مضيقا هرمز وباب المندب في معادلة الحرب وأمن الطاقة العالمي

يشكل مضيقا هرمز وباب المندب ركيزتين حاكمتين في معادلة الحرب وأمن الطاقة العالمي، إذ يتجاوز دورهما كونهما ممرين بحريين إلى كونهما أداتي ردع وضغط استراتيجي. فتهديد الملاحة فيهما يدخل مباشرة في حسابات الكلفة وإدارة التصعيد وحدود التوسع في الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، نظرًا لما يحمله من تداعيات فورية على أسواق النفط والتجارة الدولية.
(الجزيرة)

مع اندلاع الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران، صباح السبت 28 فبراير/شباط 2026، اتسعت رقعة الصراع لتشمل المجال البحري بوصفه عنصرًا حاسمًا في معادلة المواجهة. فقد وضعت الحرب الراهنة الحقيقةَ المتعلقةَ بأمن المضايق موضع الاختبار؛ إذ يشكِّل مضيقا هرمز وباب المندب عقدتي اختناق في بنية الاقتصاد العالمي، وأي توتر فيهما ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة والتجارة الدولية وعلى استقرار النظام الاقتصادي العالمي.

مضيق هرمز

يقع مضيق هرمز بين الساحل الإيراني شمالًا وسلطنة عُمان جنوبًا، ويبلغ عرضه نحو 33 كيلومترًا في أضيق نقاطه، مع ممرات ملاحية محدودة لكل اتجاه. يمثل المنفذ البحري الرئيس لصادرات الطاقة الخليجية إلى المياه المفتوحة ما يمنحه موقعًا محوريًّا في منظومة الطاقة العالمية. يمر عبره أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا، وما يقارب خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًّا، إضافة إلى نسبة تقارب خمس الاستهلاك النفطي العالمي. هذه المؤشرات تكشف عن وزن مركزي يجعل أي اضطراب في المضيق ذا أثر فوري في الأسعار، والتأمين البحري، والاستقرار المالي الدولي.

من إجمالي تدفقات الطاقة العابرة عبر مضيق هرمز، يتجه نحو 83% إلى الأسواق الآسيوية، وفي مقدمتها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية. هذا الاعتماد الكثيف يمنح المضيق بُعدًا يتصل مباشرة بأمن الطاقة في آسيا الصناعية، ويحوِّله إلى نقطة توازن حساسة في العلاقة بين الخليج والاقتصادات الكبرى في الشرق الأقصى.

تعزز البنية الجغرافية للمضيق هذا الثقل الإستراتيجي؛ إذ تنتشر فيه جزر تمثل نقاط تحكم عملياتية، من أبرزها: قشم وهرمز ولارك وهنجام، إضافة إلى جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى والفارور عند المدخل الشمالي. توفر هذه الجزر مواقع رصد وسيطرة على الممر الملاحي، وتمنح الدولة التي تبسط نفوذها عليها قدرة عملية على التأثير في حركة السفن، سواء عبر أدوات الردع أو عبر وسائل عسكرية مباشرة. بذلك تتجسد الجغرافيا الدقيقة عنصرًا فاعلًا في معادلة التحكم البحري.

يرتبط مضيق هرمز كذلك بإطار قانوني دولي حساس. فهو يخضع لنظام "المرور العابر"، وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، بما يضمن انسياب الملاحة الدولية بين جزأين من أعالي البحار أو منطقتين اقتصاديتين خالصتين. في المقابل، تتمسك إيران وسلطنة عُمان بمقاربة تميل إلى إخضاع بعض أنماط الملاحة، خصوصًا العسكرية، لاعتبارات أقرب إلى نظام "المرور البريء"، بما يمنحهما مساحة أوسع لمراعاة اعتبارات السيادة والأمن. هذا التباين القانوني يشكِّل بعدًا إضافيًّا في معادلة التوتر؛ حيث تتداخل الاعتبارات القانونية مع الحسابات العسكرية والسياسية.

شهد المضيق سابقة عملية تؤكد قابليته للتحول إلى أداة ضغط اقتصادي مباشر، وذلك خلال ما عُرف بـ"حرب الناقلات" في النصف الثاني من الحرب العراقية-الإيرانية (1984–1988). فقد جرى استهداف متبادل لناقلات النفط وزرع ألغام بحرية في مسارات الملاحة؛ ما أدى إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، واستدعى تدخلًا عسكريًّا دوليًّا واسعًا لحماية السفن وضمان استمرار تدفق النفط. أظهرت تلك المرحلة أن توظيف المضيق في الصراع يمتد أثره سريعًا إلى أسواق الطاقة العالمية، ويعيد رسم حدود التدخل الدولي في المنطقة.

