هندسة الثنائيات وتشكيل المبنيات السياسية المتنافسة في الخطاب الأميركي حول إيران

تُحَلِّل الدراسة الخطاب الأميركي حول الحرب على إيران، وكيف أنتج عدة ثنائيات سياسية وإعلامية متوازية، بما تنطوي عليه من صور معرفية ونفسية وسلوكية، سواء من خلال تأييد الحرب، أو معارضتها، أو خطاب الخيار العسكري، أو خطاب التفاوض. وتتعزَّز هذه الثنائيات المتعارضة أيضًا بالصور والتَّمَثُّلات واللغة التهكمية التي يستند إليها كل طرف من أطراف الصراع، ويميل عامة إلى توظيف نظام العداوة وتكريس مجموعة من المبْنِيات السياسية عبر وسائل الإعلام وبقية مسارات المجال العام.
29 April 2026
خطابات ترامب تنشئ إطارات عمل لتبرير سياساته وتشكيل إدراك الجمهور للواقع السياسي (الأناضول)

مقدمة

تنطوي إدارة الحروب وبقية الصراعات المسلحة عادة على توازي ثنائيتين رئيسيتيْن: أولاهما: تخطيط وتنفيذ العمليات الميدانية من ناحية، وهندسة الخطاب السياسي عبر وسائل الإعلام، من خلال حرب السرديات، والترويج لاحتمالات تحقيق النصر بمنطق المعادلة الصفرية، من ناحية أخرى. وثانيتهما: يَمْثُل أمام هذا الوضع توازٍ آخر في مواقف الأطراف عندما يُلوِّحون بخطاب الاستمرار في التصعيد العسكري والانفتاح على الدخول في مفاوضات على أساس "القوة" و"تحدي القوة" في آن واحد.

لا تخرج إدارة الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران عن هاتين القاعدتين، خلال الأيام الخمسة والأربعين الأولى، وتجلَّى ذلك في تصريحات الرئيس، دونالد ترامب، في واشنطن، ووزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، ورئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، في طهران، فيما انتعش الأمل في وساطة باكستان بشأن التوصل إلى هدنة مؤقتة خلال أسبوعين (8- 22 أبريل/نيسان 2025)، وبحث إمكانية التوصل إلى توافقات بشأن استئناف حركة الملاحة الدولية عبر مضيق هرمز في المستقبل. وينطوي سياق هذه المتغيرات على التصعيد العسكري المتبادل، والذي أسفر عن انتقال متدرج من حرب عسكرية جوية إلى حرب اقتصادية على المستوى الدولي وتهديد انتخابي على المستوى الأميركي بفعل ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم، والمخاوف من فقدان الحزب الجمهوري الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ في انتخابات الكونغرس في بداية نوفمبر/تشرين الثاني 2026.

بيد أن اعتداد الوفديْن، الأميركي والإيراني، إلى إسلام آباد بمنطق القوة، سواء "الواقعية" أو "المتخيلة"، أسفر عن فشل المفاوضات في غضون 21 ساعة فحسب، بدلًا من 72 ساعة التي كانت مقررة للجولة الأولى منها. وقال نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس: إن إيران اختارت عدم قبول الشروط الأميركية، بما فيها عدم الحصول على أسلحة نووية، وإن "الخبر السيء هو أننا لم نتوصل إلى اتفاق، وأعتقد أن هذا خبر سيء لإيران أكثر بكثير من كونه سيئًا للولايات المتحدة. لذا نعود إلى الولايات المتحدة دون التوصل إلى اتفاق. لقد أوضحنا تمامًا ما هي خطوطنا الحمراء"(1).  

في الوقت ذاته، أشارت وكالة تسنيم الدولية للأنباء إلى أن المطالب الأميركية "المفرطة" قد أعاقت التوصل إلى اتفاق. وخلال بدء المحادثات، كان الجيش الأميركي ووزارة الحرب في واشنطن يقولان إنهما "يُهيِّئان الظروف" لبدء تطهير مضيق هرمز، في إشارة ضمنية إلى عدم غياب الخيار العسكري كلية عن خَلَدِ الرئيس ترامب(2). ويُؤشر هذا الوضع الجديد إلى مغبة الانتقال من سيطرة إيرانية مؤقتة إلى حصار أميركي شامل لمضيق هرمز وتحكُّم ترامب في حركة ناقلات النفط والغاز بين الخليج وبقية العالم. ومن تداعيات هذا الاحتمال الوارد أن البيت الأبيض لم يَعُد يضغط على طهران لفكِّ حصارها للمضيق فحسب بل وأيضًا للترويج لقبول قيود أميركية جديدة فوق الموانع الإيرانية القائمة في هذا الممر البحري الدولي.  

بين ارتباك العمليات العسكرية وتعثر مسار المفاوضات، يعكس تنافر الإستراتيجيات أو اللاتقاطع الإستراتيجي في الحرب على إيران متاهة ما يمكن تسميته "المعادلة اللاصفرية" (Non-zero game) التي ينبغي أن تدخل إلى جوار مفهوم "المعادلة الصفرية" في حقل العلاقات الدولية وتاريخ الفكر الإستراتيجي منذ صن تزو (Sun Tzu) في الصين الكونفوشيوسية، مرورًا بنيكولو ميكيافيلي (Niccolo Machiavelli) (1527-1469) في إيطاليا، وكارل فون كلاوس فيتز (Clausewitz Carl von) (1831-1780) في بروسيا (ألمانيا حاليًّا)، وبقية دعاة الواقعية السياسية، ومنهم هانز مورغانثو (Hans Morguanthau)، وإدوارد كار (Edward Carr)، وكينيث والتز (Kenneth Waltz)، وجون ميرشامير (John Mersheimer) في الحقبة المعاصرة.

تركز هذه الدراسة على تحليل الخطاب الأميركي حول الحرب على إيران، وكيف أنتج عدة ثنائيات سياسية وإعلامية متوازية، بما تنطوي عليه من صور معرفية ونفسية وسلوكية سواء من خلال تأييد الحرب أو معارضتها، أو خطاب الخيار العسكري أو خطاب التفاوض، أو تمرُّد أعداد متزايدة من أنصار الترامبية إلى خارج حركة "ماغا"، من إعلاميين، ومنهم: تاكر كارلسون (Tucker Carlson)، وميغين كيلي (Megyn Kelly)، اللذان كانا من أشدِّ مؤيديه في قناة "فوكس نيوز" (Fox News) وبقية منصات الإعلام اليميني المحافظ، أو أعضاء الكونغرس، أو مثقفين محافظين، أو نشطاء المجتمع المدني. وتتعزَّز هذه الثنائيات المتعارضة أيضًا بالصور والتَّمَثُّلات واللغة التهكمية التي يستند إليها كل طرف من أطراف الصراع، ويميل عامة إلى توظيف نظام العداوة وتكريس مجموعة من المبْنِيَّات السياسية عبر وسائل الإعلام وبقية مسارات المجال العام.

احتدَّ الجدل حول الصفات والوسوم التي يستخدمها خطاب الرئيس، دونالد ترامب، في تَمْثِيلاته لإيران "العدوة" وإسرائيل "الحليفة". ووصل خطابه في البُعْد السيميائي والرمزي إلى نبرة غير مسبوقة عندما توعَّد بسحق الإيرانيين، وقصف محطات الطاقة وبقية المرافق الحيوية، وأنه "سيَقْبِرُ حضارة بشرية بأكملها"، فضلًا عن النعوت المشحونة بالتحقير التي حملها الخطاب بسبب انفعاله الشديد لعدم قبولهم فتح مضيق هرمز في وجه الملاحة الدولية. وظهرت في صريح الخطاب العام الأميركي جدلية نقدية حادَّة عندما تمادى الرئيس ترامب في النَّيْل من قدر الإيرانيين وثقافتهم وهويتهم القومية في عِزِّ وعيده بأن القوات الأميركية "ستُدمِّر جميع البنيات الأساسية في إيران وتُعِيدها إلى العصر الحجري" والعالم يَشُدُّ الأنفاس إلى تداعيات ذلك الوعيد عالي النبرة بشكل قياسي.

