تدخل جمهورية مالي، منذ هجمات 25 و26 أبريل/نيسان 2026، منعطفًا بالغ الحساسية في أزمتها الطويلة؛ إذ لم تعد المواجهة محصورة في الشمال أو في الوسط، ولا في أطراف الدولة البعيدة عن العاصمة، بل انتقلت إلى قلب المعادلة السياسية والأمنية التي يقوم عليها المجلس العسكري الحاكم في باماكو. فقد شهدت البلاد سلسلة هجمات منسقة استهدفت باماكو ومحيطها، ولاسيما كاتي، المعقل الرمزي والعسكري للسلطة الانتقالية، إلى جانب كيدال في منطقة أزواد وغاو وسيفاري في وسط البلاد فضلًا عن مواقع أخرى. وبلغت هذه الهجمات ذروتها بمقتل وزير الدفاع المالي، ساديو كامارا، في هجوم على مقر إقامته، وهو حدث لا تقاس خطورته بعدد الضحايا وحده، بل بما يحمله من معنى سياسي وعسكري: أن النواة الصلبة للنظام لم تعد بعيدة عن الاستهداف، وأن الحرب وصلت إلى دائرة القرار نفسها.
من حرب الاستنزاف إلى إستراتيجية الخنق
لا يبدو ما حدث مجرد عملية عسكرية كبرى بل حصيلة مسار تراكم خلال الأشهر الماضية. فقد انتقلت "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، المرتبطة بتنظيم القاعدة، من منطق الهجمات المتفرقة على المواقع العسكرية والقرى والطرق النائية، إلى إستراتيجية أوسع تقوم على الخنق الاقتصادي والسياسي. ومن أبرز تجليات هذا التحول استهداف قوافل الوقود وطرق الإمداد، وخاصة الطرق التي تصل باماكو بالموانئ والدول المجاورة. وبذلك لم تعد الجماعة تراهن فقط على إضعاف الجيش في الميدان، بل على ضرب قدرة الدولة على تسيير الحياة اليومية، وتحويل الوقود والطريق والسوق إلى أدوات ضغط على العاصمة.
تكمن دلالة الهجمات الأخيرة في أنها كشفت هشاشة معادلة الحكم العسكري في مالي. فمنذ استيلاء الجيش على السلطة، عام 2020، ثم ترسيخ الحكم العسكري لاحقًا، بنى المجلس شرعيته على ثلاثة وعود كبرى: استعادة السيادة، وإنهاء الارتهان لفرنسا والغرب، وتحقيق الأمن. غير أن الوقائع الميدانية وضعت هذه الوعود أمام اختبار قاس. فقد خرجت القوات الفرنسية، وانسحبت بعثة الأمم المتحدة، واتجهت باماكو إلى روسيا ومجموعة "فاغنر" التي تحولت إلى "الفيلق الإفريقي"، لكن الأزمة الأمنية لم تنحسر بل اتسعت رقعتها وتحوَّلت من تمرد بعيد إلى تهديد مباشر للعاصمة ومؤسسات الحكم.
الأخطر في هذه الجولة هو التقارب العملياتي بين "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" و"جبهة تحرير أزواد" التي تجعل من نفسها الواجهة العسكرية والسياسية للمكوِّن الطوارقي بشكل عام. وهذا التقارب لا يعني بالضرورة وحدة فكرية أو اندماجًا تنظيميًّا؛ فالجماعة الأولى تحمل مشروعًا جهاديًّا عابرًا للحدود، بينما ترتبط الثانية بتاريخ أزوادي وانفصالي ومطلب سياسي محلي. لكن الطرفين وجدا نفسيهما في هذه اللحظة في مواجهة عدوهما مشترك: الجيش المالي، والمجلس العسكري، والحضور الروسي. ومنذ أن تخلَّت باماكو عن اتفاق الجزائر وفكَّكت الترتيبات السياسية التي كانت تربطها بحركات الشمال، عاد المجال الأزوادي إلى منطق التحالفات المرنة؛ حيث لا تحكم العلاقات العقيدة وحدها بل المصلحة والعدو المشترك والفراغ السياسي.
