كان يُفترض أن تصبح الحرب، التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، في نهاية أسبوعها الأول أكثر وضوحًا، سواء في دوافعها، أو الاتجاهات الرئيسة لوقائعها، أو ما يسعى قادة الحرب إلى تحقيقه منها. ولكن مرور الأسبوع الأول، وعلى الرغم من دوي الطائرات والصواريخ في سماء المشرق، ومن مشاهد الدمار واسع النطاق، لم يزد مسار الحرب إلا غموضًا.
تحدث الرئيس ترامب في أيام الحرب الأولى إلى العديد من وسائل الإعلام الأميركية، كما إلى البي بي سي البريطانية؛ كما عقد وزيرا الخارجية والحرب الأميركيان أكثر من مؤتمر صحافي. وبدا، في كل مرة تحدث فيها الرئيس أو أحد مسؤولي إدارته الكبار، أن رواية الحرب تُطرح بصورة مختلفة، قليلًا أو كثيرًا.
قال الرئيس في البداية: إن الحرب لن تستمر أكثر من عدة أيام، وربما لأسبوع؛ وقال مرة أخرى إنها قد تستمر أربعة إلى خمسة أسابيع. وفي مرة ثالثة، أكد أن الولايات المتحدة قادرة على الاستمرار في الحرب إلى أن تحقق أهدافها. وفي تسويغ قرار الحرب، قال: إن إيران تمثل تهديدًا لأمن الولايات المتحدة، وإن الوفد الإيراني تلاعب بمسار التفاوض في جولات المباحثات الثلاث بين إيران والولايات المتحدة، وتهرَّب من التعامل مع المطالب الأميركية الواضحة بشأن البرنامج النووي الإيراني.
ولكن، وخلال مؤتمر صحفي سريع، في 2 مارس/آذار 2026، فاجأ وزير الخارجية، ماركو روبيو، الصحفيين والرأي العام الأميركي بقوله: إن الولايات المتحدة ذهبت إلى الحرب على إيران تبعًا لإسرائيل، وخشية من أن يستهدف الرد الإيراني على الهجمات الإسرائيلية أهدافًا أميركية. ولأن صدى تصريحات روبيو سرعان ما تردد في أنحاء الولايات المتحدة، خرج الرئيس ترامب في اليوم التالي، ومن مكتبه في البيت الأبيض، ليؤكد أن قرار الحرب كان أميركيًّا خالصًا، وأن الولايات المتحدة هي التي جرَّت إسرائيل للحرب وليس العكس.
في نهاية الأسبوع الأول من الحرب، لم يكن من المتيسر بعد، وسط تضارب الأقوال والدوافع، تقديم إجابة حاسمة على سؤال دوافع الحرب والمسؤول الأول عن إطلاقها؛ وبدا أن الكشف عن هذا الجانب من الحرب سيُترك للمؤرخين. ولكن هذا يجب ألا يمنع محاولة رؤية المدى الذي يمكن أن تذهب إليه هذه الحرب، والآثار التي بدأت تتركها على إيران وعلى جوارها الإقليمي، وعلى العالم، واتجاهات رياحها المحتملة.
الإدارة الأميركية-الإسرائيلية للحرب
هذه هي الحرب الأولى، منذ قيام إسرائيل، التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل معًا، وفي إطار من الشراكة الكاملة. قدمت الولايات المتحدة دعمًا عسكريًّا واستخباراتيًّا مباشرًا لإسرائيل في حروب سابقة، مثل حرب 1967، وحرب 1973. كما شاركت الولايات المتحدة في حرب الاثني عشر يومًا، التي شنَّتها إسرائيل على إيران، في يونيو/حزيران 2025؛ ولكن هذه كانت مشاركة محدودة، استمرت ليوم واحد فقط، وتعلقت بقيام الطائرات الأميركية بقصف مواقع إيرانية نووية محصنة لم تكن إسرائيل تستطيع التعامل معها. في هذه الحرب، ثمة تقاسم لمسؤوليات الحرب منذ يومها الأول، وتنسيق عملياتي لحظي وكامل.
