"ما بعد خامنئي" إيرانيا وخليجيا

تعيش إيران مرحلة جديدة بعد اغتيال مرشدها الأعلى السابق. ورغم أن الترتيبات الدستورية لملء الفراغ واضحة، فإن المرحلة الانتقالية مليئة بالتحديات، حيث تتداخل الشرعيات الدينية والدستورية والسياسية مع موازين القوة العسكرية والأمنية. من جهتها، تواجه دول الخليج مأزقا في التعامل مع السعي الإيراني لضرب التحالف الخليجي الأميركي ورفع كلفة الحرب على واشنطن وحلفائها.
4 March 2026
(رويترز)

بعد اغتيال أميركا وإسرائيل، في هجمة مشتركة، مرشد إيران علي خامنئي، بات بديهيا أن البلد دخل مرحلة "ما بعد خامنئي"، ودخل في مرحلة ترتيبات الخلافة وما يتعلق بها. لكن الإقليم أيضا دخل في مرحلة جديدة مختلفة عمّا كانت ستكون عليه لو لم يقتل الرجل.

إن غياب خامنئي لا يعني سقوط النظام، بل دخوله في أزمة مركبة، تتداخل فيها الشرعيات الدينية والدستورية والسياسية، مع موازين القوة الصلبة عسكريا وأمنيا. فالملاحظ بوعي وكثافة هو غياب شخصية آسرة، تملأ الموقع يسلم لها الجميع بذلك، خاصة أن الإيرانيين يفتقدون تجربة تاريخية في الانتقال القيادي في ظرفية كهذه، وإن تبين من حرب الإثني عشر يوما وبداية هذه الحرب، قدرتهم على ملء الفراغات القيادية بسرعة وفعالية. وليس هذا محل القياس الظرفي، فنحن في هذه اللحظة أمام رمز ديني وسياسي ولسنا أمام فراغ مؤسسي عادي.

في الداخل، الإيرانيون معنيون بترتيبات الخلافة، انطلاقا من التمييز الحدي بين المعلوم مؤسسيا، من حيث الدستور والآليات المتبعة، وبين الاحتمال السياسي المبني على توازنات القوة داخل النظام الإيراني المعقد. أما على مستوى الإقليم والحرب الدائرة، فلا بد من قراءة مسارات الصراع انطلاقا من الأهداف المعلنة للطرفين في ضوء مصرع رجل إيران القوي.

تجيب هذه الورقة على إشكالية مركزية تتعلق بكيفية إدارة مرحلة الخلافة في إيران، بالسيناريوهات المرجحة لتوازنات الداخل وتداعياتها الإقليمية، خاصة على دول الخليج العربية.

الدستور والآليات

بين الفينة والأخرى، يُتوقع انتخاب مرشد إيران الجديد سواء أعلن اسمه أو لم يعلن. فالخطوات تحركت في ذلك الاتجاه، والمعطيات تقول إن الإعلان قضية وقت. فالترتيبات الدستورية واضحة، وخيارات المرشد السابق ومن حوله معروفة لدى الجهات المعنية بهذا الأمر. ينص الدستور الإيراني بشكل واضح في المادة 111 أنه "في حالة وفاة القائد أو استقالته أو عزله، يتعين على مجلس الخبراء اتخاذ إجراء في أسرع وقت ممكن لتعيين قائد جديد. وإلى حين تعيين القائد، يتولى مجلسٌ مؤلف من الرئيس ورئيس السلطة القضائية وأحد فقهاء مجلس صيانة الدستور، الذي يختاره مجلس تشخيص مصلحة النظام، جميع مهام القائد مؤقتًا". بذلك، يُعد مجلس الخبراء، المكوّن من 88 عضوا منتخبين مباشرة عن كل محافظات إيران، الجهة المخوّلة دستوريا، باختيار المرشد طبقا للمواد 1077، و108، و109. وهو الجهة المخوّلة كذلك بالعزل والتصديق على الاستقالة، وما يتطلبه كل ذلك من ترتيبات محددة.