نَحَى خطاب ترامب، في السادس من أبريل/نيسان 2026، منحًى انفعاليًّا أكبر بتوجيه "تهديداته المروعة ضد إيران، وهي تكشف عن لغة الحرب المنفلتة من عقالها"، حسب تعبير أحد المراقبين، وهو وصفٌ مهذَّب للغة التي انطوت عليها عباراته وإسقاطاته. يقول هنري جيرو (Henry Giroux)، أستاذ كرسي اللغة الإنجليزية والدراسات الثقافية في جامعة ماكماستر الأميركية: إن إسرائيل والولايات المتحدة "صوَّرتا الصراع مع إيران على أنه صراع وجودي بين الخير والشر. وهذه ليست رسالة إستراتيجية أو قانونًا دوليًّا بل هي لغة الحروب الصليبية المتجددة التي تُحرِّكُها الحماسة الأيديولوجية وتُقَدَّم عرضًا للقوة التي يستمد ترامب منها رؤيته للعالم بأن القوة تصنع الحق"(3).

1. نسق العداوة القديمة الجديدة بين واشنطن وطهران

خلال الأيام الخمسة والأربعين الأولى من الحرب، تمحورت سرديات الخطاب الأميركي وأنماطه حول ما يدعم نظام العداوة، وهو مجموع الـمَبْنِيَّات الاجتماعية والنفسية والسياسية التي تُعرِّف وتُعزِّز وتُدِير العداوة الشديدة بين الجماعات المتعارضة بما يتمكَّن في القلب من قصد الإضرار والانتقام من الآخرين. بعبارة أخرى، كيف يفتعل كل طرف شَيْطَنَة الآخر، وتحويله إلى "عدو" تتعيَّن مواجهته بالقوة. وغالبًا ما تتضمن هذه المنظومة بناءً متعمدًا لـ"سرديات العداوة" من قِبَل القادة لتعزيز التماسك الجماعي وتبرير العنف.

اعتدَّ الرئيس دونالد ترامب منذ اليوم الأول لإعلان الحرب بمجموعة سرديات سلبية إزاء الإيرانيين تشبَّعت بتراكم قرابة خمسة عقود من التحامل والعداء المتبادل بين الولايات المتحدة وإيران بسبب أزمة الرهائن الأميركيين في طهران (1979-1981). وبعد بدء القصف الأميركي/الإسرائيلي على إيران، قال ترامب: إن "هذا النظام المتعصِّب يُرَدِّد منذ سبعة وأربعين عامًا: "الموت لأميركا، الموت لإسرائيل". وتسبَّبت إيران ووكلاؤها في قتل 241 أميركيًّا في تفجير ثكنات المارينز في بيروت، ومجزرة ضد مئات من أفراد قواتنا باستخدام القنابل على جوانب الطرق. وكانوا متورطين في الهجوم على سفينة "يو إس إس كول"، وارتكبوا عددًا لا يُحصى من الأفعال الشنيعة الأخرى، بما فيها الفظائع الدموية المروعة التي وقعت في السابع من أكتوبر في إسرائيل"(4).

ويتعزَّز الطرح الأيديولوجي المعادي لنجاح "الثورة الإسلامية" قديمًا وإيران حاليًّا بما يُروِّج له بعض مثقفي اليمين، مثل برنارد لويس وصموئيل هانتنغتون، وبعض أعضاء الكونغرس ومنهم السيناتور الجمهوري، لندسي غراهام، والذي قال يوم مفاوضات إسلام آباد: "إن الرئيس ترامب يوقف نظامًا مجنونًا قاتلًا من الحصول على سلاح نووي. وإذا لم تعاملهم بهذه الطريقة، فقد فاتك الكثير في الأعوام السبعة والأربعين الماضية"(5).

يُلاحِظ جيمس كيمبل (James Kimble)، أستاذ التواصل ومؤرخ الدعاية في جامعة سيتون هول الأميركية، كيف أن الرؤساء الأميركيين بشكل عام التزموا بنبرة محترمة في زمن الحرب، وإن كانت هناك بعض الاستثناءات، وأن الرئيس هاري ترومان، عند تبريره إلقاء القنابل الذرية على اليابان، كتب أنه "عندما تتعامل مع وحش، عليك أن تُعامِله كوحش"، بينما أنتجت الولايات المتحدة ملصقات الحرب العالمية الثانية المصمَّمة "لتشويه وتجريد العدو الألماني من إنسانيته". ومع ذلك، فإن رسائل ترامب -بما فيها من "إبداء ابتهاجه بوفاة المقاتلين الأجانب"- كانت "أكثر خشونة بكثير". وأضاف: "إنها تتجاوز فكرة هزيمة العدو في ساحة المعركة، وتتحوَّل أكثر إلى نوع من الهزيمة المهينة، أو إذلال متعمَّد، إنها تنمر في ساحة المدرسة، إلى جانب العنف الجسدي"(6).

نتيجة لهذا المدِّ الأيديولوجي المشترك بين المحافظين الجدد والترامبيين الجدد، تكبر دوامة التصنيف السلبي للعدو الإيراني وإنسانيته وهويته وثقافته وحتى حقِّه في الوجود. فيحتدم التنافس بين طرفي الصراع على احتكار الذات لقيم "الحق" و"الشرعية" و"الفضيلة" و"اليد العليا"، مقابل إسقاط "الرذيلة" و"الخطيئة" و"انتهاك القانون" و"العنجهية" و"اليد السفلى" على الآخر "الخصم" و"العدو" و"التهديد الوجودي" لبقاء الذات الجماعية. ومن ثم، يتقوَّى تأرجح ميزان هذه العداوة المكثفة في ظل الصراع المسلح. وتتداخل تَمَثُّلات الفئات بين من يُصنَّف داخل المجموعة أو من يُحشرون ضمن الخانة السوداء بوصفهم مجموعة خارجية. والأدهى أن هذا الدَّمْغ السلبي للأعداء لا يتمهَّل أمام حقيقة أن "الأعداء" لا يتوقفون أبدًا عن كونهم بشرًا ولا يزالون أناسًا. حياتهم ثمينة. وينبع مما تصفه سوزان نيديتش (Susan Niditch) بـ"صراع داخل كل واحد منَّا بين الرحمة والعداوة"(7).

ويُلاحِظ الباحث في معهد أكسفورد للقانون والأخلاق والصراع المسلح، هيغو سليم (Hugo Slim)، في دراسته "لماذا حماية المدنيين؟ البراءة والحصانة والعداوة في الحرب" كيف أن السؤال الأخلاقي الأساسي عن التعايش ومساعدة الآخر في مرجعياته الدينية والاجتماعية ينقلب في زمن الحرب إلى سؤال: "من هو عدوي؟"، وهو السؤال الأكثر حدَّة فيما يتعلق بالالتزام الأخلاقي الذي ينبغي أن يجيب عليه القادة السياسيون والعسكريون والمجتمعات بأكملها عندما يشرعون في الحرب والعنف المنظم أو يُدفعُون إليهما. ويتعلق سؤال "من هو عدوي؟" بوضوح بمجموعات البشر التي قد تقع خارج نطاق الالتزام الأخلاقي المعتاد في أوقات الحرب والعنف السياسي. جميع التقاليد الأخلاقية واضحة في أن "لدينا أعداءً وجيرانًا"(8).

لم يشهد الخطاب السياسي للبيت الأبيض -حتى في أيام الرئيس ريتشارد نيكسون المعروف بلسانه السليط خلال حرب فيتنام وفضيحة ووترغيت- ابتذال ما يتفجَّر بفعل الانفعال من لغة غير منضبطة مثلما وصل إليه دونالد ترامب في حديثه إلى الإيرانيين في اليوم السابع والثلاثين من الحرب. ويُعزى هذا الانفعال ولغة الشتم إلى انحساره الذهني إزاء تحكُّم الإيرانيين في مضيق هرمز وافتعال أزمة اقتصادية بسبب ارتفاع أسعار الطاقة إلى 112 دولارًا للبرميل الواحد، وهو السعر الأعلى منذ أربعة أعوام (2022-2026).

وتختفي لباقة "رجل الصفقات" وتغيب لباقة "مُنَظِّر المفاوضات"، ويحضر غضب الرئيس دونالد ترامب من عدم استجابة طهران، وهو يتوعَّد بسياسة الأرض المحروقة قائلًا: "سيكون يوم الثلاثاء في إيران هو يوم محطات الطاقة ويوم الجسور، سنجمع كل ذلك جميعًا في يوم واحد. لن يكون هناك شيء يُشبهه!!!. افتحوا ذلك المضيق اللعين يا أيها الأوغاد المجانين، وإلا فستعيشون في الجحيم، ترقبوا ما سيحدث! الحمد لله." ومن أهم التعليقات التي اختزلت فحوى خطاب ترامب إلى الأمة أن الحرب "أصبحت بسرعة علامة مميزة لبرنامج رئاسته الثانية، وأن الخطاب بمنزلة تتويج ليوم استثنائي أظهر فيه قوة الرئاسة" عندما لوَّح بقوله: "أميركا كانت طوال السنوات الخمس في ظل رئاستي تنتصر، والآن تنتصر أكثر من أي وقت مضى"(9).

