الحوثيون والحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران: حسابات الانخراط وحدود التصعيد

مع انخراط معظم حلفاء إيران الإقليميين في المواجهة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، تبرز أسئلة مهمة حول موقف جماعة الحوثيين في اليمن: لماذا لم تنخرط الجماعة حتى الآن في الحرب؟ وما العوامل التي تحكم قرارها بين فتح جبهة جديدة في البحر الأحمر أو الاكتفاء بدعم محدود لطهران؟ يناقش هذا التعليق الحسابات الإقليمية والداخلية التي تؤثر في هذا القرار، وحدود التصعيد المحتمل في حال توسعت الحرب.
(الأوروبية)

تفتح الحرب التي تشنُّها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران جملة من الأسئلة حول مواقف حلفاء طهران في المنطقة، خاصة بعد انخراط معظم هذه القوى في المواجهة بدرجات متفاوتة، بينما لا تزال جماعة أنصار الله (الحوثيون) في اليمن خارج الانخراط العسكري المباشر في الحرب حتى الآن. ويزداد هذا التساؤل إلحاحًا بالنظر إلى موقع الجماعة داخل ما يُعرف بمحور الإسناد والمقاومة، وإلى دورها المتنامي خلال السنوات الأخيرة في معادلات الأمن الإقليمي، خصوصًا في البحر الأحمر وباب المندب.

ورغم أن الخطاب السياسي للجماعة عبَّر بوضوح عن تضامنها مع إيران وإدانتها للهجمات الأميركية والإسرائيلية، فإن المواقف المعلنة حتى الآن تكشف عن مقاربة حذرة تحاول التوفيق بين الالتزام الأيديولوجي تجاه الحليف الإيراني وحسابات البقاء السياسي والعسكري داخل اليمن. وفي هذا الإطار، يحاول هذا التعليق تفكيك العوامل التي تحكم قرار الحوثيين بين الانخراط في الحرب أو الاكتفاء بدعم محدود لإيران.

الحوثيون ضمن معادلة المحور الإقليمي

تُعد جماعة الحوثيين أحد حلفاء إيران في الإقليم، إلى جانب فاعلين آخرين مثل حزب الله اللبناني وبعض الفصائل المسلحة في العراق. غير أن العلاقة بين الحوثيين وطهران لا تتطابق تمامًا مع نموذج "الوكيل التقليدي"، فهي علاقة تجمع بين التقاطع الأيديولوجي والدعم العسكري والتنسيق السياسي دون أن تلغي قدرًا من استقلالية القرار الحوثي المرتبط بالسياق اليمني الداخلي.

ومع ذلك، فإن تطور قدرات الجماعة العسكرية، خاصة في مجال الصواريخ والطائرات المسيَّرة والعمليات البحرية، جعلها عنصرًا مهمًّا في الإستراتيجية الإقليمية لإيران، خصوصًا فيما يتعلق بالقدرة على الضغط على الممرات البحرية الحيوية في البحر الأحمر وباب المندب. وقد أظهرت الهجمات التي نفذتها الجماعة خلال السنوات الأخيرة ضد الملاحة البحرية أن اليمن يمكن أن يتحول بسهولة إلى جبهة مؤثرة في الصراعات الإقليمية الأوسع.

في هذا السياق، تنظر الجماعة إلى أي مواجهة ضد إيران بوصفها جزءًا من صراع أوسع يستهدف محور المقاومة ككل، وليس مجرد صراع ثنائي بين طهران وخصومها. ويعكس إعلان التضامن مع إيران تصورًا أيديولوجيًّا لطبيعة الصراع في المنطقة، ويعبِّر عن إدراك الجماعة لموقعها ضمن توازنات المواجهة الإقليمية.

