الحرب على إيران: شاملة أم محدودة؟

تجددت الحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران، فهل تكون محدودة كسابقتها في يونيو/حزيران 2025 أم تتحول إلى حرب شاملة؟ هذا ما يحاول هذا التعليق الإجابة عليه. ثمة عدة سيناريوهات يمكن أن تسير وفقها الأحداث في المدى القريب، ولكن نهاية الحرب ستحددها النتائج التي يستطيع كل طرف تسويقها على أنها تحقيق لأهدافه.
1 March 2026
آثار الانفجارات في العاصمة طهران جراء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك (الفرنسية)

مع بداية الهجوم الأميركي/الإسرائيلي على إيران، صباح السبت 28 فبراير/شباط 2026، انتقلت منطقة الشرق الأوسط من حالة اللاحرب واللاسلم إلى حالة حرب جديدة. قد تكون هذه الحرب محدودة، وقد تتسع أكثر من ذلك، أو تختط لنفسها مسارًا جديدًا. وفي كل الأحوال ينبغي النظر إليها بوصفها امتدادًا لحرب الاثني عشر يومًا، في يونيو/حزيران الماضي. في هذا التعليق، سنجيب على أسئلة ثلاثة: أولها عن إمكانية توسع الحرب لتكون حربًا إقليمية شاملة. وثانيها عن إمكان سقوط النظام في إيران بفعل هذه الحرب. وثالثها عن مخارج الحرب الممكنة لأطراف الحرب.

هل نحن أمام حرب شاملة؟

لقد انتقل الوضع تمامًا من حافة الحرب إلى حرب إقليمية متعددة المسارح، لكن هل ستكون محدودة أم تكون شاملة؟ بالعملية المشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة، والرد الإيراني الذي استهدف القواعد الأميركية في الخليج، تكون معطيات الحرب الإقليمية قد أصبحت واضحة تمامًا، لكن بقاءها محدودة راجح لعدة عوامل:

- ستسعى الولايات المتحدة لحصر الاشتباك بدلًا من الدخول في حملة مفتوحة، وذلك بالعمل على حماية القواعد وتعزيز الدفاعات الجوية وتبادل رسائل ردع مع إيران لمنع ضربات إضافية داخل دول الخليج.

- صحيح أن إسرائيل ستسعى لاستدامة الضربات مقابل كبح أميركي لسقفها، لكن توسيع الأهداف سيتجه بالأساس إلى مواقع عسكرية وأمنية وستتجنب ما من شأنه أن يؤدي إلى إغلاق المضائق وإحراج حليفيها، الأميركي والإماراتي.

- سترد طهران بما يكفي من القوة لتثبيت معادلة الردع متجنبة توسيع ضرب دول الخليج وما يؤدي لإغلاق هرمز. وسيكون اعتمادها أكثر على القصف الصاروخي الموجه.

- من جهتها، ستسعى دول الخليج لحصر الاستهداف في القواعد الأميركية وعدم توسعه إلى الداخل. وستعزز دفاعاتها وتتحرك دبلوماسيًّا لوقف التصعيد.

- الكابح الاقتصادي سيكون الأسرع والأقوى بهدف منع الانزلاق نحو الحرب الشاملة. وسيدفع ذلك إلى تدخل دولي مباشر لمنع توسع رقعة الحرب واستهداف الملاحة والطاقة.

السيناريوهات القريبة

في حدود أسبوع إلى أسبوعين، يمكن توقع السيناريوهات التالية لمسار الحرب:

- السيناريو الأرجح: تصعيد قصير ومحدود يُترجَم في تبادل ضربات منضبطة ومحدودة، تعقبها تهدئة عبر قنوات خلفية.

- السيناريو الأخطر والأقل ترجيحًا: ضربات نوعية يصحبها خطأ في تقدير الموقف الميداني، يترتب عليه توسيع محدود للجبهات، يعقبه تدخل دولي عاجل للاحتواء.

- سيناريو الانفجار الشامل وهو مستبعد حسب المعطيات الراهنة: كسر الخطوط الحمراء مجتمعة والانتقال إلى حرب شاملة متعددة المسارح تتعطل بموجبها الملاحة ويُغلق مضيق هرمز.

إذن، وفق السناريو الأرجح، ما نشهده حرب محدودة تعيد تثبيت قواعد الردع، وستتوقف قبل أن تصبح غير قابلة للضبط. لكن هل يمكن أن تتوقف الحرب دون تحقيق الهدف الأميركي/الإسرائيلي المعلن بتغيير النظام؟

لابد قبل الإجابة على هذا السؤال من التنبيه إلى أن هدف إسقاط النظام هدف دعائي رغبوي أكثر منه هدفًا قابلًا للتحقق عسكريًّا. وقد وُضع هذا الهدف على الطاولة نتيجة تفاعلات اجتماعية وسياسية وأمنية مركبة وليس نتيجة حسابات عسكرية دقيقة. لذلك، ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار الحقائق التالية:

- طوال تاريخها، لم تنجح الضربات العسكرية الجوية والصاروخية في إسقاط نظام. لكنها بالتأكيد تسهم في إضعاف قدرات الأنظمة المستهدفة دون إسقاطها أو نقل السلطة إلى حكومات بديلة. في الوقت نفسه لا توجد أداة عسكرية جاهزة لملء الفراغ حال إسقاط النظام أو قطع رأسه.