والراجح، أن هذه الحرب خُطِّط لها بصورة مشتركة منذ شهور، وأنها كانت موضوعًا رئيسًا في زيارات القادة العسكريين الأميركيين والإسرائيليين المتبادلة في الشهور القليلة الماضية. وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، كان واضحًا تمامًا في لقاء معه، يوم 3 مارس/آذار، في إشارته إلى أن الحرب كانت ستندلع في 30 يناير/كانون الأول 2026، ولكن نجاح الوساطة التركية في جمع الأميركيين والإيرانيين في جولة المباحثات الأولى، التي عُقِدت في عُمان، في 6 فبراير/شباط، أوقفت الحرب يومها.
ولكن هذا لا يعني أن ثمة اتفاقًا كاملًا بين الولايات المتحدة وإسرائيل حول أهداف الحرب وشروط نهايتها.
في اليومين الأولين من الحرب، قال الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إن لديه فكرة جيدة عن القيادة البديلة لإيران، موحيًا بوجود اتصالات أميركية مع جناحٍ ما في الدولة الإيرانية. ولم يُخْف الرئيس تفضيله لسيناريو تغيير في النظام الإيراني شبيه بما حققه في فنزويلا. في تصريحات تالية، قال الرئيس ترامب إنه لا يسعى إلى تغيير النظام، وإنه يترك مستقبل الحكم لقرار الشعب الإيراني وإرادته.
ولكن، في 2 مارس/آذار، قال الرئيس إن القياديين الذين كان يأمل بتوليهم الحكم في إيران قد قُتِلوا في الضربة الأولى التي وُجِّهت لطهران واستهدفت مقر آية الله علي خامنئي، بدون أن يسمي ولو واحدًا من أولئك القياديين المتعاونين. في اليوم التالي، 3 مارس/آذار، وخلال استقبال المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، في البيت الأبيض، أشار الرئيس ترامب إلى أنه لا يرى ابن الشاه السابق بديلًا مناسبًا للحكم في إيران، وأنه لم يزل يفضِّل شخصية من داخل البلاد، يمكن أن يجتمع حولها الإيرانيون.
أما الوزيران الأميركيان للدفاع والخارجية، بيتر هيغسيث وماركو روبيو، فقالا في تصريحين منفصلين، 2 مارس/آذار، إنهما يريان أن أهداف الحرب تتلخص في: 1- تدمير منظومة الصواريخ الإيرانية، ومنصات إطلاقها، ومراكز تصنيعها. 2- تدمير البحرية الإيرانية. 3- منع إيران بصورة قاطعة من تطوير برنامج نووي عسكري. و4- تقويض قدرة إيران على مدِّ العون لوكلائها من الكيانات غير الشرعية و"الإرهابية" في الإقليم. وفي حين أكد هيغسيث أن إقامة حكم ديمقراطي ليست إحدى أهداف الحرب، أشار روبيو إلى صعوبة تكرار سيناريو فنزويلا في إيران.
في نهاية أسبوع الحرب الأول، عاد الرئيس لطرح تصوره لمسار الحرب عندما قال في تصريحات لموقع أكسيوس الإخباري: إن الحرب لن تنتهي بدون استسلام كامل من إيران. ولأن حديث الاستسلام أثار الكثير من اللغط، خرجت الناطقة باسم البيت الأبيض لتوضح أن المقصود ليس إعلانًا رسميًّا من إيران بالاستسلام، ولكن تقويض مقدرات إيران العسكرية، ووضع نهاية للتهديد الذي تمثله لأمن الولايات المتحدة. وعندما سُئلت عن الزمن الذي قد يقتضيه تحقيق هذا الهدف، قالت: إن الرئيس وحده من يقرر ما إن كانت الحرب قد أنجزت هدفها؛ ولكنها أضافت أنها تقدِّر أن الحرب قد تمتد لثلاثة أو أربعة أسابيع. وعلى الرغم من أن تصريحات الناطقة لم تكن قاطعة، فربما كانت هذه المرة الأولى التي يشير فيها مصدر مسؤول في البيت الأبيض إلى مدى زمني محدد للحرب وإن كان ترامب أعطى نفس الفترة في وقت سابق.
