خوارزميات الصمت والصدى وآليات إعادة إنتاج الروايات المتصارعة خلال الحرب على غزة عبر منصة "إنستغرام" (18 مارس/آذار - 30 أبريل/نيسان 2025)

تبحث الدراسة دورَ الخوارزميات وآلياتها في إعادةِ إنتاج الروايات المتصارعة، وبناءِ الحكاية في فضاءٍ رقميٍّ تَحْكُمُه شبكات غير مرئية من المصالح، والتحيُّزات، والأنظمة الرمزية المدفوعة. وهنا، تناقش الدراسة سؤالًا محوريًّا عن البِنَى الخوارزمية المعرفية التي باتت تُعِيد تعريف شروط الوجود الرمزي للرواية الفلسطينية والإسرائيلية: كيف تؤثر خوارزميات الصمت والصدى في إعادة إنتاج الروايات المتصارعة وتشكيل الرأي العام العالمي عبر منصة "إنستغرام" خلال الحرب على غزة؟
الخوارزميات حوَّلت المنصات الاجتماعية فاعلًا ثقافيًّا وسياسيًّا يُعِيد ترميز الروايات وفق منطق التفاعل اللحظي (رويترز)

مقدمة

لقد أصبحت المنصات الرقمية بِنىً إدراكية لإنتاج تصورات وتمثُّلات الأفراد عن العالم أكثر منها مجرد أدوات تواصل، ولذلك لم تَعُد الخوارزميات "بنية تحتية" خفية، بل البنية ذاتها؛ إذ لا تعمل شبكات التواصل الاجتماعي على عرض المحتوى فقط، وإنما توليد السياق الذي يُمكِّن المحتوى من أن يُرَى أو يُنْسَى، يُسْمَع أو يُلْغَى. وهنا، تُمارِس الخوارزميات دورًا دلاليًّا يُعِيد بناء الحكاية داخل فضاء غير محايد، لا من حيث ما يُقال فقط، بل من حيث ما يُتاح قوله أصلًا. فتُنْتِج ما بات يُعْرَف بخوارزميات الصمت والصدى: صمتٌ مُوَجَّه، وصدى مُفَبْرَك، يُحاكي منطق السوق أكثر مما يُحاكي منطق العدالة أو الواقع.

تَظْهَر خوارزميات الصمت والصدى بوصفها آليات تعمل في ثلاثة مستويات: التصفية، والتكرار، والتوجيه. فالتصفية تُقْصِي الروايات غير القابلة للربح أو المثيرة للجدل الأخلاقي. والتكرار يُحوِّل ما يُعاد قوله إلى ما يُصَدَّق. أما التوجيه، فهو إعادة هَنْدَسَة مسارات التفاعل الجمعي؛ إذ تُوضَع الرواية المهيمنة في قلب الزمن الرقمي، بينما تُدْفَن السرديات الأخرى في هوامشه.

وما يُطلق عليه اصطلاحًا الرأي العام العالمي لم يَعُد يتشكَّل على إيقاع التفاعل البشري الحرِّ، بل يُعاد إنتاجه ضمن إيقاع خوارزمي تَحْكُمُه شبكات غير مرئية من المصالح، والتحيُّزات، والأنظمة الرمزية المدفوعة. إن "غرف الصدى" ليست مجرد مجاز، بل هندسة رقمية تُقوِّي الاعتقادات المتشابهة، وتُحاصِر الروايات البديلة؛ ما يُنْتِج نوعًا من العزلة الإدراكية الطوعية(1). ويتفاقم هذا الانغلاق السردي حين يقترن بخوارزميات العقاب، التي تخفض من قابلية الظهور للمحتوى الذي لا يتماشى مع المزاج العام الذي تصنعه المنصة نفسها. وفي "المقابل، لا يُمكن فصل هذا الواقع الرقمي الجديد عن مفهوم الرقابة الرقمية، والذي يتجاوز الحذف المباشر للمحتوى، ليشمل أنماطًا أكثر دهاءً من التعتيم، مثل التظليل، وتقييد الوصول، أو ما يُعرَف بـ"الإبادة الرقمية للمحتوى الفلسطيني"(2). وفي هذه المنظومة، يتم تقويض الحقِّ في الظهور كما يتم تقويض الحقِّ في التعبير؛ لأن الحضور ذاته بات مرهونًا بخوارزميات لا تلتزم بالقيم الأخلاقية، بل بمعايير السوق"(3).

في هذا السياق، يصبح التضليل الإعلامي ممارسة تقنية-سياسية معًا؛ إذ تُعاد كتابة الوقائع ضمن صيغ قابلة للانتشار، بصرف النظر عن صدقيَّتها. وقد بيَّنت دراسات الباحث، رالف كيز (Ralph Keyes) (4)، والأكاديمية، جورجينا ستانيسكو (Georgiana Stanescu)(5)، أن الحقيقة في العصر الرقمي باتت قابلة للتفاوض، ما دامت المنصة تمنح الأفضلية لما يُثِير لا لما يُوثَّق. وهكذا يتبلور "ما بعد الحقيقة" واقعًا مهيمنًا؛ إذ تُقصَى السرديات الفلسطينية المؤلمة؛ لأنها لا تُناسب خوارزميات الانتشاء اللحظي، بينما تُضخَّم الصور الدعائية السريعة؛ لأنها أكثر توافقًا مع دينامية الصدى الجماهيري.

ولا يكتمل تحليل هذا المشهد دون الإشارة إلى ما سمَّته جوديث بتلر (Judith Butler) "اقتصاد الظهور" (The economy of appearance) حين كتبت أن "بعض الأرواح يُمكن الحزن عليها، والبعض الآخر لا"(6). فالحياة التي لا تُحزِن أحدًا لا تُحْتَسَب ضمن سرديات الوجود. وفي المنصات الرقمية لا تُمنَح هذه الحياة فرصة الظهور أصلًا، إلا إذا أُعِيدت صياغتها وفق شروط القابلية للاستهلاك.

هكذا، تظهر حاجة ماسَّة إلى نمط تأويلي جديد لا يكتفي بوصف الخوارزميات آليات للتصنيف، بل يتعامل معها بوصفها بنًى إدراكية تُنْتِج العالم الذي نراه. ومن هنا، تستمد هذه الدراسة أهميتها من تفكيك شبكة التأثير الخوارزمي على الرأي العام العالمي، خصوصًا في سياق الصراعات غير المتكافئة مثل الحالة الفلسطينية؛ إذ تصبح الخوارزميات حارسًا غير مرئي يُقرِّر ما الذي يستحق البقاء في الذاكرة الجمعية، وما يجب أن يُمْحَى بالصمت. ولذلك، تفترض الدراسة أن الخوارزميات لم تَعُد حيادية، بل باتت تُملي شروط الظهور والتأثير، وتُعيد تنظيم المشهد السردي مسبقًا قبل أن يراه المستخدم. وفي هذا الإطار، تُقَدَّم "نظرية التحيُّز الخوارزمي للصدى السردي" بوصفها إطارًا مفاهيميًّا جديدًا لفهم كيفية تدخل الخوارزميات في إعادة ترتيب الروايات، لا على مستوى الانتشار فقط، بل على مستوى الشكل والمضمون والمعنى.

من هنا، تُعد هذه الدراسة مساهمة نقدية في فهم كيف يتحوَّل الفضاء الرقمي إلى مسرح غير متكافئ للروايات، حيث تُكافأ الإثارة على حساب الحقيقة، وتُمنَح الأولوية للصوت الأقوى خوارزميًّا، لا للأصدق سرديًّا. وبهذا، تطرح الدراسة سؤالًا معرفيًّا وأخلاقيًّا في آنٍ معًا: كيف نُقاوم حين تُعاد كتابة الحكاية قبل أن نرويها؟

1. اعتبارات منهجية ونظرية

إشكالية الدراسة

في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها الحروب المعاصرة، لم تَعُد ساحة المعركة تقتصر على الميدان، بل أصبحت تشمل المجال الرقمي؛ حيث تُخاض الحروب اليوم بالكاميرا والكلمة والرموز. وفي هذا السياق، لا تُمثِّل وسائل التواصل الاجتماعي مجرد وسائط تمرُّ من خلالها الروايات، بل باتت منصات تُعيد كتابة الحكاية وفق منطق خوارزمي يُفَضِّل ما يُثِير على ما يُنْصِف، وما يُكَرَّر على ما يُكَثَّف، وما يُتفاعَل معه على ما يُوثَّق.

تطرح هذه الدراسة إشكالية معرفية وأخلاقية معقَّدة: كيف تُعيد الخوارزميات إنتاج الصراع السردي ليس فقط عبر التحيُّز في الانتشار بل من خلال إعادة هندسة الرواية ذاتها؟ هل يمكن للرواية الفلسطينية -المحمَّلة بالوجع والشهادات وبالبعد الاستعماري- أن تَعْبُر إلى الإدراك الجمعي في فضاء يُكافِئ فقط ما يصلح للتفاعل اللحظي؟ وهل باتت الخوارزميات تُمارِس نوعًا من "الرقابة الناعمة" التي لا تُقْصِي الرواية، بل تُعيد تشكيلها لتصبح قابلة للاستهلاك؟

ورغم أن الدراسات السابقة تناولت موضوع الرقابة والمنصات والتمثيل، إلا أن القليل منها اهتم بالبنية العميقة التي تَحْكُم منطق التحيُّز الخوارزمي، خاصة في سياقات غير متكافئة مثل السياق الفلسطيني. من هنا، تنبع أهمية هذه الدراسة التي تدرس نموذجين لمؤثريْن رقميين متضادين -الفلسطينية بيسان عودة، والإسرائيلي يوسف حداد- لتحليل كيف تُعاد صياغة الرواية الفلسطينية والإسرائيلية في منصة "إنستغرام"، في ضوء آليات الصمت والصدى. ومن هنا، يَبْرُز سؤال البحث الرئيس: كيف أثَّرت خوارزميات الصمت والصدى في إعادة كتابة الروايتين الفلسطينية والإسرائيلية وتشكيل الرأي العام العالمي، خلال الحرب على غزة بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، مع التركيز على عَيِّنة محدَّدة من المؤثرين (بيسان عودة التي تُجسِّد الرواية الفلسطينية) و(يوسف حداد الذي يُجسِّد الرواية الإسرائيلية) عبر منصة "إنستغرام"؟ ويتفرَّع عن هذا السؤال الرئيس عدة أسئلة:

- كيف أسهمت خوارزميات الصمت والصدى في تشكيل الروايتين، الإسرائيلية والفلسطينية، في محتوى كل من المؤثرين، بيسان عودة ويوسف حداد؟

- ما أوجه الاختلاف في استخدام المصطلحات والرموز البصرية لمحتوى كل من بيسان عودة ويوسف حداد؟ وكيف أثَّرت الخوارزميات على انتشارها؟

- كيف مثَّل كلٌّ من بيسان عودة ويوسف حداد الضحايا المدنيين في منشوراتهم؟ وما دور الخوارزميات في تضخيم أو تغييب هذه التمثيلات؟

- كيف أسهمت خوارزميات الصمت والصدى في تضخيم حملات التضليل الإعلامي والأخبار المزيفة في محتوى كل من بيسان عودة ويوسف حداد؟

- كيف أثَّرت خوارزميات "إنستغرام" على تفاعل الجمهور مع الصور والفيديوهات في محتوى كل من بيسان عودة ويوسف حداد؟

أهمية الدراسة

لا تكتفي الدراسة بتناول الخوارزميات بوصفها أدوات تقنية تعرض المحتوى أو تَحْجُبُه، بل تُعيد تأطيرها بوصفها بنىً رمزية فاعلة تُعيد كتابة الحكاية قبل أن تُرْوَى، أي دراسة تُحرِّك النقاش من سؤال "ما الذي انتشر؟" إلى سؤال "ما الذي سُمِح له بأن يوجد أصلًا؟"، وهو ما يُمثِّل تحولًا نوعيًّا في فهم العلاقة بين السرد والمنصة. وفي هذا السياق، لا تندرج الدراسة ضمن النماذج التفسيرية التقليدية، مثل "دوامة الصمت" أو "نظرية الغرس الثقافي" أو "نظرية الأطر" فحسب، بل تُعيد مساءلتها من الداخل عبر اختبارها في بيئة لم تُصَمَّم لتكون عادلة، بل لتكون تفاعلية. وبذلك تُقَدِّم الدراسة إسهامًا نوعيًّا في فهم جديد لدور المنصات بوصفها جهات تحرير غير معلنة تتدخل ليس في النشر فقط، بل في شروط الظهور نفسه.