عملا بالمادة 111 أعلاه، تنتقل صلاحيات المرشد، مؤقتا، إلى مجلس قيادة انتقالي من ثلاثة أعضاء لحين اختيار مرشد جديد من قبل مجلس خبراء القيادة. وقد باشر المعنيون الاجراءات صبيحة اليوم التالي لمصرع المرشد بإعلان نقل صلاحياته إلى مجلس القيادة الانتقال الثلاثي المشكل من رئيس الجمهورية ورئيس السلطة القضائية وأحد الفقهاء من أعضاء مجلس صيانة الدستور. وينم الإعلان السريع عن تشكيلة هذا المجلس ومباشرته مهامه عن استمرار المؤسسة حتى في أتون الحرب، وعدم التساهل في وجود أي خلل في عمل المؤسسات. لكنه يشير كذلك إلى أن الاحتياطات التي اتبعها المرشد السابق ومن حوله تسير على ما يرام، حيث كان الاعلان المتكرر عن أن إيران لن تشهد فراغا دستوريا مهما كانت التحديات. وهو سلوك سابق انتهجته القيادة عند مصرع الرئيس السابق إبراهيم رئيسي، حيث لم تتأخر المؤسسات في ملء الفراغ.

موجهات ومسارات

- تبدو عملية اختيار المرشد محكومة باستمرار مؤسسة الحرس الثوري وصمودها في هذه الحرب الطاحنة المستهدفة فيها. فقدرة هذه المؤسسة على الضبط الأمني وعلى استمرار إدارة العلمية العسكرية عامل حاسم في التوصل خلال الفترة الانتقالية إلى النتيجة المطلوبة. ويتجه الترجيح إلى استمرار إحكام المحافظين سيطرتهم على مؤسسة المرشد وانتخاب مرشد يحافظ على خط الولي الفقيه السابق، ويكون مخلصا للحرس الثوري وتحالفاته داخل نظام الجمهورية الإسلامية. وتختلف التقديرات بين أن يكون المرشد الجديد شخصية آسرة قادرة على ملء الفراغ، أو أن يكون مجرد واجهة لمؤسسة الحرس، ولكنها تتفق على أن يكون انتقاؤه من بين المحافظين من خط خامنئي.

الواضح أن التيار المحافظ سيسعى لإغلاق النوافذ أمام القوى المنافسة، خوفا من الانفلات، وتكريسا لرؤيته القائمة على الاستمرارية، وحفاظا على "روح النظام" التي تترجمها الاستمرارية لا التغيير. وهنا سيتجه إلى خطاب ثوري بنبرة أمنية وعسكرية أعلى، تعيد إنتاج المظلومية والرسالية التي تستلهم حركة الحسين، رضي الله عنه، خاصة بعد مقتل خامنئي في رمضان مع أفراد من أسرته في حدث يشبه واقعة كربلاء الملهمة.

- تبدو المخاطر الكبرى التي تواجه المرشد الجديد خارج النظام تماما، بل تتعلق أساسا باضطراب الداخل الذي تتجه أميركا وحليفتها إسرائيل لتكريسه واقعا، بخلخلة أطراف البلاد وتسهيل التمرد العسكري، بالتزامن مع صناعة حالة شعبية متحدية للنظام في ظروف غير مواتية على جميع الأصعدة.

- سيكون اتساع الحرب عبر الحدود تحديا ضخما للمرشد ومؤسسة الحرس التي يعتمد عليها، مع ما يصاحب ذلك الاتساع من ضغوط اقتصادية، خاصة في قطاع الطاقة الحيوي. وقد يتزامن ظهور المرشد الجديد مع ضربات خارجية متنوعة ومتعددة، وتشويش محكم على أنظمة القيادة والسيطرة في حرب غير متكافئة.

- سيكون الإقليم، خاصة دول الخليج العربية، محكوما بجملة أولويات تتلخص في ضبط مسارات الحرب تصعيدا وطول أمد، وقدرة على إدارة أزمة غير مسبوقة في تعدد أطرافها وسرعة تفاعلاتها. ويستوجب ذلك تحييد الجبهة الداخلية في ظل استعداد أطراف خارجية للتدخل والتخريب، وما يصحب ذلك كله من حماية للبنية التحتية في مجال الطاقة، عصب الحياة في هذه الدول. 