الرؤية البديلة لهدف الحرب، وما يمكن أن تعنيه لمسارها، جاءت من إسرائيل. وكان لافتًا أن الإسرائيليين، بمن في ذلك نتنياهو ووزيرا دفاعه وخارجيته، يسرائيل كاتس وجدعون ساعر، تبنَّوا خطابًا واحدًا يدعو إلى اقتلاع النظام الإيراني كلية. وتفيد مصادر من جهات في الشرق الأوسط، كانت على اتصال مع الإسرائيليين منذ ما قبل أسابيع على اندلاع النيران، بما في ذلك قيادات كردية، بأن الإسرائيليين كرروا تأكيد أن إيران ستواجه حربًا شاملة، وأن الحرب لن تتوقف قبل إطاحة نظام الحكم أو تفتيت إيران ودفع الجمهورية الإسلامية إلى حافة الانهيار.
الخلاف حول مآلات الحرب لا يعني أن ثمة خلافًا جوهريًّا على كيفية ونمط الهجمات، سيما في أيامها الأولى؛ ولكن ذلك لا يمنع أن الخلاف قد يبرز في أيام أو أسابيع مقبلة. ستواصل الولايات المتحدة ضرباتها بأقصى ما يمكن من الشدة ضد مقدرات إيران العسكرية، البرية والبحرية والنووية، وضد عقد التحكم والسيطرة للدولة الإيرانية، وتنتظر اختيار المرشد الأعلى الجديد لترى ما إن كان يمكن إبرام صفقةٍ ما تُفضي إلى تغيير إستراتيجي في وجه النظام أو أن تصل الإدارة الأميركية إلى تقدير بأن الحرب حققت بالفعل هدف تقويض المقدرات العسكرية الإيرانية.
أما الإسرائيليون، الذين بادروا إلى قصف مقر فرعي لمجلس خبراء النظام بـ"قم"، في محاولة للتخلص من أكبر عدد ممكن من طبقة العلماء الفقهاء الإيرانيين، وأعلنوا صراحة أنهم سيسعون إلى اغتيال المرشد الجديد، مهما كانت هويته وخلفيته، فسيحاولون إطالة أمد الحرب إلى أن يروا أن النظام في طريقه للسقوط، أو أنه لم يعد قادرًا على مقاومة قوى المعارضة المسلحة والسياسية. والواضح أن الإسرائيليين لا ينظرون بأي قدر من الاكتراث إلى عواقب إنهاك النظام وإطاحة قياداته، مثل انقسام البلاد أو اندلاع حرب أهلية، أو انتشار العنف إلى ما خلف الحدود.
تفاقم الحرب ومخاطرها المتزايدة
الذين وضعوا خطة هذه الحرب، على الرغم من أنهم حاولوا مفاجأة الإيرانيين، واستطاعوا بالفعل في الضربة الأولى القضاء على المرشد الأعلى، وعدد محدود من قيادات البلاد، لم يتوقعوا طبيعة وحجم الرد الإيراني، ولا أخذوا في الاعتبار احتمالات توسع نطاق الحرب عن مسرحها الإيراني. والواضح أن الإيرانيين قرروا، ومنذ ما قبل اندلاع النيران، أن يواجهوا الحرب بروح "الظهر إلى الحائط"، بمعنى التصرف على أساس أن هذه حرب تتعلق بوجود الأمة الإيرانية، وليس الجمهورية الإسلامية وحسب، وأن سبيلهم الوحيد للنجاة هو رفع تكاليف الحرب على الأميركيين والإسرائيليين، وعلى العالم أجمع.