تُعَد هذه المقاربة النظرية غير تقليدية؛ لأنها تُسلِّط الضوء على الخوارزميات بوصفها فاعلًا يُعيد ترميز الرواية الإنسانية لتتوافق مع اقتصاد الانتباه، وهو ما يفتح أفقًا بحثيًّا نادرًا لفهم الصراع لا بوصفه منافسة سردية، بل بوصفه صراعًا على الحق في التمثيل أصلًا. وتكمن الأهمية العملية لهذه الدراسة في أنها لا تكتفي بإبراز التحيُّز الرقمي مشكلةً تقنيةً قابلةً للرصد أو التعديل، بل تُقدِّمه بوصفه بنية خفية تُعيد تشكيل المشهد السردي ذاته في النزاعات غير المتكافئة، كما في الحالة الفلسطينية. ومن هذا المنطلق، تفتح هذه الدراسة أفقًا جديدًا أمام صنَّاع السياسات، ومنظمات العدالة الرقمية، والمؤسسات الإعلامية، لفهم كيف يُعاد إنتاج الصراع رمزيًّا من داخل آليات التشغيل الخوارزمية، وليس من خارجها.

كما تُتيح مخرجات الدراسة إمكانية تطوير مقاربات إستراتيجية أكثر وعيًا بالمنطق الداخلي للمنصات لمساءلتها انطلاقًا من لغتها الخاصة. ويتجلَّى ذلك في ثلاث مساحات تطبيقية مركزية:

- إعادة تصميم الخطاب الرقمي المقاوم بما يتجاوز التفاعل اللحظي، ويُراعي القيود الرمزية المفروضة خوارزميًّا دون أن يتنازل عن معاييره الأخلاقية.

- إنتاج أدوات تحليل نقدية تستهدف تفكيك كيف تُعاد كتابة الذاكرة الجمعية في الفضاء الرقمي، وليس فقط قياس مدى انتشارها.

- بناء تحالفات معرفية وتقنية بين الأكاديميا والنشطاء والمؤسسات الحقوقية لابتكار تدخلات ذكية تُعيد فتح المجال العام الرقمي أمام الروايات المهمشة ليس عبر المطالبة بالظهور فحسب، بل من خلال تفكيك من يملك "حقَّ الظهور" أصلًا.

أهداف الدراسة

تركز عملية التحليل النقدي لخطاب الرواية الفلسطينية والإسرائيلية من خلال نماذج العينة للمؤثريْن، بيسان عودة ويوسف حداد، عبر منصة "إنستغرام"، على تحقيق مجموعة من الأهداف تتمثَّل في:   

- تفكيك الدور الخفي الذي تُؤديه الخوارزميات بوصفها بنىً تحريرية غير معلنة تعمل على إعادة تشكيل الرؤية السردية داخل المنصات الرقمية، وتحديدًا في كيفية إعادة إنتاج الروايتين، الفلسطينية والإسرائيلية، عبر حسابي بيسان عودة ويوسف حداد على "إنستغرام".

- تحليل الفروقات الرمزية والدلالية في اللغة البصرية واللفظية بين الخطابين، الفلسطيني والإسرائيلي، والكشف عن الآليات الخوارزمية التي تُعيد توزيع هذه الرموز ضمن فضاء تفاعلي لا يخلو من انحياز مبرمج.

- رصد الكيفيات والأساليب التي يتم بها تَمْثِيل الضحايا المدنيين في محتوى الطرفين، بما يكشف المنطق الخوارزمي الذي يُعيد توجيه المعاناة الإنسانية نحو نماذج مرئية قابلة للتسويق أو التجاهل.

- استكشاف العلاقة بين الخوارزميات ومنظومة التضليل الرقمي عبر تحليل كيف تُضَخَّم سرديات معينة، وتُعاد هندسة الحقائق، أو يُعاد إنتاجها ضمن صيغ تُناسِب منطق الإثارة والتفاعل لا الدقة والمساءلة.

- دراسة طبيعة البنية التفاعلية لمنصة "إنستغرام" بوصفها بيئة إدراكية تُعيد تعريف ما يُعَد مرئيًّا، مُسْتَحِقًّا للتعاطف، أو صالحًا للانتشار، وتحديد أثر هذه البنية في صياغة الإدراك الرمزي والعاطفي لدى الجمهور.

- إنتاج مقاربة تحليلية تتجاوز النماذج التفسيرية التقليدية، وتُعيد مساءلة الافتراضات التي قامت عليها نظريات الإعلام الكلاسيكية، من خلال تتبُّع آليات التشفير السردي التي تُمارِسها الخوارزميات في سياق النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي.

الدراسات السابقة

تناول العديد من الدراسات تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في الرأي العام، خاصة في سياقات الأزمات والنزاعات، وهو ما يتقاطع مع موضوع هذه الدراسة بشكل كبير. فقد استعرضت الدراسات أدوارًا مختلفة لهذه المنصات في تشكيل الرأي العام، كما بحثت في آليات الرقابة والتضليل، ولكن هذه الدراسة تنفرد بالتركيز على الجانب الخوارزمي غير المرئي.

ركَّزت دراسة الباحثة في علم الاجتماع، منية بن عياد(7)، على دور مؤثري التواصل الاجتماعي في بناء الرأي العام تجاه الحرب على غزة، وكشفت عن التحديات التي واجهها هؤلاء الفاعلون. وتتقاطع هذه الدراسة مع بحثنا في موضوع المؤثرين، لكن سنُقدِّم قراءة أكثر تعقيدًا ليس لدورهم فقط، بل لكيفية إعادة برمجة خطاب المؤثرين داخل منطق المنصة، من خلال تحليل معمق للكيفية التي تُمنَح بها الرواية الفلسطينية مساحة الظهور أو تُعاد قَوْلَبَتُها تحت ضغط الخوارزميات.

وحلَّلت دراسة الأكاديمي، محمد أحمد إبراهيم(8)، آليات التَّحَكُّم في الرأي العام العالمي عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وتوصلت إلى وجود "إبادة رقمية" للمحتوى الفلسطيني. وعلى الرغم من تشابهها مع بحثنا في توصيف الرقابة الرقمية، إلا أن هذه الدراسة تذهب أبعد من مجرد التشخيص لتُفَكِّك البنية الخوارزمية بوصفها جهازًا تحريريًّا يُعيد تعريف الظهور والإقصاء وفق منطق لا يُصاغ اجتماعيًّا، بل يُحْسَب حسابيًّا.

واهتمت دراسات أخرى، مثل الدراسة التي أعدَّها الباحث، محمد محمد(9)، ودراسة الأكاديمي، أنمار وحيد فيضي(10)، بدور مواقع التواصل الاجتماعي في التأثير على الرأي العام بشكل عام؛ مما يضع بحثنا في سياق أوسع لتأثير المنصات، لكن مع التركيز على الجانب الخوارزمي في زمن الأزمة.

وَسَعَت الأكاديمية بجامعة الشرق الأوسط، سارة نصر الدين(11)، إلى تحليل تأثير منصات التواصل الاجتماعي في الرأي العام الدولي خلال الحرب على غزة بالتركيز على الوسوم (الهاشتاغات). وإذا كانت هذه الدراسة تتقاطع مع بحثنا في الموضوع، فسنتجاوز هذا المستوى إلى تحليل أشكال التحيُّز ما قبل الظهور؛ إذ لا تتم إعادة توزيع الخطاب فقط، بل إعادة كتابته وهندسة مشاعره ضمن قالب مرئي مربح.

وحلَّلت الأكاديمية بجامعة كرايوفا، جورجينا ستانيسكو، في دراستها(12) انتشار الأخبار الكاذبة في سياق الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، بينما نحاول في هذا البحث تعريف الكذب نفسه في بيئة "ما بعد الحقيقة"؛ إذ لا تتحدَّد الصدقية بالوقائع، بل بمدى قدرتها على توليد الانفعال. وهنا، تبرز مساهمة الدراسة في قراءة الخوارزميات بوصفها أدوات تُؤَطِّر الانفعال وليس المعلومات فقط.

أما دراسة الباحث، نديم ناشف(13)، فتناولت آليات الرقابة الإسرائيلية على المحتوى الفلسطيني. في المقابل، تُفَكِّك الدراسة الحالية الخوارزمية ذاتها بوصفها تُمارِس شكلًا أعمق من الإقصاء ليس عبر الحذف وحده، وإنما من خلال إعادة توزيع الصوت، وتحديد من هو مُؤَهَّل للظهور ضمن اقتصاد الانتباه.

وتتميَّز هذه الدراسة بمقاربتها النقدية التي لا تنظر إلى الخوارزمية أداة فنية محايدة، بل فاعلًا رقميًّا يُعيد تشكيل المعنى قبل ظهوره. فهي تُقدِّم تحليلًا غير تقليدي لمنصة "إنستغرام" بوصفها فضاء لإعادة بَرْمَجَة الحضور والغياب، وليس عرض الحكايات فقط. كما تُسَائِل الدراسة الأطر والنظريات الكلاسيكية في بيئة لم تُصَمَّم لها، وتُعيد طرح مفهوم "التحيُّز" لا بوصفه ميلًا أيديولوجيًّا، بل منظومة تشغيلية تُقَرِّر من يستحق الحضور. وبذلك، لا تكتفي هذه الدراسة بمساءلة التحيُّز، بل تُعِيد تعريفه عبر كشف الطبقات البنيوية التي تُمارَس فيها السيطرة السردية في زمن الرقمنة العالية.

الإستراتيجية المنهجية 

تعتمد الدراسة المنهجَ الوصفي التحليلي مع التركيز على التحليل النقدي للخطاب أداةً رئيسيةً لملاءمته طبيعة هذا العمل البحثي الذي يتجاوز وصف المحتوى الظاهر للتعمق في تحليل آليات الخطاب الرقمي المرتبط بالروايتين، الفلسطينية والإسرائيلية، على منصة "إنستغرام" كما تجلَّى في منشورات كل من بيسان عودة ويوسف حداد.

ويهدف هذا المنهج إلى رصد الأنماط الدلالية والرمزية والإستراتيجيات الاتصالية التي تُستخدم في هذا الخطاب، وربطها بالبنية الخوارزمية التي تُمارِس عليها تأثيرات الصمت والصدى. إن اعتماد التحليل النقدي للخطاب يُتيح لنا تفكيك العلاقة بين اللغة والسلطة في البيئة الرقمية؛ مما يُمكِّن من فهم كيفية إعادة صياغة الحقائق والوقائع ضمن أطر خطابية تخدم مصالح معينة(14).

ولا يكتفي التحليل النقدي للخطاب بوصف النصوص، بل يركز على الكيفية التي تُستخدم بها اللغة لإنتاج المعنى وتشكيل التصورات وممارسة السيطرة. وفي سياق هذه الدراسة، يُساعد هذا المنهج في:

- الكشف عن التحيُّزات: تحديد الأنماط اللغوية التي تُظهِر تحيُّزًا خفيًّا في الروايتين، وكيف تُتَرْجَم هذه التحيُّزات إلى تفاعل خوارزمي.

- تحليل القوة والسيطرة: فهم كيف تُمارَس السيطرة السردية على المنصة عبر الخطاب، وكيف يُقْصَى صوت على حساب صوت آخر(15).

- تفكيك المعنى: تحليل الأبعاد الرمزية والدلالية للمنشورات، وكيف يُعاد إنتاج المشاعر والانفعالات في "ما بعد الحقيقة"(16).

واعتمدت الدراسة أيضًا أداة تحليل المحتوى بوصفها الأنسب لتحليل مضمون المنشورات الرقمية على منصة "إنستغرام". وقد ساعدت في تحديد القضايا والأبعاد الرمزية وتحليل الإستراتيجيات التواصلية المعتمدة في تشكيل الروايتين، الفلسطينية والإسرائيلية، ضمن سياق الحرب الرقمية.

واختارت الباحثة مفردات العينة عبر مسح شامل للمنشورات التي بُثَّت على منصة "إنستغرام" خلال الفترة المحددة (18 مارس/آذار – 30 أبريل/نيسان 2025)، من حسابي:

- بيسان عودة (24 منشورًا): وهي صحفية فلسطينية شابة تنقل الواقع من غزة للعالم، بمحتوى إنساني ميداني مؤثر، وتُعَد من أبرز الأصوات التي خاطبت الجمهور العالمي بالإنجليزية في لحظات العدوان.

- يوسف حداد (250 منشورًا): وهو ناشط إسرائيلي من خلفية عربية ينشر المحتوى الرقمي بكثافة، مسنودًا بخطاب تعبوي يُروِّج للرواية الإسرائيلية، ويخاطب جمهورًا داعمًا ومتعاطفًا مع الاحتلال.

ومما يُبرر اختيار مفردات العينة:

- تُمثِّل العينة روايتين متناقضتين بوضوح، وتُظهِر تأثير الخوارزميات على التحيُّز السردي.

- يعكس الحسابان مستويات مختلفة من الوصول الجماهيري والتفاعل الخوارزمي.

- تُظهِر العينة ديناميكية الحرب الإعلامية الرقمية بين طرفي الصراع، من خلال مؤثرين فعليًّا في تشكيل الرأي العام العالمي.

قبل الخوض في تحليل الأسئلة البحثية وتفصيل نتائجها، تبرز معطيات أولية ذات دلالات كمية ونوعية، تُضِيء ملامح الاختلاف البنيوي العميق بين الروايتين قيد الدراسة، وتُشكِّل مدخلًا ضروريًّا لفهم أوسع وأدق لما ستكشفه النتائج لاحقًا.