مؤشرات

- تدل أغلب المؤشرات على أن إيران تتجه للتخلي عما كانت تسميه "الصبر الاستراتيجي"، والاستعداد لتبني خيارات القوة الخشنة، في ضوء شعورها بتآكل الردع، واتجاه الخصوم إلى حرب دون قواعد اشتباك تتجاوز كل الخطوط الحمراء. وهذا الاتجاه تدعمه بوضوح تصريحات المسؤولين، قبل الحرب وأثناءها، خاصة من الحرس ومن الأمين العام لمجلس الأمن القومي، علي لاريجاني، الذي بات رجل النظام القوي دون منازع.

- يبدو مؤشر الرهان على الانزلاق نحو الفوضى هاما في قراءة هذه التحديات، خاصة فيما يتعلق بقابلية النخبة للتوافق وتجاوز الخلافات العرضية، مع تماسك الحرس الثوري تحديدا من بين المؤسسات الأمنية والعسكرية، لأنه المؤسسة التي تدير المرحلة فعليا.

- من المؤشرين السابقين، يتبين ضعف مؤشر القراءة الغربي المتعلق بأن الطريقة التي اغتيل بها المرشد وتوقيتها ولدت صدمة فتحت سباقا محموما على الخلافة. فهناك ميل عام في النظام نحو إدارة انتقال مضبوط الإيقاع، منسجم الحركة والمآل مع الشبكات الأمنية والدينية النافذة.

صُناّع المسار

- الحرس الثوري: قوة عسكرية عقائدية صنعها النظام الإيراني، بعد قيام الجمهورية الإسلامية، على عينه، موازية بدءا للجيش والمؤسسات الأمنية. تشكل هذه القوة مرتكزا أساسيا للدولة، حتى في قضايا الاقتصاد وإدارة المجتمع، وستبقى أساسَ الاستقرار الانتقالي، وصانعَه مستقبلا. ويبدي البعض تخوفات من أن يتحول الحرس إلى مركز القرار المرجعي، وأن يضعف موقع المرشد لتحقيق ذلك الهدف. لكن ما يبدو من انسجام ووفاق وقدرة على تجاوز الصدمة، يؤكد قدرة هذه المؤسسة على إدارة العلاقة مع الأطراف الأخرى. وسيظهر المرشد الجديد، ويتبين إن كان بيد الحرس أو أن الحرس بيده.

- مجلس الخبراء: هو المجلس الذي يمنح الشرعية الدستورية للمرشد تعيينا أو عزلا.  وهو الذي يملك صلاحية اختيار المرشد الجديد، كما يملك سلطة عزله. وكأي مؤسسة دستورية بهذا الحجم وهذا الدور، يخضع مجلس الخبراء للآليات السياسية المعروفة وتتحكم فيه التجاذبات والصفقات السياسية.

- مجلس صيانة الدستور ومجمع تشخيص مصلحة النظام: يلعب هذا المجلس دور المؤسسة الدينية في النظام، ويضبط إيقاع الشرعية الإجرائية، حيث يختار الفقيه الذي يكمل الرئيس ورئيس البرلمان في تشكيلة المجلس الانتقالي المؤقت القائم مقام المرشد.

- الشارع الإيراني: يلعب الشارع دورا رئيسا في إدارة السياسات في إيران، سواء ما تعلق بالجمهور المؤيد أو بالمعارضة الإيرانية. ومن يستمع للخطاب الأمريكي، وتحديدا التعبئة التي يقوم بها الرئيس ترامب، يدرك مركزية هذا الشارع في الوضع الحالي. ويمكن أن نلاحظ بوضوح تعبئة الشارع من قبل النظام حيث يتحدث البعض عن قدرة النظام على تعبئة 30% من الجمهور إلى الشوارع تأييدا لتوجهاته. والمظاهرات التي تحتضنها بعض المدن الإيرانية اليوم، تنديدا باغتيال المرشد، خير دليل على هذا التوجه. وفي الحالتين، سيتأثر خيار المرشد الجديد باعتبارات الشارع مؤيدا كان أو معارضا.

لكن، يلاحظ أن الاحتجاجات، رغم الوضع الصعب، ستبقى غير موحدة وبلا قيادة ومخترقة أمنيا. فاحتمالات تحولها إلى ثورة شاملة ضعيف، خاصة إذا استصحبنا ما وقع لأكبر حركة احتجاج ضد النظام في الأشهر الأخيرة.

