العشرين من أبريل/نيسان 2025، دقيقًا في توخي أجوبة بشأن ما إذا كانت إسرائيل "تقوم بدور إيجابي للغاية، إيجابي إلى حدٍّ ما، سلبي إلى حدٍّ ما، أو سلبي للغاية في تسوية المشاكل الرئيسية التي تواجه الشرق الأوسط" خلال الأعوام العشرة بين 2015 و2025. وعند مقارنة النتائج بين الأميركيين، الجمهوريين والمستقلين والديمقراطيين، كما تبدو في الشكل رقم (11)، تَبْرُز بعض المفارقات باعتبار الفجوة بين موقف فئة وأخرى. فقد ظلت تمثلات الجمهوريين على المستوى ذاته بانطباعات إيجابية بنسبة 60% طوال عشرة أعوام. وإذا تدرجنا في مستويات التغيُّر والتباين، تراجعت تمثلات شتى الأميركيين حول إسرائيل من نسبة 49% عام 2015 إلى نسبة 34% عام 2025. وازدادت الفجوة نسبيًّا لدى المستقلين الذين كانت لديهم تمثلات إيجابية عن إسرائيل بنسبة 47% عام 2015 قبل أن تتقلَّص إلى نسبة 29% عام 2025. ويأتي في المرتبة الأولى من حيث اتساع الفجوة بإحدى وعشرين نقطة مئوية الديمقراطيون الذين تراجع تأييدهم من 40% عام 2015 إلى 19% عام 2025.
شكل (11): تمثلات الأميركيين لدور إسرائيل في الشرق الأوسط

من التجليات الأخرى لتغيُّر تمثلات الأميركيين حول إسرائيل والفلسطينيين ومستجدات الوضع غير المستقر شرقي العالم العربي، زادت الحرب على غزة من أهمية سؤال محوري: هل ينبغي أن تتبنَّى الولايات المتحدة موقف إسرائيل أو موقف الفلسطينيين، أم تتبنَّى الحياد وعدم مساندة أي من الطرفين؟ ويُجسِّد الشكل رقم (12) نتائج استطلاع للرأي أجراه مجلس شيكاغو للشؤون العالمية، في الرابع من مايو/أيار 2025، مُتَتَبِّعًا تغيُّر التمثلات في هذا المجال بين 2002 و2025. وتَذَبْذَب موقف الحياد الأميركي إزاء كل من إسرائيل والفلسطينيين بين نسبة 71% عام 2002، و65% عام 2012، ونسبة 59% عام 2016، (عام الحملات الانتخابية للمرشحيْن، دونالد ترامب وهيلاري كلينتون، وانتشار شعار "أميركا أولًا" بين أنصار التيار المحافظ في الولايات المتحدة. واستحضارُ هذا السياقِ السياسي والثقافي مهمٌّ لفهم تدني النسبة ذاك العام)، ثم تراجعت أكثر إلى نسبة 56% عام 2024، عام الحملات الانتخابية وعودة ترامب إلى التنافس على إدارة البيت الأبيض لفترة رئاسية ثانية، وبعدها حدث ارتفاع طفيف بنسبة بلغت 58% عام 2025.
شهدت فئة المؤيدين لوقوف الولايات المتحدة في صف إسرائيل وتيرة مستقرة بين نسبة 25% عام 2002 ونسبة 28% عام 2025، وظلت تتأرجح بين نسبة 17% حدًّا أدنى عام 2004 ونسبة 33% حدًّا أقصى عام 2016، خلال ظهور المرشح ترامب في سباق الانتخابات الأميركية. بيد أن التغيُّر الأكثر دلالة في تمثلات الأميركيين حول الحياد السياسي أو التأييد لإسرائيل أو الفلسطينيين، يتضح في مواقف الديمقراطيين الذين ظل مستوى دعمهم لسياسة أميركا في تأييد الفلسطينيين يتحرك صعودًا من نسبة 1% عام 2002 إلى 4% عام 2016، ثم 8% عام 2021 (وتزامن ذلك مع حرب إسرائيل على غزة خلال ولاية الرئيس، جو بايدن)، إلى أن وصل نسبة 12% عام 2025. ومن الملاحظ أن تأييد هؤلاء الديمقراطيين للفلسطينيين لا ينتكس أو يتراجع سلبيًّا خلال الأعوام الثلاثة والعشرين الماضية.
شكل (12): موقف الولايات المتحدة في صراع الشرق الأوسط

ترقَّب عدد من الكتاب والمثقفين الأميركيين زيادة التداعيات السلبية لسلوك إسرائيل ليس خلال الحرب على غزة فحسب، بل وأيضًا الحروب التي شنَّتها بين 2006 و2021. وفي مقالة بعنوان "الصورة المتآكلة لإسرائيل ومضاعفاتها"، لاحظ الدبلوماسي الأميركي السابق، تشاس فريمان، "استمرار تدهور صورة إسرائيل ومكانتها الأخلاقية" منذ 2013. وتوقَّع أن هذا الوضع "سيزيد من حدَّة الخلافات في الولايات المتحدة، كما سيؤدي إلى إضعاف النفوذ الأميركي في المنطقة وحول العالم بشكل متزايد. وغالبًا ما تكون مشكلات الصورة مؤشرًا على تحديات وجودية أعمق". وهذا ما يحدث حاليًّا في الولايات المتحدة على ثلاثة مستويات على الأقل مما يُجسِّد مفارقة ثالثة:
أولًا: اتساع الهوة بشأن تأييد إسرائيل، أو إعادة النظر فيه، بين مواقف الديمقراطيين -وهم في المعارضة- والجمهوريين الذين يُعاني أغلبهم الخوف من لعنة الخروج عن الملة السياسية لزعيم الحزب ورئيس الدولة، دونالد ترامب.
ثانيًا: انقسام حزب الديمقراطيين على ذاته بين أصوات الشباب والنشطاء ومجاراة الجيل القديم لما يبدو أنه "سنة" سياسية لا يصعب التَّحَلُّل منها.
ثالثًا: التنافر والاستقطاب السياسي غير المسبوق بين المجتمع المدني والمثقفين وفئات الشباب والأقليات وأساتذة وطلاب الجامعات من ناحية (في ضوء مظاهرات الاحتجاج في عدد من الجامعات الرائدة، ومنها: هارفارد وبرينستون ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة جورج واشنطن وجامعة شيكاغو وجامعة ستانفورد في أبريل/نيسان ومايو/أيار 2024)، والنخبة السياسية في "البيلتوي" (Beltway)، كناية عن واشنطن السياسية بوجود الحكومة ومجلسي النواب والكونغرس ومقريْ الحزبيْن، الديمقراطي والجمهوري، ومقار جماعات الضغط "اللوبي" المختلفة من ناحية أخرى. ويعكس هذا التنافر بين القاعدة الشعبية والنخبة السياسية أحد التجليات الإدراكية والسياسية بين عموم الأميركيين وتآكل سردية الدعم الأميركي "الضروري" والمبرر دينيًّا وتاريخيًّا وإستراتيجيًّا لإسرائيل، وذلك بفعل تقابل غير مسبوق في معركة السرديات والخطابات بين تيار المحافظة البنيوية من الأعلى إلى الأسفل مقابل تيار التغيير من الأسفل إلى الأعلى.