صورة (1): مثال السرديات التي يكرِّسها خطاب دونالد ترامب تحت ضغط الحرب على إيران

1

أخذت خطابية ترامب وسعها في التمدد بين إسفاف الشعبوية وجموح الابتذال ليس إزاء إيران فحسب، بل وأيضًا إزاء السعودية. وامتدت خارج أعراف الدبلوماسية حتى في أوقات الخلاف والتصعيد لتُسَجِّل رقمًا قياسيًّا في لغة التهكُّم والتعالي. وبعد أن أشاد بالود الشخصي الذي عبَّر عنه الملك سلمان بن عبد العزيز له خلال لقائهما في السعودية، تحوَّل إلى ولي العهد، محمد بن سلمان، ليقول -ما معناه- إنه "يتملَّقه". ولكن المفردات التي انتقاها الرئيس ترامب تمتح من اللغة الفاحشة.

2. ترامب وموسم المبنيَّات السياسية المتحوِّرة

تنطوي حرب إيران على توظيف كل طرف من الأطراف الثلاثة، إسرائيل والولايات المتحدة وإيران، وأيضًا المؤيدين والمعارضين للحرب، مجموعة من الـمَبْنِيَّات السياسية ليس بشأن تفسير كل طرف أسباب الحرب فحسب بل وأيضًا الدفع بمجموعة من الأنساق التي تستمد زخمها من جدلية القوة والقوة المضادة، خاصة عند اعتداد كل من دونالد ترامب، وبنيامين نتنياهو، بمقولة: تحقيق "السلام عبر القوة". ويمكن تبسيط مفهوم المبنيَّة السياسية بأنه فكرة أو مؤسسة أو إطار عمل، مثل: الدولة، أو المواطنة، أو الديمقراطية، يتم إنشاؤه والحفاظ عليه من خلال التفاعل الاجتماعي، وتوازنات القوة، والمعتقدات المشتركة، بدلًا من كونه كيانًا طبيعيًّا أو ثابتًا. وتهدف المبنية إلى تنظيم المجتمع، وتبرير السلطة، وتشكيل كيفية إدراك الأفراد للواقع السياسي وتفاعلهم معه. وأصبحت تلك المبنيَّات السياسية لدى ترامب بمنزلة مادة رخوة حتى على مستوى الإجراءات التكتيكية التي يُغيِّرها بمعدل مرة كل ثمان وأربعين ساعة في إدارته الحرب على إيران، على طول الخط بين خيار القصف وخيار التفاوض.

من أهم منظِّري المبنيَّات السياسية أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة الدولية في فلوريدا، نيكولاس أنوف (Nicholas Onuf)، ومن أبرز مساهماته كتاب: "عالم من صنعنا: القواعد والضوابط في النظرية الاجتماعية والعلاقات الدولية"(10). وتقوم فرضيته على سلسلة متصلة من اللغة الأدائية والقواعد والنظم. وتُنْتِج ثلاثة أنواع من الأفعال الكلامية (توجيهية، تعليمية، التزامية) أنواعًا مقابلة من القواعد التي بدورها تُنتِج ثلاثة أنواع من النظم (الهيمنة، التراتبية، الاستقلال). ويُساعد الامتثال للقواعد في الحفاظ على النظام، لكن الفشل في الالتزام بها يُضعف النظام. ويؤدي النظام، عادةً عبر وسائل مؤسسية، إلى تأثيرات توزيعية في المجتمع السياسي (محليًّا أو دوليًّا)؛ مما يمنح وصولًا مميزًا للموارد المادية والرمزية لبعض الفاعلين دون غيرهم.

ويوضح أنوف أنه خلال صياغة الكتاب ركَّز على أهمية القواعد، ليس فقط بسبب خلفيته في النظرية القانونية الدولية أو خيبة أمله في الواقعية بوصفها عِلمًا مزعومًا، بل "انتبه إلى وجود صلة واضحة بين القواعد بوصفها أدواتٍ للسيطرة الاجتماعية وبين الحكم كنظام لتوزيع الامتياز، وهي صلة غالبًا ما تُغْفَل في الفقه الاجتماعي. على الأقل بدا ذلك واضحًا لي بعد عقد السبعينات من قراءة مجموعة متنوعة من الماركسيين الغربيين، ونظريات النخبة، وعلماء الاجتماع المنشقين، على سبيل المثال لا الحصر: غالتون (Galtung) 1971، وغرامشي (Gramsci) 1971، ولاسويل (Lasswell) 1936، ولينسكي (Lenski)1966 ، ومانديل (Mandel) 1975، وماركوس (Marcuse) 1964، وميلز (Mills ) 1956، ووالرستين (Wallerstein) 1974"(11).

وتُمَثِّل الهيمنة والاستغلال هاجسًا رئيسيًّا في مؤلَّفات أنوف؛ إذ نادرًا ما استخدم أحد فعليًّا لغة القواعد والضوابط. ومع ذلك، فإن التحويلات الضرورية تتبادر إلى الذهن بسهولة كما يوضح الجدول رقم (1).

جدول (1): تركيبة المبنيَّات السياسية وفق نيكولاس أنوف

ماهية السيطرة

طبيعة الهيمنة

الوسيلة

مصدر السيطرة

الامتياز

موارد غير متكافئة

نمط السيطرة

السلطة

العنف، الثروة، الرموز (عن طريق القواعد)

ممارسة السيطرة

الهيمنة

إخضاع (مُشرعن شرطًا للحكم)

أثر السيطرة

الاستغلال، الامتياز

منافع غير متكافئة المنافع = الموارد

المصدر: من إعداد الباحث. 

ترتبط فكرة المبنيات السياسية بنسق فلسفي أوسع هو البنائية (Constructivism) التي انتشرت عبر العلوم الاجتماعية بما فيها العلاقات الدولية. ومن أبرز منظِّري هذه البنائية الألماني/الأميركي، ألكسندر ويندت (Alexander Wendt) الذي حدَّدت مقالته بعنوان: "الفوضى هي ما تصنعها الدول: البناء الاجتماعي لسياسة القوة"، عام 1992، الأساسَ النظري لتحدي ما عدَّه خللًا مشتركًا بين الواقعيين الجدد والمؤسساتيين الليبراليين الجدد، ألا وهو التمسك بصنف خام من المادية. وكثيرًا من يتم الاستشهاد بعبارة ويندت عندما قال: "الفوضى هي ما تصنعها الدول". وهذا يعني أن الفوضى ليست متأصلة في النظام الدولي بالطريقة التي تتخيَّلها مدارس أخرى في نظرية العلاقات الدولية، بل هي بناء من صنع الدول داخل النظام.

تكمن في صميم الفكر البنائي فكرة مفادها أن العديد من الجوانب الأساسية للعلاقات الدولية هي مُشَكَّلَة اجتماعيًّا، أي إنها تأخذ شكلها من خلال عمليات مستمرة من الممارسة والتفاعل الاجتماعي، وليست متأصلةً بذاتها، وذلك على عكس افتراضات الواقعية الجديدة والليبرالية الجديدة. ويذكر ويندت ركيزتين أساسيتين للبنائية: أولًا: يتم تحديد بنيات الترابط البشري في المقام الأول بالأفكار المشتركة وليس بالقوى المادية. ثانيًا: تُبْنَى هويات ومصالح الفاعلين ذوي الأهداف من خلال هذه الأفكار المشتركة وليست معطاة بالطبيعة(12). ويُساعد هذا التفسير البنائي مدى مرونة نظام العداوة واحتقار ترامب لحضارة الإيرانيين.

ويُمثِّل توظيف المبنيَّات السياسية في تعزيز الواقعية السياسية ومذهب "فرض السلام بطريق القوة" -كما يقول الرئيس دونالد ترامب، ووزير الحرب، بيت هيغسيث، والسيناتور غراهام- انحرافًا أو بالأحرى تَعَسُّفًا مفتعلًا ضد الفحوى الأصلي لنسق البنائية الاجتماعية بوصفه نسقًا ليبراليًّا بالأساس ينافس الواقعية السياسية في تفسير كيف يتطور العالم. ومن أهم المنظِّرين في هذا المجال، جون رولز (Jogn Rawls)، الذي فصَّل في البنائية بوصفها منهجية لإنتاج والدفاع عن مبادئ العدالة والشرعية، وفي إخضاع مداولاتنا حول العدالة لقيود افتراضية معينة. ويعتد رولز بأنه إذا ما استخدم جميعنا العقل في ضوء هذه الشروط، يمكننا الوصول إلى حكم مشترك حول العدالة. علاوة على ذلك، فإن حكمنا المشترك حول العدالة يكون مبررًا تحديدًا؛ لأنه نتاج عملية مداولاتية مُهيكلة بشكل مناسب. هذه هي الفكرة الأساسية للبنائية التي تنص على أن بعض الكيانات المعقدة تُبْنَى من عناصر أكثر أساسية.