دفعت هذه الاستراتيجية إيران إلى توجيه صواريخها وطائراتها المسيرة ليس إلى إسرائيل وحسب، بل وإلى كافة دول الجوار، بما في ذلك الأردن، والسعودية ودول الخليج، وإلى تركيا وأذربيجان؛ ولا يُستبعد أن تكون إيران أيضًا خلف محاولة قصف القاعدة البريطانية في قبرص اليونانية. يقول الإيرانيون إن هجماتهم في دول الجوار لا تستهدف سوى مواقع التمركز الأميركية، وإنهم يحترمون سيادة هذه الدول. ولكن المؤكد أن دول الخليج وأذربيجان تعرضت لهجمات استهدفت في أحيان، وفشلت في أحيان أخرى، مطارات ومواقع إنتاج نفط وغاز وأنابيب نفط وغاز وفنادق وسفارات وقنصليات.
أعلنت دول الجوار الإيراني كافةً احتجاجًا عالي النبرة على الهجمات الموجهة إلى أراضيها ومنشآتها، وأكدت حقها في الدفاع عن سيادتها وأمن بلدانها، ولكن لم يذهب أحد منها إلى حدِّ الالتحاق بالحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران. والسبب أنها لا ترى أن هذه حربها في المقام الأول، وأن التجاوزات الإيرانية الفادحة لا تستوجب التورط في دم الإيرانيين. ولكن سياسة توريط دول الجوار، أو تحويلها إلى ساحة للحرب، ستضر بالتأكيد بمصالح إيران، وقد تنقل دول الجوار من موقع الوسيط والساعي إلى وقف الحرب، إلى موقع غير المكترث بمعاقبة إيران، ورؤيتها بوصفها تهديدًا دائمًا لأمن الجوار واستقرار بلدانه.
كانت لبنان دائرة تفاقم الحرب الثانية؛ حيث سارع حزب الله إلى إشعال الجبهة اللبنانية–الإسرائيلية. لم يكن من المتوقع أن يشارك الحزب في هذه المرحلة المبكرة من الحرب، ولا أن يشارك بهذه القوة، سواء بقصف شمال إسرائيل، أو الاشتباك مع الوحدات الإسرائيلية المتمركزة في جنوب لبنان. ولكن ما يبدو هو أن أصداء سياسة "الظهر إلى الحائط" وصلت أيضًا إلى لبنان، ودفعت حزب الله لأن يدفع بكل مقدراته لمساندة إيران.
ترك تدخل الحزب بعض الأثر في ساحة الحرب، سيما في مجال تهديد حياة ومعاش الإسرائيليين العاديين. ولكن عواقب مبادرة حزب الله إلى المشاركة في الحرب كانت فادحة، سواء على حاضنة الحزب، أو على وضع لبنان الداخلي، أو على استقرار الإقليم برمته. عادت إسرائيل إلى القيام بحملات قصف واسعة للمناطق الشيعية في جنوب لبنان وفي ضاحية بيروت الجنوبية. وقبل نهاية أسبوع الحرب الأول، أمرت سكان عشرات القرى الشيعية ومعظم أحياء الضاحية بإخلاء مساكنهم، وهو تطور غير مسبوق في سياق الحروب الإسرائيلية على لبنان.
تعمل إسرائيل ليس على تدمير القاعدة الشعبية لحزب الله وحسب، بل وأيضًا على توسيع نطاق منطقة التوغل العسكري في الجنوب، وتحويلها إلى منطقة عازلة دائمة. ولكن الخطر الأكبر يتمثل في دفع لبنان إلى حافة الانشطار الأهلي. فقد حظي قرار الحكومة اللبنانية بحظر الجناحين، الأمني والمسلح، لحزب الله بدعم كافة الأحزاب الممثَّلة في الحكومة، ما عدا الوزراء المحسوبين على الحزب. وبالرغم من أن الحكومة تفتقد القدرة والأدوات لتنفيذ قرارها؛ كما أن الحزب لم يُبْدِ أي اكتراث يُذكر بالقرار، فإن مواجهةً ما بين الحكومة والحزب قد تولِّد ديناميات تفجيرية في بلد يعاني أصلًا من التمزق، ولم يستطع الوقوف على قدميه بعد.