5. صراع التمثلات المهيمنة والمتحررة والجدلية تجاه إسرائيل
لا يَخْفُتُ نفوذ التيار المؤيد لإسرائيل حاليًّا بين النخب السياسية والمثقفة فحسب، بل ينضم إليها عدد من الوجوه الإعلامية المؤثرة حتى من داخل الجماعات المحافظة. وقد كان الإعلام الأميركي وإنتاجات هوليود السينمائية مرتعًا خصبًا لصناعة تمثلات مرجعية تُحابي صورة إسرائيل، وتفريخ سرديات الدفاع عنها وترويجها والتبشير بجدوى ارتباطها بمصالح الولايات المتحدة منذ خمسينات القرن العشرين، وتعميق أثرها في المخيال العام الأميركي، سواء أوقات الحرب أو السلام مع الدول العربية. لكن، تلك التمثلات المرجعية أضحت تواجه تمثلات معاكسة تُحمِّل إسرائيل وزر أفعال الإبادة الجماعية وتبعاتها الإنسانية والأخلاقية والقانونية والسياسية. وتدور المعركة حاليًّا بين التمثلات المهيمنة، والتمثلات المُتَحَرِّرَة، والتمثلات الجدلية. ويشترك في التمثلات المهيمنة أنصار الصهيونية والمحافظون والجمهوريون في الولايات المتحدة، مثالًا على التصنيف الذي اعتمده موسكوفيتشي بأن يشترك فيها "معظم أعضاء حزب أو أمة أو وحدة كبرى منظمة أخرى. وهي موحدة وتسود في جميع الممارسات الرمزية أو العاطفية"(72). في المقابل، تنتشر القناعة بتمثلات متحررة بين المجموعات الفرعية التي تُركِّب نسختها الخاصة بـ"درجة معينة من الاستقلالية فيما يتعلق بالقطاعات المتفاعلة في المجتمع"(73)، كما هي حال الجيل الجديد من الديمقراطيين والطلاب والنشطاء ومؤسسات المجتمع المدني في الولايات المتحدة وغيرها من الدول.
ويعكس تطور هذه الانطباعات والمواقف إزاء إسرائيل ما يُشبه جدليةً هيغليةً تفاعليةً بين التمثلات المهيمنة (مواقف البيت الأبيض والجمهوريين) والتمثلات المتحررة (الديمقراطيون والشباب ونشطاء المجتمع المدني)، وتظهر تمثلات جدلية جديدة بحكم النقاش والتطور، ترتبط بالصراعات الاجتماعية والنزاعات بين المجموعات والخلافات داخل المجتمع. ويتم تحديدها من خلال "العلاقات العدائية" و"تهدف إلى أن تكون متعارضة بشكل متبادل"(74). وتتصارع الأفكار السياسية بين تيار يلوم إسرائيل وآخر يدافع عنها مثلما كان الحلُّ في ذروة الحرب الباردة بين الليبرالية والشيوعية. وقد لا تكون تلك الفئات الثلاث للتمثلات واضحة الملامح عند تصنيفها، وليست هناك حدود محددة في التبسيط الهيغلي بين أطروحة ونقيضها بانتظار تركيب جديد.
من الحوارات المحتدمة التي تُجسِّد هذه التمثلات المتنافسة حول إسرائيل في تطور الخطاب الإعلامي الأميركي، والتي استقطبت اهتمام ملايين المشاهدين في أميركا والعالم، ما دار بين المحاور السابق في قناة "فوكس نيوز"، تاكر كارلسون (Tucker Carlson)، وزعيم حركة "جرويبرز" (Groypers)، نيك فوينتس (Nick Fuentes)، الذي يقود تيارًا محافظًا متناميًا في الولايات المتحدة شارك أعضاؤه في اقتحام مبنى الكابيتول (الكونغرس) في السادس من يناير/كانون الثاني 2021. ويحاول أتباعه نشر أفكارهم السياسية عبر وسائل مختلفة وسط التيار المحافظ السائد في الولايات المتحدة.
وبفعل تنوع محاور النقاش بين الرجليْن مدة ساعتين بين اللاهوت والهوية والسياسة الخارجية الأميركية، وجَّه كارلسون سهام نقده نحو ما أسماها "الصهيونية المسيحية"، التي وصفها بـأنها "بدعة خطيرة داخل المسيحية" و"فيروس دماغي"، بل ودعا الأميركيين إلى التركيز في لحظة تأمل نقدي مع الذات والقيم المسيحية الأميركية قائلًا: "إذا استيقظتَ في الصباح وقرَّرت أن إيمانك المسيحي يفرض عليك دعم كل ما تفعله حكومة إسرائيل، فهذه ليست مسيحية.. هذا أمر آخر"(75). واتَّهم كارلسون شخصيات محافظةً بارزةً بالسماح لولائهم لإسرائيل بالتغلب على المصالح الأميركية، وأشار إلى بعضهم بالاسم مثل مايك هاكابي، السفير الأميركي الحالي لدى إسرائيل، وتيد كروز، عضو مجلس الشيوخ، وجون بولتون، مستشار الأمن القومي السابق لدى الرئيس ترامب، وكارل روف، المهندس الرئيسي للحملات الانتخابية لجورج بوش الابن.
وفي المقابل، ذهب فوينتس إلى أبعد من ذلك في عرض آرائه عبر مقطع فيديو نشره لاحقًا بعد المقابلة. وقال: "أحسنوا إلينا جميعًا. لقد سئمنا من الأقلية اليهودية الحاكمة، وسئمنا من الاستسلام الذليل لإسرائيل، ومن الحروب، والمساعدات الخارجية، ومن مراقبة معاداة السامية، ومن دين الهولوكوست والدعاية المرتبطة به". فردَّ السناتور تيد كروز بأن "الوقت قد حان للاختيار.. حان وقت الشجاعة... إذا جلست مع شخص يقول: إن أدولف هتلر كان رائعًا جدًّا جدًّا، وإن مهمته هي محاربة "اليهودية العالمية" والقضاء عليها، ولم تتكلم، فأنت جبان ومتواطئ في هذا الشر". وأضاف أنه شهد من معاداة السامية في اليمين، خلال النصف الثاني من عام 2025، أكثر مما شهده طوال حياته، ووصف تلك المعاداة بـ"السم"، وأن الحزب الجمهوري والولايات المتحدة يواجهان "أزمة وجودية"(76). ودعا تشاك شومر، زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، المؤيدين لمؤسسة هيريتدج (Heritage Foundation) اليمينية والأكثر مناصرة لبرامج المرشح، دونالد ترامب، وسياسات الرئيس ترامب، "للتبرؤ من هذا الترويج الخطير لهذه الأيديولوجيات الكارهة"(77).
تُحرِّك مثل هذه النقاشات الإعلامية وخلاصات التقارير الدولية ديناميات ذهنية متجددة، وتُكرِّس وظيفة تلك التمثلات في مسارين اثنين: 1) توحيد المفاهيم والأشخاص والأحداث التي يواجهها الأفراد من خلال منحها شكلًا محددًا، ويُصنِّفونها ضمن فئة معينة، ثم تترسَّخ تدريجيًّا لديهم كمعارف مميزة ومشتركة، و2) تكون وظيفة إلزامية عندما تُفْرَض على الأفراد عبر البنيات الاجتماعية والتقاليد. ورغم دمج هذه المعارف في أذهانهم الفردية، إلا أنهم -كأفراد- يعيدون التفكير في المعارف الجماعية. ومع ذلك، من المهم ملاحظة أن الأفراد والجماعات يمكنهم إعادة صياغة وتحويل المعارف الجماعية(78).
نتيجة لهذه المتغيرات في التمثلات الذهنية لصورة إسرائيل في المخيلة الأميركية كمثال يمكن إسقاطه على دول أخرى، تزداد حاليًّا الأصوات التي تُنَبِّه إلى مغبة ترك قطار نتنياهو وترامب يتجهان نحو الوادي، أو كما قال فريمان: "حين تُدرِك إسرائيل الحاجة إلى تقديم تنازلات للسلام من أجل ضمان بقائها، قد يكون الأوان قد فات لتحقيق ذلك. ولن تكون هذه المرة الأولى في التاريخ التي يؤدي فيها تعصب اليهود وشكوكهم في نوايا غير اليهود إلى زوال دولة يهودية في الشرق الأوسط. ولا يمكن المبالغة في تقدير الأضرار الجانبية التي ستَلْحَق بالولايات المتحدة وباليهود حول العالم في حال حدوث مثل هذا الفشل"(79).