لا يزال مصطلح "البنائية" حديثًا نسبيًّا في النظرية السياسية والأخلاقية عقب انتشار استخدامه خلال النصف الثاني من القرن العشرين لوصف المنهج العام الذي اتبعه رولز في النظرية السياسية المعيارية أو نظرية الفضيلة السياسية. ومنذ ظهوره للمرة الأولى، تطور المصطلح  ليعني مجموعة مواقف في الأخلاقيات المعيارية والفلسفة السياسية وما وراء الأخلاق. أما مصطلح "البنائية السياسية" فهو أحدث بكثير، ويُستخدم أحيانًا لوصف المنهج الذي استخدمه رولز في كتابه: "الليبرالية السياسية"، والذي يحاول تجنب أي افتراضات ميتافيزيقية مثيرة للجدل من خلال الاعتماد بشكل كبير على المُثل والقيم الكامنة في المجتمع الديمقراطي(13).

عند تأمل كيف يتم توظيف المبنيات السياسية في زمن الحرب وظهور بعض المخططات والاستشرافات الجديدة التي تخدم ضمنيًّا الغاياتِ الكامنةَ خلف سياسة القوة، يَبْرُز سؤال مهم: كيف يتحمس رجال السياسة لبعض القرارات خاصة في افتعال أزمات، أو شنِّ حروب، أو الدخول في تحالفات دولية، وبقية أدوات التوسع والنفوذ خارج نطاق سيادة دولهم؟ ولا يزال جلُّ المحافظين الجدد والترامبيين الجدد يتشبَّعون بما كتبه صموئيل هنتنغتون، عام 1993، في مقالته حول "صدام الحضارات"، والتي بلورها أساسًا من مدى انشغاله بالتحدي الذي فرضته قضية الرهائن الأميركيين في طهران بالنسبة لنفوذ الولايات المتحدة، وتحوَّلت لديه إلى صراع متخيَّل بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي.

على نفس المنوال، يُسارع بعض الكتَّاب الإسرائيليين اليوم إلى تقديم تصورات جاهزة أمام أنظار الرئيس دونالد ترامب وبقية الصقور في واشنطن. من هؤلاء عاموس يادلين (Amos Yadlin)، وهو مؤسس ورئيس منظمة "مايند إسرائيل" (Mind Israel)، بعد أن كان لواءً في سلاح الجو الإسرائيلي، وشغل منصب رئيس جهاز الاستخبارات الدفاعية الإسرائيلية (2006-2010)، وأفنير غولوف (Avner Golov)، نائب رئيس منظمة "مايند إسرائيل" وشغل منصب مدير أول في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي (2018-2023). فقد نشرا مقالة تحليلية في مجلة فورين أفيرز (Foreign Affairs)، وهي مجلة تُمَثِّل مرجعية معرفية لبعض النخبة السياسية في الولايات المتحدة، بعنوان: "ضرورة إيران: كيف يمكن لأميركا وإسرائيل تشكيل شرق أوسط جديد". ويدعو يادلين وغولوف صانعي السياسات في الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تبنِّي إستراتيجية مرحلية تهدف إلى تعزيز إطار عمل جديد للشرق الأوسط. وينبغي أن تتمحور هذه الإستراتيجية حول المبادرة الجديدة: "البحار الثلاثة" التي تضم دولًا على البحر المتوسط ​​والبحر الأحمر والخليج العربي، وتعمل جميعها تحت قيادة الولايات المتحدة(14). 

هذه مبنيَّاتٌ سياسية جديدة تتوالد من رحم حرب مثيرة التحولات، وتَقَلُّب المنطلقات التكتيكية لدى دونالد ترامب في البيت الأبيض الذي ساير تحقيق حلم بنيامين نتنياهو بمحاولة تغيير النظام في طهران. فبدأت الجبهة الأميركية/الإسرائيلية ضد إيران، في الساعات الأولى من 28 فبراير/شباط 2026، وتحوَّلت إلى حرب إقليمية عندما عمدت طهران إلى استهداف مواقع داخل أراضي الدول الست في الخليج وأيضًا منشآت أميركية في العراق وأذربيجان وتركيا. ثم بادر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى استغلال انشغال العالم بأزمة الطاقة، وجدَّد هجماته الصاروخية وزحف قواته إلى ما وراء نهر الليطاني جنوبي لبنان. وهذا ما يُجسِّد في دراسات الصراعات مفهوم "انسكاب الصراع" (Conflict spillover) من مستوى تصعيد معين إلى مستوى أوسع وأكثر تعقيدًا.

وفي اليوم الثاني عشر من الحرب، تحوَّلت المستجدات الميدانية من قصف جوي إلى حرب اقتصادية بحكم أن المرشد الجديد، مجتبى خامنئي، توعَّد بمواصلة إغلاق مضيق هرمز ومنع حركة الملاحة البحرية. وأضحت حربًا اقتصادية تُشعل أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار، وتضع مخزون الدول الغربية تحت الضغط بفعل نفاده خلال أسابيع معدودة. فيحضر العامل المالي أيضًا بأهميته في مستوى الإنفاق العسكري الأميركي الذي وصل خلال الأيام الستة الأولى من الحرب إلى 11 مليارًا و300 مليون دولار. وإذا استمرت الحرب على وتيرة الأسبوع الحالي لمئة يوم فقط، ستقارب الميزانية الإجمالية 200 مليار دولار. ومن باب المقارنة، وصل الإنفاق الأميركي في حرب أوكرانيا 187 مليار دولار خلال 3 أعوام ونصف العام.

ليس انسكابَ صراع مسلح فحسب، بل هو انسكابٌ متدفق أيضًا في حرب السرديات وما تُرَوِّج له من مبنيات سياسية متنافسة سواء وقت القتال أو وقت التفاوض. ويمكن تحليل خمس ثنائيات رئيسية تتمحور حولها المبنيَّات السياسية التي يُروِّج لها الرئيس دونالد ترامب وفريق الصقور في وزارة الحرب ووكالات الاستخبارات السبع عشرة في الولايات المتحدة ومجمل الخطاب الأميركي. 

3. ثنائيات الخطاب الأميركي والمبنيات السياسية المتنافسة   

"رصيد" إستراتيجي أم "لعنة" سياسية؟

انطوى تحمس الرئيس دونالد ترامب لإعلان الحرب على إيران على سببين رئيسيين: أولهما: استسهال التدخل في دول أخرى ذات ثروات النفط والغاز والمعادن بعد نجاحه في اختطاف رئيس فنزويلا، نيكولاس مادورو، من كاراكاس وسجنه في نيويورك. واعتقد أن اعتقال قادة بعض الدول أو اغتيالهم خطوة مطواعة لفرض السيطرة الأميركية عليها وتطبيق نظرية "تغيير الأنظمة"، سواء في إيران أو غرينلاند أو كوبا في المستقبل. وقد كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" أن "نتنياهو وفريقه عرضا خطة تُشير إلى نصر شبه مؤكد: يمكن تدمير برنامج إيران للصواريخ الباليستية خلال بضعة أسابيع. وسيضعف النظام إلى درجة أنه لن يتمكن من خنق مضيق هرمز، كما قُدِّر أن احتمال توجيه إيران ضربات لمصالح أميركية في دول الجوار سيكون ضئيلًا"(15).

يُعزى السبب الثاني إلى أن "نتنياهو قدَّم عرضًا قويًّا في غرفة العمليات في أسفل البيت الأبيض، يوم 11 فبراير/شباط 2026، وأوحى لجلسائه الأميركيين بأن إيران باتت مهيأة لتغيير النظام. وألمح إلى أن مهمة أميركية/إسرائيلية مشتركة قد تضع أخيرًا نهاية للجمهورية الإسلامية". ثم عرض الإسرائيليون على ترامب مقطع فيديو قصيرًا شمل "مشاهد مركبة لقادة محتملين جدد يمكن أن يتولوا حكم إيران إذا سقطت الحكومة المتشددة. وكان من بين من ظهروا في الفيديو رضا بهلوي، الابن المنفي لآخر شاه في إيران، وهو معارض مقيم في واشنطن حاول أن يُقَدِّم نفسه بوصفه زعيمًا علمانيًّا يمكنه أن يقود إيران نحو حكم ما بعد النظام الثيوقراطي".  

