أخفقت الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران حتى الآن في تحقيق هدفها الرئيس: إسقاط النظام الإيراني أو تغييره وتطويعه للإرادة الأميركية. ولأن الحرب على إيران لم تكن سوى حلقة جديدة من الحرب الإسرائيلية على جوار إسرائيل العربي-الإسلامي؛ فقد أخفقت أيضًا في فرض الهيمنة الإسرائيلية على الشرق الأوسط. ولكن هذا لا يعني أن الحرب على إيران لم تُوقِع تغييرات ملموسة في إيران، في رؤية القيادة الإيرانية الإستراتيجية للذات والموقع والجوار. هذه هي المرة الأولى منذ الحرب العراقية-الإيرانية التي تتعرض فيها إيران لمثل هذه الحرب الشديدة. وهذه هي المرة الأولى التي تخوض فيها إيران حربًا تصل إلى كافة دول جوارها العربي.
ربطت إيران، منذ ولادة كيانها في أوائل القرن السادس عشر، وحتى قبل أن يطلق عليها رضا بهلوي اسم إيران في ثلاثينات القرن العشرين، علاقات بالغة التعقيد والتوتر مع جوارها العربي والإسلامي. وظلت هذه العلاقات تتقلب بين أطوار من الحرب والصدام، وأخرى من المعاهدة والتعاون والتبادل. إلا أن إيران لم تخض حربًا مع أيٍّ من دول الجوار منذ الترسيم النهائي لحدودها مع الجوار العثماني، في 1914، وولادة الدولة القومية، إلا الحرب العراقية-الإيرانية، التي بدأها الهجوم العراقي، في 20 سبتمبر/أيلول 1980، حسب تقرير لجنة التحقيق الأممية.
لكن، منذ بداية الحرب الأميركية-الإسرائيلية، أخذت إيران في توجيه صواريخها وطائراتها المسيَّرة إلى أهداف مختلفة في دول الخليج، وفي الأردن، وفي كردستان العراق، بل وحتى في تركيا. كما سارعت أذرع إيران الإقليمية في العراق ولبنان لدعم الجهد الحربي الإيراني، والمشاركة فيه، بمعزل عن حكومات الدولتين. ولأن الهجمات الإيرانية على الجوار العربي-الإسلامي انطلقت مباشرة بعد ساعات فقط من بدء الهجمات الأميركية-الإسرائيلية، بدا وكأن بنك الأهداف في دول الخليج والعراق قد جرى الاتفاق عليه وإقراره من القيادة الإيرانية قبل وقت طويل من اندلاع نيران الحرب.
في العموم، وَلَّدت الهجمات الإيرانية، أو تحركات القوى الموالية لإيران في العراق ولبنان، شعورًا بأن سياسة إيران تجاه الجوار العربي-الإسلامي، التي كانت تنزع إلى اكتساب قدر متزايد من التدخل العسكري منذ الغزو الأميركي للعراق في 2003، قد انتقلت إلى طور جديد من التدخل المسلح. لم تعد إيران تنظر إلى جوارها العربي من منظار الضرورات الإستراتيجية لدولة قومية، وحسب، بل وبوصفها ميدانًا للهيمنة والتوظيف في المواجهة مع الخصوم الكبار.