على الصعيد العالمي، أجرى مركز بيو للأبحاث استطلاعًا للرأي شمل 24 دولة، وضم 28333 مستجوبًا في مختلف القارات، في أبريل/نيسان 2025، حول تمثلاتهم لإسرائيل في ظل سياساتها في الحرب على غزة. ويوضح الشكل رقم (13) تباين سمعة إسرائيل بين دول العالم ليس بالضرورة في دول إسلامية، مثل تركيا وإندونيسيا فحسب، بل الأهم هو مستوى التحوُّل السلبي لسمعتها في دول غربية كانت تقليديًّا مؤيدة للسردية الإسرائيلية، خاصة في القارتين، الأوروبية والأميركية. ويمكن التركيز على بعض الأمثلة، ومنها هولندا التي تنظر بسلبية لصورة إسرائيل بنسبة 78%، وإسبانيا والسويد بنسبة 75%، وأستراليا بنسبة 74%، واليونان بنسبة 72%، وإيطاليا بنسبة 66%، وفرنسا بنسبة 63%، وبولندا بنسبة 62%، والمملكة المتحدة بنسبة 61%، وكندا بنسبة 60%، والمجر والولايات المتحدة بنسبة 53%.
وتتماهى هذه النتائج مع حدوث انفصام متزايد في الموقف الغربي بين ضفتي المحيط الأطلسي إزاء الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي عمومًا. ولم تَعُد الدول الأوروبية تحمل المِظَلَّة السياسية ووِزْرَ التكفير عن خطايا إسرائيل عند ارتكابها أفعال الإبادة الجماعية للفلسطينيين، ولم تَعُد منطقةَ الثقل السياسي والإستراتيجي للمشروع الصهيوني الذي وُلِد في مؤتمرات النمسا وسويسرا بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. والمفارقة تكمن في أن الدول السبع والعشرين في الاتحاد الأوروبي حاليًّا تُحافظ على التزامها بقرار المحكمة الجنائية الدولية بشأن اعتقال نتنياهو ووزير الدفاع السابق، يوآف غالانت، إذا وطئت أقدامهما أراضي أي من تلك الدول.
شكل (13): سمعة إسرائيل في دول العالم

6. المأزق الأيديولوجي للمشروع الصهيوني وإعادة كتابة الحاضر
سعى مشروع الصهيونية، الذي يستند إليه نتنياهو واليمين المتطرف حاليًّا في إسرائيل، لمجاراة فلسفة التنوير ومشروع الحداثة الأوروبية من خلال نشاط حركة "الهاسكالا" أو "التنوير اليهودي". وحاولت هذه الحركة ربط الصهيونية بمفهوم "الحكمة" أو "سعة الاطلاع" أو "التعليم" بما يُناسب بشائر الحداثة الأوروبية، فضلًا عن إسقاط فكرة العقلانية والتحرر على مفهوم الصهيونية، وتقديمه بوصفه تكريسًا للثقافة العلمانية الغربية. ووظَّفت مفهوم التحرر ومساعي إقامة وطن ليهود الشتات بما أوحى أنها "حركة تحرر وطني" خارج أوروبا، من قِبَل عدد من الكتَّاب الصهاينة في صيغتين: "التحرر الذاتي" (Self-Emancipation) كما استخدمها ناثان بيرنباوم (Nathan Birnbaum)، مؤسس حركة الطلاب اليهود القوميين (كاديما) في مجلته (Selbst-Emancipation) عام 1890، و"التحرر الأوتوماتيكي" (Auto-Emancipation)، وهو عنوان لكتاب ألَّفَه ليون بينسكر (Leon Pinsker) عام 1882، مع توشية مشروع الصهيونية بمبدأ "تقرير المصير". وتبلورت الوحدة الصهيونية الأولى عمليًّا عند اتحاد منظمة "محبي صهيون" عام 1884، وتمَّ تنظيم أول مؤتمر صهيوني عام 1897(80).
يُحلِّل يارون بيليغ في كتابه الجديد كيف أن الصهاينة الأوائل، خلال إنشاء أمة يهودية حديثة في فلسطين، استلهموا العديد من القيم الثقافية التي كانت سائدة في الأمم الأوروبية الناشئة خلال سنوات تَكَوُّنِها، وهي قيم تمَّ تكييفها في سياق الواقع الفلسطيني مع احتفاظها بعناصر مُعَدَّلَة من الثقافة اليهودية التقليدية. واعتمدوا على ستة من الابتكارات التي أصبحت جوهر الثقافة اليهودية الجديدة في فلسطين ولاحقًا في إسرائيل: 1) اللغة والأدب، أي محاولة تحويل العبرية الكتابية، لغة العبادة والشريعة، إلى لغة أدب عبري حديث وحياة يهودية معاصرة. 2) إنشاء مساحات جديدة ومزارع وبلدات تُجسِّد السيادة اليهودية وقيم الاشتراكية المبكرة للصهيونية. 3) إيجاد يهود أقوياء وتحويل يهود الشتات إلى مزارعين وجنود يهود أقوياء ومستقلين. 4) إنشاء تقويم للاحتفالات يُكَرِّس العديد من هذه الابتكارات من خلال التركيز على الجوانب الزراعية القديمة للأعياد اليهودية ومجد الماضي العسكري اليهودي. 5) خلق حساسيات جمالية يهودية جديدة وتطوير فن يهودي مميز. 6) خلق موسيقى وطنية متميزة مزجت بين الموسيقى الغربية والألحان العربية والموسيقى اليهودية بنبرة الطقوس التقليدية(81).
وفي السياق ذاته وضمن حركة "المؤرخين الجدد" الذين يتبنَّون منطلقًا تصحيحيًّا نقديًّا في إعادة كتابة الصهيونية وتاريخ إسرائيل، يقول سيمحا فلابان(Simha Flapan) ، صاحب مُؤَلَّف "الصهيونية والفلسطينيون": إن الفكر السياسي الإسرائيلي تَشَكَّل خلال فترة ما قبل الدولة، وعند تبلوره أضفى طابعًا طقسيًّا على عدة مفاهيم أساسية: 1) التراكم التدريجي للقدرة الاقتصادية والعسكرية أساس لتحقيق الأهداف السياسية. 2) التحالف مع قوة عظمى خارج الشرق الأوسط. 3) عدم الاعتراف بوجود كيان فلسطيني قومي. 4) البعثة الحضارية للصهيونية في منطقة متخلفة. 5) الفصل الاقتصادي والاجتماعي والثقافي متطلبات مسبقة لإحياء الحياة القومية اليهودية. 6) مفهوم "السلام من خلال القوة"(82).
على مرِّ العقود الستة الأخيرة، أو على الأقل منذ حرب عام 1967، يكون من المستحيل أن يُناقش المرء في أي منصة دبلوماسية أو سياق إعلامي أو أكاديمي في أوروبا وأميركا الشمالية دون أن يُقْصَف بعبارة "إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط". ويتم توظيف هذه المقولة كلما دعت الحاجة لتبرير سلوك إسرائيل، حتى لو كان الموضوع المطروح للنقاش لا علاقة له بالموضوع. فهي من التمثلات الاجتماعية التقليدية لدى معظم الرأي العام الغربي بما يرفع مكانة إسرائيل ويجعلها "واحة الديمقراطية" في محيط الاستبداد العربي، ويمنحها تفوقًا "معياريًّا وأخلاقيًّا" تلقائيًّا يُميِّزها أكثر عن جيرانها "المتخلفين"، ويُضفي "شرعية" لاحقة على أفعالها. وقد تناول الباحث في دراسة سابقة كيف أن إسرائيل "استقطبت شركات الإعلام الغربية وصناعة السينما في هوليود، والنخب السياسية وممثلي البرلمانات الغربية لعقود طويلة، من أجل تعزيز خطاب مُتَصَهْيِن يجد لها الأعذار ويسعى لقلب رذائلها إلى فضائل تحت ذريعة "حقِّ إسرائيل في الدفاع عن نفسها" دون السؤال عن مبدأ التناسب في الحروب بين المقاتلين ونوعية الأسلحة الفتاكة، وليس حربًا تستهدف في المقام الأول قتل المدنيين الأطفال والنساء كما هو واقع الحال في قطاع غزة، ناهيك عن حروب 2021، و2014، و2008-2009، و2006"(83).