من تهديد الأطراف إلى اختراق المركز
لقد مثَّلت كيدال -في هذا السياق- أكثر من مجرد مدينة؛ فهي رمز تاريخي لتمرد الشمال، ومؤشر على حدود قدرة الدولة المالية على فرض سيادتها خارج المركز. وشكَّلت استعادة الجيش المالي لها عام 2023، بدعم روسي، نصرًا رمزيًّا كبيرًا للمجلس العسكري. أما عودة المعارك إليها، وإعلان المتمردين سيطرتهم عليها أو على مواقع رئيسية فيها، والحديث عن انسحاب عناصر روسية من بعض المعسكرات، كل ذلك يقوِّض واحدًا من أهم إنجازات السلطة العسكرية في مالي. وإذا كان المجلس قد قدَّم استعادة كيدال بوصفها دليلًا على نجاح خياره العسكري والسيادي، فإن اهتزاز الوضع فيها اليوم يعيد فتح السؤال نفسه: هل كانت السيطرة سيادة مستقرة، أم مجرد تفوق عسكري مؤقت؟
من جهة أخرى، تعاملت "نصرة الإسلام والمسلمين" مع المعركة بوصفها حربًا على الدولة لا على الجيش وحده. فقد أعلنت مسؤوليتها عن هجمات استهدفت مواقع ذات رمزية عالية: مقر الرئيس الانتقالي، ومقر وزير الدفاع، ومطار باماكو الدولي، ومواقع عسكرية في كاتي. وبذلك أرادت أن تقول إنها لا تهاجم الأطراف فقط بل تستطيع طرق أبواب المركز. كما أن رسالتها إلى روسيا، والتي تضمَّنت عرضًا ضمنيًّا بتحييد الطرف الروسي مقابل عدم استهدافه، تكشف وعيًا دعائيًّا وسياسيًّا متقدمًا: فالجماعة لا تريد فقط القتال بل تريد تفكيك تحالفات خصومها، وإظهار نفسها فاعلًا قادرًا على التفاوض والابتزاز وإعادة ترتيب موازين القوة.
أما المجلس العسكري فقد وجد نفسه أمام معضلة مزدوجة. فمن جهة، هو مطالب بإظهار الصلابة حتى لا تبدو الهجمات بداية انهيار. ومن جهة أخرى، فإن الاكتفاء بالبيانات التي تؤكد أن "الوضع تحت السيطرة" لم يعد كافيًا لإقناع مجتمع يعيش القلق اليومي من الوقود والطرق والأسعار والأمن والمدارس. فالشرعية العسكرية تقوم على الوعد بالحماية، وحين تصل الحرب إلى كاتي ومحيط باماكو، وحين يُقتل وزير الدفاع، فإن صورة القوة تتعرض لشرخ عميق. وربما يستطيع النظام أن يفرض حظر تجول، ويرفع مستوى التأهب، ويكثف الدوريات والحواجز، لكنه لا يستطيع أن يُخفي السؤال الذي صار مطروحًا داخل الجيش والمجتمع: كيف وصلت الهجمات إلى هذا المستوى؟
أزمة متعددة الطبقات وتداعيات إقليمية مفتوحة
داخليًّا، يمكن قراءة الأزمة المالية ضمن ثلاث دوائر مترابطة:
الدائرة الأولى أمنية: وتتعلق بقدرة الجيش على حماية العاصمة والطرق الكبرى دون أن يترك فراغًا في الشمال والوسط. فإذا أعاد الجيش تمركزه حول باماكو وكاتي والمطارات ومراكز القرار فقد يمنح الجماعات المسلحة هامشًا أوسع في المناطق البعيدة.
والدائرة الثانية اقتصادية: إذ أصبح الوقود مركز الحرب الجديدة. فإذا تعطل الإمداد، تضررت التجارة والنقل والمناجم والزراعة والأسواق، وتحول الغضب الاجتماعي من ضيق معيشي إلى ضغط سياسي.
أما الدائرة الثالثة فهي اجتماعية: وتتعلق بخطر اتساع الشك بين الدولة وبعض المجتمعات المحلية، خصوصًا إذا رَدَّ الجيش بعنف جماعي أو تعامل مع بعض الحواضن الاجتماعية بوصفها شريكة في التمرد، وهو ما حدث في السابق فعلًا. عندها ستصبح الحرب آلة لإنتاج مقاتلين جدد لا وسيلة لإنهاء التمرد.
وتكشف ردود الفعل الشعبية والإعلامية عن انقسام عميق في تفسير الأزمة. فأنصار المجلس يميلون إلى قراءة ما يحدث بوصفه مؤامرة خارجية تستهدف خيار مالي السيادي وتحالفها مع روسيا. أما المعارضون فيرون في الهجمات دليلًا على فشل الحكم العسكري وسقوط وعوده الأمنية. غير أن الاتجاه الأكثر أهمية هو الاتجاه الشعبي العملي، الذي لا ينشغل كثيرًا بالشعارات الكبرى بل يسأل عن سعر الوقود، وأمان الطريق، وفتح المدارس، واستمرار التجارة، وقدرة الدولة على أن توفر المعاش والأسواق وتؤمِّن الناس من خوفهم. هذا الاتجاه، وإن بدا أقل أيديولوجية، هو الأخطر على المجلس؛ لأن الأنظمة العسكرية لا تسقط دائمًا بالهزيمة العسكرية المباشرة بل بتآكل الثقة اليومية في قدرتها على تسيير الحياة.