أما ساحة التفاقم الثالثة فكانت في العراق؛ حيث تحركت الفصائل الشيعية العراقية الموالية لإيران مبكرًا، كما فعل حزب الله، لمساندة الجهد الحربي الإيراني. وفي المقابل، تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى توظيف الجماعات المسلحة الكردية الإيرانية، المتمركزة في شمال العراق، لخدمة أهداف الحرب، وإن كان ترامب أشار في آخر تصريحاته إلى أنه لا يدفع إلى ذلك. يتعرض العراق لضغوط أميركية متزايدة منذ ما قبل اندلاع الحرب لحل الفصائل المسلحة الموالية لإيران، ولكن الحكومة العراقية ليس لها أية سلطة فعلية على هذه الفصائل. ويُعتقد أن إيران تحتفظ بقواعد لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة في مناطق سيطرة الفصائل، سيما في جنوب العراق؛ وأن هذه القواعد استُخدمت بالفعل لإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة على أهداف في دول الخليج العربية والأردن، وأهداف في منطقة الإقليم الكردي في شمال العراق.
استهدفت أغلب الهجمات في شمال العراق مواقع نفطية، ومراكز أحزاب كردية إيرانية معارضة للنظام؛ حيث وردت تقارير عن شروع إسرائيل، وربما منذ ما قبل شهور على اندلاع الحرب، في اتصالات مع بعض التنظيمات الكردية الإيرانية المسلحة. وبالرغم من أن واشنطن أعلنت أن الرئيس ترامب لم يصدر أمرًا بتسليح هذه التنظيمات، فإن اتصالات الرئيس الهاتفية مع القياديين الكرديين العراقيين الكبيرين، مسعود البارزاني وبافل طالباني، وبمصطفى هجري، زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، أقدم الأحزاب الكردية الإيرانية تأسيسًا، تطرح العديد من الأسئلة حول الدور الذي يمكن أن يناط بالقوى الكردية الإيرانية.
ومن المرجح أن مشروع دفع جماعات كردية إيرانية مسلحة للانخراط في الحرب ضد نظام الجمهورية الإسلامية، سواء بوعود لإقامة إدارة ذاتية كردية في محافظات الشمال الغربي الإيرانية، أو بأية إغراءات أخرى، قد ينتهي إلى كارثة مأساوية على الأكراد الإيرانيين. فعلى الرغم من أن تعداد أكراد إيران قد يصل إلى ثمانية ملايين، وأنهم يشكِّلون أغلبية في ثلاث محافظات على الأقل، فإن الحراك القومي بينهم يقتصر على الأكراد السنَّة. أما الأكراد الشيعة، الذين يمثلون نحو 35% من مجموع الأكراد، فهم في أغلبيتهم مندمجون في نظام الجمهورية الإسلامية، وبرز منهم عدد من قيادات صفوف الدولة الأولى، مثل رئيس البرلمان، باقر قاليباف، ونائب الرئيس، محمد رضا رحيمي.
على الرغم من أن المرجح أن الفشل سيكون مصير أي تحرك انقسامي في كردستان إيران، فإن مثل هذا التحرك سيترك آثارًا وخيمة على العلاقة بين إقليم كردستان العراق، من جهة، والدولة العراقية في بغداد والقوى الشيعية الموالية لإيران، من جهة أخرى. ثمة اعتقاد في العراق وإيران بأن إدارة الإقليم وفرت الدعم والملجأ الآمن للجماعات الكردية الإيرانية، وستتحمل المسؤولية عن أي تهديد تمثله هذه الجماعات لأمن إيران.
