لبنان في المفاوضات: بين ضغوط الخارج وهشاشة الداخل

التفاوض في لبنان محاولة لاستعادة قرار الدولة والتعامل مع ضغوط الخارج، لكنه يبقى مسارًا محدودًا بسبب ضعف الداخل وتوازنات الإقليم.
25 April 2026
تهدف الجولة الثانية من المحادثات بين لبنان وإسرائيل، كما الأولى، إلى التمهيد لمسار تفاوضي لا يبدو لبنان مهيأ له وإسرائيل قد لا تستمر فيه (الجزيرة).

مقدمة

عُقدت في واشنطن، في 23 أبريل/نيسان 2026، جولة ثانية من المحادثات بين وفدي لبنان وإسرائيل، وهي عمليًّا مكملة للأولى، وتهدف إلى التمهيد والتأطير للمسار التفاوضي بين البلدين برعاية واشنطن. وقد عُقدت الجولة الأولى في 14 أبريل/نيسان 2026، وكانت الأولى من نوعها منذ عام 1993، وأفضت إلى هدنة لعشرة أيام خرقتها إسرائيل مرارًا، فيما ردَّ حزب الله على بعضها متعهدًا بالرد وفق ما يراه ملائمًا.

يركز هذا التعليق على أهداف لبنان من المفاوضات والسياقات التي تأتي ضمنها، إضافة إلى ما يمكن أن تفتحه من مسارات، في ضوء تداخل الحرب بالمفاوضة، وتداخل الداخلي بالإقليمي، وما يعكسه ذلك من موازنة لبنانية بين ضغوط الخارج وهشاشة الداخل في إدارة هذا المسار.

الأهداف والسياقات

طلب لبنان في الجولة الثانية من المفاوضات تمديد الهدنة، على أن تلتزم إسرائيل بها جديًّا، وأن توقف خلالها عمليات التفجير والتدمير في المناطق التي يوجد فيها جيشها. وفي أعقاب الجولة، أعلن ترامب تمديد الهدنة لثلاثة أسابيع، مع تطلُّعه إلى استضافة رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، والرئيس اللبناني، جوزاف عون، خلال هذه الفترة في البيت الأبيض. وتؤكد هذه الجولة استمرار لبنان في مسار التفاوض، مع اتجاه إلى رفع مستوى تمثيله فيه. في المقابل، احتفظت إسرائيل بما تعدُّه حقها في الدفاع عن نفسها، بما يعني عمليًّا حرية الحركة، وإن كان ترامب قد أشار إلى ضرورة ممارسته "بحذر". ولطالما شدَّدت السلطة اللبنانية على أن هدفها من المفاوضات المباشرة يتمثل في وقف إطلاق النار، وتحرير الأرض والأسرى، والعودة إلى اتفاق الهدنة الموقَّع بين لبنان وإسرائيل عام 1949.

غير أن هذه المفاوضات لم تنجح حتى الآن في ترسيخ وقف إطلاق نار فعلي كما يأمل لبنان، إذ لا يتجاوز أثرها خفض التصعيد، فيما تبقى احتمالات انفجار الجبهة اللبنانية قائمة، دون أن يلوح في الأفق مسار إستراتيجي واضح لهذه العملية التفاوضية. إلا أن انخراط لبنان في هذا المسار لم يكن نتاج خيار إستراتيجي مكتمل بقدر ما جاء استجابةً لضغوط فرضتها الحرب وتداعياتها المباشرة على الدولة ومؤسساتها، فضلًا عن ارتباطه بظروف إقليمية أوسع، ولاسيما الحرب على إيران. ويمكن إيراد أبرز هذه الاعتبارات في نقاط عدة:

أولًا: يمثل ضمنيًّا سعيًا من السلطة اللبنانية لحماية البنى التحتية للدولة والحؤول دون استهداف مؤسساتها الرسمية من قبل إسرائيل، خاصة أن الاستهداف الإسرائيلي لا يزال يدَّعي أنه يركِّز على حزب الله ومناطق حاضنته وإن تجاوز ذلك من وقت إلى آخر، فهو لم يتوسع مثلًا ليشمل المرفأ أو المطار أو بقية مرافق الدولة اللبنانية، وما إلى ذلك في حكمها.