 لماذا لم ينخرط الحوثيون في الحرب بعد؟

رغم هذا الاصطفاف السياسي الواضح، فإن الحوثيين لم ينتقلوا حتى الآن إلى مستوى الانخراط العسكري المباشر في الحرب. ويمكن تفسير ذلك بمجموعة من الاعتبارات الإستراتيجية.

أول هذه الاعتبارات يتعلق بطبيعة الحرب نفسها ومستواها التصعيدي. فإذا بقيت المواجهة حربًا محدودة، فإن انخراط الحوثيين لن يضيف قيمة عسكرية كبيرة مقارنة بما تمتلكه إيران أو حلفاؤها المباشرون من قدرات صاروخية. لذلك قد تفضِّل طهران في هذه المرحلة الاحتفاظ ببعض أوراقها الإقليمية، ومنها الجبهة اليمنية، تحسبًا لاحتمال توسع الحرب لاحقًا.

أما الاعتبار الثاني فيرتبط بحسابات البقاء السياسي للجماعة داخل اليمن. فالانخراط في حرب مفتوحة ضد الولايات المتحدة قد يعرِّض الجماعة لضربات عسكرية مباشرة قد تستهدف بنيتها العسكرية وقدراتها الاقتصادية. وبالنظر إلى أن الحوثيين يسيطرون على مناطق واسعة ويعملون على تثبيت سلطتهم فيها، فإنهم يدركون أن أي تصعيد غير محسوب قد يهدد موقعهم في الداخل اليمني.

ولا تنفصل هذه الحسابات عن السياق الداخلي في اليمن؛ حيث تعمل جماعة الحوثيين منذ سنوات على ترسيخ سلطتها في المناطق الخاضعة لسيطرتها وإعادة تشكيل مؤسسات الحكم والاقتصاد فيها. وفي ظل هذا الوضع، يظل الاستقرار النسبي في الجبهة الداخلية شرطًا أساسيًا لاستمرار قدرتها على الحكم وإدارة مناطق نفوذها. ولذلك فإن الانخراط في حرب إقليمية واسعة قد يفتح المجال أمام ضغوط عسكرية واقتصادية إضافية أو يعيد تنشيط جبهات القتال الداخلية، وهو ما يدفع الجماعة إلى التعامل بحذر مع أي تصعيد قد ينعكس على توازناتها داخل اليمن. كما أن الحفاظ على قدراتها العسكرية والسياسية يمنحها هامشًا أوسع للحفاظ على موقع تفاوضي قوي في أية تسوية سياسية محتملة للأزمة اليمنية في مرحلة ما بعد الحرب على إيران.

ويضاف إلى ذلك أن الجماعة أصبحت خلال السنوات الأخيرة ورقة إستراتيجية مهمة ضمن محور إيران، خاصة في ظل التحديات التي واجهها بعض مكونات المحور الأخرى. وهذا الموقع يمنح الحوثيين وزنًا أكبر داخل المعادلة الإقليمية، لكنه في الوقت نفسه يجعل استخدام هذه الورقة مرتبطًا بحسابات دقيقة تتجاوز الحسابات المحلية للجماعة.

 إدارة متدرجة للتصعيد

يظهر من مسار المواجهة أن إيران تميل إلى إدارة صراعها مع الولايات المتحدة وإسرائيل وفق مقاربة تقوم على التصعيد المتدرج؛ حيث يجري توظيف أدوات القوة الإقليمية تبعًا لمستوى تطور الصراع، بما يتيح تفعيل هذه الأوراق في مراحل مختلفة من المواجهة. ففي المرحلة الأولى، تعتمد طهران على قدراتها العسكرية المباشرة، وفي مرحلة لاحقة قد يتم توسيع نطاق المواجهة عبر إشراك حلفائها الإقليميين تباعًا. وفي هذه الحالة قد يصبح الحوثيون جزءًا من مرحلة متقدمة من التصعيد، خصوصًا إذا اتسعت الحرب أو اقتربت من تهديد مباشر للنظام الإيراني.