- في الحالة الإيرانية الراهنة، لم يُهيَّأ بديل مقبول، ولا يوجد بديل داخلي منظم يمكنه تسلم السلطة فوريًّا. ومن شأن إسقاط النظام دون بديل حدوث فوضى كبيرة في المنطقة، فإيران يعيش فيها أكثر من ثمانين مليون نسمة، وتمتد على مساحة جغرافية ضخمة، ومن شأن الفوضى فيها نشر الفوضى في الإقليم كله.

- تحوُّل الهدف أثناء الحرب: من الوارد تمامًا أن يتحوَّل الهدف من تغيير النظام إلى رسم قواعد الردع وتغيير سلوك النظام، بهدف تحقيق المصالح وضمان أمن الملاحة وتدفق الطاقة والمحافظة على استقرار المنطقة.

- الانزلاق نحو حرب مفتوحة وما قد يترتب عليها من تفكك النظام لا يبدو واردًا في السياسة الأميركية، مع أن إسرائيل ستدفع بقوة لحسم هذا الأمر رغم أنها لا تملك القدرة على إدارة اليوم التالي داخل إيران.

- من شأن إعلان هدف إسقاط النظام أن يوحِّد الجبهة الداخلية الإيرانية ويُضعف احتمالات الانشقاق داخل النظام، فيتحول الهجوم إلى رافعة لتعزيز شرعية النظام المستهدف بدل إضعافه أو إسقاطه.

كيف يمكن أن تنتهي الحرب؟

الراجح أن تُختم هذه الحرب المحدودة، حتى وإن امتدت على بضعة أيام، بإعلان تدمير أو تعطيل قدرات إيرانية محددة مثل قواعد إطلاق الصواريخ والحد من إنتاجها، والقضاء على البرنامج النووي، وتحييد قيادات عسكرية وسياسية ذات رمزية عالية. يلي ذلك إعلان وقف الحرب بناء على وساطة، وتسويق النتيجة كونها "نصرًا إستراتيجيًّا"، حتى مع بقاء النظام. في الخلاصة، يمكننا القول: إن الحرب ستنتهي بمجرد الشعور بتحقق معادلة ردع جديدة يمكن تسويقها إعلاميًّا في صيغة مخارج مقبولة لمختلف الأطراف. وقد تكون على النحو التالي:

أولًا: الإعلان عن زوال الخطر الذي كانت تمثله إيران بزعم تعطل البرنامج النووي أو الصاروخي أو البنى القيادية الأساسية، يصحب ذلك وقف إطلاق نار غير معلن. وسيكون تسويق هذا المخرج عن طريق تصريحات أميركية وإسرائيلية تعلن إزالة هذا الخطر الوجودي والعودة إلى قواعد الردع التقليدي المحدد. من جهتها، ستقول إيران في تسويق هذا المخرج، إن نظامها صامد ولا تغيير سياسيًّا لا في الحكم ولا في المواقف. هذا المخرج أقرب للتحقق لأنه يترجم هدفًا عسكريًّا واقعيًّا دون الحديث عن اليوم التالي وما يترتب عليه.

ثانيًا: الاتفاق على قواعد اشتباك جديدة، عن طريق الوسطاء، مصحوب بوقف لإطلاق النار. من شأن ذلك إنهاء تبادل القصف المباشر وتقليص المساحة الإقليمية بالحدود المعروفة مع تفعيل آليات إنذار مبكر مشتركة. ستسوِّق إسرائيل وأميركا هذا المخرج بأنه فرض لسلوك جديد أكثر انضباطًا على إيران، بينما ستسوقه طهران بأنه اعتراف عملي بدورها مع إنهاء الاستهداف الوجودي للدولة والنظام. وتبدو واقعية هذا الخيار في أنه يوقف الدورات التصعيدية دون تنازلات محرجة أو موجعة.

ثالثًا: يحصل من خلال التفاوض غير المباشر تجميد لبعض الملفات العسكرية النووية أو الصاروخية مقابل تخفيف بعض العقوبات خاصة في المجال المالي والإنساني. يمكن تسويق هذا المخرج أميركيًّا بأنه نجاح في احتواء الخطر مع تجنب حرب طويلة ومكلفة، وستنظر إليه إسرائيل على أن الخطر الإيراني بات تهديدًا مؤجلًا وخاضعًا للمراقبة. أما إيران فستسوقه بكونه يحقق مكاسب اقتصادية وسياسية ويمنع سقوط النظام. تكمن واقعية هذا المخرج في أنه يستعيد منطق الصفقة بأقل كلفة سياسية بعد الصدمة العسكرية.

ختامًا، يظل هدف إسقاط النظام هدفًا تعبويًّا، أما الهدف الحقيقي للحرب فهو تحقيق صفقة تعيد الردع، وفقًا لقواعد جديدة يصاحبها تغيير في سلوك النظام لا تغيير بنيته السياسية.

ABOUT THE AUTHOR