فهل أصبحت توجهات الاختراق المسلح سمات دائمة لعلاقات إيران بجوارها العربي-الإسلامي، أو إن الآثار الهائلة للحرب ستدفع النظام الإيراني ودول الجوار، على السواء، إلى إعادة بناء هذه العلاقات على أسس من التعاون والاحترام المتبادل؟
اختلاف إيران وتفردها
شكَّلت إيران مشكلة متعددة الأوجه لجوارها العربي والإسلامي منذ أوائل العهد الصفوي. انحدر الصفويون من خلفية عشائرية تركية، وحاولوا بالتالي توظيف علاقاتهم بالعشائر التركية في الأناضول العثماني للتوسع غربًا. ولأن الأسرة الصفوية كانت قد اعتنقت التشيع، فقد قادت حملة تشييع عنيفة لسكان إيران من مختلف الأعراق. ولم تلبث الدوافع الشيعية التبشيرية، والطموحات الإمبراطورية، أن أطلقت حركة توسع صفوي باتجاه العراق جنوبًا، وبلاد الأفغان والهند شرقًا، وأرمينيا والقوقاز شمالًا. ولم يختلف وضع إيران كثيرًا في عهد نادر شاه الإفشاري، بعد سقوط الصفويين في أوائل القرن الثامن عشر، أو خلال العهد القاجاري منذ أواخر الثامن عشر. الاختلاف كان في التراجع الإمبراطوري الحثيث الذي فرضته المواجهات مع القوى المختلفة في الجوار: العثمانيون والعشائر الأفغانية وروسيا القيصرية.
كانت حدود إيران التي اعتلى رضا بهلوي عرشها، في 1925، قد انحسرت من فضائها المتسع، خلال القرون السابقة، إلى حدودها الحالية. ولكن إيران البهلوية كانت لم تزل تحتضن تعددية إثنية وطائفية كبيرة، حاول رضا الكبير، الذي انحدر من خلفية مازندرانية وليست فارسية صافية، أن يوحدها ضمن تصور قومي جديد، وأن يُخضعها لسلطة دولة مركزية حديثة. شغل رضا بهلوي، الذي تولى الحكم بانقلاب العسكري، في أوائل عهده توكيدُ شرعيته وشرعية أسرته. وعندما بدأ مشروعه التحديثي وجد نفسه في صدام مع طبقة رجال الدين الشيعة، التي كانت قد اكتسبت ثقلًا اجتماعيًّا هائلًا خلال العهدين الصفوي والقاجاري. وهذا ربما ما جعل الشأن الداخلي محل تركيزه.
أدرك رضا بهلوي من البداية أنه ورث دولة متعددة الطوائف والإثنيات، وأن استقرار البلاد ونهوضها لن يتحقق بدون إيجاد إطار جامع لهذه التعددية. ولتأثره الكبير بتجربة مصطفى كمال أتاتورك في تركيا المجاورة، وما بدا من نجاح أتاتورك في توحيد شعوب الجمهورية الوليدة في إطار من قومية تركية، صنع رضا بهلوي أسطورة الأصل الآري للشعوب الإيرانية، واختلافها عن جوارها العربي السامي، وطرح من ثم القومية الإيرانية إطارًا جامعًا للجماعات المختلفة من مواطني دولته. وربما كانت صناعة الهوية القومية الإيرانية أحد أكبر إنجازات رضا بهلوي، الهوية التي ظلت حيَّة نشطة حتى بعد أن أطاح الحلفاء برضا بهلوي، في 1941، لتعاطفه مع ألمانيا النازية وانحيازه لها.
كان محمد رضا لم يزل شابًّا صغيرًا عندما تولى السلطة برعاية بريطانية بعد خروج والده إلى المنفى، وكان عليه في البداية أن يعمل من جديد على توطيد قواعد النظام والسلطة. ولكن الشاه الابن سرعان ما واجه تحديًا لسلطته عندما تولى محمد مصدق رئاسة الحكومة، في 1951، وأشعل معركة كبرى بالإعلان عن تأميم صناعة النفط، التي كانت تخضع لسيطرة كاملة من شركات النفط البريطانية. أُجْبِر الشاهُ الشاب في لحظة توتر شديدة على مغادرة البلاد، ولكن الاستخبارات الأميركية سرعان ما قادت حركة انقلابية واسعة النطاق، أفضت إلى إطاحة مصدق وعودة الشاه الشاب إلى عرشه، في 1953.