من بين المعطيات الكمية التي تفرض حضورها بقوة في هذه الدراسة، يبرز الفرق العددي في حجم المنشورات بين الطرفين: 24 منشورًا لبيسان عودة، مقابل 250 منشورًا ليوسف حداد خلال الفترة الزمنية نفسها (18 مارس/آذار – 30 أبريل/نيسان 2025). هذا الفارق الإحصائي، الذي قد يُعد "تفاوتًا في النشاط الرقمي"، يُخفي وراءه نظامًا من التحيُّزات البنيوية المعقَّدة، التي تبدأ من موقع كل طرف داخل المنصة، ولا تنتهي عند مدى تمكينه من الوصول الجماهيري العادل.

فبيسان، الصحفية الفلسطينية، تُنْتِج خطابًا ميدانيًّا مُشْبَعًا بالخطر، تُوثِّق لحظة الألم تحت الدمار، وتُحاول إيصال رواية تتعرَّض للحذف والتقييد والإبلاغ المستمر، فقد تُضْطَرُّ أحيانًا لحذف مقاطع، وتُفاجأ أحيانًا أخرى بتراجع التفاعل، رغم واقعية المشهد. ويتمثَّل المحتوى الذي تُنتجه في مقاطع فيديو قصيرة تُظْهِر بقايا ألعاب الأطفال تحت الأنقاض، أو شهادات مباشرة من النازحين تُرْوَى بلغة الوجع، أو صور شخصية تُظْهِر الإرهاق الجسدي والنفسي نتيجة القصف المتواصل. في المقابل، يعمل يوسف حداد ضمن فضاء رقمي آمن، تدعمه لوجستيات إنتاج، وربما ضمن شبكة ترويج شبه مؤسسية، يُتيح له ذلك أن ينشر 250 منشورًا في 42 يومًا، أي بمعدل 6 منشورات يوميًّا، وهو معدل لا يتحقق تلقائيًّا دون دعم تقني وإستراتيجي واضح.

وهنا، لا يكتفي الفرق العددي بأن يكون رقمًا، بل يتحوَّل إلى مؤشر خفي على "اللامساواة الرقمية": من يُسمح له بالنشر؟ من يُعاقب على الظهور؟ من يتم تضخيمه آليًّا، ومن يُطوى خلف الصمت الخوارزمي؟

الأدهى من ذلك، أن هذا الفارق العددي يترافق مع فارق في طبيعة الخطاب: فمحتوى بيسان -وإن كان أقلَّ عددًا- مشحون بالعاطفة والرمز والصورة الحية التي لا تُنْسَى. فهو يتَّكِئ على لقطات إنسانية مؤلمة، مثل فيديو لانتشال طفل من تحت الأنقاض، أو صورة تُظْهِر صمود العائلات في الخيام، وكلها نماذج تُنْتِج خطابًا "ثقيلًا بالمعنى". في المقابل، يتَّسم محتوى يوسف، رغم كثافته، بالتكرار، والشحن الخطابي، والرموز الوطنية المعلبة. ويعتمد على صور ورسوم بيانية مُصَمَّمَة مسبقًا، ولقطات عسكرية قصيرة تُعْرَض مع موسيقى تصويرية حماسية، بالإضافة إلى استخدام مكثَّف للغة التهديد والانتصار وتشويه الطرف الفلسطيني. أي إن بيسان تُنْتِج خطابًا "ثقيلًا بالمعنى"، مقابل كمٍّ كبير "خفيف الوزن دلاليًّا" عند يوسف… ولكن الأرقام الرقمية تُكافِئ الكمَّ، لا الكثافة الرمزية.

وعليه، فإن هذا الفرق العددي لا يجب أن يُقرأ أمرًا عرضيًّا، بل بنية سلطوية رقمية خفية، تُعْطِي الأفضلية لمن يمتلك أدوات السيطرة، وتُقْصِي من لا يملك سوى صوته. إن الرقم هنا لا يُساوي "نشاطًا"، بل يكشف من يُرَوَّج له، ومن يُسْكَت. وهكذا، فإن المعلومة في عصر الخوارزمية لا تنتشر؛ لأنها صحيحة… بل لأنها قابلة للتداول ضمن معايير لا علاقة لها بالحقيقة، بل فقط بمن يخدم من؟

وانطلاقًا من هذا التفاوت البنيوي والإحصائي، تبدأ هذه الدراسة بالكشف عن أنماط تمثيل الرواية الرقمية خلال الحرب على غزة، عبر تحليل كمي وكيفي متعمق للمحتوى الذي نشره كل من بيسان عودة ويوسف حداد على منصة "إنستغرام". ويركز هذا التحليل على طبيعة اللغة المستخدمة، وتمثيل الضحايا، واستخدام الرموز والمصطلحات، بالإضافة إلى التفاعل الجماهيري المدعوم خوارزميًّا. كل ذلك سيتم تقديمه عبر عرض منظم للأسئلة البحثية الخمسة ونتائجها الكمية الدقيقة، متبوعة بمناقشة تحليلية تُفكِّك البنية الخفية للسرديتين.

حدود الدراسة  

- الحدود الزمنية: تم تحديد الفترة من 18 مارس/آذار حتى 30 أبريل/نيسان 2025، وهي مرحلة دقيقة تبدأ بانهيار اتفاق وقف إطلاق النار بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، واستئناف إسرائيل للحرب على غزة في 18 مارس/آذار 2025. وتُعَد هذه الفترة مفصلية لفهم تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، لاسيما "إنستغرام"، في تشكيل الرأي العام العالمي في مرحلة ما بعد العمليات العسكرية؛ إذ تتغير لغة الخطاب وتبدأ حملات التضليل أو التضامن في الظهور بشكل أقوى. كما أن قرب الفترة زمنيًّا يُسهِّل جمع البيانات وتوثيق التفاعلات الرقمية الحية، ويعكس كيف تتطور السرديات في ظل غياب تغطية إعلامية تقليدية عادلة.

- الحدود اللغوية: ركزت الدراسة على المحتوى المنشور باللغتين العربية والإنجليزية لضمان رصد الخطاب الموجَّه للجمهور العربي والعالمي بما يتلاءم مع هدف الدراسة في فهم التأثير العابر للحدود للروايتين، الفلسطينية والإسرائيلية.

- الحدود الموضوعية: تركز الدراسة على تحليل خوارزميات الصمت والصدى في تشكيل الروايتين عبر عناصر رئيسية، مثل: تمثيل الضحايا المدنيين، وحملات التضليل، والمحتوى البصري (صور/فيديو).

- الحدود التقنية: تمَّ حصر الدراسة في منصة "إنستغرام" بسبب طبيعتها البصرية عالية التأثير، واعتمادها على خوارزميات قوية في ترتيب المحتوى. ووقع الاختيار على المؤثريْن، الفلسطينية، بيسان عودة، والإسرائيلي، يوسف حداد، لتمثيل طرفي الروايتين لما لهما من تأثير واضح على الرأي العام خلال الحرب.

مفاهيم مفتاحية

أولًا: خوارزميات الصمت والصدى

تُعَد خوارزميات الصمت والصدى بمنزلة البنية غير المرئية التي تُعيد تشكيل الوعي الجمعي في الفضاء الرقمي. وهي ليست مجرد أدوات تقنية، بل بنى إدراكية تُمارِس الرقابة الناعمة عبر شقين: "الصدى" الذي يُضَخِّم المحتوى الذي يتوافق مع اهتمامات المستخدم أو تحيزاته المسبقة؛ مما يُنْتِج "غرف صدى" تُعزِّز الانغلاق الفكري. و"الصمت" الذي يصف الآليات التي تُهمِّش أو تُخْفِي المحتوى المعارض لتُمارِس رقابة لا تحذف المحتوى، بل تُقْصِيه إلى الهامش. وفي هذه الدراسة، تُستخدم هذه الخوارزميات لوصف الممارسات التي تَتَّبِعُها منصة "إنستغرام" لتقييد انتشار المحتوى المتعلق بالقضية الفلسطينية عبر تضخيم سردية معينة وإخفاء ما يتعارض معها بهدف التأثير في الرأي العام العالمي.

ثانيًا: الرأي العام العالمي

لم يَعُد الرأي العام العالمي مجموعة من الآراء التي تتشكل بحرية، بل أصبح مفهومًا ديناميكيًّا يُعاد إنتاجه ضمن إيقاع خوارزمي تتحكَّم فيه شبكات من المصالح. ففي العصر الرقمي، يتحوَّل الرأي العام إلى ساحة صراع رمزي تُبنى فيها المواقف وتُعاد صياغتها بشكل مستمر، متأثرًا بشكل كبير بوسائل الإعلام التقليدية والرقمية(17). تُعرِّف هذه الدراسة الرأي العام العالمي بالإدراك الجمعي والمواقف التي تتشكَّل تجاه الحرب على غزة (2023-2025)، كما يتم التعبير عنها وتشكيلها عبر المحتوى المنشور على منصة "إنستغرام"، وتحديدًا من خلال الخطاب الذي يُقدِّمه كل من الصحفية الفلسطينية، بيسان عودة، والإسرائيلي، يوسف حداد.

ثالثًا: الرقابة الرقمية

تتجاوز الرقابة الرقمية مفهوم الحذف المباشر للمحتوى لتصبح ممارسة أكثر دهاءً من "التعتيم"؛ إذ يتم التَّحَكُّم في المحتوى عبر وسائل مثل الحجب الظلِّي (shadow banning) أو تقييد الوصول. في هذا المشهد، تُقوِّض الخوارزميات الحقَّ في الظهور بنفس القدر الذي تُقوِّض به الحقَّ في التعبير؛ لأن الوجود الرقمي ذاته أصبح مرهونًا بآليات لا تلتزم بقيم أخلاقية، بل بمنطق السوق والربح. وفي هذه الدراسة، تُستخدم الرقابة الرقمية لوصف الأشكال التي تُقْصَى بها الرواية الفلسطينية من فضاء الظهور الرقمي، وهو ما يُعرَف في سياق الدراسة بـ"الإبادة الرقمية للمحتوى الفلسطيني".

رابعًا: التضليل الإعلامي

يصبح التضليل الإعلامي في العصر الرقمي ممارسة "تقنية-سياسية"؛ إذ تُعاد كتابة الوقائع ضمن صيغ قابلة للانتشار بصرف النظر عن صِدْقِيَّتِها. فالهدف لم يَعُد إيصال الحقيقة، بل إثارة الانفعال وخلق الانتماء عبر نشر معلومات كاذبة أو مُضَلِّلَة بشكل متعمد. ويرتبط هذا المفهوم بظاهرة "ما بعد الحقيقة"؛ إذ تُعطى الأفضلية للروايات التي تُثير المشاعر لا تلك التي تُوثِّق الحقائق(18). وتُعرِّف الدراسة التضليل الإعلامي بعملية نشر المعلومات المُضَلِّلَة والأخبار الزائفة المتعلقة بالحرب على غزة، والتي يُسْهِم التحيُّز الخوارزمي في تضخيمها وتسهيل انتشارها، وهو ما سيتم تحليله في محتوى المؤثريْن، بيسان عودة ويوسف حداد.

خامسًا: الرواية الإسرائيلية والفلسطينية

لا تُعَد الرواية الإسرائيلية والفلسطينية مجرد وجهتي نظر متعارضتين حول الصراع، بل تُجسِّدان صراعًا على شرعية الوجود السردي ذاته. فالرواية الفلسطينية غالبًا ما تُحمَّل بوجع الشهادات، بينما تُكَافَأ الرواية الإسرائيلية خوارزميًّا؛ لأنها تتوافق مع "اقتصاد الانتباه"(19). وفي هذه الدراسة، تُستخدم "الرواية الفلسطينية" و"الرواية الإسرائيلية" لوصف الخطابين الرمزيين واللغويين اللذين تُقدِّمهما بيسان عودة ويوسف حداد، وذلك لتحليل الكيفية التي تُمنَح بها كل رواية شروط الظهور والانتشار عبر منصة "إنستغرام" تحت تأثير الخوارزميات.

الإطار النظري

تُعَد البيئة الرقمية الحديثة حقلًا معقَّدًا من تداخلات الإعلام والتكنولوجيا والسلطة؛ مما يدفع إلى استدعاء نماذج نظرية متعددة لفهم الكيفية التي تُصاغ بها الروايات داخل المنصات الاجتماعية. وفي هذا السياق، تستند الدراسة إلى نظريتين إعلاميتين رئيسيتين تُوفِّران أطرًا معرفية تفسيرية أولية للظاهرة، كما يتجاوز التحليل في هذه الدراسة مجرد التطبيق المباشر لهذه النظريات.