ثانيًا: هو سعي من السلطة لتفادي أو تخفيف الضغوط الأميركية والدولية المتزايدة، المطالِبة لبنان بالانخراط في مفاوضات مباشرة خاصة أن إيران أدرجت وقف الحرب على لبنان وكذلك انسحاب إسرائيل منه، في مفاوضاتها مع واشنطن في إسلام آباد. ولا تريد واشنطن أن تقدم تنازلات لإيران في لبنان، فكانت طاولة التفاوض اللبنانية-الإسرائيلية طاولة موازية تتكامل بهذا المعنى مع مفاوضات إسلام آباد، لكنها تنتج اتفاقًا أو تعهدات مستقلة عنها.

ثالثًا: يتعلق بالتدخل الإسرائيلي في الشأن اللبناني وإعادة تشكيل الواقع هناك؛ حيث يبدو أن أي نهاية للحرب من وجهة نظر إسرائيل ترتبط بإحداث تغيير في موازين القوى الداخلية بما يتجاوز مجرد وقف العمليات العسكرية. وإذا لم تبادر الدولة اللبنانية للتفاوض فإنها لن تستطيع الحد من السعي الإسرائيلي بوسائل أخرى.

من زاوية تحليلية، لا يقتصر انخراط لبنان في التفاوض على كونه استجابة لهذه السياقات بل يفتح في موازاتها مسارات متداخلة تتجاوز دوافعه المباشرة.

أولها: مسار داخلي، تسعى من خلاله السلطة إلى إعادة إنتاج العلاقة مع حزب الله داخل بنية الدولة، لا مجرد ضبطها، عبر نقل ملف الحرب والسلم إلى مؤسساتها، وتقييد دوره العسكري ضمن معادلة "السيادة". ويستند هذا المسار، ضمنًا، إلى تقدير لدى السلطة بأن موقع الحزب قد شهد تراجعًا نسبيًّا في سياق هذه الحرب، بما يتيح توسيع هامش المبادرة أمام "الدولة". ومن هنا، لا يهدف الانخراط في التفاوض إلى الاستجابة للضغوط الخارجية فحسب بل أيضًا إلى استعادة قرار "الحرب والسلم" عبر فتح مسار تفاوضي خاص بالسلطة اللبنانية، منفصل نسبيًّا عن المسارات الإقليمية، ولاسيما المرتبطة بإيران، بما يعيد تعريف موقعها في مقابل الحزب. إلا أن هذا المسار يبقى محكومًا بحدود لا تتحكم بها السلطة وحدها، في ظل تداخل عوامل خارجية وفي مقدمتها السلوك الإسرائيلي الذي يفرض قيودًا على كيفية تشكُّل هذه التوازنات ومآلاتها.

وثانيها: مسار إقليمي، يرتبط بإمكانية إدراج الحالة اللبنانية ضمن عملية سلام أوسع قد تشمل أطرافًا عربية أخرى، بما يجعل لبنان جزءًا من ترتيبات إقليمية قيد التشكل. إلا أن هذا الانخراط لا يعكس خيارًا "سياديًّا" مكتملًا بقدر ما هو تموضع تفرضه السياقات، في ظل محدودية القدرة اللبنانية على إدارة تفاوض متوازن مع إسرائيل. كما يعكس هذا المسار إدراكًا متراكمًا في التجربة اللبنانية، مفاده أن أي انخراط في عملية سلام لا يمكن أن يتم بمعزل عن مسار عربي أو عن غطاء إقليمي، وهو ما كرَّسته تجارب سابقة، أبرزها اتفاق 17 مايو/أيار 1983، الذي بيَّن حدود القدرة اللبنانية على تحمُّل كلفة مسار منفرد. ومن هنا، يبدو التحرك اللبناني أقرب إلى محاولة للالتحاق بمسار محتمل، لا إلى قيادته.