عُدَّتْ حكومة مصدق قصيرة العمر، بتوجهاتها الاقتصادية التحررية، إلى جانب حرب الاستقلال التركية، من أولى حركات التحرر الوطني في العالم الثالث. الأهم، أن حركة مصدق، على الرغم من صدامها القاتل مع نظام الشاه، كانت أيضًا مؤشرًا على أن القومية الإيرانية وُلِدت لتبقى، وأن حتى نظام الشاه لن يتمكن من الاستمرار بدونها.
ولكن الهوية القومية لم تكن الفارق الوحيد بين إيران الحديثة والدول القومية المختلفة الأخرى في محيطها الإقليمي، العربية وغير العربية. ولم تكتسب الهوية الإيرانية سمعة شيعية إلا بعد انتصار الثورة الإسلامية وإسقاط نظام الشاه. كانت إيران، بالطبع، قد أصبحت دولة أغلبية شيعية بفعل حركة التشييع الصفوي القسرية، أولًا، ثم بعد أن فرض عليها، في القرن التاسع عشر، التخلي عن معظم المنطقة الكردية في الغرب وكل ممتلكاتها في جنوب القوقاز. ولكن الهوية الشيعية لم تحتل موقعها المستقر في أيديولوجيا الدولة إلا بعد انتصار الثورة الإسلامية.
طوال الخمسينات والستينات، واجه نظام الشاه قوى معارضة لحكمه من كافة الخلفيات، ليبرالية وقومية ويسارية. ولكن آية الله الخميني كان الوحيد الذي استطاع قيادة حراك شعبي مدوٍّ، لم يعرف العالم له مثيلًا منذ الثورتين، الفرنسية والروسية، انتهى إلى اقتلاع نظام الشاه من جذوره وقيام نظام جمهوري إسلامي، في 1979.
خاض الخميني منذ بروزه في ساحة المعارضة لحكم الشاه في منتصف الستينات صراعًا داخل طبقة العلماء الشيعة حول أطروحة ولاية الفقيه، التي أسَّست لشرعية سلطة الولي الفقيه طوال غيبة الإمام؛ ولكن لم يتحقق انتصار مبدأ الولاية إلا بعد ولادة الجمهورية الإسلامية، التي جعلته أساسها الأيديولوجي. وبانتصار ولاية الفقيه، بدأت الجمهورية الإسلامية الإيرانية تطرح نفسها بوصفها القائد المرجعي لكافة المسلمين الشيعة، القائد الديني والسياسي، داخل إيران وخارجها. ولأن الإسلام الشيعي هو في طبيعته التكوينية إسلام تبشيري؛ فقد عزَّز مبدأ ولاية الفقيه من الاندفاعة التبشيرية للعلماء المؤمنين بولاية الفقيه، وللجمهورية الإسلامية، على السواء. بهذا، ومنذ الثمانينات، أصبح الاختلاف والتفرد الإيراني مسلحًا بقوة التميز القومي والهوية الشيعية معًا.
ميراث من العلاقات الشائكة
رُسِمت حدود إيران القرن العشرين بفعل قرون من الحروب مع قوى الجوار، الجوار العثماني والأفغاني والروسي؛ وهو ما فرض على إيران الحديثة ضرورات إستراتيجية لم تكن من اختيارها. برزت إيران دولة قومية في جوار قوميات مختلفة، ناهضة، وبالغة الحيوية؛ دولة أغلبية شيعية في محيط من الأغلبية الإسلامية السُّنية؛ دولة بعيدة عن البوابة المتوسطية إلى العالم الغربي، الذي كان قد أصبح مركز العالم كله؛ دولة فُرض عليها التشارك مع الآخرين في السيطرة على إطلالتها البحرية الوحيدة في الخليج؛ ودولة تعيش خوفًا مستدامًا من علاقات جماعاتها الإثنية المختلفة بالقوميات المجاورة.