أما إقليميًّا، فإن ما يجري في مالي لا يخص مالي وحدها، فالنيجر وبوركينا فاسو (وهما عضوا تحالف الساحل الثلاثي إلى جانب مالي) فضلًا عن دول الجوار، وهي: موريتانيا والسنغال وكوت ديفوار والجزائر كلها معنية بدرجات مختلفة بما تعيشه باماكو من توتر. فكل اضطراب في الطرق المالية ينعكس على التجارة العابرة للحدود، وكل توسع للجماعات المسلحة في الشمال أو الغرب المالي يخلق ضغطًا على الجوار. وإذا ترسخ التنسيق بين الجهاديين وبعض الفصائل الأزوادية، فإن شمال مالي سيعود إلى موقعه القديم: عقدة تربط الصحراء الكبرى بالساحل، لا مجرد هامش جغرافي بعيد. كما أن تحالف دول الساحل الثلاث: مالي والنيجر وبوركينا فاسو، سيجد نفسه أمام اختبار عسير؛ فالدول الثلاث محكومة بمجالس عسكرية، وتعاني أزمات أمنية متشابهة، ولا تملك فائضًا كبيرًا لمساندة بعضها بعضًا خارج حدود الخطاب السياسي.
ومن الناحية الإستراتيجية، تضع الأزمة الحضور الروسي أمام سؤال صعب. فقد قدمت باماكو علاقتها مع موسكو بوصفها بديلًا عن الشراكة الفرنسية، ورمزًا لاستعادة القرار الوطني. غير أن استمرار الهجمات واتساعها يجعل هذا الحضور عرضة للتأويل المعاكس: هل جاء الروس ليحسموا الحرب، أم ليصبحوا طرفًا إضافيًّا في حرب أكثر تعقيدًا؟ وإذا بدأ خصوم المجلس في تصوير روسيا بوصفها عبئًا أو عاملًا للاستقطاب فإن ذلك يضع النظام أمام تحدي الدفاع عن خياره الخارجي بقدر دفاعه عن أمنه الداخلي.
سيناريوهات مفتوحة وسؤال الدولة المؤجل
إن مستقبل المجلس العسكري بمالي يدور الآن بين أربعة احتمالات:
- الأول: أن يختار مزيدًا من التشدد الأمني: مثل حظر تجول، واعتقالات المعارضة والمشتبه فيهم، وتعبئة شعبوية، وتضييق على الأصوات الناقدة. وهذا قد يمنحه تماسكًا قصير المدى، لكنه لا يعالج جذور الأزمة.
- الثاني: أن تحدث إعادة ترتيب داخلية داخل السلطة العسكرية، إما بإبعاد بعض الوجوه أو تحميلها مسؤولية الإخفاق، خاصة بعد مقتل وزير الدفاع.
- الثالث: أن تنفتح باماكو، ولو من وراء ستار، على وساطات مع بعض قوى الشمال والوسط، بحثًا عن تفكيك التحالفات المعادية.
- أما الاحتمال الرابع، وهو الأخطر: فهو استمرار التآكل التدريجي لسلطة الدولة، بحيث تبقى باماكو قائمة ومحصنة نسبيًّا، بينما تتوزع السيطرة الفعلية في الأطراف بين الجيش والجماعات المسلحة والزعامات المحلية والحلفاء الخارجيين.
وخلاصة المشهد أن مالي لا تواجه هجومًا عابرًا بل تحولًا في طبيعة الحرب. لقد انتقلت الأزمة من سؤال السيطرة على الأطراف إلى سؤال قدرة المركز نفسه على البقاء والردع. المجلس العسكري لم يسقط، لكنه فقد جزءًا من هيبة القوة التي بنى عليها شرعيته. والجماعات المسلحة لم تحكم مالي، لكنها أثبتت قدرتها على تعطيل الحكم وإرباك الدولة. وبين هذين الحدَّيْن تقف البلاد أمام سؤالها الأعمق: هل تكفي السيادة الخطابية والحلول العسكرية لإعادة بناء الدولة أم أن مالي تحتاج إلى عقد سياسي جديد، ومصالحة محلية واسعة، واقتصاد مفتوح الطرق، وجيش قادر على محاربة أعدائه دون أن يخسر مجتمعه؟