نظرية الأطر: تفترض نظرية الأطر أن الطريقة التي يُقدَّم بها الحدث أو الخطاب -أي الإطار الذي يُوضع فيه- تؤثر بشكل كبير في كيفية تلقِّي الجمهور له. وترتبط هذه النظرية بتحليل اللغة، والصور، والتمثيل. وهي مفيدة لفهم كيف يُعاد بناء المعنى ليس من خلال المحتوى فقط، بل عبر زاوية الطرح وسياقه؛ فهي تُقدِّم أطرًا معرفية وعدَّة منهجية لتحليل الكيفية التي تُعيد بها الخوارزميات تأطير المحتوى الفلسطيني والإسرائيلي، ليس عبر الحذف، بل عبر إعادة صياغة شروط ظهوره، وتحديد زاوية الطرح الأكثر قابلية للتفاعل. هذه النظرية تُعَد حاسمة لفهم كيف تُحوِّل المنصات الرقمية الخطاب من وسيلة للتعبير إلى سلعة قابلة للتسويق؛ مما يخدم "اقتصاد الانتباه" على حساب حقيقة المضمون(20).

نظرية ما بعد الحقيقة: تُسلِّط نظرية ما بعد الحقيقة الضوء على التحوُّل الذي طرأ على تشكيل الرأي العام؛ إذ انتقل مركز الثقل من الحقائق الموضوعية إلى المشاعر والانطباعات، خاصة في ظل تزايد المعلومات المضلِّلة وتسارُع الاستهلاك الرقمي. في هذا الإطار، لم تَعُد مصداقية المعلومة هي الأساس، بل مدى قدرتها على استثارة رد فعل أو خلق إحساس بالانتماء أو الخوف. وتُعَد هذه النظرية ملائمة للدراسة؛ لأنها تُقدِّم إطارًا لفهم كيف تُعْطَى الأفضلية للروايات التي تُثير المشاعر لا تلك التي تُوثِّق الحقائق.

المقاربة النقدية للدراسة

رغم أهمية النماذج المذكورة في تقديم رؤى أولية وإضاءتها لزوايا مختلفة من الظاهرة، تقوم الدراسة باستحضارها ضمن مقاربة نقدية، تُفكِّك تداخل الخطاب والمنصة والمستخدم. وهذا يسمح بإعادة مساءلتها لا بوصفها نظريات مكتملة، بل نقاط انطلاق ضمن فضاء رقمي يُعاد فيه إنتاج المعنى في بنية خوارزمية هجينة. وترى الدراسة أن نظريتي دوامة الصمت والغرس الثقافي، رغم أهميتهما، تهتمَّان بشكل أساسي بالجمهور وتأثير الإعلام التقليدي، ولذلك سيتم استخدام نتائجهما بشكل استنباطي في خاتمة البحث، للربط بين النتائج التي توصلت إليها الدراسة والآثار طويلة المدى على الجمهور.

وتُدرك الباحثة أن أدوات تحليل البيانات الرقمية المتقدمة، مثل واجهات إنستغرام (Instagram API)، وبرمجيات رصد التفاعلات والتصفية، تُتيح مسارات بحث كمية دقيقة لرصد الخوارزميات في أبعادها التقنية، من حيث مدى الوصول والتفاعل، وظواهر مثل الحجب الظلِّي. غير أن الدراسة لم تستند إلى تلك الأدوات، نظرًا لاعتمادها منهجًا نوعيًّا تحليليًّا يركز على تفكيك البنية الرمزية للسرد، وتحليل أثر الخوارزميات في إعادة تشكيل المعنى وشرعية الظهور داخل المنصة، وليس على تتبُّع بنيتها البرمجية أو آثارها الكمية.

وقد ارتكزت المقاربة المنهجية على تحليل الخطاب، واستنطاق الكيفيات التي تُعاد فيها كتابة الرواية الرقمية تحت تأثير أنماط التفضيل الخوارزمي، دون الدخول في تحليل كودي مباشر للبنية التقنية. إن تجنُّب استخدام الأدوات الرقمية لم يكن نقصًا، بل وعيًا منهجيًّا بطبيعة السؤال البحثي، الذي يتجاوز قياس الأرقام إلى مساءلة النظام الرمزي الذي تُنْتَج ضمنه تلك الأرقام.

ورغم ذلك، ترى الباحثة أن توظيف أدوات القياس الكمي والتحليل البرمجي يمكن أن يُشكِّل لاحقًا بُعدًا مُكَمِّلًا، يُضيء الجوانب التقنية الدقيقة التي قد تَرفد التحليل النوعي بمؤشرات إضافية بهدف التوسيع في أفق الفهم حول كيفية اشتغال المنصات في إعادة توزيع الصوت، وترميز المعنى، وتشكيل الوعي الرقمي في السياقات النزاعية غير المتكافئة.

2. البنى الخوارزمية وأنماط تمثيل الذات الفلسطينية والإسرائيلية 

خوارزميات الصمت والصدى في تشكيل الروايتين الإسرائيلية والفلسطينية

يُقدِّم الجدول رقم (1) مقارنة بين سمات خطابين متميزين: الرواية الفلسطينية (كما تجلَّت في منشورات بيسان عودة) والرواية الإسرائيلية (كما تجلَّت في منشورات يوسف حداد). ويُشير التباين الكمي والنوعي في العناصر اللغوية والرمزية المستخدمة إلى إستراتيجيات تواصل مختلفة تهدف إلى التأثير على المتلقي العالمي بطرق متباينة.

جدول (1): سمات الرواية الفلسطينية والإسرائيلية في عيِّنة الدراسة

بنية الروايتين الفلسطينية والإسرائيلية

التكرار*

النسبة

الرواية الفلسطينية (عودة)

لغة درامية

18

46.15

صور واقعية لمدنيين

21

53.85

المجموع

39

100

الرواية الإسرائيلية (حداد)

لغة هجومية مباشرة

160

56.14

رموز وطنية (علم، جيش)

125

43.86

المجموع

285

100

* يُلاحَظ أن مجموع التكرارات في كلتا الروايتين يفوق عدد المنشورات في العينة، وذلك بسبب احتواء بعض المنشورات على أكثر من سمة أو عنصر تحليلي واحد، وهو ما يعكس ثراء المحتوى الرمزي وتعدُّد الرسائل التي تحملها المنشورات.

أولًا: اللغة الدرامية مقابل اللغة الهجومية المباشرة

في الرواية الفلسطينية يبرز استخدام "اللغة الدرامية" بنسبة 46.15%، وبمعدل تكرار بلغ 18 مرة. ويُشير هذا إلى ميل نحو استخدام أساليب بلاغية مؤثرة تهدف إلى إثارة المشاعر والتعاطف وتسليط الضوء على الجوانب الإنسانية والتأثيرات العاطفية للصراع. وتتضمن هذه اللغة وصفًا حيًّا للمعاناة، واستخدامًا للصور البلاغية القوية، والتركيز على قصص الضحايا المدنيين.

في المقابل، تغلب على الرواية الإسرائيلية "اللغة الهجومية المباشرة" بنسبة 56.14%، وبمعدل تكرار بلغ 160. ويعكس هذا النهج خطابًا أكثر حدة ويتضمن اتهامات مباشرة، وتركيزًا على التهديدات الأمنية، وتبريرًا للأفعال العسكرية. ويُشير التكرار الأعلى لهذه اللغة إلى تركيز أكبر على هذا النوع من الخطاب في الرواية الإسرائيلية ضمن العينة المدروسة.

ثانيًا: تجسيد الواقع الإنساني مقابل التعبئة الرمزية الوطنية

تركِّز الرواية الفلسطينية على صور واقعية للمدنيين بنسبة 53.85%، وبمعدل تكرار بلغ 21 مرة، ويُشير ذلك إلى إستراتيجية تواصلية تهدف إلى إبراز التكلفة الإنسانية المباشرة للصراع على حياة الأفراد العاديين. وتسعى هذه الرواية، من خلال عرض صور للدمار والإصابات وقصص الناجين، إلى إضفاء طابع إنساني على الضحايا وتحدي الروايات التي قد تُقَلِّل من شأن الخسائر المدنية.

منشور (1) لبيسان عودة (20 مارس/آذار 2025) يمثِّل الواقع الفلسطيني في غزة بلغة درامية عبر "إنستغرام"(21)

1

ويعكس تكرار الرموز الوطنية في الرواية الإسرائيلية (43.86%) إستراتيجية تواصلية تهدف إلى حشد الدعم الداخلي وتعزيز الشعور بالوحدة والانتماء. وتسعى هذه الرواية، من خلال التوظيف المكثف للرموز الوطنية والعسكرية، إلى بناء سردية قوية ترتكز على الهوية الوطنية والقوة العسكرية.

منشور (2) ليوسف حداد (7 أبريل/نيسان 2025) يجسد الرموز الوطنية عبر منصة "إنستغرام"(22)

2

يكشف التباين بين الروايتين، الفلسطينية والإسرائيلية، عن اختلاف جوهري في إستراتيجيات التأثير والتأطير؛ إذ تميل الرواية الفلسطينية إلى استخدام لغة درامية وصور واقعية للضحايا المدنيين بهدف إثارة مشاعر التعاطف والتضامن الدولي، بينما تعتمد الرواية الإسرائيلية على لغة هجومية مباشرة وتكثيف الرموز الوطنية لتأكيد أطروحة "التهديد الأمني" وتعزيز التماسك الداخلي. ولا يعكس هذا التباين اختلافًا في الأسلوب فقط، بل تناقضًا في الرهانات الرمزية والتواصلية التي تسعى كل رواية إلى ترسيخها لدى جمهورها المستهدف.

وتكمن قوة هذه النتائج في قدرتها على كشف كيفية إنتاج الروايات السياسية في السياق الرقمي، من خلال آليات الخوارزميات التي تتحكَّم بما يُرَى وما يُقْصَى. فمعايير التفاعل والتصفية التلقائية قد تؤدي إلى تضخيم محتوى معين -مثل الصور الصادمة أو اللغة العاطفية- وتقييد الوصول إلى محتوى آخر؛ مما يُسْهِم في بناء "غرف صدى" رقمية تُكرِّس رؤية واحدة وتُهمِّش الأخرى. وهذا يُعزِّز الحاجة لفهم الروايات الرقمية ليس فقط بوصفها نتاجات خطابية، بل نتاجات مُفَلْتَرَة خوارزميًّا تُشكِّل الإدراك الجمعي بطرق غير مرئية ولكنها فعَّالة.

ويُلاحَظ أن خوارزميات الصمت والصدى تقوم بدور بنيوي في إعادة تشكيل الروايتين، الفلسطينية والإسرائيلية، عبر توجيه أنماط التفاعل والانتشار للمحتوى على منصات التواصل، لاسيما في "إنستغرام". فمن جهة، أسهمت خوارزميات الصدى في تعزيز الرواية الفلسطينية التي تنبني على اللغة الدرامية والصور الواقعية للمدنيين؛ إذ تقوم بترشيح المحتوى الذي يُحفِّز الاستجابات العاطفية والتفاعل العالي، وهو ما يجعل اللغة البلاغية والصور الإنسانية تنتشر بوتيرة أسرع داخل دوائر التضامن الرقمي؛ مما يُعمِّق من حضور هذه الرواية ويُكرِّسها ضمن مجتمعات رقمية متعاطفة. وبالمقابل، وفي الرواية الإسرائيلية، عزَّزت نفس الخوارزميات نمطًا تعبويًّا يتسم بلغة هجومية مباشرة وتكرار الرموز الوطنية بما يتناسب مع جمهور محلي أو داعم يرى في هذه الرموز تأكيدًا للهوية والانتماء.

أما خوارزميات الصمت، فمارست تأثيرًا مزدوجًا؛ الأول يتمثَّل في تقييد الانتشار المتبادل بين الروايتين؛ إذ تُعْرَض كل سردية ضمن دوائر ضيقة من المتلقين المتجانسين؛ مما يحدُّ من التفاعل النقدي أو المراجعة المتبادلة. والثاني يتمثَّل في إقصاء روايات بديلة أو محتوى لا يتوافق مع أنماط الاهتمام الجماعي أو سياسات المنصة. ومن ثم تتشكَّل سرديات مغلقة تُعِيد إنتاج ذاتها تحت تأثير الخوارزميات. هذه البنية الرقمية لا تُعَد محايدة، بل تُسْهِم في إعادة إنتاج هندسة معرفية للصراع؛ إذ لا يتم توزيع الحقيقة بشكل عادل، بل بناءً على حسابات تفاعلية وربحية. وهكذا تصبح الخوارزميات أداة خفية ولكن فاعلة في صناعة الإدراك، ومشاركًا نشطًا في تشكيل السرديات السياسية والاجتماعية، وليس فقط مجرد ناقل للرسائل.

بنية التركيب المعجمي والرموز البصرية في الروايتين الإسرائيلية والفلسطينية

يُقدِّم الجدول رقم (2) مقارنة محورية لبنية التركيب المعجمي في خطاب الرواية الفلسطينية (بيسان عودة) والخطاب الإسرائيلي (يوسف حداد). ويرتكز التحليل هنا على تحديد الأنماط اللغوية والرمزية المهيمنة في الروايتين، ورصد التباينات الكمية والنوعية التي تكشف عن إستراتيجيات تواصلية متباينة تسعى للتأثير على المتلقي العالمي.