وهذا ما تسبب في توتر علاقات إيران الحديثة بجوارها العربي-الإسلامي، على وجه الخصوص، سواء في عهد الشاه أو عهد الجمهورية الإسلامية. ولم تلبث هذه العلاقات أن ازدادت توترًا، أولًا: بفعل تعزيز البعد الشيعي الأيديولوجي والثوري للجمهورية الإسلامية؛ وثانيًا: بفعل مخاوف دول الجوار، ولجوء أغلبها إلى مظلة حماية القوى الغربية، سيما الولايات المتحدة.
ما إن شعر نظام الشاه بالاستقرار في الستينات، حتى بدأ في التحرك خارج حدود بلاده للتعامل مع ضرورات البلاد الإستراتيجية، من ناحية، أو الاستجابة للطموحات الإمبراطورية الكامنة، من ناحية أخرى. شاركت إيران الشاه في أنظمة التحالف الغربية لمواجهة الخطر السوفيتي خلال سنوات الحرب الباردة، وخطر الحراك القومي العربي الناصري، الذي عُدَّ حليفًا للسوفيت ومصدر تهديد قومي في الآن نفسه. ولم يكن غريبًا أن يشارك نظام الشاه في الحرب اليمنية الأهلية ضد الوجود العسكري المصري بعد انقلاب عبد الله السلال، في 1962. كما عمل الشاه على بناء علاقات وثيقة، وإن غير رسمية، مع دولة إسرائيل؛ ولم يتردد في استخدام هذه العلاقات ضد الأنظمة القومية العربية في الجوار، وفي العمل معًا لدعم التمرد الكردي العراقي.
وعلى الرغم من أن توجهات الشاه التحديثية وضعته، كما والده، في صدام مع طبقة العلماء الشيعة، إلا أن نظامه لم يكف عن محاولة بناء علاقات تحالفية مع بعض العلماء الذين أبدوا استعدادًا للتعاون، وتوظيفهم لخدمة أهداف النظام. حافظ نظام الشاه على صلات وثيقة بالمرجع الشيعي محسن الحكيم في العراق، وظل يلوِّح به في مواجهة الحكومات العراقية المتعاقبة. كما وقف نظام الشاه خلف توجه موسى الصدر إلى لبنان وتأسيس المجلس الشيعي الأعلى، في 1969.
في نوفمبر/تشرين الثاني 1971، وقبل الانسحاب البريطاني من إمارات ساحل عمان، التي أصبحت دولة الإمارات العربية، وبموافقة من البريطانيين، سيطرت إيران الشاه على جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى التابعتين لرأس الخيمة، وعلى جزيرة أبو موسى التابعة للشارقة. ولم تُخْفِ إيران طموحاتها في السيطرة على البحرين. كما لم يتردد نظام الشاه، خلال سنوات انفجار الصراع مع العراق حول السيادة على شط العرب في توفير الدعم لحركة الانفصال الكردية المسلحة في شمال العراق. ولم يتوقف الدعم الإيراني للانفصاليين الكرد إلا بعد أن تنازل العراق عن جانب شط العرب الشمالي في اتفاق الجزائر، في 1975.
في 1979، وعلى الرغم من ترحيب معظم الدول العربية بانتصار ثورة الشعب الإيراني، إلا أن الهوية الثورية الشيعية للجمهورية، من ناحية، والتباين الصارخ بين نزعة الجمهورية الإسلامية المعادية للغرب، وعلاقات دول الجوار العربية بالقوى الغربية، أنذرت بمستقبل باعث على القلق للعلاقات العربية-الإيرانية. في خريف 1980، وحتى قبل استقرار أحوال الجمهورية الإسلامية، بدأ العراق حربًا طويلة ومريرة ضد إيران، مسوِّغًا تحركه بما باتت إيران تمثله من خطر على وضع العراق الداخلي، سيما على صعيد تحريك أذرعها الشيعية السياسية ضد بغداد. وكان واضحًا أن كافة دول المشرق العربية، ما عدا نظام الأسد في سوريا، اختارت الوقوف إلى جانب العراق، مدفوعة هي الأخرى بمخاوف مشابهة من الخطر الإيراني.