سيناريوهات إيرانية

يمكن ترتيب السيناريوهات المحتملة لمسار أزمة ما بعد خامنئي وانتخاب مرشد جديد، على النحو التالي:

- أولا، السيناريو الراجح: التوجه إلى انتخاب مرشد توافقي أقرب إلى مؤسسة الحرس الثوري ذي الثقل الاستراتيجي في هذه المرحلة، مع مراعاة متطلبات المؤسسات المعبرة عن التيار الديني في سياقه المحافظ، هذا مع مراعاة أن يواصل المسؤولون في المؤسسة الأمنية (الحرس والمجلس الأعلى للأمن وعلي لارجاني ورئيس الجمهورية) سياسة إدارة الصراع في هذه الظرفية بميزان الردع المكافئ مع تجنب الانتحار أو الانزلاق نحو ما يؤدي للفوضى وخسارة النظام مركزيا. يبدو هذا الخيار أقل كلفة للنخبة الحاكمة بما فيها التيار الاصلاحي بامتداداته المختلفة، لأن من شأنه الحفاظ على الدولة متماسكة وسط أتون الحرب المشتعلة.

- السيناريو الثاني: بروز قيادة جماعية في شكل المجلس المؤقت ويكرس بوصفه الخيار الاضطراري في ضوء صعوبة التوافق، أو تعثر الاجراءات، سواء كان ذلك اتفاقاً أو التفافا، وبمقتضاه تطول الفترة الانتقالية بصيغة جماعية مجلسية، تدير التوازنات، وتحقق التوافقات، بعيدا عن الحسم الإجرائي المفضي إلى الخلاف فالصراع. سيحقق خيار كهذا تقاسم النفوذ بين مراكز القوة في الجمهورية، ويستجيب هذا السيناريو لعديد التحليلات الداخلية والخارجية التي تعده سبيلا لشراء الوقت لحين امتصاص الصدمة، واستقرار الوضع للاتجاه في خيار حاسم لا يناسب ظرفية الحرب.

- السيناريو الثالث: يقوم على فرضية انقسام وتشظي النخبة الحاكمة، وتفكك النظام تدريجيا، وستترتب عليه حالة فوضى تزيدها ظرفية الحرب اشتعالا وديمومة. ويبرز ذلك في تصدعات داخل النخبة والمؤسسات العسكرية والأمنية، وفي تطابق شخصية المرشد الجديد مع مطالب الاتجاهات المتصارعة. سيصحب تلك التصدعات احتجاجات غير متحكم فيها، وشلل اقتصادي يزيد قدرة الشارع المعارض على التدخل في اختيار المرشد، أو تعطيل مؤسسته دائما أو مؤقتا. ومن شأن هذا الخيار أن يهيئ لتمدد الحرب زمنيا بطول أمدها، وجغرافيا عبر الحدود أو بالوكالة. لتحقق هذا السيناريو، يتعين وجود حالة مركبة، تتجلى في حرب طويلة، تقوم على ضربات دقيقة مستمرة ومتلاحقة، تصاحبها انشقاقات في قلب النظام، وانهيار اقتصادي يدفع بالمعارضة لاكتساح الشارع، ويرتفع هذا السيناريو باستمرار الضربات الدقيقة، وتعطيلها لمراكز القيادة والسيطرة أمنيا وعسكريا وسياسيا.

التأثيرات الاقليمية والخليجية

إقليميا: على مستوى الإقليم كله، حيث تظهر تفاعلات الأزمة الحالية، تشير التوقعات إلى أن:

- إيران ما بعد خامنئي ستكرس نظريتها التقليدية في التعامل مع نفوذها الإقليمي بحسبانه عمقا دفاعيا، لا ملفا ثانويا قابلا للتفاوض. فوجودها في العراق ولبنان واليمن يتحدد جزءا أصيلا من أدوات أمنها القومي. وبدل المواجهة الشاملة، ستركز الجمهورية على عمليات الردع غير المتكافئة، خاصة في حرب الوكلاء، والعمليات السيبرانية، والصواريخ والطيران المسير.

- أما البرنامج النووي، فسيتحول إلى شرط بقاء بالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية، ولن يكون قابلا للتفاوض مع أميركا بالطريقة التي كان عليها قبل الحرب. سيضيف هذا الموقف تحديات جديدة أمام المفاوضات مع الغرب، بعيدا عن العقلية الانتحارية. كل ذلك مشروط بصمود النظام في الحرب الحالية، وهو ما نرجحه.