جدول (2): بنية التركيب المعجمي والرموز البصري في عينة الروايتين الإسرائيلية والفلسطينية

التركيب المعجمي والرموز

التكرار*

النسبة

الرواية الفلسطينية (عودة)

إبادة

12

33.33

قتل الأطفال

14

38.89

لا مكان آمن

10

27.78

المجموع

36

100

الرواية الإسرائيلية (حداد)

إرهابيو حماس

140

47.46

همجية

80

27.12

رموز "X" على صور شخصيات فلسطينية

75

25.42

المجموع

295

100

         

* يُلاحظ أن مجموع التكرارات في كلتا الروايتين يفوق عدد المنشورات في العينة، وذلك بسبب احتواء بعض المنشورات على أكثر من سمة أو عنصر تحليلي واحد، وهو ما يعكس ثراء المحتوى الرمزي وتعدُّد الرسائل التي تحملها المنشورات.

ثنائية التأثير العاطفي مقابل الخطاب التحريضي

في الرواية الفلسطينية، يبرز الاستخدام المكثف لمصطلحات وعبارات تحيل على سجل لغوي للجرائم والانتهاكات التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، والظروف الأمنية التي يعيشها السكان، مثل مصطلح "إبادة" الذي ورد بنسبة 33.33% وبمعدل تكرار 12 مرة، ثم عبارة "قتل الأطفال" التي جاءت بنسبة 38.89% وبمعدل تكرار 14 مرة، وعبارة "لا مكان آمن" بنسبة 27.78% وبمعدل تكرار 10 مرات. وتعكس هذه المصطلحات والعبارات إستراتيجية تواصلية تعتمد على استثارة المشاعر الإنسانية لدى الجمهور العالمي. ويهدف هذا النمط اللغوي إلى تسليط الضوء على حجم المعاناة التي يعيشها المدنيون، لاسيما الأطفال والنساء، وتحويل المحتوى إلى رسالة وجدانية تدعو للتضامن والتعاطف مع القضية الفلسطينية. في هذا السياق، تتحوَّل اللغة إلى وسيلة مقاومة ناعمة تُظْهِر الجرائم المختلفة من السياق الواقعي للأحداث دون تجميل أو تزييف.

منشور (3) لبيسان عودة (10 أبريل/نيسان 2025) يستخدم سجلًّا لغويًّا يرصد جرائم الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة(23)

3

أما الرواية الإسرائيلية فتُهَيْمِن عليها لغة هجومية حادة تنزع الطابع الإنساني عن الذات الفلسطينية، من خلال استخدام مصطلحات مثل "إرهابيو حماس" التي وردت بنسبة 47.46% وبمعدل تكرار 140 مرة، ومصطلح "همجية" بنسبة 27.12% وبمعدل تكرار 80 مرة، إلى جانب رموز مرئية تحمل طابعًا عدائيًّا، مثل وضع إشارة "X" على صور شخصيات فلسطينية بنسبة 25.42% وبمعدل تكرار 75 مرة. وتكشف هذه العناصر عن سردية تهدف إلى تأطير الفلسطيني "عدوًّا يُشكِّل تهديدًا وجوديًّا"؛ ما يُبرر السياسات العنيفة ضمن خطاب تعبوي قائم على التخويف والتحريض.

منشور (4) ليوسف حداد (4 أبريل/نيسان 2025) يجسد لغة هجومية تنزع الطابع الإنساني عن الفلسطيني عبر "إنستغرام"(24)

4

لا يمكن فصل أنماط انتشار المصطلحات والتركيب المعجمي والرموز في الروايتين، الفلسطينية والإسرائيلية، عن السياقات الخوارزمية التي تُعيد تشكيل فضاء الخطاب الرقمي؛ إذ تؤثر خوارزميات الصدى بشكل مباشر في تضخيم بعض المفردات والرموز ضمن دوائر أيديولوجية مغلقة؛ حيث تُكرِّس المصطلحات الأكثر انسجامًا مع ميول المستخدمين، مما يخلق بيئة خطابية تُعيد إنتاج ذاتها باستمرار، وتُعزِّز الرواية القائمة. ويظهر ذلك بوضوح في الرواية الفلسطينية التي اعتمدت على مصطلحات لاستثارة الرأي العام، مثل "إبادة" و"قتل الأطفال" و"لا مكان آمن"؛ إذ ارتفعت نسبة تكرارها بشكل ملحوظ بفضل ميل المستخدمين للتفاعل مع المحتوى المُؤَنْسَن والمؤثر؛ مما حفَّز الخوارزميات على دفعه للأمام وانتشاره الأوسع في دوائر التضامن الرقمي.

في المقابل، قامت خوارزميات الصدى في الرواية الإسرائيلية بتضخيم مفردات ذات طابع أمني وعدائي، مثل "إرهابيو حماس" و"همجية"، ورسَّخت رموزًا مرئية مثل "X" على صور فلسطينيين، بما يعكس آليات خوارزمية تُشجِّع الخطاب الذي ينسجم مع السردية السياسية المهيمنة ويُعيد تأكيد ثنائيات الخير والشر. أما خوارزميات الصمت، فتتجلَّى في تغييب شبه تام لأي مفردات تُشير إلى معاناة الطرف الآخر داخل رواية كل جانب؛ مما يعكس أداء خوارزميًّا يُقْصِي المحتوى غير المرغوب فيه وفقًا لخوارزميات التفاعل، أو نتيجة لسياسات المنصة ذاتها. هذه الديناميكية تُظْهِر أن المحتوى الرقمي لم يَعُد يُقيَّم فقط على أساس حمولته الأخلاقية أو السياسية، بل على أساس قابليته للانتشار ضمن منظومات خوارزمية تصوغ حدود الظهور وحدود الغياب، وتُؤَسِّس لفضاءات معرفية مُسَيَّجَة لا تتقاطع بالضرورة، بل تتصارع في أروقة التفاعل.

دور الخوارزميات في تضخيم أو تغييب تمثيل الضحايا المدنيين

يرصد الجدول رقم (3) مقارنة بين العناصر المرئية واللغوية المستخدمة في تَمْثِيل الضحايا المدنيين في الروايتين، الفلسطينية والإسرائيلية، خلال الحرب على غزة. ويكشف التحليل عن تباينات جوهرية في إستراتيجيات تقديم هذه الصور وتأطيرها.

جدول (3): تمثيل الضحايا المدنيين في عينة الدراسة

تمثيل الضحايا المدنيين

التكرار*

النسبة

الرواية الفلسطينية (عودة)

صور أطفال ومدنيين

20

41.67

فيديوهات بكاء/شهادات حية

12

25

مجزرة، مدنيون، نساء 

16

33.33

المجموع

48

100

الرواية الإسرائيلية (حداد)

صور ضحايا إسرائيليين

70

53.84

صور قتلى فلسطينيين

-

-

محتوى تحقيري للطرف الآخر

60

46.16

المجموع

130

100

* يُلاحظ أن مجموع التكرارات في الروايتين يفوق عدد المنشورات في العينة، وذلك بسبب احتواء بعض المنشورات على أكثر من سمة أو عنصر تحليلي واحد، وهو ما يعكس ثراء المحتوى الرمزي وتعدُّد الرسائل التي تحملها المنشورات.

أولًا: التركيز على الأطفال والمعاناة الحية في الرواية الفلسطينية

- صور أطفال ومدنيين: يُشير الانتشار الواسع لصور الأطفال والمدنيين في الرواية الفلسطينية، والتي وردت بنسبة 41.67% وبمعدل 20 مرة، إلى إستراتيجية مركزة تهدف إلى إبراز التأثير الإنساني المدمر للصراع على الفئات الأكثر ضعفًا. وتسعى هذه الرواية، من خلال عرض صور حية للأطفال المتضررين والمدنيين الذين يعانون من ويلات الحرب، إلى استثارة التعاطف والتضامن الدولي، وتجسيد التكلفة الإنسانية الباهظة للحرب.

- فيديوهات بكاء وشهادات حية: يُعزِّز استخدام فيديوهات البكاء والشهادات الحية (25%) هذا التوجُّه نحو إضفاء طابع شخصي ومؤثر على معاناة الضحايا. وتهدف هذه الرواية، من خلال نقل أصوات الضحايا الفلسطينيين وصورهم الحقيقية، إلى تجاوز الأرقام والإحصائيات وتقديم تجارب إنسانية واقعية للجمهور العالمي.

- كلمات "مجزرة" و"مدنيون" و"نساء": يُشير التكرار الملحوظ لهذه الكلمات، التي تُشير إلى نوع الانتهاكات والجهات المستهدفة، بمعدل 16 مرة وبنسبة 33.33%، إلى تأطير لغوي يركز على وصف الأحداث بـ"أعمال عنف واسعة النطاق" تستهدف المدنيين بشكل خاص، بما في ذلك النساء. ويهدف هذا الاستخدام اللغوي إلى إدانة تلك الأعمال وتسليط الضوء على الضحايا غير المقاتلين.

منشور (5) لبيسان عودة (28 مارس/آذار 2025) يُظهر شهادات حية لمدنيين عبر "إنستغرام"(25)

5

ثانيًا: تمثيل الضحايا الفلسطينيين في الرواية الإسرائيلية

يُشير الغياب التام لصور الضحايا الفلسطينيين في الرواية الإسرائيلية إلى إستراتيجية واضحة لتجنب أو تهميش الصور الصريحة للذات الفلسطينية. ويمكن أن يكون لهذا التغييب أسباب متعددة تتعلق بإدارة الصورة العامة وتجنب ردود الفعل العاطفية السلبية أو اتهامات بارتكاب جرائم حرب.

ويحيل المحتوى التحقيري للجانب الفلسطيني إلى إستراتيجية تواصلية تركز على نقد روايته، ومحاولة تقويض مصداقيتها. وقد يتم هذا التركيز النقدي على حساب إبراز صور الضحايا الإسرائيليين، أو الاعتراف بالخسائر المدنية الفلسطينية.

منشور (6) ليوسف حداد (23 مارس/آذار 2025) يجسد محتوى تحقيريًّا للجانب الفلسطيني عبر "إنستغرام"(26)

6

بناء على ما سبق، تبدو الرواية الإسرائيلية أكثر تحفظًا في عرض الضحايا المدنيين، وهو ما قد يُشير إلى إستراتيجية صمت مُوَجَّهَة أو مراعاة لحسابات التواصل الخوارزمية. ويتضح من التحليل أن تمثيل الضحايا المدنيين في الروايتين الرقميتين، الفلسطينية والإسرائيلية، لا يُفهم فقط في إطار الخطاب الإعلامي المباشر، بل يتداخل بعمق مع بنى خوارزمية تُوجِّه الظهور، وتُعيد إنتاج الرؤية، وتُحدِّد من يُمْنَح الصوت ومن يُحْجَب؛ إذ تم توظيف خوارزميات الصدى عبر تكثيف نشر المحتوى الفلسطيني الذي يركز على المعاناة الإنسانية، مثل صور الأطفال والشهادات الحية، في فضاءات رقمية متعاطفة سياسيًّا وإنسانيًّا؛ مما أدى إلى تضخيم الرسالة ضمن ما يُعرف بـ"غرف الصدى الرقمية" التي تُعزِّز المواقف القائمة وتُعيد تدويرها، دون خلق تقاطع فعلي مع الرواية الأخرى. في المقابل، يمكن رصد أثر خوارزميات الصمت في تغييب شبه كامل للضحايا الفلسطينيين من الرواية الإسرائيلية، وهو تغييب قد لا يكون فقط نابعًا من قرار تحريري ذاتي، بل أيضًا من أداء خوارزمي يُعاقِب أو يُقلِّل من انتشار المحتوى الذي يتعارض مع السرديات المهيمنة أو يُثير جدلًا حساسًا. إن هذا التواطؤ بين اختيار المستخدم وآليات التوزيع الخوارزمية يخلق واقعًا تواصليًّا غير متوازن، ويُعيد رسم خرائط الألم والاعتراف على نحو مجزأ، ويُسلِّط الضوء على مركزية الخوارزميات في إعادة تشكيل الإدراك الجمعي تجاه الضحايا في النزاعات المعاصرة.

خوارزميات الصمت والصدى وحملات التضليل الإعلامي

يُقدِّم الجدول رقم (4) مقارنة مباشرة بين مؤشرات تداول التضليل والأخبار المزيفة في الرواية الرقمية، الفلسطينية والإسرائيلية، خلال الحرب على غزة. ويكشف التحليل عن تباينات حادة تستدعي تفسيرًا معمقًا لدور الخوارزميات في هذا السياق.

جدول (4): حملات التضليل الإعلامي والأخبار المزيفة في عينة الدراسة

حملات التضليل الإعلامي والأخبار المزيفة

التكرار*

النسبة

الرواية الفلسطينية (عودة)

صور موثقة وواقعية دون تحريف

22

100

لم يستخدم خطاب كراهية أو تضليل ظاهر

-

-

المجموع

22

100

 الرواية الإسرائيلية (حداد)

تقديم رواية أحادية

200

76.92

تضخيم الآراء المتطرفة ونشر الصور النمطية السلبية

60

23.08

المجموع

260

100

* يُلاحظ أن مجموع التكرارات في الروايتين يفوق عدد المنشورات في العينة، وذلك بسبب احتواء بعض المنشورات على أكثر من سمة أو عنصر تحليلي واحد، وهو ما يعكس ثراء المحتوى الرمزي وتعدد الرسائل التي تحملها المنشورات.