استمرت الحرب سنوات ثمانيًا، ولم تنته في أغسطس/آب 1988 إلا بعد أن رأت إيران أنها لم تعد تستطيع الاستمرار في مواجهة الاصطفاف الأميركي إلى جانب العراق. أودت الحرب بما يقارب المليون من الضحايا الإيرانيين والعراقيين، وأوقعت دمارًا هائلًا في جنوب إيران، وفي جنوب العراق ومنطقته الكردية. كما شهدت الحرب أولى محاولات إيران التحكم في الملاحة عبر الخليج وفي مضيق هرمز. ولأن الحرب اندلعت والجمهورية الإسلامية لم تزل تحبو بعد، وأنها أجَّجت من الانقسامات الداخلية في إيران، وشهدت دعمًا واسع النطاق، عربيًّا وغربيًّا، للعراق، وُلِد في إيران اعتقاد بأن الحرب استهدفت وجود الجمهورية نفسه. وهذا ما ولد ما يشبه الإجماع الإستراتيجي في طهران بأن على الجمهورية الإسلامية ألا تسمح مطلقًا بعد اليوم بخوض صراعاتها على أرضها.
هذا المبدأ، مبدأ خوض معارك النفوذ دائمًا على أراضي الغير، هو ما أسَّس لكل سياسات إيران الإقليمية منذ نهاية الحرب مع العراق وحتى انطلاق الحرب الأميركية-الإسرائيلية في أواخر فبراير/شباط الماضي.
عملت إيران خلال عقد إعادة البناء في التسعينات على تهدئة علاقاتها بجوارها العربي-الإسلامي. ولكن، وما إن أتيحت لها فرصة التدخل لاستعادة نفوذها الإقليمي، أو تصفية الحسابات مع الخصوم الفعليين أو المحتملين، حتى اندفعت بكافة قواها لتوكيد موقعها ودورها. عملت إيران على تحول حزب الله في لبنان إلى قوة رئيسة، ليس في مواجهة الإسرائيليين وحسب، ولكن أيضًا في التحكم بقرار الدولة اللبنانية. وما إن وجدت فرصة التدخل في أفغانستان، حتى مدَّت يد العون للأميركيين لإطاحة نظام طالبان، في 2001. وبعد الاحتلال الأميركي للعراق، بذلت إيران كل جهد ممكن لتعزيز نفوذها في بغداد بل والسيطرة على قرار الدولة العراقية الجديدة.
وعندما بدا وكأن حركة الثورة العربية تهدد نظام حلفائها في سوريا، دفعت إيران بقوات الحرس الثوري، والفصائل المسلحة للعديد من القوى الشيعية المختلفة، لإيقاع الهزيمة بالشعب السوري. كما قدمت كل دعم ممكن لمساعدة حكومة المالكي على هزيمة الحراك الشعبي في محافظات الأغلبية السُّنية في العراق. وما إن نجحت قوات الحوثيين في اليمن، التي كانت تربطها علاقات وثيقة بإيران، في الانقلاب على المسار الديمقراطي، حتى تقدمت إيران لتوفير كل دعم ممكن لإحكام السيطرة الحوثية على البلاد، بل ولتهديد الجوار العربي الخليجي.
في أغلب هذه الحالات، كانت طهران ترى أنها تخوض صراعًا ضد الولايات المتحدة وحلفائها العرب، وضد الإسرائيليين، وأنها بخوض هذا الصراع على أراضي العراق ولبنان وسوريا واليمن، فإنما تعمل فعلًا على حماية نفسها وشعبها، وعلى حماية نظام ولاية الفقيه. وهذا ربما ما أسَّس لمبدأ الرد على أي هجوم أميركي أو إسرائيلي في المستقبل، ليس باستهداف المصالح الأميركية والإسرائيلية، وحسب، ولكن أيضًا مصالح حلفاء الولايات المتحدة في الجوار الخليجي.
