تشكِّل الحرب التي تشنها الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل على إيران، منذ 28 فبراير/شباط 2026، تطورًا جيوسياسيًّا بالغ التأثير تتجاوز تداعياته نطاق أطرافه المباشرين بحكم الموقع المركزي لإيران في معادلات الطاقة والملاحة الدولية. فهذه المواجهة لا تنحصر في بعدها العسكري، بل تمتد سريعًا إلى الاقتصادين، الإقليمي والعالمي، عبر قنوات مترابطة تشمل أسواق النفط والغاز، وحركة الشحن البحري، وسلاسل الإمداد، وتدفقات رؤوس الأموال. ومع تصاعد المخاطر في مضيقي هرمز وباب المندب، يتزايد احتمال اضطراب أحد أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم، بما يوسِّع دائرة التأثر لتشمل دولًا ليست طرفًا مباشرًا في النزاع، لكنها ترتبط به موضوعيًّا لاعتمادها على استقرار هذه الممرات والأسواق. وتأتي مصر في مقدمة هذه الدول، بحكم موقعها الجغرافي المحوري، ودورها في منظومة الملاحة الدولية، واعتمادها النسبي على موارد خارجية للنقد الأجنبي والطاقة.
ويتزامن هذا التصعيد مع مرحلة اقتصادية دقيقة تمر بها مصر منذ عام 2020، اتسمت بتوالي الضغوط الخارجية، بدءًا من ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة عالميًّا، وصولًا إلى اتجاه البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة إلى رفع أسعار الفائدة بشكل متتالٍ؛ ما عزز جاذبية الاستثمار في تلك الأسواق على حساب الأسواق الناشئة، وأدى إلى خروج جزء من التدفقات الرأسمالية من دول مثل مصر. وقد ترافقت هذه التطورات مع تسارع معدلات التضخم وتراجعات متتالية في سعر صرف الجنيه، انعكست على تكلفة الواردات وأعباء خدمة الدَّيْن. وفي ظل اعتماد الاقتصاد المصري على موارد رئيسية للنقد الأجنبي -في مقدمتها قناة السويس، والسياحة، وتحويلات العاملين بالخارج- جاءت الحرب لتضيف صدمة جيوسياسية جديدة إلى بيئة اقتصادية تتسم أصلًا بدرجة مرتفعة من الحساسية للتقلبات الخارجية؛ ما يفرض قراءة دقيقة لتداعياتها القطاعية والكلية.
التأثير في قطاع الطاقة
يأتي قطاع الطاقة في صدارة القطاعات الأكثر حساسية لتداعيات الحرب. فقد اعتمدت مصر خلال السنوات الأخيرة على مزيج من الإنتاج المحلي واستيراد الغاز عبر خطوط إقليمية، إذ بلغت وارداتها من الغاز الطبيعي الإسرائيلي نحو 1.1 مليار قدم مكعب يوميًا في فترات ذروة الإنتاج من حقلي "تمار" و"ليفياثان". ومع توقف هذه الإمدادات بفعل الحرب، تتجه الدولة إلى تأمين احتياجاتها عبر السوق العالمية من خلال تعاقدات قصيرة الأجل بأسعار آنية.
وحتى الآن، لم ينعكس توقف الإمدادات في صورة عجز فعلي في السوق المحلية، إلا أن الاعتماد المتزايد على الشراء من الأسواق قصيرة الأجل يظل خيارًا أعلى تكلفة وأكثر عرضة للتقلبات السعرية. وإذا ما تزامن ذلك مع ارتفاع عالمي في أسعار النفط والغاز نتيجة تهديد ممرات الطاقة، فإن فاتورة الاستيراد ستكون مرشحة للزيادة، بما يضغط على احتياطي النقد الأجنبي ويزيد أعباء الموازنة العامة، لا سيما في ما يتعلق بدعم الطاقة وتكلفة إنتاج الكهرباء والصناعات كثيفة الاستهلاك.