أولًا: البُعد التوثيقي في الرواية الفلسطينية

- صور موثقة وواقعية دون تحريف: يُقدِّم هذا الانتشار الغالب للصور الموثقة والواقعية بنسبة 100%، والتي لم يتم تحريفها في الرواية الفلسطينية، مؤشرًا إيجابيًّا يعكس حرصًا أكبر على إبراز أدلة بصرية موثوقة.

- لم يتم استخدام خطاب الكراهية أو التضليل الظاهر: يُشير هذا الغياب التام لخطاب الكراهية والتضليل الظاهر في الرواية الفلسطينية إلى نتيجة لافتة تعكس التزامًا أكبر بتقديم رواية أكثر صدقًا أو ربما إستراتيجيات تواصل مختلفة تتجنَّب الأساليب الفجة للتضليل.

منشور (7) لبيسان عودة (13 أبريل/نيسان 2025) يجسد صورًا واقعية توثق آثار الحرب على قطاع غزة عبر "إنستغرام"(27)

6

ثانيًا: مؤشرات التضليل في الرواية الإسرائيلية

- تقديم رواية أحادية: يُشير الانتشار الواسع لتقديم رواية أحادية في الرواية الإسرائيلية بنسبة 76.92%، وبمعدل تكرار مئتي مرة، إلى إستراتيجية إعلامية تركز بشكل كبير على وجهة النظر الإسرائيلية وتتجاهل أو تُقلِّل من شأن الروايات الأخرى. ويمكن للخوارزميات، من خلال تفضيل المحتوى الذي يتفاعل معه الجمهور المؤيد، أن تُسْهِم في تضخيم هذه الرواية الأحادية وتقليل التعرض لوجهات نظر مختلفة.

- تصحيح "الآراء المتطرفة" ونشر الصور النمطية السلبية: يعكس هذا المؤشر ثنائية إشكالية تجمع بين ما يُقدَّم بوصفه إجراء تصحيحيًّا وما يُمارَس فعليًّا بوصفه تشويهًا خطابيًّا وبصريًّا ممنهجًا. فرغم أن مصطلح "تصحيح الآراء المتطرفة" قد يبدو، ظاهريًّا، فعلًا إيجابيًّا يهدف إلى ما يُسَمَّى "مكافحة التطرف"، إلا أنه في السياقات الرقمية -خصوصًا في النزاعات- يتحوَّل غالبًا إلى أداة سلطوية لإقصاء الخطابات المناوئة وتكريس الرواية المهيمنة. وهنا، يُطرح سؤال نقدي حول مَنْ يُحدِّد "ما هو متطرف"، ومَنْ يملك حقَّ التصحيح، وهل يتم هذا "التصحيح" بهدف الحقيقة أم بهدف الهيمنة الرمزية؟

ويتجلَّى ذلك بوضوح في منشور ليوسف حداد، بتاريخ 29 آذار/مارس 2025 (المنشور رقم 8)؛ إذ تظهر صورة قائد هيئة أركان كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، محمد الضيف، في تقاطع عدسة نطاق القنَّاص، وهو رمز بصري شديد العنف يُجرِّد الشخصية من إنسانيتها، ويُعيد تأطيرها هدفًا مشروعًا للاغتيال. ويرافق الصورة نص يدِّعي الكشف عن فرصة ضائعة لاغتيال الضيف، ويُوظِّف لغة تبريرية تُفضِّل -صراحة- موت 70 فلسطينيًّا مقابل عدم موت إسرائيلي واحد، تحت ذريعة "عدم فهم الشرق الأوسط"، في تحوير متعمد لمعاني العدالة.

ولا يكتفي هذا الخطاب بتقديم رواية أحادية، بل يستخدم "التصحيح" سلاحًا لغويًّا وبصريًّا لإعادة تعريف "الشر" و"الضحية"، وتبرير ممارسات إقصائية تحت غطاء الواقعية السياسية. كما أن الصورة ذاتها تُمثِّل ذروة "نشر الصور النمطية السلبية"؛ إذ تُصوَّر الشخصية الفلسطينية في هيئة "العدو/الهدف"، ويُعاد إنتاج الخطر من خلال رموز قتالية تُعزِّز أطروحة الصراع الوجودي. وهذا النمط من الصور، حين يُضخَّم خوارزميًّا، يُكرِّس تصورات نمطية تتنافى مع التعقيد الإنساني وتُحوِّل الصراع إلى رواية أحادية بصرية وعاطفية مغلقة.

منشور (8) ليوسف حداد (29 مارس/آذار 2025) يجسد تصحيح  "الآراء المتطرفة" ونشر الصور النمطية السلبية عبر "إنستغرام"(28)

8

تُشير البيانات إلى نمط واضح من الانضباط الإعلامي في الرواية الفلسطينية، كما تُجسِّدها بيسان عودة؛ إذ تعتمد على صور موثقة وشهادات واقعية، مع غياب تام لخطاب الكراهية والتضليل الظاهر. ويمكن تفسير هذا التوجُّه الإعلامي الحذر من خلال عدة عوامل، منها السعي لتقديم أدلة بصرية ذات مصداقية بهدف كسب التأييد الدولي، ووجود مبادرات أهلية تسعى للتَّحقُّق من المعلومات وتوثيق الحقيقة في غياب الإعلام المؤسساتي، إضافة إلى وعي إستراتيجي بأهمية الحفاظ على الثقة الرقمية وتجنُّب التشكيك في الرواية الفلسطينية.

في المقابل، تُظهِر نتائج الرواية الإسرائيلية، كما تُمثِّلها منشورات يوسف حداد، انتشارًا واضحًا لمحتوى أحادي وصور نمطية سلبية عن الطرف الفلسطيني، وهو ما يتقاطع بوضوح مع آليات خوارزميات الصدى التي تُضَخِّم المحتوى المتماهي مع قناعات الجمهور القائم، وتُغلق المجال أمام التعرُّض لروايات مخالفة. كما تقوم خوارزميات الصمت بدور في إقصاء المحتوى غير المتفاعل، أو الذي يتحدى السردية المسيطرة، ما يُفسِّر تغييب الصور الواقعية للضحايا الفلسطينيين ضمن هذه الرواية. وهكذا، لا يُمكن فهم انتشار التضليل بوصفه مجرد نية ذاتية للناشر، بل نتاجًا مزدوجًا لتقاطع إستراتيجيات خطابية مع بنية خوارزمية تدفع نحو التطرف والتبسيط المُخِلِّ وتُحوِّل المحتوى المُضَلِّل إلى أداة تأثير قوية داخل "غرف صدى" مغلقة.

أثر خوارزميات إنستغرام على تفاعل الجمهور مع الصور والفيديوهات

يكشف الجدول رقم (5) ملاحظة تحليلية لعيِّنة الدراسة تُظهِر نمطًا بالغ الدلالة في كيفية تفاعل الجمهور وتفضيل الخوارزميات لأنواع محددة من المحتوى البصري.

جدول (5): توظيف الصور ومقاطع الفيديو في تشكيل الرأي العام العالمي

 

التكرار*

النسبة

الرواية الفلسطينية (عودة)

صور إنسانية (أطفال، بكاء، دمار إنساني مباشر)

20

66.60

فيديوهات قصيرة توثق لحظات واقعية

13

39.40

المجموع

33

100

الرواية الإسرائيلية (حداد)

صور لرموز القوة والفخر (علم، جيش، سلاح)

125

68.30

فيديوهات ساخرة/ تحريضية ضد الفلسطينيين

58

31.70

المجموع

183

100

* يُلاحظ أن مجموع التكرارات في الروايتين يفوق عدد المنشورات في العينة، وذلك بسبب احتواء بعض المنشورات على أكثر من سمة أو عنصر تحليلي واحد، وهو ما يعكس ثراء المحتوى الرمزي وتعدد الرسائل التي تحملها المنشورات.

أولًا: الجاذبية القاهرة للمعاناة الإنسانية في الرواية الفلسطينية

تُبرز البيانات بوضوح الإستراتيجية البصرية التي تبنَّتها بيسان عودة؛ إذ شكَّلت الصور الإنسانية (أطفال في حالة صدمة، مشاهد البكاء الحارقة، توثيق الدمار الإنساني المباشر) الغالبية العظمى من المحتوى المرئي بنسبة 60.60% وبمعدل تكرار بلغ 20 منشورًا. وقد أثبتت هذه الإستراتيجية فعَّاليتها القصوى في جذب انتباه الجمهور العالمي؛ إذ حقَّقت هذه المنشورات تفاعلًا جماهيريًّا عاليًا مقارنة بالمنشورات ذات الطابع المحايد أو الأقل إثارة للعواطف. وتتجلَّى قوة هذا التأثير في أرقام التفاعل؛ إذ تجاوزت بعض المنشورات الإنسانية 30 ألف إعجاب وآلاف التعليقات المؤثرة، في تناقض حادٍّ مع منشورات أخرى غير توثيقية لم تتجاوز 16 ألف إعجاب. ويُشير ذلك إلى أن الخوارزميات، في سعيها لتضخيم المحتوى الذي يولِّد تفاعلًا مكثفًا، قد منحت أفضلية واضحة لهذه الصور المؤثرة؛ إذ بلغت نسبة المنشورات الفلسطينية ذات التفاعل الأعلى 75%.

منشور (9) لبيسان عودة (17 أبريل/نيسان 2025) يجسد المعاناة الإنسانية لسكان غزة عبر "إنستغرام"(29)

9

ثانيًا: إستراتيجية القوة والتحريض في الرواية الإسرائيلية

اتسمت الإستراتيجية البصرية التي تبنَّاها يوسف حداد بالتركيز على الصور التي تُجسِّد رموز القوة والفخر الوطني (العلم الإسرائيلي، صور الجنود، استعراض الأسلحة) بنسبة 68.30% وبمعدل تكرار بلغ 125 منشورًا. وبالإضافة إلى ذلك، لوحظ استخدام الفيديوهات الساخرة أو التحريضية ضد الفلسطينيين بنسبة 31.70% وبمعدل تكرار بلغ 58 منشورًا. ويبدو لافتًا أن المنشورات التي تضمنت هجومًا مباشرًا على الطرف الفلسطيني حظيت بأعلى معدلات التفاعل في عينة يوسف حداد. وقد تجلَّى هذا في تجاوز عدد التعليقات في بعض المنشورات التحريضية 20 ألف تعليق، مقارنة بمتوسط 5 آلاف تعليق في المنشورات الأقل شحنًا.

منشور (9) ليوسف حداد (3 أبريل/نيسان 2025) يجسد الرموز الوطنية الإسرائيلية عبر "إنستغرام"(30)

 

10

تُظهِر المعطيات أن المحتوى البصري المشحون -سواء كان صورًا إنسانية مؤثرة أو مشاهد تحريضية- يُحقِّق أعلى معدلات التفاعل، وهو ما ينسجم تمامًا مع آليات الترويج الخوارزمي القائم على التفاعل اللحظي؛ إذ تُكافِئ الخوارزميات المحتوى القادر على استثارة استجابة انفعالية سريعة، دون اعتبار للسياق الأخلاقي أو مدى الدقة. وهكذا تتحوَّل الصور الإنسانية في الرواية الفلسطينية إلى مُحفِّز للتعاطف الدولي، بينما تتحوَّل مشاهد السخرية والتحريض في الرواية الإسرائيلية إلى أداة لبناء خطاب كراهية مُعَزَّز بالبيانات. هذا النمط من التضخيم الخوارزمي يُعيد تشكيل الرأي العام العالمي ليس بناءً على الحقيقة، بل على ما "يتفاعل معه أكثر"، وهو ما يُبرِز الخطر الحقيقي للخوارزميات في الصراعات السياسية والإنسانية.

وبالرغم من اعتماد الباحثة على تحليل بصري–خطابي للصور والمقاطع ضمن عيِّنة الدراسة (بيسان عودة ويوسف حداد)، إلا أن العديد من الرموز البصرية المركَّبة، سواء تلك المرتبطة بالسرد الإنساني (مثل: لقطات الدم، وجوه الأطفال، الشهادات الحية) أو بالسرد التعبوي (مثل: رموز النصر، والأعلام، والأزياء العسكرية)، كانت تستدعي تفكيكًا سيميائيًّا أكثر دقة يُراعي التأويل الثقافي-الاجتماعي لهذه الرموز داخل البيئة العربية والغربية على حدٍّ سواء. كما أن أثر هذه الصور على الإدراك الجمعي العاطفي والمعرفي قد يستفيد مستقبلًا من منهجيات علم نفس الإعلام التي تدرس استجابات الدماغ والجمهور لرموز معينة، مثل: الخوف والتعاطف أو الإقصاء. بناءً عليه، ترى الباحثة أن دمج أدوات تحليل سيميائي متقدم، أو حتى التعاون مع مختصين في الإدراك البصري والسلوك الرقمي، يمكن أن يُشكِّل تطويرًا مهمًّا لأي دراسة مستقبلية تتناول السرد البصري في الفضاء الخوارزمي.