وتذكر الصحيفة أيضًا أن نتنياهو ألقى عرضه بصوت رتيب واثق. وبدا أن ذلك نال استحسان الشخص الأهم في الغرفة، أي الرئيس ترامب؛ إذ ردَّ عليه قائلًا: "يبدو هذا جيدًا بالنسبة لي". أما نتنياهو، فكانت تلك إشارة إلى ضوء أخضر محتمل لعملية أميركية/إسرائيلية مشتركة. ولم يكن الوحيد الذي خرج من الاجتماع بانطباع مفاده أن ترامب كان قد اتخذ قراره تقريبًا؛ فقد استطاع مستشارو الرئيس أن يروا أنه تأثر بشدة بالوعد الذي حملته قدرات الجيش وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، تمامًا كما كانت الحال عندما تحدث الرجلان قبل الحرب التي استمرت 12 يومًا مع إيران في يونيو/حزيران 2025"(16).

وتكمن الثنائية الأولى في أن سردية النصر والقضاء على النظام الإيراني غلبت في مخيلة ترامب دون حسابات دقيقة لبعض المفاجآت. وبدلًا من "أربعة أيام" كفترة زمنية اختزلت تقديره لسير العمليات العسكرية الأميركية/الإسرائيلية نحو تحقيق أهدافها، وجد نفسه مضطرًّا إلى إعلان "خمسة أسابيع"، ثم "مهلة" أولى، وثانية، وثالثة، وتذبذبه بين خياريْ الحرب والدبلوماسية. وثمة عبارة مثيرة جاءت من الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، عندما التفت الرئيس ترامب إليه في الجلسة قائلًا: "جنرال، ما رأيك؟" فردَّ بالقول: "سيدي، هذا، بحسب خبرتي، هو الإجراء التشغيلي المعتاد لدى الإسرائيليين. يبالغون في البيع، وخططهم ليست دائمًا مطورة جيدًا. يعرفون أنهم يحتاجون إلينا، ولهذا فهم يضغطون بقوة"(17).

لكن، لا تزال الحرب تتعثر في شهرها الثاني، وتُثير انتقادات واسعة داخل الولايات المتحدة. ويُعبِّر حوالي 6 من كل 10 أشخاص عن رفضهم لتعامل ترامب مع الصراع إزاء إيران، ويعتدُّ عدد مماثل بأن "قرار استخدام القوة كان خاطئًا" كما يظهر في الشكل رقم (1).

شكل (1): نتائج استطلاع الرأي العام الأميركي

2

المصدر: مركز بيو للأبحاث، 22 أبريل/أبريل 2026.

في المحصلة النهائية، تتراجع شعبية الرئيس ترامب على خلاف ما كان يعتقد أنه سيكون "نصرًا عسكريًّا" في الخارج و"نصرًا انتخابيًّا" لزعيم  الحزب الجمهوري في الداخل. ويُعبِّر الديمقراطيون والمستقلون المنحازون لهم عن رفضهم بشكل ساحق لإدارة ترامب للصراع (90%)؛ إذ يقولون: إن الولايات المتحدة اتخذت قرارًا خاطئًا بضرب إيران (88%). في المقابل، يؤيده حوالي سبعة من كل عشرة جمهوريين والمنحازين لهم (69%)، ويعتقدون أن الولايات المتحدة اتخذت القرار الصحيح (71%)(18).

وكشف استطلاع آخر، إيبسوس (IPSOS)، أن الحرب على إيران لا تأتي على رأس اهتمامات الأميركيين الذين يعدُّون الضغوط المعيشية والتقلبات الاقتصادية المشكلة الأكثر أهمية بنسبة 16%، تليها الحرب والصراعات الخارجية بنسبة 14%، وهي زيادة قدرها 13 نقطة منذ فبراير/شباط 2026 في ظل الضربات العسكرية الأميركية المستمرة في إيران. ويُعبِّر الديمقراطيون عن قلق متزايد إزاء التهديدات الموجهة للقيم والمعايير الديمقراطية (19%) مقارنة بالجمهوريين (%5) والمستقلين (10%). في المقابل، يولي الجمهوريون أهمية أكبر لمسألة الهجرة (14%) والأخلاق (10%) مقارنة بنظرائهم الديمقراطيين (3% و1% على التوالي). وتُظهِر المخاوف المتعلقة بالعنف السياسي والتطرف اتفاقًا حزبيًّا نسبيًّا؛ إذ ظهرت نسب متشابهة من الديمقراطيين (10%) والجمهوريين (10%) والمستقلين (7%)(19).  

شكل (2): توقعات الأميركيين حول المدى الزمني المرتقب للحرب على إيران

3

المصدر: مركز بيو للأبحاث، 22 أبريل/نيسان 2026.

تنحدر شعبية الرئيس ترامب أيضًا بفعل انشغال جُلِّ الأميركيين بسؤال: كم من الوقت ستستمر الحرب مع إيران؟ يعتقد أغلبية ضئيلة منهم (54%) أن الحرب ضد إيران ستستمر لمدة ستة أشهر أخرى على الأقل، بمن فيهم نسبة (29%) ممن يترقبون أنها ستطول مدة عام أو أكثر. ويظن حوالي الثلث (35%) أن تستمر الحرب مدة شهر إلى ستة أشهر أخرى، في حين يقول (8%) إنها ستنتهي في أقل من شهر. وتتوقع غالبية الجمهوريين (58%) انتهاء الحرب خلال الأشهر الستة المقبلة. ويقول (68%) من الديمقراطيين: إن الحرب ستستمر لمدة ستة أشهر أو أكثر، بما فيهم نسبة %40 يعتقدون بأنها ستستمر بعد عام من الآن(20).

الإعلام المحافظ من التأييد إلى النقد

تتجلى الثنائية الثانية في أن الرئيس ترامب ووزير الحرب، بيت هيغسيث، يسعيان لدغدغة المشاعر القومية والدينية لدى الأميركيين. فقد كرَّر هيغسيث نبرته الحماسية في أكثر من وقفة أمام الكاميرات قائلًا: "لم يكن هذا القتال أبدًا معركة عادلة، وليس معركة عادلة. نحن نضربهم وهم على الأرض، وهذا هو بالضبط ما يجب أن يكون عليه الأمر"(21). بهذه السمة الأيديولوجية لم تَعُد الحرب ضرورة مأساوية بل واجبًا مقدسًا. وهذا يعكس اندماجًا خطيرًا بين العسكرة والتعصب الديني والاستعراضية والسياسات الاستبدادية؛ مما يُعيد تعريف كيفية تبرير القوة العسكرية وتجربتها وتطبيعها. ولا يقتصر التعصب الديني على مرافقة هذا العنف فحسب، بل يُقَدِّسُه أيضًا؛ إذ يعمل كذريعة للسلطة، متخفيًا بتدميره بلغة القَدَر بينما يجعل ضحاياه غير مرئيين. ويحوِّل الهيمنة إلى فضيلة ويجعل آلة الموت تبدو ضرورية، بل ومفروضة بأمر إلهي"(22).

في نهاية الأسبوع الرابع من الحرب، جلس هيغسيث بجوار الرئيس ترامب في البيت الأبيض ليُصعِّد تهجُّمَه على وسائل الإعلام ويتهمها بأنها "تنشر أخبارًا زائفةً". وقال بنبرة التحدي: "إما أن تُبلِّغوا الناس بالحقيقة أو لا تفعلوا"(23). وقد تقلَّصت ثقة الأميركيين في وسائل الإعلام التقليدية بشكل حاد إلى مجرد 28% العام الماضي، بعدما كانت في مستوى 70% في أواخر سبعينات القرن الماضي. ومن تداعيات هذا التحول أن متابعة وسائل التواصل الاجتماعي مصدرًا رئيسًا للأميركيين تجاوزت الإقبال على القنوات التليفزيونية؛ إذ أضحت أغلبية 54% منهم يستقون الأخبار من الإنترنت.

شدَّدت آنا كيلي (Anna Kelly)، إحدى المتحدثات باسم البيت الأبيض، بدورها على أن ترامب "سيظل فخورًا دائمًا بتكريم الإنجازات المذهلة لأفراد قواتنا الشجعان. وتحت قيادته الحاسمة، يُحقِّق مقاتلونا الأبطال أهدافهم جميعًا أو يتجاوزونها في إطار عملية "الغضب الملحمي"، وأن وسائل الإعلام التقليدية تُريد منَّا أن نعتذر لتسليط الضوء على النجاح المذهل للجيش الأميركي. لكن البيت الأبيض سيستمر في عرض الأمثلة العديدة على تدمير الصواريخ الباليستية الإيرانية ومنشآت الإنتاج وأحلامها بامتلاك سلاح نووي في الوقت الفعلي"(24).