وليس ثمة شك في أن التفاقم الأبرز للحرب قد بدأ في الظهور في الساحة الاقتصادية. ففي تصريحات لا تحتمل التأويل، قال وزير الطاقة القطري، سعد الكعبي، في 6 مارس/آذار: إن دول الخليج العربية النفطية قد تضطر إلى إيقاف كافة عمليات انتاج النفط والغاز خلال فترة قصيرة، وإنه لا يستبعد أن يصل سعر برميل النفط إلى 150 دولارًا. وقال الكعبي: إن مثل هذه العواقب قد تتسبب في كساد اقتصادي عالمي.
ما يؤكد تحذيرات الوزير القطري، هو تزايد المؤشرات على الاقتراب من منعطف أزمة اقتصادية كبرى. خلال الأسبوع الأول من الحرب، نجحت إيران في فرض ما يشبه الوقف الكامل للملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره عادة ما يقارب الثلاثين بالمئة من الاستهلاك العالمي للنفط وأعلى من ربع مجمل تجارة النفط البحرية، والعشرين بالمئة من إمدادات الغاز، للسوق العالمية، ناهيك عن البتروكيماويات والأسمدة. كما استهدفت إيران حقل نفط واحدًا على الأقل، وميناء تصدير نفط سعوديًّا رئيسيًّا؛ وميناء البصرة العراقي؛ وموقع إنتاج غاز قطري رئيسيًّا؛ وخطَّ أنابيب نقل نفط أذربيجانيًّا؛ ومواقع نفطية في كردستان العراق. وعلى الرغم من عدم اتضاح حجم الضرر الذي أوقعته الهجمات، فقد أعلنت قطر رسميًّا حالة القوة القاهرة، ومن ثم التوقف عن إنتاج الغاز، بينما يبدو أن تصدير النفط من الكويت، ومن موانئ السعودية في شمال الخليج، قد توقف فعليًّا.
في اليوم السابع من الحرب، ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بما يقارب 73 بالمئة؛ وتجاوز سعر برميل النفط 90 دولارًا. أعلنت الولايات المتحدة عن مخطط لمرافقة وتأمين السفن الناقلة عبر مضيق هرمز؛ ولكن المعروف أن هذه عملية بالغة التعقيد، وتحتاج نمطًا مختلفًا من حشد ونشر القوة البحرية في منطقة الخليج، ولن تكون مضمونة العواقب على أية حال. كما يبدو أن واشنطن أعلنت عن تسهيلات في العقوبات المفروضة على مستوردي النفط الروسي، سيما ما يتعلق بكبار مستوردي هذا النفط، مثل الهند. ولكن هذه، أيضًا، لن تكون سوى محاولة احتواء جزئية، ويصعب أن تمثل معالجة للنقص الهائل في الأسواق، الذي سيصبح أكثر إلحاحًا بعد بدء نفاد مخزون الدول المستهلكة الرئيسية.
بكلمة أخرى، يبدو أن الولايات المتحدة، وليس بالضرورة إسرائيل، خططت لحرب سريعة، قصيرة نسبيًّا، ومحدودة بالساحة الإيرانية، أو ما أسمته دوائر أميركية "حربًا نظيفة". ولكن ما يزداد وضوحًا، وبعد أسبوع واحد فقط، أن الحرب أخذت في التفاقم، سواء على مستوى الإقليم، أو حتى على مستوى العالم.
اتجاهات الحرب
تفيد تقارير مراقبين، إيرانيين وغير إيرانيين، بأن الحياة في طهران ومختلف المدن الإيرانية الرئيسة لا تزال تسير بصورة طبيعية، أو في الحدود الطبيعية على الأقل التي تسمح بها حملات القصف الأميركية-الإسرائيلية، وأن ليس ثمة تراجع ملموس في مظاهر وجود الدولة وسيطرتها. هذا لا يعني أن الحرب لم تترك أثرًا. فالواضح أن حملات القصف الأميركية-الإسرائيلية أصابت خلال أسبوع واحد آلاف الأهداف، بما في ذلك مقار حكومية واستخباراتية وأمنية، ومنشآت ومعسكرات قيادية عسكرية، سواء تلك التابعة للجيش أو الحرس الثوري، أو أجهزة وزارة الداخلية، ومؤسسات علمية وتقنية، ومطارات وموانئ، ومصفاة بترول واحدة على الأقل ومخازن وقود مدنية، ومعظم وحدات الأسطول الإيراني، وعدد غير معروف من مواقع إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة.