مضيق باب المندب

يقع مضيق باب المندب بين اليمن شرقًا وجيبوتي وإريتريا غربًا، بعرض يتراوح بين 26 و30 كيلومترًا، ويربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ليشكِّل البوابة الجنوبية لقناة السويس. يمر عبره نحو 9% من تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًّا، إضافة إلى حصة معتبرة من الغاز الطبيعي المسال والمنتجات النفطية، ويعبره أكثر من 21 ألف سفينة سنويًّا في الظروف العادية. يمثل المضيق حلقة أساسية في الربط بين صادرات الخليج والأسواق الأوروبية، وفي سلاسل الإمداد بين آسيا وأوروبا عبر البحر الأحمر.

تتجلى حساسية باب المندب في بنيته الجغرافية العملياتية؛ إذ تقسمه جزيرة بريم اليمنية إلى قناتين: قناة إسكندر شرقًا بعرض يقارب 3 كيلومترات وعمق محدود، وقناة دقة المايون غربًا بعمق يصل إلى نحو 310 أمتار. هذا التكوين يمنح من يسيطر على الجزيرة أو السواحل المرتفعة المحيطة قدرة مباشرة على الرصد والتأثير في الملاحة، ويجعل المضيق قابلًا للتأثر بوسائل تعطيل محدودة نسبيًّا من حيث الكلفة العسكرية.

تعكس الكثافة العسكرية الدولية في محيط باب المندب إدراك القوى الكبرى لحساسيته الإستراتيجية. فالمنطقة تستضيف تمركزات عسكرية لقوى دولية كبرى، إلى جانب حضور إقليمي متزايد في سواحل القرن الإفريقي واليمن، ما يجعل المضيق محاطًا ببيئة أمنية عالية التركيز العسكري. كما أظهرت السنوات الأخيرة قدرة فاعلين من غير الدول على استخدام صواريخ ومسيرات وألغام بحرية لتهديد السفن، ما أضفى على أمن المضيق بُعدًا غير تقليدي يتجاوز منطق الدولة وحدها.

أثبتت الوقائع القريبة، ولاسيما خلال فترة الحرب الإسرائيلية على غزة، قابلية باب المندب للتحول إلى أداة ضغط فعَّالة عندما انخرط فاعلون مسلحون في تهديد الملاحة. فقد أدى استهداف سفن تجارية إلى اضطرار شركات شحن دولية إلى تحويل مساراتها حول رأس الرجاء الصالح، بما أضاف نحو 6 آلاف ميل بحري إلى الرحلة بين آسيا وأوروبا، وزاد زمن الشحن وكلفته، وانعكس سريعًا على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد.

بنية تكاملية

عند النظر إلى هرمز وباب المندب في إطار واحد، تتضح بنيتهما التكاملية. يتحكم مضيق هرمز في خروج النفط والغاز الطبيعي المسال من الخليج، بينما يتحكم مضيق باب المندب في انتقال جزء معتبر من هذه التدفقات إلى البحر المتوسط وأوروبا عبر قناة السويس. تشكل هذه السلسلة محورًا مترابطًا يبدأ عند المنبع ويمر بعقدة عبور إستراتيجية قبل الوصول إلى الأسواق العالمية. أي اضطراب ممتد في إحدى الحلقتين يضغط على منظومة الطاقة والتجارة الدولية، وأي توتر متزامن يعيد تشكيل كلفة الصراع وحدوده وسقفه العملياتي على نطاق أوسع.

في هذا السياق البنيوي، تجلَّى البعد البحري عمليًّا في الساعات الأولى للحرب مع إعلان طهران استهداف ناقلة نفط قالت إنها لم تمتثل لتعليمات الحرس الثوري، في رسالة مباشرة بأن الممرات البحرية دخلت صلب حسابات الردع والتصعيد. وفي تطور لاحق، أظهرت بيانات تتبع ملاحية توقف مئات السفن قرب مضيق هرمز وتراجع حركة ناقلات النفط عبره بصورة مؤقتة، في سلوك احترازي عَكَسَ تصاعد تقدير المخاطر. هذا النمط من التوقف الوقائي يوضح أن تأثير المضيق في الاقتصاد العالمي لا يتطلب إعلان إغلاق رسمي؛ إذ يكفي ارتفاع مستوى التهديد لدفع الشركات إلى تعليق العبور أو تأجيله، بما ينعكس فورًا على تكاليف الشحن والتأمين ويغذي التقلبات في أسواق الطاقة.

كشفت الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران منذ يومها الأول أن أمن المضايق البحرية يمثل أحد المرتكزات الهيكلية للأمن الدولي في القرن الحادي والعشرين. فاستقرار الاقتصاد العالمي يرتبط بضمان انسياب الملاحة عبر ممرات ضيقة جغرافيًّا، واسعة الأثر إستراتيجيًّا، تتقاطع فيها الجغرافيا مع القانون الدولي، وتتداخل فيها حسابات الردع البحري مع معادلات النمو الاقتصادي العالمي. بهذه المعطيات، يشكل مضيقا هرمز وباب المندب معًا ركيزتين مركزيتين في معادلة الحرب وأمن الطاقة العالمي ضمن إطار جيوستراتيجي متكامل، ويدخلان مباشرة في حسابات الكلفة والردع وإدارة التصعيد وحدود التوسع في العمليات لدى أطراف المواجهة.

ABOUT THE AUTHOR