في المقابل، عبَّر نافيد شاه (Naveed Shah) من مجموعة "الدفاع المشترك" عن امتعاضه من قرار ترامب شن الحرب قائلًا: "هذه الحرب غير المشروعة مع إيران مبنية على نفس الأكاذيب التي بُنِيَت عليها الحرب مع العراق قبل عشرين عامًا. أعرف ذلك لأنني عشتها جنديًّا محاربًا قديمًا خدم في العراق. أنا وأصدقائي نعلم أن قادتنا كذبوا علينا ليدفعونا إلى حرب بلا إستراتيجية ولا نهاية. لقد أقسمت يمين الولاء لهذا الدستور، لا لملك ولا لسياسي. ولن أظل صامتًا بينما نسير في نفس الطريق نحو حرب أبدية أخرى"(25).

لم يعد من السهل على البيت الأبيض تحقيق تقدم لا في الحرب الميدانية، ولا في حرب السرديات، منتصف الشهر الثاني من بداية الصراع المسلح، بل يُحاول الاتكال على عدد من المؤثرين اليمينيين الذين يُبلورون رؤية تحليلية تُسْهِم في تضخيم رواية الرئيس دونالد ترامب ومبنياته السياسية. وأصبح الرهان أيضًا على فاعلية المنصات البديلة، وخاصة "البودكاست"، سواء التي تدافع أو تنتقد سياسات البيت الأبيض ودعمه غير المشروط لإسرائيل وانزلاق رجل ترامب مع مغامرة نتنياهو في إعلان الحرب على إيران. ومن الأمثلة المؤثرة في هذا السياق أن بودكاست جو روغان (Joe Rogan) يجذب 14 مليون مستمع لكل حلقة، فيما يستقطب تاكر كارلسون وميغين كيلي ودان بونجينو (Dan Bongino) اهتمام فئات جماهير واسعة العدد. وثمة أيضًا منصات ذات طروحات يسارية ووجهات نظر معارضة مثل "بود حماية أميركا" (Pod Save America)، و"الأتراك الشباب" (The Young Turks).  

أحدثت الحرب الإيرانية شرخًا عميقًا بين مواقف شخصيات بارزة في حركة "ماغا"؛ إذ يدعم الكثيرون منهم التوجه العسكري للرئيس، بينما يرى آخرون أنه خان سياسته الخارجية المعلنة "أميركا أولًا". ويزداد هذا الانقسام حدَّة بموازاة تذبذب ترامب غير المنتظم من تهديدات عدوانية بتدمير شامل إلى البحث المفاجئ عن مخرج بعد أيام؛ مما يُثير ردود فعل عنيفة من أصوات محافظة راسخة. وشجَّع تاكر كارلسون المسؤولين الأميركيين على مقاومة أوامر ترامب إذا كانت ستجنِّب الحرب النووية، ووجَّه إليه اتهامات بأنه "عبد" لإسرائيل، وقال: "لطالما أحببتُ ترامب، ولا أزال أشعر بالأسف عليه، كما أفعل إزاء جميع العبيد". وأضاف أن ترامب "لا يستطيع اتخاذ قراراته بنفسه"، وأنه "محاصر بقوى أخرى". وأوضح بنبرة اليقين لديه أن "الحكومة الإسرائيلية، وهذا موثَّق ورأيته شخصيًّا، وجَّهت الولايات المتحدة نحو حرب تضرُّ بالولايات المتحدة وبالعالم"(26).

هذه تهم حادة وثقيلة الوقع خاصة عندما تأتي على لسان شخصيات إعلامية معروفة كانت تناصر ترامب المرشح وترامب الرئيس لسنوات طويلة منذ 2015، وتُثير ردَّ فعل عنيفًا من ترامب والمحافظين الآخرين وتُطلق نقاشًا ينعكس سلبيًّا في استطلاعات الرأي الجديدة. واتهمت ميغين كيلي (Megyn Kelly) بدورها الرئيس ترامب بشكل ضمني بـ"تضليل" الأميركيين لـ"إنقاذ ماء الوجه" في صراع غير محبوب، ودعت كانديس أوينز (Candace Owens) إلى إقالة ترامب من منصبه بموجب التعديل الخامس والعشرين.

وأسفر هذا الجدال الإعلامي المقترن بجدلية اليمين الترامبي واليسار النقدي عن تحولات مهمة في ملكية وسائل الإعلام، بما في ذلك تعيين شبكة "سي بي إس" (CBS) محررة رئيسية مؤيدة لإسرائيل تدعى باري وايس (Bari Weiss). وهذا واحد من عدة أمثلة على التحولات البنيوية في وسائل الإعلام الأميركية ومنطلقات تغطيتها لأميركا الترامبية. وتعتزم وايس الاستغناء عن المنتجة التنفيذية لبرنامج "ستون دقيقة" (Sixty Minutes) تانيا سايمون (Tanya Simon)، وهو البرنامج الاستقصائي طويل الأمد والأعلى شعبية والأكثر عراقة منذ بداية بثه عام 1968. وتم وصف التغييرات الجذرية الهائلة التي أجرتها على البرنامج بأنها "حدث يُشبه الزلزال". وهي تستعد لمواجهة تمرد كبير من قبل طاقم البرنامج(27).

أنصار "ماغا" بين مؤيد ومعارض

في الشهر الثاني من الحرب، تنكشف مؤشرات جديدة على حدوث أزمة هوية تعيشها حركة "ماغا" في ضوء انقسام حادٍّ في صفوفها الشعبية، مع تزايد أصوات التمرد المناهض لسياسات ترامب. وفيما تعلق حركة "ماغا" حاليًّا في نقاش حول السياسة الخارجية وحكمة حرب ترامب مع إيران ومستقبل التحالف الطويل الأمد بين الولايات المتحدة وإسرائيل، "هناك أيضًا مخاوف من أن التركيز على إسرائيل هو الحافة الأمامية لهوامش معادية للسامية اكتسبت أرضًا من خلال تصوير اليهود محركين خفيين للحرب؛ مما يُردِّد بعض أكثر الصور النمطية المكروهة في التاريخ"(28).

تتأجج حرب السرديات بين ترامب وطهران إلى أعلى مستوى عندما هدَّد بأن "حضارة كاملة سيتم إقبارها في إيران"، وهو تهديدٌ يتعارض مع بلد يشعر بقلق متزايد من حربه. من البيت الأبيض إلى شوارع واشنطن وأرجاء الولايات الخمسين. وزادت حرب السرديات في اتساع الهوة في الرؤى والمواقف حول تفسير الحرب ليس بين الجمهوريين والديمقراطيين فحسب، بل أيضًا داخل الحزب الجمهوري ذاته، بين مؤيدي "اجعلوا أميركا عظيمة" المخلصين والمحافظين القلقين بشأن التكلفة واللغة وغياب إستراتيجية واضحة للخروج.

تجسَّد هذا التحوُّل في مواقف أغلبية المشاركين في مؤتمر العمل السياسي المحافظ السنوي (CPAC) في تكساس. وقالت مارجوري تايلور غرين (Marjorie Taylor Greene)، العضو السابق في مجلس النواب الأميركي، والتي كانت في يوم من الأيام من أشد مؤيدي ترامب ثم انفصلت عنه: "إن هذا لا يجعل أميركا عظيمة مرة أخرى، هذا شَرٌّ محض"(29). ولا تُظهِر هذه الشروخ أي علامات على الالتئام داخل حركة "ماغا" خلف الرئيس ترامب.

في هذا المؤتمر، أعرب بعض الموالين للحزب الجمهوري الذي يقوده ترامب عن قلقهم بشأن سبب بدء الولايات المتحدة هذه الحرب، وكيف سينهيها الرئيس، وما إذا كانت الجهود المبذولة تستحق التكاليف. وقالت إحدى المشاركات في المؤتمر، سامانثا كاسيل (Samantha Cassell): "أتمنى لو كان هناك المزيد من الشفافية حول سبب قيامنا بما نقوم به، حتى تتمكن من إرسال من تحب إلى الخارج وأنت مرتاح البال". "أتمنى أن تنتهي بسرعة؛ لأن تكلفة المعيشة والنفط والغاز، الأسعار ستستمر في الارتفاع فقط". وحذَّر النائب السابق في الكونغرس، مات غيتس (Matt Gaetz)، من أن غزوًا بريًّا لإيران سيجعل الولايات المتحدة "أكثر فقرًا وأقل أمانًا"، مع توجه آلاف الجنود الأميركيين الجدد إلى الشرق الأوسط. وقال: إن هذه الخطوة "ستؤدي إلى ارتفاع أسعار الوقود وأسعار المواد الغذائية، ولست متأكدًا من أننا سنقتل عددًا من الإرهابيين أكثر مما سنحفزهم على الوجود"(30).