في الجهة الأخرى، سيما في دول الخليج العربية، عززت الحرب العراقية-الإيرانية من توجهات اللجوء إلى مظلة الحماية الغربية، التي كانت بدأت خطواتها الأولى بكثير من التردد في الخمسينات والستينات، لكن ليس في مواجهة إيران ولكن للتصدي مع إيران خلال حكم الشاه لخطر التمدد الشيوعي أو المد القومي العربي بقيادة جمال عبد الناصر. وما لبثت توجهات الاحتماء بالقوى الغربية أن ازدادت توكيدًا بعد غزو العراق للكويت، في 1990، ليس في مواجهة إيران ولكن في التصدي للعراق خلال حكم صدام حسين.
ولم يكن غريبًا بالتالي أن تقوم إيران، خلال الأربعين يومًا من الحرب الأميركية/الإسرائيلية، من 28 فبراير/شباط إلى 8 أبريل/نيسان، وحتى بعد ذلك، باستهداف دول جوارها العربي جميعها تقريبًا، وبلا هوادة. وحتى تركيا، التي طالما تجنبت إيران الحديثة استعداءها، تعرضت للاستهداف مرتين على الأقل، سواء بغرض التهديد أو إرسال رسالة بالاستعداد للمواجهة. كما أن قيام إيران بإغلاق، وإعلان السيادة على مضيق هرمز، كان في جوهره عملًا مناهضًا للدول العربية المشاطئة للخليج، التي حُرِمت بصورة كلية أو شبه كلية من تصدير النفط والغاز، أو استيراد حاجاتها الضرورية، عبر المضيق، قبل أن يكون أداة ضغط على الاقتصاد العالمي.
تقول إيران إن هجماتها على دول الخليج والأردن استهدفت مراكز تواجد عسكري أميركي، أو استخباراتي إسرائيلي. كما تقول: إن دولة الإمارات شاركت مباشرة في قصف مواقع إيرانية في أوائل أبريل/نيسان، كما دعمت الهجمات الأميركية على موانئ إيران الخليجية، يومي 7 و8 مايو/أيار، عندما عادت الاشتباكات حول مضيق هرمز بين الإيرانيين والأميركيين. ولكن الهجمات الإيرانية استهدفت أيضًا مواقع إنتاج وتصدير نفط وغاز، كما استهدفت في حالاتٍ مواقع توليد طاقة، أو مساكن وفنادق، وقد بدأت هذه الهجمات قبل اتهام إيران للإمارات بالمشاركة في الحرب.
في دول مثل العراق ولبنان، تصرفت إيران وكأنها شريك أساسي في القرار الوطني، بدون كبير اكتراث لنظامي الحكم في الدولتين. في العراق، استخدمت إيران الفصائل الشيعية المسلحة، الموالية لها، لقصف وتهديد أماكن تواجد أميركية داخل العراق، أو مواقع تمركز أميركية في دولة الكويت، أو مراكز تجمع ومقار للجماعات الكردية الإيرانية المعارضة في كردستان العراق. أما في لبنان، فقد دفع حزب الله، أو حرَّض على فتح الجبهة اللبنانية مع إسرائيل لدعم ومساندة الجهد الحربي الإيراني، فقاد إلى توغل إسرائيلي عميق في الجنوب اللبناني، وتدمير أحياء وقرى وبلدات لبنانية بأكملها في الجنوب وفي ضاحية بيروت الجنوبية.
بصورة من الصور، وعلى الرغم من ميراث طويل من التوتر والتدافع، كشفت الحرب الأخيرة عن وقوع كسر في علاقات إيران بجوارها العربي-الإسلامي، سيصعب جبره بالعودة إلى أوضاع ما قبل الحرب.