ضمن هذا المنطق، يمكن فهم التأخر النسبي في انخراط الحوثيين بوصفه جزءًا من إدارة إيرانية محسوبة لتوازنات الحرب، وليس بالضرورة تعبيرًا عن تردد الجماعة أو ابتعادها عن محور إيران. وفي هذا السياق، يصبح تدخل الحوثيين مرتبطًا بعدة سيناريوهات محتملة تتحدد تبعًا لمسار الحرب وتوازناتها الإقليمية.

 سيناريوهات التدخل الحوثي

مع ذلك، فإن احتمالات تدخل الحوثيين في الحرب تبقى قائمة، ويمكن تصور عدة سيناريوهات قد تدفع الجماعة إلى توسيع دورها العسكري.

أحد هذه السيناريوهات يتمثل في وصول التصعيد العسكري إلى حافة إسقاط النظام الإيراني. ففي مثل هذه الحالة قد تلجأ طهران إلى تفعيل مختلف جبهات المحور للضغط على خصومها.

أما السيناريو الثاني فيرتبط باتساع نطاق الحرب إقليميًّا عبر تفعيل جبهات متعددة، وهو اتجاه بدأت ملامحه تتبلور مع دخول حزب الله والفصائل العراقية في المواجهة، فضلًا عن استهداف إيران وحلفائها أهدافًا في إسرائيل ودول الخليج والعراق والأردن وقبرص، في سياق رفع كلفة الصراع على الولايات المتحدة وإسرائيل.

أما السيناريو الثالث فيرتبط بتعرض الحوثيين أنفسهم لهجمات مباشرة من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل، وهو ما قد يدفع الجماعة إلى الانخراط في المواجهة بوصفها طرفًا مباشرًا في الصراع.

إستراتيجية "المشاركة دون الانتحار"

في ضوء هذه المعطيات، يُرجَّح أن تواصل الجماعة في المدى القريب سياسة الانخراط المحدود والتصعيد المحسوب دون الانخراط في حرب شاملة. وقد يتجسد ذلك في توسيع نطاق الهجمات في البحر الأحمر، الذي أصبح أحد أهم مسارح الضغط الإستراتيجي في الصراع الإقليمي، أو استهداف أهداف إسرائيلية محددة، مع الاستمرار في تقديم الدعم السياسي والإعلامي لإيران.

ويمكن وصف هذا النهج بما يشبه إستراتيجية "المشاركة دون الانتحار"، أي دعم الحليف الإيراني وإظهار الالتزام بمحور المقاومة، مع تجنب الانجرار إلى مواجهة مباشرة قد تهدد بقاء الجماعة في الداخل اليمني. غير أن نجاح هذه المقاربة يظل مرهونًا بطبيعة رد الفعل الأميركي والإسرائيلي؛ إذ قد يؤدي أي تصعيد حوثي -وإن كان محدودًا- إلى ردود عسكرية واسعة قد تتجاوز حسابات الجماعة، كما أظهرت التجربة مع حزب الله بعد دخوله على خط المواجهة.

خاتمة

تكشف التطورات الراهنة أن الحوثيين يقفون عند تقاطع معقد بين اعتبارات أيديولوجية وإقليمية ومحلية. فمن جهة، يدفعهم انتماؤهم إلى محور المقاومة إلى إعلان التضامن مع إيران والاستعداد لدعمها. ومن جهة أخرى، تفرض عليهم حسابات البقاء السياسي والعسكري داخل اليمن قدرًا من الحذر في اتخاذ قرار الانخراط المباشر في الحرب.

وبين هذين الاعتبارين، يُرجَّح أن تواصل الجماعة في المدى القريب سياسة الانخراط المحدود والتصعيد المحسوب، مع إبقاء خيار التدخل الأوسع مفتوحًا في حال توسعت الحرب أو تغيرت معادلاتها الإستراتيجية.

ABOUT THE AUTHOR