يقول روبرت رولاند (Robert Rowland)، أستاذ البلاغة في جامعة كانساس ومُؤَلِّف كتاب "بلاغة دونالد ترامب: الشعبوية القومية والديمقراطية الأميركية": "يستطيع الناس رؤية آثار الحرب عندما يملؤون خزان الوقود الخاص بهم. وعندما تكون هناك خسائر أميركية، فإن النبرة الاحتفالية ليست شيئًا يفعله الرئيس عادةً"، وإن "العديد من الرؤساء لن يتخذوا تلك النبرة لأسباب أخلاقية شخصية، لكنهم يعرفون أيضًا أنها قد تنتقص من مصداقيتهم عندما لا تسير الأمور على ما يرام"(31). في الوقت ذاته، خرج المتظاهرون إلى الشوارع ضمن مظاهرة "لا للملوك في أميركا" ضمن أكثر من 3 آلاف مسيرة احتجاجية من نوع "لا للملوك" في جميع أرجاء الولايات المتحدة بما فيها المناطق الزراعية في الولايات الحمراء التي صوَّتت لصالح المرشح ترامب في الانتخابات وذلك في يوم وصفته مجلة "ذا نايشن" (The Nation) بأنه قد يصبح "أكبر يوم احتجاجي في تاريخ الولايات المتحدة"(32).

يقول إدوين توريس دي سانتياغو من شبكة الدفاع عن المهاجرين: إن "الأميركيين يقولون: "علينا أن نجد وسيلة لندعم بها أنفسنا. لا نريد حربًا تُكلِّف مليارات الدولارات. لا نريد حربًا ترفع أسعار الوقود. لا نريد جدالًا يجعل طوابير التفتيش الأمني"، مثل الطابور الذي واجهته هذا الصباح، "تمتد لساعات طويلة". الناس في أميركا يقولون: "لقد تم انتخابك لمساعدتنا وعائلاتنا في عيش حياة أفضل، لا لمساعدة المليارديرات، لا لإنشاء روبوتات كمدرسين، لا لمجرد ابتكار طرق تُثريك أنت وعائلتك، دونالد ترامب". ولهذا السبب يرى المزيد من الناس فيه ملكًا"(33).

وفقًا لاستطلاع أجرته محطة "إن بي سي"، فإن تسعة من كل عشرة جمهوريين مناصرين لحركة "ماغا" يؤيدون الحرب. لكن الحرب الممتدة وأسعار الوقود المرتفعة قد تُضْعِف دعم ترامب. فهل ستحوِّل الحرب مع إيران ولايات الغرب الأوسط المتأرجحة ضد ترامب بعد وعده بـ"أميركا أولًا". وانعكست تداعيات هذا التشكيك في إدارة الحرب من قبل ترامب في انخفاض نسبة التأييد الشعبي له إلى أدنى مستوى على الإطلاق بمعارضة الحرب على إيران بنسبة 53.8% مقابل تأييدها بنسبة 38.7%، بينما حقَّق الديمقراطيون تحولًا في تأييدهم بنسبة 25 نقطة. ووفقًا لمعدل استطلاعات الرأي العام، في الثامن من أبريل/نيسان 2026، من المرجح أن يفوز الديمقراطيون بمجلس النواب، وليس بمجلس الشيوخ في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2026.

يقول تشارلي سايكس (Charlie Sykes)، مُؤَلِّف كتاب: "كيف فَقَد اليمين عقله": إن "ما يميز النقاشات هذه المرة، رغم أنها غالبًا ما تدور في عوالم موازية منفصلة، أنها تخترق هذه المرة بوضوح. إذا كنت جزءًا من حركة ماغا، فأنت تتعرض لهذا السجال ونقد تصرفات ترامب بطريقة نادرًا ما حدثت في الماضي". وقد عاد ترامب إلى السلطة على وعد بالانعزالية الأميركية، متعهدًا بإنهاء التورط في الشؤون الخارجية والتركيز على التجديد الداخلي. لكنه بدلًا من ذلك ركز على الشؤون العالمية، من تهديد غرينلاند إلى اعتقال رئيس فنزويلا وشَنِّ حرب مع إيران دون إستراتيجية خروج واضحة"(34). ويمكن اختزال العوامل الرئيسية وراء الانقسام في صفوف حركة ماغا:

جدول (2): العوامل التي تكمن وراء الانقسام في صفوف حركة ماغا بسبب الحرب على إيران

العامل

التداعيات

عدم اليقين والتكتيكات المتقلبة لدى الرئيس ترامب

الانتقال من التهديد بـ"إبادة حضارة بأكملها" إلى الإعلان عن هدنة مؤقتة خلال فترة قصيرة أثار حالة من عدم الاستقرار في الخطاب الأميركي.

التكاليف الإنسانية والاقتصادية

أدَّت صور الضحايا المدنيين الكثيرة وارتفاع أسعار الوقود والغذاء إلى تآكل كبير في التأييد الشعبي الأميركي للحرب.

انقلاب التحالفات

يُشكِّك المنتقدون في تكتيكات حكومة ترامب بحجة أن النزاع يُهدِّد وحدة حلف الناتو ويعزل الولايات المتحدة عن حلفاء رئيسيين.

العدو من الداخل

نشوب معارك إعلامية ودخول المجال العام المحافظ في حالة فوضى. وفيما تؤيد بعض الأصوات التصعيد العسكري، تعترض عليه فئات أكثر عددًا وتأثيرًا في الرأي العام الأميركي، مثل تاكر كارلسون وميغين كيلي.

"القائد" القوي أم رجل الصفقات المتريث؟

بدلًا من البُعد البراغماتي الذي يُلوِّح به الرئيس ترامب وانتقاده للدولة العميقة، كشفت طريقة إدارته للحرب على إيران مجموعة من مواقف سوء التقدير والتسرع في اتخاد قرارات غير فعالة. وأصبحت المقارنة واردة بين معضلة حرب إيران على غرار لعنة حرب فيتنام بالنسبة للرئيس ريتشارد نيكسون في بداية السبعينات.

نتيجة لذلك، بات هناك نعت جديد يُلاحق سمعة الرئيس بأن "ترامب دائمًا يتراجع"، وهو وصف تهكُّمي يُشير إلى ما يُعد ميل الرئيس ترامب لإطلاق التهديدات، ثم تأجيلها أو التراجع عنها لاحقًا كوسيلة لتمديد وقت المفاوضات، والسماح بانتعاش الأسواق، وتجنب ردود الفعل الغاضبة. ويبدو أن جلَّ قرارات ترامب ووعيده المتكرر ظاهريًّا "ليس سوى حلقة أخرى من سلسلة اتخاذه مواقف متصلبة لينكص عنها لاحقًا بطريقة تمحو خطوطه الحمراء وتُثير الشكوك حول مصداقيته. وإذا تمكنت إيران فعلًا من السيطرة على مدخل المضيق خلال فترة وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، فسيؤكد ذلك التصورات بأن ترامب لا يملك خيارات جيدة في حرب خرجت عن نطاق سيطرته وهو يائس لإنهائها"(35).

اتساع الهوة بين الخطاب الأميركي وخطاب الحلفاء

تنطوي إدارة ترامب للحرب على معضلة عدم شعبيتها في الداخل، وأيضًا تبدُّد الأمل في تأييدها من قِبَل الحلفاء الأوروبيين والآسيويين، وإن تأثرت شعوبهم بالتداعيات السلبية بسبب ارتفاع أسعار الطاقة. وتتسع هوة الانقسام بين مواقف الدول الغربية في مجملها إلى معسكرين: أحدهما يُعارض فكرة الحرب على إيران بالمجمل. فلم تستجب الدول الأوروبية وحلف شمال الأطلسي لدعوة ترامب للمساهمة في تحرير حركة الملاحة البحرية التي كانت تعبر المضيق بمعدل 138 سفينة كل يوم قبل الحرب.