- سيستمر المرشد الجديد في سياسة الردع غير المباشر مع إسرائيل، متجنبا أي حرب شاملة ما أمكن، فتلك نظرية تؤكدها الحرب الحالية ولا تنفيها، رغم الشعور بالخديعة والظلم لدى القيادات الإيرانية.

خليجيا: سيكون أمن القواعد والبنى التحية للطاقة مجال الضغط الحساس لاختبار "صبر الخليج". فإيران تسعى من خلاله لضرب التحالف الخليجي الأميركي، ورفع كلفة الحرب على واشنطن وحلفائها، ما يدفعهم جميعا للبحث عن مخرج. وسيظل المسعى الأميركي في اتجاه توريط دول الخليج في رد فعل شبيه بحرب مباشرة مع إيران، فتنتقل للهجوم في لحظة معينة. ويترتب على ذلك السعي لفصل المسار الأمني عن الاقتصادي بقدر المتاح، والبحث في خطط استمرارية الأعمال، والبدائل اللوجستية، وإدارة مخزون الطاقة بكفاءة رغم الأزمة والحرب الجارية.

- سيكون اضطراب الملاحة، وتعطل أو تعقد أو ارتفاع تكاليف النقل الجوي رافعا للكلفة الاقتصادية للحرب، ما يخلق ضغطا سياسيا على الإدارة الأميركية، يتطلب تنفيسا داخليا. وستركز الدول الخليجية على الدفاع الجوي لمواجهة الصواريخ والمسيرات، حماية للمنشآت الحيوية من بنى تحتية واقتصادية وأمنية وعسكرية، ومنعا للهلع. لذلك، ستركز هذه الدول في هذه المرحلة على الإدارة الإعلامية للأزمة.

- ستتبنى دول مجلس التعاون خيارا مصلحيا (براغماتيا) يمزج بين خياري الاصطفاف الكامل الذي تدفعها إليه أميركا، وخيار الوساطة باتجاه التهدئة الذي تدفعها إليه مصالحها الراجحة وخبرتها العملية. وذلك يستوجب تكثيف قنوات إدارة الأزمة بالتواصل الحي الساخن مع الوسطاء الإقليميين، مثل تركيا، والغربيين مثل الاتحاد الأوروبي، لتقليل المخاطر المترتبة على سوء التقدير من طرفي الحرب المشتعلة. وسيكون عليها في كل الأحوال عدم الرهان على انهيار سريع، وتبني سياسات الصبر وإدارة المخاطر والأزمات والابتعاد عن سياسات الصدمة العابرة أو المحدودة.

مؤشرات الترجيح

يرتبط حسم المؤشرات السابقة إيرانيا وخليجيا، في أي من الاتجاهات، بالشروط التالية:

- قدرة مجلس الخبراء على اختيار مرشد توافقي خليفة لخامنئي أو إجازة مجلس قيادة جماعي، وذلك منوط باتفاق سياسي بين أطراف النظام لتجنّب الصراع ولو مؤقتا.

- قدرة الحرس الثوري على إدارة اللحظة وبقائه متماسكا، وهو احتمال يضعف أمام التغييرات القيادية المتسارعة والمفاجئة، وانتشار الاعتقالات الداخلية، تعبيرا عن انهيار الثقة أو ضعف الولاء أو صدور رسائل علنية متضاربة، خاصة في إدارة العمل العسكري والأمني.

- تصاعد حالة المعارضة الداخلية من تذمر محدود يتجسد في احتجاجات محدودة، إلى إضرابات شاملة أو نوعية في قطاعات حيوية كالبازار.

- نمط الرد الخارجي وفعاليته بين الضربات المحسوبة المحدودة، وحالة التوسع الأفقي الاستنزافي.

في الخلاصة، لا ينبغي أن يختلط "ما بعد خامنئي" في الأذهان بـ"ما بعد الجمهورية الإسلامية". فذلك يعني مرحلة أخرى في سياق تلك الجمهورية، يواجه فيها النظام تحديات داخلية، قد تفرض عليه مرونة خارجية للحفاظ على منجزات الدولة، خاصة في مجال النفوذ الإقليمي، ما يعني تعديل الاستراتيجية لتكون تفاوضية أكثر، وأشد حذرا ومراعاة لمصالح الجوار الإقليمي.

ABOUT THE AUTHOR