وقد تجلّت آثار هذا التحول عمليًا مع إعلان مصر إيقاف ضخ نحو 100 مليون قدم مكعب يوميًا من الغاز إلى سوريا ولبنان عبر خط الغاز العربي، في أعقاب توقف الإمدادات الواردة من شرق المتوسط. كما جرى إعادة توجيه الكميات التي كانت تصل عبر سفينة التغويز "إنيرجوس فورس" في ميناء العقبة لتلبية الطلب المحلي في مصر والأردن، بعد قرار إسرائيل تعليق توريد الغاز كإجراء احترازي عقب الهجوم على إيران. ويعكس هذا التطور أولوية تأمين الاحتياجات الداخلية، ويؤكد في الوقت ذاته درجة الترابط العالية لشبكة الغاز الإقليمية وحساسيتها للتطورات الجيوسياسية.
إيرادات قناة السويس
يمثل تراجع إيرادات قناة السويس أحد أكثر مسارات التأثر حساسية في الاقتصاد المصري، نظرًا لكونها مصدرًا رئيسيًّا للعملة الأجنبية وركيزة أساسية في تمويل احتياجات البلاد من النقد الأجنبي. وتتضح أهمية هذا الدور في الأرقام المسجلة خلال السنوات الأخيرة؛ إذ حققت القناة إيرادات قياسية بلغت نحو 9.4 مليارات دولار في العام المالي 2022/2023؛ ما رسَّخ مكانتها كأحد أهم الموارد الدولارية الداعمة للاقتصاد المصري.
غير أن الحرب وما صاحبها من تصاعد المخاطر الأمنية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، فضلًا عن استهداف السفن في مضيق هرمز، أعادت تشكيل حسابات شركات الشحن العالمية؛ إذ اتجهت بعض الخطوط الملاحية إلى تحويل مساراتها نحو رأس الرجاء الصالح. ورغم أن هذا التحول قد يكون جزئيًّا أو مؤقتًا، فإن انعكاساته المباشرة تتمثل في انخفاض أعداد السفن العابرة للقناة، بما يعني تراجعًا ملموسًا في الإيرادات إذا ما استمرت الأزمة لفترة ممتدة.
وباعتبار قناة السويس أحد الأعمدة الرئيسية لتوفير النقد الأجنبي، فإن أي تراجع طويل الأمد في إيراداتها لا ينعكس فقط على الحصيلة الدولارية، بل يؤثر مباشرة في قدرة الاقتصاد على تمويل احتياجاته الخارجية، ويزيد الضغوط على ميزان المدفوعات، ويرفع درجة هشاشة سوق الصرف أمام التقلبات الإقليمية والدولية.
سوق الصرف
على مستوى سوق الصرف، عزَّزت الحرب مناخ عدم اليقين في الأسواق المالية، ودفعت المستثمرين إلى إعادة تقييم المخاطر المرتبطة بالأسواق الناشئة. ومع تصاعد الطلب التحوطي على الدولار وتراجع شهية المستثمرين الأجانب للاحتفاظ بأدوات الدين المحلية، ازداد الضغط على العملة المحلية. وقد ارتفع سعر الصرف من نحو 47 جنيهًا للدولار قبيل الحرب إلى ما تجاوز 49 جنيهًا، بما يعكس تراجعًا يقارب 4% في قيمة الجنيه خلال فترة وجيزة.
ولا يظل هذا التراجع محصورًا في سوق العملات، بل ينعكس مباشرة على تكلفة الواردات الأساسية، وفي مقدمتها القمح والوقود ومدخلات الإنتاج الصناعي. ونظرًا لأن ارتفاع سعر الدولار يُترجم سريعًا إلى زيادة في أسعار السلع داخل السوق المصرية، فإن استمرار الضغوط على الجنيه قد يؤدي إلى موجة جديدة من الغلاء؛ ما يضع البنك المركزي أمام خيار صعب: إما رفع أسعار الفائدة للحد من التضخم -مع ما قد يترتب على ذلك من تباطؤ في النشاط الاقتصادي- أو تجنب المزيد من رفع الفائدة للحفاظ على وتيرة النمو مع تحمل مستويات تضخم أعلى.
قطاع السياحة
يمثل قطاع السياحة أحد الركائز الأساسية لتوفير النقد الأجنبي في الاقتصاد المصري، كما يُعد من أكثر القطاعات تأثرًا بالاضطرابات الجيوسياسية. ووفق البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة السياحة والآثار والبنك المركزي المصري، استقبلت مصر نحو 14.9 مليون سائح خلال عام 2023، محققة إيرادات بلغت قرابة 13.6 مليار دولار، وهو ما يعكس الوزن النسبي الكبير للقطاع في دعم ميزان المدفوعات.