ينطوي موقف رئيس وزراء بريطانيا، كير ستارمر، بعدم مجاراة حرب ترامب ونتنياهو، على أهمية خاصة في ضوء الشرخ المتزايد في العلاقة الأطلسية. في الوقت ذاته، صرَّح رافائيل غروسي، رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي تراقب النشاط النووي عالميًّا، بأنه "لا يمكن أن يكون هناك في النهاية حل عسكري لطموحات إيران النووية". وتدحض مثل هذه التصريحات ما ردَّده الرئيس ترامب ووزير الحرب، هيغسيث، وكبار ضباط البنتاغون بأن الولايات المتحدة "دمَّرت القدرات التقليدية الإيرانية، و"محقت" صواريخها وقاذفاتها وطائراتها المسيَّرة ومصانع أسلحتها وأسطولها البحري(36).

خلاصة

يؤكد السجال عبر وسائل ومنصات الإعلام المختلفة فرضية أن الدول تخوض الحروب على جبهتين متوزايتين: جبهة العمليات الميدانية، وجبهة المبنيات السياسية التي تُحرِّكها التغطيات والتعليقات عبر وسائل الإعلام. وبدلًا من أن تُفلح الحرب على إيران في "إسقاط" نظام الثورة الإسلامية فتغدو "نصرًا آخر" للسياسة الخارجية للرئيس ترامب، انقلبت التعثرات الميدانية العسكرية والسياسية للبيت الأبيض من فرضية "رصيد إستراتيجي واعد" إلى معضلة أو بالأحرى لعنة التراجع عن الهدف الأصلي "تغيير النظام"، والتلويح بأهداف أخرى لم تتحقَّق خاصة أزمة فكِّ الحصار الإيراني لمضيق هرمز والتداعيات المستمرة لأزمة الطاقة في العالم.

توصلت الدراسة إلى أن الخطاب الأميركي الذي يُنْتِجُه الرئيس ترامب وبقية صقور الحرب ضد إيران يُثير حالة اللايقين، ويتجاوز فلسفة البنائية في العلاقات الدولية من منظور الطرح الليبرالي أو النقدي للردِّ على منطق القوة والمصلحة وتجاهل قواعد القانون الدولي. فأصبحت المبنيات الترامبية المتأرجحة بين مشروع الحرب ومشروع المفاوضات معضلة تتغير وتتذبذب بمعدل مرة كل ثمان وأربعين ساعة. كما أنها تتشكَّل بفعل التداخل بين الأبعاد الأيديولوجية والعسكرية والإستراتيجية والاقتصادية.

ABOUT THE AUTHOR

References

(1) “JD Vance and US delegation leave Pakistan after failing to reach deal with Iran,” The Guardian, April 12, 2026, “accessed April 13, 2026”. https://tinyurl.com/36pjzks6.

(2) Ibid.

(3) Henry Giroux, “Donald Trump’s apocalyptic and profane threats against Iran expose the unhinged language of war,” The Conversation, April 6, 2026, “accessed April 8, 2026”. https://tinyurl.com/mdwa5w8c.

(4) Ali Harb, “Trump’s primetime speech on Iran war: Key takeaways,” Aljazeera News, April 2, 2026, “accessed April 8, 2026”. https://tinyurl.com/34b8s9nz.

(5) Mike Bedigan, “Iran hawk Lindsey Graham deflects when asked by Fox News host if war will cost GOP the midterms,” Independent, April 12, 2026, “accessed April 15, 2026”. https://tinyurl.com/3pe8chd6.

(6) Kevin Rector, “Trump’s war rhetoric is coarse. It’s also heard differently, depending on the audience,” Los Angels Times, March 26, 2026, “accessed April 13, 2026”. https://tinyurl.com/3p9pa493.

(7) Susan Niditch, War in the Hebrew Bible: A study in the ethics of violence, (Oxford University Press 1993), 155.

(8) Hugo Slim, “Why protect civilians? Innocence, Immunity and Enmity in War,” International Affairs, Vol. 79, No. 3, (2003): 485.

(9) “4 takeaways from Trump's address on the Iran war,” pbs.org, April 2, 2026, “accessed April 13, 2026”. https://tinyurl.com/4d337hrx.

(10) Nicholas Onuf, World of Our Making: Rules and Rule in Social Theory and International Relations, (University of South Carolina Press, 1989), 10-11.

(11) Nicholas Onuf, Rule and Rules in International Relations, )Erik Castrén Institute of International Law and Human Rights, University of Helsinki, 2014), 5-6.

(12) Alexander Wendt, Social Theory of International Politics, (Cambridge University Press, 1999).

(13) Political Constructivism, Internet Encyclopedia of Philosophy, “accessed April 3, 2026”. https://tinyurl.com/238fdumt.

(14) Amos Yadlin, Avner Golov, “The Iran Imperative: How America and Israel Can Shape a New Middle East,” Foreign Affairs, May/June 2026, “accessed April 3, 2026”. https://tinyurl.com/mr2p9csw.

(15) Jonathan Swan, Maggie Haberman, “How Trump Took the U.S. to War with Iran,” The New York Times, April 7, 2026, “accessed April 13, 2026”. https://tinyurl.com/5yhx692a.

(16) Ibid.

(17) Ibid.

(18) Steven Shepard, Andrew Daniller, “Americans Broadly Disapprove of U.S. Military Action in Iran,” PEW Research Center, March 25, 2026, “accessed April 10, 2026”. https://tinyurl.com/476x73ye.

(19) “President Trump Approval Rating,” ipsos.com, March 26, 2026m “accessed April 10, 2026”. https://tinyurl.com/yva9y7rw.

(20) Shepard, Daniller, “Americans Broadly Disapprove of U.S. Military Action in Iran,” op, cit.

(21) “Secretary of War Pete Hegseth and Chairman of the Joint Chiefs of Staff Gen. Dan Caine Hold a Press Briefing,” war.gov, March 4, 2026, “accessed April 10, 2026”. https://tinyurl.com/3tnmra7u.

(22) Giroux, “Donald Trump’s apocalyptic and profane threats against Iran expose the unhinged language of war,” op, cit.

(23) “US media divide deepens over Iran war narrative,” youtube.com, March 27, 2026, “accessed April 8, 2026”. https://tinyurl.com/5n75bsxd.

(24) Kevin Rector, “Trump’s war rhetoric is coarse. It’s also heard differently, depending on the audience,” Los Angels Times, March 26, 2026, “accessed April 10, 2026”. https://tinyurl.com/3p9pa493.

(25) “No Kings”: March 28 Rallies Could Be Biggest Day of Protest in U.S. History,” democracynow.org, March 27, 2026, “accessed April 10, 2026”. https://tinyurl.com/4c28vrxk.

(26) James Powel, Zac Anderson, “Tucker Carlson calls Donald Trump 'slave' to Israel amid Iran war,” usatoday.com, April 12, 2026, “accessed April 13, 2026”. https://tinyurl.com/2phaftmj.

(27) Martin Holmes, “CBS News Boss Bari Weiss’s ’60 Minutes’ Shakeup Will be ‘Earthquake-Like Event’,” CBS News, April 8, 2026, “accessed April 10, 2026”. https://tinyurl.com/mtwetejt.

(28) David Smith, “Extremely ugly: Maga media figures squabble over Trump’s Iran war, The Guardian,” March 26, 2026, “accessed April 10, 2026”.  https://tinyurl.com/bdhbvhve.

(29) Tom Bateman, “Has US achieved its war objectives in Iran?,” BBC News, April 9, 2026, “accessed April 10, 2026”. https://tinyurl.com/4ykvw73v.

(30) Anthony Zurcher, “Iran war splits older and younger conservatives - as pressure builds for Trump to find exit ramp,” BBC News, March 28, 2026, “accessed April 10, 2026”. https://tinyurl.com/mu5weut8.

(31) Kevin Rector, “Trump’s war rhetoric is coarse. It’s also heard differently, depending on the audience,” Los Angels Times, March 26, 2026, “accessed April 10, 2026”. https://tinyurl.com/3p9pa493.

(32) “No Kings: March 28 Rallies Could Be Biggest Day of Protest in U.S. History,” democracynow.org, March 27, 2026, “accessed April 10, 2026”. https://tinyurl.com/4c28vrxk.

(33) Ibid.

(34) David Smith, “Extremely ugly: Maga media figures squabble over Trump’s Iran war,” The Guardian, March 26, 2026, “accessed April 10, 2026”. https://tinyurl.com/bdhbvhve.

(35) Stephen Collinson, “A day on the brink with Iran ended with a TACO and grave constitutional questions,” CNN, April 8, 2026, “accessed April 10, 2026”. https://tinyurl.com/zte42w2y.

(36) Bateman, “Has US achieved its war objectives in Iran?,” op, cit.