وهنا، تتولَّى الولايات المتحدة دور القوة الحامية لإسرائيل، التي تعتمد بشكل كبير على قدرة اليهود الأميركيين على حشد الدعم المالي والحماية الدبلوماسية والقانونية ونقل الأسلحة وأشكال أخرى من الدعم المادي في واشنطن. وتُسَهِّل هذه المهمة "تعاطف أقلية مسيحية إنجيلية كبيرة، لكنها صامتة وسلبية في الغالب مع الصهيونية، فضلًا عن الإعجاب الأميركي المستمر بالإسرائيليين بصفتهم رواد مجتمع جديد نابض بالحياة في الأرض المقدسة"(84).
لقد عادت إسرائيل إلى لعبة صناعة الصورة النمطية في الإعلام والأوساط الدينية والجامعات، وأيضًا في المجال الرقمي الذي يتنامى تأثيره. وكشفت وثائق تمَّ الحصول عليها بموجب القانون الأميركي بشأن تسجيل الوكلاء الأجانب، في أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2025، أن إسرائيل أبرمت اتفاقيات مع ثلاث شركات علاقات عامة على الأقل لتعزيز صورتها على الإنترنت وبين أوساط اليمين المسيحي الأميركي. وتُشير سجلات وزارة العدل الأميركية إلى أن وزارة الخارجية الإسرائيلية استعانت بشركة "بريدجز بارتنرز" (Bridges Partners) حديثة التأسيس، ووكالة العلاقات العامة المسيحية "شو فيث باي وركس"(Show Faith by Works) ، وشركة استشارة خدمات الإنترنت "كلوك تاور إكس" (Clock Tower X) عبر مجموعة "هافاس ميديا" (Havas Media) الأوروبية... وبحسب وثيقة الوزارة، كلَّفت إسرائيل شركة "شو فيث باي وركس" بتنفيذ حملة توعية واستهداف رقمي بقيمة 3.2 ملايين دولار لتعزيز "الصور الإيجابية عن دولة إسرائيل" في الكنائس الأميركية ووصف "الشعب الفلسطيني" بأنه "متطرف"(85).
ويمتد مسعى إسرائيل وأنصارها في الولايات المتحدة لإنتاج تمثلات جديدة وإعادة كتابة الحاضر، على غرار ما فعلته الأيديولوجية الصهيونية بالتاريخ ما قبل 1948. وتتعهد مثلًا شركة "كلوك تاور"، في ملفها المسجل لدى وزارة العدل، بأنها تعمل على التواصل مع "جيل زد" (Gen Z) عبر منصات التواصل، مثل "يوتيوب" و"تيك توك" و"إنستغرام"، وكذلك التفاعل مع منصات الذكاء الاصطناعي، مثل "شات جي بي تي" و"جيميني" و"جروك"، وأن هذه الأنشطة تهدف رسميًّا إلى "مكافحة معاداة السامية"، وهو مصطلح تستخدمه الحكومة الإسرائيلية غالبًا لمواجهة الانتقادات الموجهة لحرب الإبادة الجماعية على غزة. وتَعِدُ كذلك باستخدام نمذجة الذكاء الاصطناعي لضمان أن تكون الحملة التي تُشرف عليها إسرائيل، ومن ثم السرديات المرتبطة بها، بارزة الحضور على الإنترنت خلال فترة حربها على غزة. وكما تلوح الشركة: "إذا استطعتَ خَلق ضجيج كافٍ على الإنترنت، سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو المواقع ذات التصنيف العالي، فستتمكن من التأثير على نماذج اللغة الكبيرة للذكاء الاصطناعي"(86). ويقول شبلي تلحمي، أستاذ كرسي أنور السادات في جامعة ماريلاند: "بالنسبة لإسرائيل، فإن معركة الرأي العام الأميركي مسألة وجودية. إنها لعبة خطيرة بالنسبة لهم، وقد أزيلت القفازات عنها تمامًا"(87).
لكن لا يبدو أن هذا التوظيف الإعلامي والرقمي كفيلٌ باحتواء الضرر لما انتاب سمعة إسرائيل وتمثلاتها لدى الأفراد العاديين، بقدر ما تُسْهِم وصمة الإبادة الجماعية، التي جلبها نتنياهو والجيش الإسرائيلي إلى سمعة إسرائيل، في ضائقة أيديولوجية قياسية في تاريخ المشروع الصهيوني منذ ما يقرب من قرنين في ضوء تطورها من أيديولوجية عنصرية إلى مشروع دولة قومية لليهود واتكالها على عنصر القوة والدعم الأميركي بالأساس، وبعدما تحوَّرت إلى حركة نوستالجيا قومية ودينية تتشبَّع بمفهوم الانبثاق من "مظالم" تاريخية، وكأن الصهيونية جاءت لتقوم بتصحيح التاريخ اليهودي وعلاقته بالأرض من خلال بنائية "أرض إسرائيل".
ويوضح دانيال ليفي (Daniel Levy)، المستشار السابق لدى الحكومة الإسرائيلية، أن "هناك إجماعًا قويًّا نسبيًّا على رفض أي انتقادات خارجية بوصفها غير عادلة. وهذا الرفض كان أساسيًّا في صناعة القبول المجتمعي للإبادة الجماعية: من خلال تعبئة إعلامية لا هوادة فيها حول الحرب، مصحوبة برفض أي انتقادات.. هذا النمط ثابت في جميع أطياف المشهد السياسي الصهيوني تقريبًا، باستثناء مجموعة صغيرة من المعارضين"، في إشارة إلى المجموعات المختلفة داخل إسرائيل التي عارضت الحرب منذ البداية(88).
لم يكن المنظِّرون الأوائل للصهيونية ومشروع تأسيس دولة إسرائيل في أرض فلسطين التاريخية، مثل الحاخام تسفي هيرش كاليشر (Zvi Hirsch Kalischer)، الذي أصدر كتاب "البحث عن صهيون" عام 1862، (وكان أول عمل مكتوب يُطالب اليهود بالهجرة جماعيًّا إلى فلسطين وتعاونه مع حركة "هوفيفي صهيون"(Hovevei Zion) ، أي "محبي صهيون"، ولا النمساوي ناثان بيرنباوم الذي أسًّس عام 1893 "صهيون: اتحاد الجمعيات النمساوية لاستعمار فلسطين وسوريا"، لتنفيذ مقترحاته الصهيونية، لم يكن هؤلاء وبعدهم تيودور هرتزل، وحاييم وايزمان، وبن غوريون، وحتى نتنياهو نفسه، يتخيَّلون كيف ستتغيَّر الرياح والتيارات وتنقلب على أعقابها، وأن النمسا أرض ميلاد الصهيونية تستضيف أول "مؤتمر دولي لليهود المناهضين للصهيونية" في فيينا بين 13 و15 يونيو/حزيران 2025. شارك فيه أكثر من 1000 يهودي وغير يهودي مناوئين للصهيونية في فيينا على مدار ثلاثة أيام من العروض التقديمية وورش العمل. ورغم أن هذا كان أول حدث من نوعه في أوروبا، إلا أنه قد أطلق بالفعل التخطيط لعقد مؤتمر ثانٍ عام 2026، كما جاء في نص البيان الختامي(89).