3. الخوارزميات وآليات إعادة كتابة الرواية وتشكيل الإدراك  

ليست الخوارزميات مجرد شفرة تقنية تُنظِّم المحتوى في فضاء رقمي، بل تُمثِّل في السياقات النزاعية مُحرِّكات غير مرئية تُعِيد تعريف شروط الوجود الرمزي للرواية ذاتها. فلا يمكن فهم حضور السردية الفلسطينية في المنصات الرقمية، أو بالأحرى شكل تغييبها، بمعزل عن البنية الرمزية التي تُنْتِجُها الخوارزميات بوصفها أدوات "تصنيفية معرفية"، وليست مجرد أدوات عرض. فالمسألة لم تَعُد تتعلق بـ"ما يُظهر وما يُخْفَى"، بل كيف تُعاد كتابة الرواية نفسها عبر بنية حسابية لا تعترف إلا بما يُمكن التفاعل معه، أو استثماره، أو إعادة تكراره ضمن إيقاع السوق.

لم تَعُد الرواية الفلسطينية، كما تكشف الدراسة، مجرد خطاب يُحاول الوصول إلى العالم عبر وسائط جديدة، بل أصبحت سردية تُعاد هندستها بواسطة خوارزميات لا تعترف بالعدالة أو الحقيقة، بل بالانفعال اللحظي وقابلية الانتشار. إن التفاوت العددي والرمزي الذي رُصد بين منشورات بيسان عودة ويوسف حداد لا يفضح فقط انعدام التوازن في النشاط الرقمي، بل يُفْصِح عن بنيات خفية تُعيد تنظيم الصوت والصورة والمعنى داخل المنصة. فبيسان، رغم حضورها الكثيف بالمعنى، وندرتها في الكمِّ، تُقدِّم خطابًا إنسانيًّا مكثفًا، مشبعًا بالرموز، مشحونًا بالمعاناة. وفي المقابل، يأتي خطاب يوسف كثيفًا في الكمِّ، متكررًا في الشكل، يعتمد رموزًا وطنية جاهزة، ويسير بإيقاع دعائي سريع. لكن النظام الخوارزمي يُكافِئ الكمَّ والتفاعل اللحظي وليس الكثافة الرمزية ولا الثقل الأخلاقي.

وضمن هذا المنطق، تصبح المنصة -لاسيما في سياقات النزاع غير المتكافئة- فضاءً لإعادة تعريف ما هو جدير بالظهور، ومن هو مُؤَهَّل للظهور. فالرواية لا تُقْصَى صراحة، بل تُعاد هندستها ضمن منظومة سردية مشروطة: تتقلَّص الجملة، وتُخَفَّف النبرة، وتُعاد برمجة المعاني العاطفية بما يتناسب مع المعايير الضمنية لما يُعَد "مناسبًا"، و"آمنًا" و"مربحًا". هذه التحولات لا تنتج عن خوارزميات منفصلة عن السياق، بل عن نظام تقني-رمزي يُعيد إنتاج اختلالات القوة التاريخية، ولكن بلغة الواجهة الرسومية الباردة. ومن ثم، يصبح المشهد البصري، خصوصًا في حالات مثل بيسان عودة ويوسف حداد، ساحة تفاضلية، ليس بين روايتين بل بين ما يُمكن تحويله إلى "رأسمال رمزي مرئي"، وما لا يتماشى مع إيقاع المنصة.

وهنا، لا يعود الصمت الرقمي مجرد إقصاء للخطاب، بل إنتاج بارد لنسخة معدَّلة من الذاكرة؛ إذ يُسمح للرواية بالمرور شريطة أن تُعيد صياغة نفسها في القالب المطلوب: صورة دون سياق، وشهادة دون بُعد سياسي، وضحية دون نظام استعماري. ما تُظهِره النتائج في هذه الدراسة لا يتعلق فقط بفجوة انتشار، بل بـفجوة سردية مُشَفَّرَة تظهر الرواية الفلسطينية بوصفها رواية ناقصة بالضرورة ليس لأنها لا تُرْوَى، بل لأنها تُرْوَى ضمن مساحة لا تنتمي إليها، وتُقَصَّ حسب مقاييس لم تُصنع من أجلها. المنصة هنا لا تحذف، بل تُهَنْدِس. لا تصمت، بل تُعيد توزيع الصوت. ويصبح الصدى هو الشكل الوحيد الممكن.

إن ما توضحه النتائج في هذه الدراسة لا يُفَسَّر فقط بنية التحيُّز الخوارزمي، بل يُضِيء أيضًا على تنوع الأنماط النظرية التي تُسْهِم في تشكيل هذا الانحراف السردي. ففي إطار نظرية الغرس الثقافي يُمكن قراءة التكرار الكثيف للصور والرموز والمفردات في رواية يوسف حداد بوصفه غرسًا تدريجيًّا لقيم ورموز دلالية تُؤسِّس لرؤية عالمية معينة: "الفلسطيني هو التهديد"، و"الرمز الوطني هو الرد". هذا التكرار لا يعمل فقط على إعادة إنتاج المعاني، بل على تطبيعها ضمن الوعي الجمعي، خاصة حين تدعمه الخوارزميات بالانتشار المفرط، كما في منشورات يوسف التي كرَّر فيها، خلال أسبوع واحد، صورًا متشابهة للعلم الإسرائيلي مرفقًا بعبارات مثل: "لن ننسحب" و"سنهزم الإرهاب"؛ ما يغرس في المتابع نمطًا واحدًا للرؤية: "إسرائيل في موقع دفاعي شرعي".

في المقابل، تبدو رواية بيسان، رغم ثرائها الإنساني، أقلَّ قدرة على الغرس الثقافي لأنها لا تُكرِّر نفسها بل تُكثِّف رسائلها في مشاهد موجعة ومعقَّدة قد لا تتحملها بنية الخوارزمية. هذه الكثافة لا تتكرَّر، بل تنفجر مرة واحدة، وهو ما يتنافى مع منطق التكرار الخوارزمي. وهكذا، تتفوق اللغة السهلة، والمبسطة، والمتكررة، على اللغة المكثفة التي تتطلب إعادة تأمل. هذه العلاقة بين التكرار والمعنى ليست مسألة أسلوبية بل بنية إدراكية مُشَفَّرة.

أما نظرية "ما بعد الحقيقة" فتتجلَّى بوضوح في نمط التفاعل الجماهيري الذي تخلقه المنصة؛ إذ لا تنتشر الرواية بوصفها دقيقة أو مُوثَّقة، بل لأنها تُثير الغضب والخوف أو الحماسة. يظهر هذا جليًّا في المنشورات الإسرائيلية التي تُوظِّف رموزًا هجومية أو سخرية مباشرة، كما في منشور يوسف حداد (رقم 8)؛ إذ وضع صورة محمد الضيف في تقاطع عدسة نطاق القناص، وكتب: "كان يمكن إنقاذ أرواح كثيرة لولا التردد"؛ مما يُعيد تشكيل مفاهيم الخير والشر بلغة سردية عاطفية قاتلة، ويزيد من التفاعل اللحظي ويُغذِّي نظام التوصية الخوارزمي. في المقابل، فإن أكثر الشهادات توثيقًا لقتل الأطفال أو الدمار في رواية بيسان، قد لا تلقى نفس الزخم إذا لم تتم صياغتها بلغة تصلح للتفاعل السريع. وهكذا، تصبح "الحقيقة" هي ما يُولِّد تفاعلًا لا ما يتطابق مع الواقع، وهو ما يُؤَسِّس لفضاء إدراكي ما بعد-حقيقي يُعيد تعريف الصدق وفق منطق السوق.

وتُقدِّم نظرية الأطر بُعدًا إضافيًّا بالغ الأهمية لفهم الكيفية التي يُعاد بها تشكيل الإدراك في هذه البيئة الرقمية. فالإطار لا يعني فقط الكلمات المستخدمة، بل السياق الذي تُعْرَض فيه الصور، وترتيب المعلومات، ونبرة السرد. تظهر هذه النظرية بقوة في مقارنة تمثيل الضحايا، فبينما تُصوَّر الضحية في خطاب بيسان عودة بوصفها إنسانًا يواجه الإبادة، تُختزل الضحية في رواية يوسف حداد في رموز الجنود والعَلَم، أو في صور متفرقة بلا تعمُّق عاطفي. حتى عندما تُظهِر الرواية الإسرائيلي القتلى، فإن الإطار الذي توضع فيه الصور لا يُتيح للمشاهد تأمل معاناتهم بل يضعهم رمزًا ضمن سردية أمنية. بينما في خطاب بيسان، يتم تأطير الدم والدمار ضمن شهادات عائلية وأصوات باكية وإشارات لغوية مثل "مجزرة" أو "إبادة"، وهو ما يفتح الإطار نحو أفق أوسع من السياسة والأخلاق والتاريخ الاستعماري.

هذا التداخل النظري، الذي يظهر بوضوح في كل محور من محاور الدراسة، يُبيِّن أن المسألة ليست فقط فيما يُقال، بل في البنية التي تُعيد تشكيل ما يمكن قوله، وتُقرِّر أي خطاب سيُمنح حقَّ الظهور، وأي رواية ستُقصى أو تُعاد صياغتها ضمن منطق المنصة. إن الخوارزمية، هنا، لا تُفضِّل رواية لأنها أقوى أو أصدق بل لأنها أكثر قابلية للغرس والإطار السريع ولإثارة انفعالات تُسْهِم في زيادة البقاء في المنصة. وهذا ما يجعل من الدراسة محاولة لفتح حوار مع النظريات السابقة لا لتفنيدها، بل لإعادة اختبارها داخل بيئة إنتاج جديدة أكثر دهاءً وأشد قدرة على إعادة كتابة الإدراك نفسه.

في سياق الأدبيات الكلاسيكية، تُفسِّر نظرية دوامة الصمت سلوك الإحجام عن التعبير نتيجة الخوف من العزلة بينما تُضيء نظرية الأطر على آليات انتقاء الزوايا والمعاني داخل الخطاب الإعلامي. غير أن كلا النموذجين، رغم أهميتهما، يستندان إلى بيئة افتراضية مفادها أن الوسيط الإعلامي يُعبِّر عن "واقع اجتماعي" ما وأن الجمهور يتلقى أو يُخفي بناءً على هذا الإدراك. لكن في البيئات الرقمية المشبعة بالخوارزميات، كما تكشف بيانات هذه الدراسة، يبدو أن الافتراضات الكامنة في هاتين النظريتين لم تَعُد كافية لتفسير أصل الظاهرة لأنها تتعامل مع "المحتوى" كما لو كان موجودًا أصلًا في صيغة مستقلة، ثم تدرس كيفية انتشاره أو إطاره أو غيابه. ما لم تُجب عنه تلك النماذج هو: من قال: إن الرواية ظهرت أصلًا؟ من قرَّر أنها جاهزة للعرض؟ ومن أعاد كتابتها قبل أن يراها أحد؟ هنا، لا يعود الفاعل هو الجمهور ولا الإعلام بل ما يمكن تسميته بـ"الذكاء الأرشيفي للمنصة": كيان لا يُرى ولا يُحَاسَب لكنه يُحدِّد شروط الإدراك الجمعي ويُعيد بناء المشهد السردي وفق منطق لا يُصاغ اجتماعيًّا، بل يُحْسَب حسابيًّا. في ضوء هذا، لا يتم إقصاء الرواية من المجال العام لأن الجمهور رفضها أو لأنها لم تُؤَطَّر بذكاء بل لأنها لم تتأهل لمرحلة الظهور أصلًا. لقد تم إجهاضها عند العتبة الخوارزمية الأولى، حيث تُفْحَص المشاعر وتُرْصَد الأنماط ويُقَرَّر ما إذا كان هذا "الخطاب" سيُكْمِل طريقه نحو العرض أو سيُعاد ضغطه وتقليصه أو تجاهله تمامًا.

ما تقترحه هذه القراءة لا يَتَمَوْضَع خارج إطار النظريات التفسيرية السابقة، بل يتقاطع معها على نحو يُعيد مساءلتها من الداخل. فليست المشكلة في محدودية هذه النماذج، بل في تحوُّل البيئة الإعلامية ذاتها: من فضاء اجتماعي تعبيري إلى بنية خوارزمية مُشَفَّرة تتولَّى كتابة المشهد مسبقًا. وهذا التحوُّل لم يُفكَّك بصورة ممنهجة في الأدبيات الغربية؛ إذ لا تزال معظم النماذج تنظر إلى المنصة وسيطًا، وليس فاعلًا يُحرِّر المشهد قبل ظهوره. ومن هنا، يصبح الفعل التحليلي غير معني فقط برصد التحيُّزات الظاهرة، بل بمحاولة تفكيك الطرق غير المرئية التي تُعيد المنصة من خلالها تعريف الشرعية السردية، وما يُعَد ممكنًا، مرئيًّا، وقابلاً للتماهي العاطفي. ضمن هذا التعقيد، لا يمكن فهم الحضور أو الغياب السردي مجرد ظواهر كمية بل بنية رمزية مركبة تتشابك فيها الخوارزميات مع القوة والتمثيل مع الاقتصاد والذاكرة مع السوق.