ولكن، وعلى الأقل في ظاهر الأمور، لا يبدو أن النظام الإيراني في طريقه إلى الانهيار، أو أن مقدراته العسكرية في طريقها إلى النفاد. فأي اتجاه يمكن أن تأخذه الحرب؟
ثمة مؤشرات متضافرة على أن الرئيس ترامب، ولأسباب تتعلق بالرأي العام الأميركي ومعارضة الحلفاء الأوروبيين، والقلق المتزايد لأصدقاء أميركا في الشرق الأوسط، وآثار الحرب المدمرة على اقتصاد العالم، وربما حتى لتناقص الذخائر بصورة مطردة، لا يريد إطالة أمد الحرب. ولابد أن الرئيس بدأ يستشعر القلق من غياب الأساس القانوني، وهشاشة المسوغات السياسية والأخلاقية للحرب. وهذا ربما ما دفعه إلى محاولة توسيع نطاق تحالف الحرب، ليضم دولًا أوروبية، أو عربية-إسلامية. ولكن المؤكد أن دولة عربية أو إسلامية واحدة لم تُبْدِ الاستعداد للمشاركة؛ وأن الدول الأوروبية الرئيسة لم تزل تُظهر ترددًا بالغًا، حتى بعد أن سمحت للولايات المتحدة باستخدام القواعد العسكرية في أرضها. يسهم سلاح الجوي البريطاني، ونظيره الفرنسي، في الدفاع عن بعض الدول الحليفة، كما حركت بريطانيا وفرنسا وحدات بحرية قتالية إلى شرق المتوسط، مع وجود احتمال بقيامها بمهام دفاعية. ولكن ليس أكثر من ذلك حتى الآن.
في الجانب الآخر، يهدد الرئيس بتصعيد مستوى الهجمات على إيران، ويعود إلى توظيف خطاب الاستسلام، مرة، والمطالبة بالمشاركة في اختيار المرشد الأعلى الإيراني الجديد، مرة أخرى. كل ذلك يزيد من فقدان اليقين في تحديد أي مستوى من التصعيد يمكن أن تصل إليه. ثمة إشارات من مسؤولين أميركيين إلى أن الولايات المتحدة تستعد للتدخل البري، أو نشر قوات على الأرض؛ ولكن الولايات المتحدة لن تستطيع التدخل برًّا إلا على مستوى عمليات محدودة للقوات الخاصة ضد أهداف بالغة الأهمية. لا نشر القوات الأميركية في الإقليم يسمح بغزو بري واسع النطاق، ولا يبدو أن القوات البرية الإيرانية، قوات الجيش والحرس، قد أُضعفت بأية درجة ملموسة.
ولذا، فإن كانت الظروف المحيطة لم تعد مواتية تمامًا للاستمرار في الحرب، فليس من المستبعد أن يخرج الرئيس الأميركي خلال أيام، أو أسابيع قليلة، ليقول: إن الحرب حققت فعلًا أهدافها، وإن مقدرات إيران العسكرية والنووية قد قُوِّضت، وإن الولايات المتحدة ستواصل فرض العقوبات على الاقتصاد الإيراني والاستمرار في التضييق على الملاحة البحرية الإيرانية إلى أن تقوم طهران بتغيير علاقاتها مع الولايات المتحدة ووجهتها الإستراتيجية.
هذا احتمال ممكن، بالطبع، ولكن، ولأن هذه الإدارة تبدو الأقل عقلانية في تاريخ الولايات المتحدة الحديث، فليس من المستبعد أن يقرر الرئيس مواصلة الحرب لعدة أسابيع أو أشهر مقبلة، سيما إن لم تظهر مؤشرات كافية على إضعاف النظام الإيراني، أو استعداد النظام للتفاوض على أسس جديدة ومواتية للمطالب الأميركية، خصوصًا إن بدا وكأن وقف الحرب سيمثل هزيمة أو إخفاقًا لإدارة الرئيس.