وتبنَّى المؤتمر شعار "اليهودية ≠ الصهيونية" وأعلن رفضه احتكار الصهيونية تمثيل اليهود. وأكد البيان الختامي أن الصهيونية "نظام احتلال استعماري أبارتايد (فصل عنصري)"، و"دَانَ دون تحفظ جميع جرائم الحرب التي ارتكبتها إسرائيل منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بما في ذلك التطهير العرقي، ونظام الفصل العنصري المُعَسْكَر، وتدمير المدن، واستهداف المؤسسات التعليمية والصحية، واستخدام التجويع الجماعي أداة لطرد أكثر من مليوني فلسطيني من غزة، فضلًا عن الإبادة الجماعية الجارية لمئات الآلافِ، وهي إحدى أسوأ جرائم الحرب في عصرنا". وذكر البيان أن محكمة الجنايات الدولية ومحكمة العدل الدولية "أقرَّتا بتلك الأفعال كجرائم حرب، رغم أن دولة الاحتلال رفضت بتعنُّت مطالب المحكمتين. كما رفضت بطريقة مماثلة نداءات عديدة من الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن. ونتيجة لذلك، يُحْتَجَز قرابة مليوني مدني في مساحة ضيقة من قطاع غزة، دون إمكانية الوصول إلى الغذاء أو الماء أو الدواء أو المأوى أو الرعاية الطبية. ليست هذه الجرائم الجديدة سوى إضافات حديثة إلى سجل طويل بشكل لا يُصَدَّق من الانتهاكات المماثلة التي تعود إلى عام 1948"(90).
ونادى المجتمعون في فيينا أيضًا بأنهم "يرفضون رفضًا قاطعًا الادِّعاء بأن إسرائيل تتصرف باسم اليهود، أو أن نشاطها الإجرامي مدعوم من قِبَل جميع اليهود". وحَثَّ البيان الختامي اليهود في جميع أنحاء العالم على "النهوض ضد الدولة الصهيونية لحرمانها من الشرعية والمطالبة بإنهاء فوري لأفعالها الإجرامية والمنحطة. وهذا يشمل دعم حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، وقطع العلاقات الثقافية والسياسية والمؤسسية مع إسرائيل حتى تَمْتَثِل لتلك الشروط. إن إسرائيل والصهيونية تتصرفان بشكل غير قانوني وغير أخلاقي بينما تُصرَّان على أنهما تفعلان ذلك باسم اليهود، مما يعرض جميع اليهود في كل مكان للخطر"(91).
وفي هذا السياق، يهتم بعض المحلِّلين الغربيين باستفهام أكبر على المدى البعيد: "كم من الوقت يمكن لإسرائيل أن تصمد كديمقراطية أو حتى ككيان؟" يجيب أحدهم وهو تشاس فريمان بقوله: "لقد تخلَّت الدولة اليهودية عن الرؤية الإنسانية للصهيونية المبكرة وعن جذورها الأولى بمراحل. إسرائيل الآن تحكم أغلبية مسلمة ومسيحية مُجَرَّدَة من الحقوق ترغب في طردها، وأقلية كبيرة من اليهود العلمانيين والتقدميين الذين لا يحظون بالاحترام، والذين يهربون تدريجيًّا إلى الأجواء الأكثر أمانًا وتسامحًا في الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى(92). ويُثير فريمان الانتباه أيضًا إلى تحوُّل موازٍ بالنظر إلى أن إسرائيل، خارج الولايات المتحدة حيث لا تُهيمن الروايات الإسرائيلية على وسائل الإعلام، "فَقَدَت تأييدها وأصبحت موضع انتقاد واسع. وتُثير عدوانية إسرائيل واستهتارها بالقانون الدولي قلقًا خاصًّا. كل الحروب التي خاضتها إسرائيل منذ تأسيسها كانت قد أطلقت شرارتها، باستثناء حرب أكتوبر/تشرين الأول عام 1973 التي بدأتها مصر"(93).
إن تطور التمثلات الذهنية داخل إسرائيل ليس أفضل منها في بقية دول العالم. وتوضح ميشال هاتويل-رادوشيتزلي (Michal Hatuel-Radoshitzly)، المستشارة الأولى في معهد "مايند إسرائيل"(MIND Israel) ، وهو مركز أبحاث متخصص في الأمن القومي ومقره تل أبيب، كيف أن إسرائيل "تُعاني انقسامًا عميقًا ولا تزال "تحت وطأة" أحداث السابع من أكتوبر، وأن ما يحدث هو تحول جيلي عالمي يميل الشباب من خلاله إلى تبنِّي آراء مناهضة لإسرائيل ومناصرة للفلسطينيين. وتساءلت: "لا أعرف إن كان [المسؤولون الإسرائيليون] يدركون ذلك"، موضحة أن "انتقادات إسرائيل تنتشر في كل مكان. ربما العنصر الرئيسي المفقود [من الحكومة الإسرائيلية] هو إستراتيجية شاملة توضح الاتجاه الذي تسير فيه الأمور، أي أفق سياسي؛ لأن الوضع برمته يبدو غير مستدام"(94).
ويُشير يارون بيليغ إلى ما يُسمِّيه "الجسد اليهودي الجديد" كأحد الابتكارات التي "حملت تداعيات عميقة ما زلنا نعيش تردُّداتها حتى اليوم كما نرى في الحرب المأساوية على غزة، ألا وهي التحوُّل الجسدي في الصورة اليهودية. في صميم الثورة الثقافية الصهيونية، تكمن العزيمة على قلب الصور النمطية القديمة التي صورت اليهود على أنهم منبوذون: ضعفاء، سلبيون، جبناء. مستندين إلى المثل القومية الأوروبية، سعى الصهاينة إلى دحض هذه الافتراءات من خلال صياغة رجل يهودي جديد (الرجال تحديدًا): أقوياء، منتجون، ويعتمدون على أنفسهم"(95).
بحلول ثمانينات القرن العشرين، بدأت المحاولات للتخلص مما يُسمَّى "التاريخ الدامع" لليهود، الذي نظر إلى التاريخ اليهودي بشكل أساسي بوصفه سردًا للمعاناة والاضطهاد، في التراجع. خلال محاكمة مجرم الحرب النازي، أدولف أيخمان، عام 1961، وما بعدها، ربط رئيس الوزراء الإسرائيلي، بن غوريون، أولاً، ثم الصحفيون والأكاديميون، بين اضطهاد النازيين لليهود ومقاومة العرب لدولة إسرائيل. تمَّ تقديم كلا الأمرين في النهاية نماذج للكراهية المتأصلة، واستُخدِما حُجَّة قوية لتأسيس الدولة وحقِّها في الوجود. كانت هذه تركيبة درامية يصعب مقاومتها، تربط بين قيام الدولة اليهودية وإبادة اليهود في المحرقة، حتى وإن سبق ظهور الصهيونية تلك الكارثة بزمن طويل(96).
خلاصة
هل حان الوقت لفرضية مارشايمر ووُولت؟
سبقت الإشارة إلى كتاب "اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية"، وما أحدثه المُؤَلِّفَان، جون ميرشايمر وستيفان وولت، من جدل يبدو أنه يتعزَّز حاليًّا أكثر من أي وقت آخر في العقدين الماضيين منذ صدور الكتاب في أكثر من صيغة وطبعة. فقد أوضحا أنه على الرغم من أن "حدود جماعة الضغط الإسرائيلية لا يمكن تحديدها بدقة"، إلا أنها "تضم نواة تتكوَّن من منظمات هدفها المعلن تشجيع الحكومة الأميركية والرأي العام الأميركي على تقديم مساعدات مادية لإسرائيل ودعم سياسات حكومتها، بالإضافة إلى أفراد مؤثرين تُعَد هذه الأهداف أولوية قصوى بالنسبة لهم"(97). واستعرضا كيف أن هناك العديد من اليهود الأميركيين الذين لا ينتمون إليها، كما تضم أيضًا مسيحيين صهاينة(98)، فضلًا عن تحوُّل لليمين في صفوف مجموعات مهمة داخل "الجماعة"(99)، وتداخل مع تيار المحافظين الجدد(100).
ويمكن إضافة الترامبيين القدامى (2016-2020) والترامبيين الجدد (منذ 2024) إلى أنصار جماعة اللوبي الإسرائيلي. ورغم وجود أغلبية جمهورية في كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ تسير في رسلها السياسي حسب مشورة ترامبية البيت الأبيض، فإنها لا تستطيع إيقاف أو التقليل من الزخم الجديد لدى الديمقراطيين وفئات الشباب والأقليات في تشكيكهم في الجدوى من مناصرة إسرائيل أو ترويج مسوغات تبرير لسلوكها خلال الحرب على غزة بشكل خاص، فيما يجنح اليمين في أميركا وإسرائيل نحو إقبار فكرة الدولة الفلسطينية، التي تُمثِّل الهدف الرئيسي لدى نتنياهو والتيار المتطرف من حوله.