إلا أن هذه المسارات، على تداخلها، لا تضمن بالضرورة الوصول إلى نتائج مستقرة. فالمسار الداخلي يصطدم بحدود القدرة على نقل قرار الحرب والسلم إلى مؤسسات الدولة في ظل غياب توافق سياسي داخلي واسع، والمسار الإقليمي يبقى رهين توازنات أكبر من لبنان، كما أن أي محاولة لإعادة تنظيم الواقع الداخلي تظل محفوفة بمخاطر قد تنعكس سلبيًّا على الاستقرار نفسه. وبذلك، يصبح التفاوض في الحالة اللبنانية أداة لإدارة الأزمة وإعادة ضبط التوازنات، أكثر منه مسارًا لحلها، وهو ما ينعكس مباشرة على طبيعته وحدوده ومآلاته.

وعليه، يمكن القول: إن دخول لبنان إلى التفاوض يعكس تفاعلًا مع ضرورات المرحلة أكثر مما يعكس تحولًا إستراتيجيًّا مكتملًا. فهو مسار مفتوح على احتمالات متعددة، تتراوح بين تقدُّم محدود في إعادة تنظيم القرار الداخلي، أو احتوائه ضمن ترتيبات إقليمية أوسع، أو تعثُّره بفعل التناقضات الداخلية والخارجية. وفي جميع الحالات، يبقى هذا المسار محكومًا بحدود القدرة اللبنانية على موازنة الضغوط الخارجية مع هشاشة بنيته الداخلية؛ ما يجعل نتائجه غير محسومة، ومآلاته مفتوحة على أكثر من اتجاه.

وفي هذا السياق، يطرح انتقال لبنان إلى التفاوض المباشر تساؤلات جدية حول قدرة البنية اللبنانية على تحمُّل مآلاته. فالنظام السياسي في لبنان، القائم على توازنات طائفية دقيقة، بالكاد استطاع استيعاب اتفاقات هدنة مؤقتة في مراحل سابقة، وهو ما يجعل احتمالات الانتقال إلى عملية سلام شاملة أكثر تعقيدًا. وتزداد هذه الإشكالية في ظل انقسام داخلي حاد، لا يقتصر على الموقف من إسرائيل، بل يمتد إلى تعريف موقع لبنان في الصراع الإقليمي، ودور كل من الدولة وحزب الله فيه.

خاتمة

بهذا المعنى، وإذا كان التفاوض قد بدا في سياقه العملي أداة لإدارة الأزمة أكثر منه مسارًا لحلها، فإنه لا يمكن النظر إلى انخراط لبنان فيه بوصفه مسارًا واضح الرؤية ومكتمل الخطوات، بقدر ما هو استجابة للضغوط والإكراهات التي فرضتها سياقات الحرب. فهو ينطلق من موازنة بين ضرورة ملحَّة وقدرة مؤجَّلة تقوم على رهانات مستقبلية. فمن جهة، يشكِّل محاولة لحماية الدولة واحتواء كلفة الحرب؛ ومن جهة أخرى، يفتح الباب أمام ترتيبات أوسع قد تتجاوز لبنان وتعيد تعريف موقعه داخلها. وبين هذين الحدَّيْن، يبقى هذا المسار مفتوحًا على احتمالات متعددة، تحكمها توازنات داخلية هشَّة وضغوط إقليمية ودولية متغيِّرة. وفي ظل غياب قدرة لبنانية على حسم أي مسار تفاوضي، وافتقار الداخل إلى توافق جامع، يغدو التفاوض أقرب إلى أداة لإدارة المرحلة منه إلى مسار نهائي لتسوية مستقرة، بما يجعل مآلاته رهينة بتطورات تتجاوز حدود لبنان وإطار مسار التفاوض القائم.

ABOUT THE AUTHOR