ما تكشفه هذه الدراسة، إذن، هو أن الخوارزمية لا تعمل أداةً للتوزيع، بل بنية تحرير غير معلنة، تُعيد تأطير الصراع، وتصنع نوعًا جديدًا من الصدى: صدى لا يُعيد فقط ما قيل بل يُعيد قول ما هو مرغوب فيه فحسب بصيغة تُناسب النظام. وهكذا تُعاد كتابة الرواية، لا عبر المحو، بل عبر إعادة الإخراج.

إن هذا التشريح للهيمنة الخوارزمية لا يُمكن مقاربته من زاوية واحدة، بل يستدعي منظورًا متعدد الطبقات يُراعي تداخل البنى الإعلامية مع البنى الإدراكية والسياسية. ولذا، اعتمدت هذه الدراسة على مقاربة تحليلية ثلاثية المستويات، تُعيد تنظيم أدوات القراءة ضمن بنية تتقاطع فيها أربعة نماذج نظرية (دوامة الصمت، والغرس الثقافي، والأطر، وما بعد الحقيقة) مع ثلاث طبقات تحليلية:

- على مستوى الكلي: يُعاد تشكيل الإدراك الجمعي العالمي للصراع من خلال تكثيف سردية ما بعد الحقيقة؛ إذ تُصبح المشاعر والانفعالات أدوات لصياغة "واقع رمزي" منفصل عن الوقائع المادية.

- على مستوى المتوسط، تُمارِس المنصة بوصفها جهازًا تحريريًّا خفيًّا سلطتها في إعادة توزيع الحضور والغياب عبر أنظمة التصفية التلقائية، وتحديد الإيقاع التفاعلي الذي يُمكِّن رواية معينة من الهيمنة.

- على مستوى الجزئي، تتجلَّى الخوارزمية في تَمَفْصُلات اللغة الفردية: الكلمات، والصور، والإيماءات، وتكوين الخطاب نفسه كما يظهر لدى بيسان عودة ويوسف حداد. هنا، لا تكون الرواية نتاجًا حرًّا، بل تُعاد برمجتها كي تتوافق مع منطق التفاعل اللحظي.

خاتمة

"ليست كل الحياة تُعد جديرة بأن تُندب" بهذه العبارة تكشف جوديث بتلر عن منطق الانتقائية الأخلاقية الذي يحكم تمثيل الضحايا في الفضاء العام. لكن في زمن الخوارزميات، لم يَعُدْ هذا المنطق مجرد موقف سياسي أو ثقافي، بل أصبح بنية حسابية تُبَرْمِج من يستحق الظهور ومن يُتَرْك في الهامش الرمزي للعدم. لقد أظهرت الدراسة، من خلال تحليل خطاب الروايتين لبيسان عودة ويوسف حداد على منصة "إنستغرام"، أن الخوارزميات لا تعرض الواقع، بل تُعيد إنتاجه ضمن شروطها. فهي لا تصمت بل تُعيد توزيع الصمت، كما أنها لا تحذف بل تُعيد تأطير الظهور بما يخدم أكثر الصور قابلية للتفاعل، لا أكثرها صدقًا أو وجعًا. فالضحية التي لا تُثير الانفعال اللحظي تُقْصَى والشهادة التي لا تتكثف في مشهد بصري قابل للتمرير تُهمَّش، بينما تُكافأ الرواية المصممة بإيقاع السوق حتى وإن كانت جرداء من العدالة.

في هذا السياق، لم تَعُد الرواية الفلسطينية مُغَيَّبَة فقط، بل أُعِيدت صياغتها قسرًا داخل إطار لا يحتمل سردًا كثيفًا أو وجعًا متشعبًا. وهكذا، لا تصبح المنصة مجرد وسيط، بل فاعلًا يُعيد هندسة الإدراك ذاته، ويفرض تعريفًا جديدًا لما يمكن أن يُحكى وما هو "جدير بأن يُرْوَى".

إن هذه الخاتمة لا تنغلق على استنتاج، بل تنفتح على سؤال أكبر: إذا كانت الخوارزميات تُعيد كتابة الحكاية قبل أن نرويها، فكيف يمكننا أن نقاوم؟ ربما لا تكمن الإجابة في كشف الانحياز، بل في إعادة ابتكار اللغة ذاتها: لغة لا تسعى إلى التفاعل بل إلى التفكيك. لا إلى الحشد بل إلى استعادة المعنى ولو كان ذلك في هامش لا يُرى.

وفي هذا السياق، ترى الباحثة أن هناك حاجة إلى تأسيس هيئة رقابية مستقلة تُعْنَى بتدقيق بنية الخوارزميات في أوقات الأزمات، وتحليل أثرها في إقصاء أو تضخيم سرديات معينة، وتوثيق أنماط الإزاحة الرمزية التي تُمارسها المنصات على نحو منتظم وغير شفافة. ويقتضي ذلك تطوير سياسات مساءلة للخوارزميات على غرار مساءلة المؤسسات الإعلامية، تشمل الكشف عن آليات التصنيف والتوصية، ومنح الباحثين أدوات لدراسة أثر هذه الخوارزميات في السرد العام، دون أن تكون هذه المعرفة حكرًا على الشركات.

نُشِرت هذه الدراسة في العدد السابع من مجلة الجزيرة لدراسات الاتصال والإعلام، للاطلاع على العدد كاملًا (اضغط هنا)

ABOUT THE AUTHOR

References

(1) Matteo Cinelli et al., "The echo chamber effect on social media," PNAS, Vol. 118, No. 9, (2021), "accessed April 1, 2025". https://tinyurl.com/2zryy4ak.

(2) يُنْسَب مصطلح "الإبادة الرقمية للمحتوى الفلسطيني" إلى منظمة "حملة"- المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي- التي استخدمته في تقاريرها، عامي 2021 و2022 لتوصيف السياسات التي تتبعها شركات التكنولوجيا ضد المحتوى الفلسطيني.

(3) "Freedom on the Net 2023," freedomhouse.org, 2023, "accessed April 1, 2025". https://tinyurl.com/2mk44vxf.

(4) Ralph Keyes, The post-truth era: dishonesty and deception in contemporary life, (New York: St. Martin's Press, 2004), 3.

(5) Georgiana Stănescu, "Informational War: Analyzing False News in the Israel Conflict," Social Sciences and Education Research Review. Vol. 10, Issue 2, (2023): 307- 310.

(6) Judith Butler, Frames of War: When Is Life Grievable?, (Verso Books, 2010), 9.

(7) منية بن عياد، "تأثير مواقع التواصل الاجتماعي في بناء الرأي العام تجاه حرب غزة"، مركز دراسات الوحدة العربية، 14 مايو/أيار 2024، (تاريخ الدخول: 2 أبريل/نيسان 2025)، https://tinyurl.com/4erv2ppv.

(8) محمد أحمد إبراهيم، محمد، "شبكات التواصل الاجتماعي وآليات التحكم في الرأي العام العالمي: الإبادة الرقمية للمحتوى الفلسطيني خلال الحرب على غزة (2023-2024)"، (مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، العدد 5، يناير/كانون الثاني 2025)، ص 17-54.

(9) محمد محمد، دور مواقع التواصل الاجتماعي في التأثير على الرأي العام الفلسطيني اتجاه القضية الفلسطينية من وجهة نظر طلاب الجامعات الفلسطينية، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة النجاح الوطنية، نابلس، فلسطين، 2022، ص 11.

(10) انمار وحيد فيضي، "مواقع التواصل الاجتماعي وتأثيرها في تشكيل الرأي العام إزاء القضايا السياسية: دراسة مسحية لجمهور مدينة بغداد وللمدة من 1 يناير/كانون الثاني 2019 إلى 10 فبراير/شباط 2019"، (مجلة الآداب، العدد 134، سبتمبر/أيلول 2020)، ص 535-552.

(11) Sara Nasereddin, "Impact of social media platforms on international public opinion during the Israel war on Gaza," Vol. 35, Issue. 1, (December 17, 2024): 5-31.

(12) Georgiana Stănescu, "Informational War,": 307- 310.

(13) Nadim Nashif, "Digital Warfare: Israeli Censorship of Palestinian Content," Institute for Palestine Studies, June 14, 2023, "accessed April 1, 2025". https://tinyurl.com/mvcy9esj.

(14) Norman Fairclough, Analysing Discourse: Textual Analysis for Social Research, (London: Routledge, 2003), 20.

(15) Teun Van Dijk, Discourse and Power, (Macmillan Education UK, 2008), 27.

(16) Ruth Wodak, Michael Meyer, Methods for Critical Discourse Analysis, 2nd ed. (SAGE Publications, 2009), 1.

(17) ألفريد سوفي، الرأي العام، ترجمة كامل عياد، (سوريا، دار دمشق للطباعة والنشر والتوزيع، 2018)، ص 15. 

(18) عبد الحسين العطواني، "التضليل الإعلامي في بث المعلومات"، الباحث الإعلامي (كلية الإعلام في جامعة بغداد، العراق، العدد 40، أبريل/نيسان 2018)، ص 107- 130.

(19) بيدرو برييجر، الصراع العربي-الإسرائيلي: مئة سؤال وجواب، ترجمة إبراهيم صالح، ط 1 (مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2012)، ص 11.

(20) Robert Entman, "Framing: Toward Clarification of a Fractured Paradigm," Journal of Communication, Vol. 43, No 4, (December 1993): 51–58.

(21) Bisan Owda (Wizard_Bisan 1), "Gaza updates‼️‼️Boost this and share as much as you can PS," Instagram, March 20, 2025. https://tinyurl.com/53t53b5s.

(22) Yoseph Haddad (yosephhaddad), "The israel rugby team yesterday achieved a huge 16-15 victory over the Malta team, which is considered the strongest and ranked 23 places above israel But it wasn't only a victory on the field but also off the field, and in front of the hostile crowd that waved Palestinian flags and shouted shouts against israel even though none of them knew even where israel is on the world map - the Israeli players celebrated in front of them with a huge israel flag and most of all a big smile! I never thought I'd be so happy to win in rugby... To to israel 🇮🇱💪," Instagram, April 7, 2025, https://tinyurl.com/azmwy6z6.

(23) Bisan Owda (Wizard_Bisan 1), "IsraHell is targeting the crowded areas and neighbourhoods in Gaza Strip," Instagram, April 9, 2025, https://tinyurl.com/auzvjy8u.

(24) Yoseph Haddad (yosephhaddad), "The injustice son who ordered the kidnapping of the Bibs family has been eliminated!!! The IDF and the GSS eliminated the military commander of the terrorist organization "Kata'ab al-Mujahideen" who on October 7 led the coup on Nir Oz and commanded the kidnapping of Shiri, Kfir and Ariel Bibs and was also involved in the murders in Gaza and of the couple Gadi Hagay and Judy Weinstein who were murdered. Every dog has its day!!!", Instagram, April 4, 2025, https://tinyurl.com/33kjmt6v.

(25) Owda (Wizard_Bisan 1), "Israel has resumed its bombing campaign in Gaza during the holy month of Ramadan," Instagram, March 28, 2025, https://tinyurl.com/mskzjkth.

(26) Yoseph Haddad (yosephhaddad), "Another criminal terrorist eliminated - this time it's Sinwar's bodyguard, Muhammad Hassan El-Amar, who hijacked an IDF missile and was sent to unite with Sinwar in hell! Every dog biji his day🔻" Instagram, March 23, https://tinyurl.com/2enmhhcc.

(27) Bisan Owda (Wizard_Bisan 1), "Urgent! ‼️ The Israeli army targeted Al-Ahli hospital, last 100% functioning hospital in the north!," Instagram, April 13, 2025, https://tinyurl.com/bdh7xc2c.

(28) Yoseph Haddad (yosephhaddad), "An investigation published in Yedioth Ahronot on Saturday reveals that we could have eliminated Mohamed Deff, one of the architects of October 7 already during Operation Guardian of the Wall, but the plan was unconfirmed because the attack was estimated to kill 70 more Gazans . The results of the cancellation of the program, among others, we saw that Saturday when 1,200 Israelis were murdered. You can't fight a war with terror that threatens us to fight with tied hands and you can't think like in the West when we live in the Middle East! It's better 70 Palestinian mothers to cry for their child and not one Israeli mother, and those who disagree with me, don't understand where he lives and didn't learn anything on October 7th!," Instagram, March 29, 2025, https://tinyurl.com/5d4kvea3.

(29) Bisan Owda (Wizard_Bisan 1), "Tonight’s episode of Israeli ongoing war crimes in Gaza Strip," Instagram, April 17, 2025, https://tinyurl.com/3sc7ncmn.

(30) Yoseph Haddad (yosephhaddad), "London was blue and white tonight🇮🇱," April 3, 2025, https://tinyurl.com/5n7urss8.