ويتحرَّك الجدل مجددًا وفي نطاق أوسع حول فرضية الكتاب: هل تُراعي واشنطن مصلحة إسرائيل أم مصلحة أميركا؟ ومن الأولى بالرعاية أولًا، خاصة في ضوء شعار ترامب الدائم منذ عام 2015: "لتكن أميركا أولًا"؟ ويُلاحِظ جون ميرشايمر أن الولايات المتحدة تَتَّبِع سياسة "إسرائيل أولًا"؛ إذ غالبًا ما تأتي مصالح الأمن القومي الإسرائيلي قبل المصالح الوطنية الأميركية. وهذا خطٌّ تصحيحيٌّ ينسج عليه مزيد من المنتقدين والمتمردين على سردية "دعم إسرائيل هو خدمة لمصالح أميركا"، فأصبح ستيف بانون (Steve Bannon)، كبير المستشارين في البيت الأبيض سابقًا مثلًا، يُلوِّح بأن إسرائيل هي "دولة تابعة" تتخذ القرارات في أقوى إمبراطورية في العالم، وأن "تغيير النظام في تل أبيب" أصبح ضروريًّا(101). في الوقت ذاته، يتساءل كورت ميلز (Curt Mills)، المدير التنفيذي للمجلة الأميركية المحافظة "ذا أميركان كونسيرفاتيف" (The American Conservative)، أمام حشد من المشاركين في المؤتمر السنوي للحركة المحافظة، في الثالث من سبتمبر/أيلول 2025، في واشنطن العاصمة قائلًا: "لماذا هذه حروبنا؟ لماذا مشاكل إسرائيل التي لا تنتهي.. هي أعباء على أميركا؟ لماذا نحن في المعسكر المحافظ القومي، بمعنى عام، نرفض هذه الحجة تمامًا عندما يطرحها فولوديمير زيلينسكي، لكننا نكون منافقين أذلاء عندما يتعلق الأمر ببنيامين نتنياهو؟ لماذا يجب أن نقبل شعار "أميركا أولًا" مع استثناء إسرائيل؟(102).
ذكَّر كورت المؤتمرين وأيضًا القرَّاء لاحقًا بأن الولايات المتحدة، منذ قيام إسرائيل، "عانت، وأنها فشلت، في إقامة علاقة متوازنة قائمة على الاعتماد المتبادل مع الدولة اليهودية. هذا واضح الآن في ضوء التاريخ كله. كانت علاقة هاري ترومان، وأذكر أنه كان ديمقراطيًّا، على سبيل الإيضاح، مع مؤسسي الدولة، والكثير منهم كانوا بإجماع المقاييس إرهابيين سابقين، مثار جدل في انتخابات 1948. أما دوايت أيزنهاور فقد عرقل الخطط المبكرة لـ"إسرائيل الكبرى"، ذلك المصطلح الجديد/القديم الذي يتبنَّاه نتنياهو، خلال أزمة السويس. وسعى جون كينيدي بشجاعة للحدِّ من البرنامج النووي الإسرائيلي الناشئ في ديمونا وإيقافه، لكنه لم يعش طويلًا ليواصل هذه السياسة بقوة دائمة. وخليفته، ليندون جونسون، كان عسكريًّا مؤيدًا لتدخل الحكومة الكبيرة بامتياز، كما تعلمت أميركا بالطريقة الصعبة دروس فيتنام. يمكنني الاستمرار، لكن من الجدل بمكان أن أيزنهاور وكينيدي وجورج بوش الأب وباراك أوباما ودونالد ترامب فقط هم من تحدَّوا الإجماع الهش والخطير حول دولة (على حدِّ تعبير الرئيس) "لا تدري ما الذي تفعله بحق الجحيم"(103).
وتنادي أصوات أخرى في كل من التيار الليبرالي والتيار المحافظ بما تَعُدُّه تناقض الولايات المتحدة أو تراجعها عن وعدها التاريخي. ويقول أستاذ التاريخ في ولاية فلوريدا، داريك تايلور (Darrick Taylor): إن أميركا قضت الحقبة منذ الحرب العالمية الثانية وهي تُلقِّن بقية العالم شعارات مثل "لن يتكرر هذا أبدًا" (في إشارة إلى المحرقة). لكن خطة ترامب تبدو أشبه بـ"التطهير العرقي"، وهي "ليست مرفوضة أخلاقيًّا فحسب، بل إن مثل هذا النفاق يُلْحِق الضرر بسمعة الولايات المتحدة في الخارج". ويضيف أن بعض اليمينيين "قد يتمثَّلون إسرائيل بمنزلة حامية "للحضارة الغربية" في مواجهة "البربرية الإسلامية". لكن هذه الفكرة سخيفة لعدة أسباب. فإسرائيل ليست "غربية" بأي معنى حقيقي. إنها (حاليًّا) دولة يهودية علمانية قائمة على التصنيف العرقي، ولا تنتمي ثقافيًّا إلى المسيحية ولا تُمارس ديمقراطية سياسية بالمعنى الذي يفهمه معظم الغربيين. العرب وغير اليهود هناك مواطنون من الدرجة الثانية، ويُطْلَق عليها بحق دولة فصل عنصري (أبارتايد)(104).
وتنعكس هذه التحولات في تمثلات الدعم الأميركي لإسرائيل ولمن ينبغي أن تكون الأولوية في إستراتيجية الولايات المتحدة في بعض استطلاعات الرأي العام بشأن الصيغة العملية لدور الولايات المتحدة في تسوية الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، بمعنى الحل النهائي وليس الإدارة المؤقتة للصراع. وتُظْهِر نتائج مركز الدراسات السياسية الأميركية في جامعة هارفارد، ومؤسسة هاريس، تمثلات انقسام المستجوبين حول مدى وجود إجماع على أن الحل على المدى الطويل للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي سيكون حلَّ الدولتين في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2025(105).
ويستعرض الشكل رقم (14) كيف أن آراء المستجوبين بلورت ثلاثة حلول ممكنة: أولها: "نهاية وجود إسرائيل وتحويل الأمور إلى حماس وبقية الفلسطينيين" بنسبة 12%. ويكمن التمثُّل الثاني للحلِّ في "استيعاب الدول العربية للفلسطينيين" بنسبة 19%، وهو تصور حاول نتنياهو وترامب الترويج له، في ربيع 2025، في دول مثل مصر أو الأردن أو السعودية. وأيَّدت أغلبية من المستجوبين بنسبة 68% أن الحل العملي هو قيام دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل. ويُمثِّل هذا التصور القشة التي كسرت ظهر البعير بين الولايات المتحدة بقيادة ترامب وبقية دول العالم، وخاصة الدول الأوروبية.