وبالرغم من الدور الكبير الذي قام به الإسرائيليون في الدفع نحو الحرب، وفي عملياتها، فإن أوقفت واشنطن الحرب، فسيجد الإسرائيليون صعوبة بالغة في مواصلة الهجمات بصورة منفردة. ادعاءات نتنياهو بأنه يقوم بتغيير الشرق الأوسط، وطموحات البعض في إسرائيل بفرض هيمنة إسرائيلية على الإقليم، لابد أن تُرى من زاوية الزهو السياسي، أو فشل العقل الإستراتيجي الإسرائيلي في معرفة الجوار العربي-الإسلامي. بدون الولايات المتحدة، ستفقد الحرب الإسرائيلية المظلة السياسية الدولية، كما ستنهار معنويات الإسرائيليين، القادة منهم والناس العاديين.
إيرانيًّا، ليس ثمة مؤشر على تحول جوهري في الموقف السياسي. يقول الإيرانيون إنهم لا يسعون إلى مباحثات جديدة مع الولايات المتحدة، وإنهم قادرون على الدفاع عن سيادتهم واستقلالهم. في الوقت نفسه، يواصل الإيرانيون ردَّهم على الحرب بلا هوادة، سيما في إطلاق الهجمات على إسرائيل ومواقع التواجد الأميركي في الجوار الإقليمي. وربما سيجد اعتذار الرئيس الإيراني لدول الجوار عن الهجمات التي وُجِّهت لأهداف مدنية فيها ترحيبًا من هذه الدول، ولكن الواضح أن الهجمات قد حققت، على الأقل اقتصاديًّا، معظم أهدافها. علاوة على أن القيادة الإيرانية أكدت مجددًا أن تصريحات الرئيس الإيراني لا تعني توقف الهجمات.
ثمة تراجع في التوقعات الإسرائيلية، وفي بعض الدوائر الغربية، بانهيار النظام في طهران، لأن اغتيال المرشد، علي خامنئي، لم يقض على النظام أو يدفعه للانهيار، نظرًا لتميزه بتوزع مراكز القوى، رغم تمتع المرشد الأعلى بموقع بالغ الأهمية والثقل، سياسيًّا ودينيًّا، والتعبير عن اتجاه أغلبية هذه المراكز وتوفير مصداقية لهذا الاتجاه وتسويغه. وإيران، هي بلا شك، بعد اختيار مرشدها الأعلى الجديد ستكون أكثر انسجامًا في قراراتها، وقد تميل إلى الاستمرار في مقارعة الولايات المتحدة وإسرائيل، لأن المرشد الجديد، مجتبى خامنئي، من خلفية محافظة، وربما لا يقل حرصًا عن والده، المرشد خامنئي، على استقلال البلاد وسيادتها ومصالحها، لكن رغم ذلك فإن إيران ليست دولة انتحارية.
لا يُستبعد بعد اكتمال هيكل القيادة أن يسعى الإيرانيون، ضمن تحرك لإعادة بناء النظام وعلاقته بشعبه، إلى تسوية تفاوضية، خصوصًا إن وجدوا أن واشنطن يمكن أن تهبط ولو قليلًا عن سقف مطالبها؛ وإن كانت إيران، على الأرجح، لا تبدو على استعداد، حتى الآن على الأقل، لتقديم تنازلات إضافية ملموسة عن تلك التي قدمتها في جولة المباحثات الثالثة في جنيف. ولكن هذ يظل مجرد احتمال يشبه احتمال إعلان ترامب المفاجئ عن انتهاء الحرب. ففي حرب تنتقل بصورة متسارعة من مستوى من التعقيد إلى الآخر، تصبح التوقعات اليقينية نوعًا من العبث.