غير أن السياحة بطبيعتها قطاع شديد الحساسية للمخاطر الأمنية والتوترات الإقليمية، حتى وإن لم تكن الدولة المقصودة طرفًا مباشرًا في النزاع؛ فقرارات السفر تتأثر سريعًا بتقديرات المخاطر، كما أن ارتفاع أقساط التأمين وتوسيع نطاق تحذيرات السفر قد يدفعان إلى إلغاء أو تأجيل الرحلات، لاسيما إلى مناطق البحر الأحمر وجنوب سيناء التي تستحوذ على نسبة معتبرة من الحركة السياحية.
وأي تراجع ملموس في أعداد السائحين لا ينعكس فقط في انخفاض الإيرادات الدولارية، بل يمتد أثره إلى معدلات التشغيل، ونشاط الفنادق والطيران الداخلي، والقطاعات الخدمية المرتبطة؛ ما يضاعف الأثر الاقتصادي للحرب على القطاع السياحي وعلى الاقتصاد الكلي بوجه عام.
خروج رؤوس الأموال قصيرة الأجل
في السياق المصري، يمثل تصاعد التوترات الجيوسياسية عامل ضغط مباشرًا على استثمارات الأجانب في أدوات الدين المحلية، ولاسيما أذون وسندات الخزانة. ووفق بيانات البنك المركزي المصري المنشورة ضمن تقارير ميزان المدفوعات، شهدت مصر في فترات سابقة من الاضطراب العالمي موجات تخارج ملحوظة لاستثمارات المحافظ الأجنبية، انعكست على مستويات السيولة الدولارية وسعر الصرف.
وتُظهر بيانات وزارة المالية أن الأجانب يمثلون شريحة مهمة من المستثمرين في سوق أدوات الدين الحكومية؛ ما يجعل هذه السوق حساسة لأي تغير في شهية المخاطرة العالمية. ومع ارتفاع مستوى عدم اليقين، قد يتجه بعض المستثمرين إلى تقليص استثماراتهم، بما يؤدي إلى ضغوط على سعر الصرف نتيجة زيادة الطلب على العملات الأجنبية، فضلًا عن ارتفاع تكلفة الاقتراض الحكومي مع مطالبة المستثمرين بعوائد أعلى لتعويض المخاطر.
كما أن استمرار ارتفاع أسعار الفائدة في الاقتصادات الكبرى يزيد من كلفة جذب التمويل الخارجي، ويرفع عبء خدمة الدين العام في الموازنة؛ ما يحد من قدرة المالية العامة على امتصاص الصدمات المتتالية دون ضغوط إضافية.
خاتمة
تتوقف المحصلة النهائية لهذه التداعيات على عاملين رئيسيين: مدة الحرب واتساع نطاقها. ففي حال قصر أمد الصراع واحتواء آثاره على ممرات الطاقة والملاحة، قد تظل الضغوط ضمن نطاق يمكن إدارته عبر سياسات نقدية ومالية حذرة، إلى جانب تعزيز مصادر النقد الأجنبي البديلة. أما إذا طال أمد الحرب أو اتسعت جغرافيًّا بما يهدد استقرار أسواق الطاقة والملاحة لفترة ممتدة، فإن التراكم المتزامن للضغوط على الطاقة، وقناة السويس، والسياحة، وسعر الصرف، قد يفرض تحديات هيكلية أعمق على الاقتصاد المصري.
في المحصلة، تؤكد الحرب الراهنة أن التكلفة الاقتصادية للصراعات لا تقتصر على أطرافها المباشرين، بل تمتد عبر الحدود بفعل الترابط العميق للاقتصاد العالمي. ومصر، وإن لم تكن طرفًا مباشرًا في هذا النزاع، تجد نفسها في قلب تداعياته بحكم موقعها ودورها ووضعها الاقتصادي. وسيظل العامل الزمني -مدة الحرب ومسار أسواق الطاقة والتجارة- المحدِّد الحاسم بين صدمة عابرة يمكن احتواؤها، وأزمة ممتدة تتطلب إعادة ترتيب أولويات السياسة الاقتصادية في بيئة إقليمية ودولية شديدة الاضطراب.