شكل (14): انقسام المستجوبين حول الحل على المدى الطويل للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي

يُثير موضوع التمثلات عن صورة إسرائيل ما قبل الحرب على غزة وما بعدها أبعادًا مختلفة في مقاربة التغيرات التي طرأت على هذه الصورة وتحولاتها، وتَتَبُّع ما يحدث حاليًّا في الغرب ذهنيًّا ونفسيًّا وسياسيًّا. ومن أفضل ما يختزل تطور تلك التمثلات على الذات اليهودية، خاصة في الغرب، موقف حدث بين حاخام في كنيس في الولايات المتحدة، وعالم نفس إكلينيكي اسمه مارك برافرمان (Mark Braverman)، وهو أميركي يهودي وُلِد في مدينة فيلادلفيا عام 1948 خلال قيام إسرائيل، وقرَّر التفرغ للعمل في قضايا السلام والعدالة في فلسطين منذ عام 2006. وكتب أن جدَّه كان "فلسطينيًّا يهوديًّا من الجيل الخامس". فخاطب الحاخام وسط كنيس مليء بالمصلين في موضوع: "كيف تكون يهوديًّا بعد التطهير العرقي للفلسطينيين؟" قائلًا: "أقول لك أيها الحاخام، سيأتي اليوم الذي سنركع فيه ندمًا ونضرب صدورنا خجلًا مما فعلناه، ولعل ذلك اليوم يأتي سريعًا وفي زماننا". بهذه الكلمات عبَّر برافرمان عن رؤيته للطريقة التي ينبغي أن ينظر بها اليهود إلى أنفسهم ودورهم فيما يجري". وأوضح أن المحرقة التي تعرَّض لها اليـهود في الماضي "ليست ما يُحدِّد هويتهم اليوم"، وأنهم باتوا "منخرطين في عملية تـطهير عرقي وفي النكبة ضد شعب آخر"، وهم السكان الأصليون في فلسطين، وقال: إن هذه هي "القصة التي ينبغي أن يعترفوا بأنها أصبحت تُمثِّلهم"(106).
نُشِرت هذه الدراسة في العدد السابع من مجلة الجزيرة لدراسات الاتصال والإعلام، للاطلاع على العدد كاملًا (اضغط هنا)
(1) "Ex-UN official calls Gaza security council vote ‘a day of shame’," middleeasteye.net, November 18, 2025, "accessed November 20, 2025". https://tinyurl.com/yc2p7n9r.
(2) Robert Satloff, "A Snapshot of Israel’s Deepening Diplomatic Isolation: Comparing Key UNGA Votes," 2017-2025," washingtoninstitute.org, September 15, 2025, "accessed November 20, 2025". https://tinyurl.com/3emz9xun.
(3) Lauren Kent, "From Diplomacy to Soccer, Israel is Becoming a Pariah on the Global Stage," CNN, September 28, 2025, "accessed November 20, 2025". https://tinyurl.com/333jyzw7.
(4) Ibid.
(5) The Independent International Commission of Inquiry on the Occupied Palestinian Territory, including East Jerusalem, and Israel, Legal Analysis of the Conduct of Israel in Gaza pursuant to the Convention on the Prevention and Punishment of the Crime of Genocide, Human Rights Council Sixtieth Session, A/HRC/60/CRP 3, (September 16, 2025), 15.
(6) "US takes control of Gaza, Trump eyes Sudan deal, and regime change risks in Venezuela: The Cheat Sheet," thenewhumanitarian.org, November 21, 2025, "accessed November 25, 2025". https://tinyurl.com/bdews587.
(7) International Association of Genocide Scholars, "IAGS Resolution on the Situation in Gaza," genocidescholars.org, August 31, 2025, "accessed November 20, 2025". https://tinyurl.com/44faxu64.
(8) Patrick Rateau et al., "Social Representation Theory," in Handbook of Social Psychology Theories, Paul A. M. Van Lange et al., (eds.), (Sage, 2012), 478.
(9) Birgitta Höijer, "Social Representations Theory: A New Theory for Media Research," Nordicom Review, Vol. 32, (2011): 2.
(10) Serge Moscovici, Social Representations. Explorations in Social Psychology, (Polity Press, January 2000), 153.
(11) Teun A. Van Dijk, "Power and the News Media," in Political Communication in Action: From Theory to Practice, ed. David L. Helfert, (Boulder, Colorado: Lynne Rienner Publishers, Inc, 2018), 12.
(12) Serge Moscovici, "Foreword," in Health and Illness: A Social Psychological Analysis, ed. Claudine Herzlich, (London: Academic Press, 1973), xiii.
(13) Rateau et al., "Social Representation Theory,", 477.
(14) Ibid.
(15) Max Weber, Economy and Society, (University of California Press, 1921), 343.
(16) Emile Durkheim, La Division du Travail, (Presses Universitaires de France, 1893) [The division of labor in society, The Free Press,1947], Les Règles de la Méthode Sociologique,1895 [The Rules of the Sociological method, The Free Press, 1982], Représentations individuelles et représentations collectives, Revue de Métaphysique et de Morale, Vol. 6, No. 3, (Mai 1898): 273−302.
(17) Rateau et al., "Social Representation Theory,", 479.
(18) Solomon Asch, "Forming Impressions of Personality," The Journal of Abnormal and Social Psychology, Vol. 41, No. 3, (1946): 258–290.
(19) Solomon Asch, Social Psychology, (Prentice-Hall, 1952), 61.
(20) Fritz Heider, The Psychology of Interpersonal Relations, (Wiley, 1958), 20.
(21) Leon Festinger, A Theory of Cognitive Dissonance (vol. 2), (Stanford University Press, 1957), 180.
(22) Höijer, "Social Representations Theory,": 3.
(23) Pascal Moliner, "On Serge Moscovici’s 95th Anniversary: The Theory of Social Representations," RUDN Journal of Psychology and Pedagogics, (translated from French by Inna B. Bovina), Vol. 17 No. 3, (2020): 547.
(24) Serge Moscovici, "Notes Towards a Description of Social Representations," European Journal of Social Psychology, Vol. 18, (1988): 214.
(25) Van Dijk, "Power and the News Media,", 11.
(26) Knut Lundby, "Introduction: Mediatization as Key," in Mediatization: Concept, Changes, Consequences, ed. Knut Lundby, (New York: Peter Lang Group AG, 2009), 1.
(27) Friedrich Krotz, "Explaining the Mediatization Approach," Journal of the European Institute for Communication and Culture, Vol. 24, No. 2, (2017): 106-107.
(28) Lundby, "Introduction: Mediatization as Key," 7.
(29) Stig Hjarvard, "The Mediatization of Religion: A Theory of media as Agents of Religious Change," Northern Lights, Vol. 6, No. 1, (2008): 9-26.
(30) Van Dijk, "Power and the News Media," 10.
(31) Norm Friesen, Theo Hug, "The Mediatic Turn: Exploring Concepts for Media Pedagogy," in Mediatization: Concept, Changes, Consequences, ed. Knut Lundby, (New York: Peter Lang Group AG, 2009), 66-67.
(32) Siegfried Schmidt, "Media Philosophy: A Reasonable Programme?," in Philosophy of the Information Society, Papers of the 30th International Wittgenstein Symposium, eds. Herbert Hrachovec et al., (Kirchberg am Wechsel, Austrian Ludwig Wittgenstein Society, 2007), Vol. 2, 89-105.
(33) Friedrich Krotz, "The Meta-Process of ‘Mediatization’ as a Conceptual Frame," Global Media and Communication, Vol. 3, No. 3, (2007): 257.
(34) Jesper Strömbäck, Frank Esser, "Shaping Politics: Mediatization and Media Interventionism," in Mediatization: Concept, Changes, Consequences, ed. Knut Lundby, (New York: Peter Lang Group AG, 2009), 208.
(35) Stig Hjarvard, "The Mediatization of Society: A Theory of the Media as Agents of Social and Cultural Change," Nordicom Review, Vol. 29, No. 2, (2008): 113.
(36) Moscovici, Social Representations, 46.
(37) Ibid, 51.
(38) Binaifer Nowrojee, "Starvation in Gaza and Our Global Shame," project-syndicate.org, Augst 15, 2025, "accessed November 22, 2025". https://tinyurl.com/38c37uux.
(39) Ibid.
(40) Francesca Albanese, "Gaza: This is the Shame of Our Time,", www.un.org, September 15, 2025, "accessed November 22, 2025". https://tinyurl.com/4kk5xe85.
(41) "The World’s Shame in Gaza," crisisgroup.org, September 2, 2025, "accessed November 22, 2025". https://tinyurl.com/4bzbu8x7.
(42) "Open Letter Calling for immediate implementation of EU measures against Israel’s unlawful actions in Gaza & the West Bank," Centre for European Policy Studies (CEPS), August 26, 2025, "accessed November 22, 2025". https://tinyurl.com/2s4k3rjv.
(43) "IAGS Resolution on the Situation in Gaza," op, cit.
(44) Ibid.
(45) Ibid.
(46) Samer Jaber, "Israel’s strategic failure is now apparent," Aljazeera.com, June 7, 2025, "accessed November 22, 2025". https://tinyurl.com/bdcu7h53.
(47) Ibid.
(48) Yossi Alpher, "Strategic Failure in Gaza," newjewishnarrative.org, July 21, 2025, "accessed November 22, 2025". https://tinyurl.com/4anndatp.
(49) The Independent International Commission of Inquiry on the Occupied Palestinian Territory, including East Jerusalem, and Israel, Legal Analysis of the Conduct of Israel in Gaza pursuant to the Convention on the Prevention and Punishment of the Crime of Genocide, Human Rights Council Sixtieth Session, A/HRC/60/CRP 3, (September 16, 2025), para 169, 52.
(50) Ibid, 53.
(51) Höijer, "Social Representations Theory,": 3.
(52) Harvard CAPS/Harris Poll, harvardharrispoll.com, August 2025, 57, "accessed November 22, 2025". https://tinyurl.com/57uj3rzt.
(53) Harvard CAPS/Harris Poll, harvardharrispoll.com, November 2025, "accessed November 22, 2025". https://tinyurl.com/y7mfk9sj.
(54) Harvard CAPS/Harris Poll, op, cit.
(55) University of Maryland Critical Issues Poll with SSRS, Americans Are Now More Sympathetic with Palestinians than Israelis Wide Gap Emerges Between Younger and Older Republicans, 29 July – 7 August 2025 among sample of 1514 respondents MOE +/- 2.9%.
(56) Harvard CAPS/Harris Poll, August 2025, 54.
(57) "Satellite imagery reveals total razing of Khuza’a in May 2025 in further evidence of Israel’s wanton destruction and genocide in Gaza," amnesty.org, June 13, 2025, "accessed November 20, 2025". https://tinyurl.com/5yrk2b8b.
(58) Harvard CAPS/Harris Poll, op, cit.
(59) William Galston, Jordan Muchnick, "Support for Israel Continues to Deteriorate, Especially Among Democrats and Young People," Brookings, (August 6, 2025), 1.
(60) Ibid, 4.
(61) "UK public opinion of Israel souring as Gaza war nears 2-year mark: Poll," arabnews.com, July 21, 2025, "accessed November 20, 2025". https://tinyurl.com/56x7zpzs.
(62) Yaron Peleg, New Hebrews: Making National Culture in Zion, (Cambridge University Press, June 2025).
(63) Yaron Peleg, "How Israel’s self-image changed from self-reliance to aggressive militarism," theconversation.com, August 7, 2025, "accessed November 20, 2025". https://tinyurl.com/5n9x92rn.
(64) فرانشيسكا ألبانيزي، الإبادة الجماعية في غزة: جريمة جماعية، A/80/492، الجمعية العامة للأمم المتحدة، 20 أكتوبر/تشرين الأول 2025، (25 أكتوبر/تشرين الأول 2025)، https://tinyurl.com/44vdjsks.
(65) المرجع السابق.
(66) Emory Elliott, "The Legacy of Puritanism," nationalhumanitiescenter.org, November 24, 2025, "accessed November 26, 2025". https://tinyurl.com/5crjnmpk.
(67) Francis Bremer, Puritanism: A very Short Introduction, (Oxford University Press, 2009), 25.
(68) Emory Elliott, "The Legacy of Puritanism," op, cit.
(69) Chas Freeman, "Chas Freeman on Israel’s self-inflicted existential crisis," mondoweiss.net, May 27, 2013, "accessed November 26, 2025". https://tinyurl.com/n9asuefy.
(70) Ibid.
(71) Jacob Heilbrunn, "Israel’s Fraying Image," nationalinterest.org, May 1, 2013, "accessed November 26, 2025". https://tinyurl.com/2dfz5k2z.
(72) Moscovici, "Notes Towards a Description of Social Representations,": 221.
(73) Ibid, 221.
(74) Ibid, 221.
(75) "Tucker Carlson slams Evangelical backing for Israel, exposes rift in America's Right," trtworld.com, October 28, 2025, "accessed November 26, 2025". https://tinyurl.com/4xpb3ua4.
(76) Rachel Leingang, "Tucker Carlson’s interview with far-right antisemite Nick Fuentes divides conservatives," The Guardian, October 31, 2025, "accessed November 26, 2025". https://tinyurl.com/yeypnypw.
(77) Ibid.
(78) Serge Moscovici, "The Phenomenon of Social Representations," in Social Representations, eds, Robert Farr, Serge Moscovici, (Cambridge University Press, 1984), 7-10.
(79) Chas Freeman, "Israel’s Fraying Image and Its Implications, mepc.org, 2013, "accessed November 26, 2025". https://tinyurl.com/pu7yphhm.
(80) للاستزادة، انظر جدول الدلالات المعجمية والمفهومية للصهيونية بين القرنين 18 و21 في دراسة نشرها الباحث بعنوان: "بنية الخطاب الصهيوني وجدلية الدلالات: من تنوير "التحرر الذاتي" إلى توحش الإبادة الجماعية"، مجلة الجزيرة لدراسات الاتصال والإعلام (مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، العدد 4، 31 يوليو/تموز 2024)، ص 189-235.
(81) Yaron Peleg, New Hebrews: Making National Culture in Zion, (Cambridge University Press, June 2025), 5-6.
(82) Simha Flapan, Zionism and the Palestinians, (Croom Helm, 1979), 11.
(83) محمد الشرقاوي، "بين خطابي الصهْيَنَة والفَلَسْطَنَة: تحول نَسَقي في تمثلات الرأي العام الغربي"، مركز الجزيرة للدراسات، 8 يناير/كانون الثاني 2024، (تاريخ الدخول: 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2025)، https://tinyurl.com/3uc564a6.
(84) Freeman, "Chas Freeman on Israel’s self-inflicted existential crisis," op, cit.
(85) Simon Cordall, "Spinning genocide: How is Israel using US PR firms to frame its Gaza war?," Aljazeera.com, October 30, 2025, "accessed November 20, 2025". https://tinyurl.com/2n2xyzay.
(86) Ibid.
(87) Ibid.
(88) Ibid.
(89) "First Jewish Anti-Zionist Congress Vienna 2025, Declaration of the Jewish Anti-Zionist Congress, Vienna," juedisch-antizionistisch.at, June 13-15, 2025, "accessed November 20, 2025". https://tinyurl.com/2s3k6j6d. (91) Ibid.
(90) Ibid.
(91) Ibid.
(92) Freeman, "Chas Freeman on Israel’s self-inflicted existential crisis," op, cit.
(93) Ibid.
(94) Hugo Bachega, "Are Israeli views shifting on the war in Gaza?," chathamhouse.org, September 17, 2025, "accessed November 20, 2025". https://tinyurl.com/5d6ef72z.
(95) Peleg, "How Israel’s self-image changed from self-reliance to aggressive militarism," op, cit.
(96) Ibid.
(97) John Mearsheimer, Stephen Walt, The Israel Lobby and U.S. Foreign Policy, (Farrar, Straus and Giroux, 2007), 113.
(98) Ibid, 132.
(99) Ibid,126-128.
(100) Ibid, 128-132.
(101) Curt Mills, "Israel First or America First?," theamericanconservative.com, September 10, 2025, "accessed November 20, 2025". https://tinyurl.com/26vcfcsp.
(102) Ibid.
(103) Ibid.
(104) Darrick Taylor, "America First Does Not Mean Unlimited Support for Israel," crisismagazine.com, February 25, 2025, "accessed November 20, 2025". https://tinyurl.com/2ptatwca.
(105) Harvard CAPS/Harris Poll, November 2025, 70.
(106) Mark Braverman, "How to be a Jew After the Nakba," youtube.com, April 29, 2014, "accessed November 20, 2025". https://tinyurl.com/4z9d4557