مستقبل من التعاون أو فقدان اليقين
ليس من الواضح كيف يمكن أن تنتهي الحرب، أو حتى ما إن كانت المواجهة بين إيران، من جهة، وأميركا وإسرائيل، من جهة أخرى، ستتحول إلى مواجهة مديدة، وإن بوتيرة منخفضة، وتحت مستوى الحرب المرتفعة الشدة. ولكن الواضح أن كافة دول المشرق، بما في ذلك إيران، تأمل أن تنتهي هذه المواجهة سريعًا، وأن تنتهي باتفاق يعالج المخاوف التي أثقلت علاقات إيران بجوارها العربي-الإسلامي منذ بدأ الهجوم الأميركي/الإسرائيلي على إيران، وبدأت إيران ردَّها واسعَ النطاق عليه.
الملاحظ أن جدلًا حدث في إيران عن علاقاتها بجوارها حتى قبل أن تنتهي الحرب. وربما كانت محاولات الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، ووزير خارجيته، عباس عراقجي، التقليل من دلالة الهجمات على دول الخليج، والتوكيد على العلاقات الأخوية بين إيران ودول جوارها، أحد تجليات هذا الجدل. المشكلة أن هذا الجدل قد يذهب بإيران إلى واحد من اتجاهين متناقضين كلية. ثمة من يقول في إيران: إن حقائق الجغرافية الدائمة، والروابط الإسلامية والثقافية والتداخل الإثني، والأثر القليل نسبيًّا للهجمات على دول الجوار العربي-الإسلامي، تستدعي ترميم العلاقات مع كافة دول المحيط الإقليمي. وهناك، في المقابل، من يقول: إن الصمود في مواجهة أكبر حرب تعرضت له دولة في المشرق منذ قرن على الأقل يعني أن على دول المنطقة أن تُقِرَّ لإيران بدورها وموقعها، وأن تنصاع بالتالي للإرادة والمطالب الإيرانية.
في الجانب الآخر، لم تواجه إيران أبدًا جبهة موحدة، لا أثناء أسابيع الحرب ولا قبلها. كان ثمة توافق ضمني، مثلًا، بين إيران وكافة دول الخليج على إخراج العراق من الكويت في 1990-1991؛ كما شهدت الحرب الأميركية على العراق، في 2003، تأييد إيران وعدد من دول الخليج لإطاحة النظام العراقي. وحتى في أكثر لحظات التدافع الإيراني حدَّة مع تركيا في سوريا، ومع السعودية في اليمن، ظلت علاقات إيران بقطر وعُمان طبيعية، على الأقل. في الشهور القليلة الماضية، لعبت قطر وعمان دورًا نشطًا في الوساطة لمنع اندلاع الحرب، ولإنهاء الحرب بعد اندلاعها؛ كما أن السعودية، التي رأت أن تصعيد الصراع بين إيران ودول الخليج هو في الحقيقة مطلب إسرائيلي، كما كتب رئيس الاستخبارات السعودية الأسبق، تركي الفيصل في الشرق الأوسط، 9 مايو/أيار، أحجمت عن المشاركة في الرد على الهجمات الإيرانية بالمشاركة في الحرب.
ولكن من الصعب تحقيق إنجاز ملموس في التعامل مع إشكاليات علاقات إيران مع جوارها العربي-الإسلامي من خلال الاقتصار على ربط هذه الإشكاليات بعواقب الحرب الأخيرة، أو تصور النجاح في بناء مناخ من السلم والتعاون في المشرق عبر تعزيز توجهات احتواء عواقب الحرب، وحسب.
يتمحور التفسير الشائع لميراث التوتر الطويل بين إيران وجوارها العربي-الإسلامي، والتصعيد الأخير في الهجمات على دول هذا الجوار، حول علاقات تركيا وأغلب الدول العربية التحالفية مع الولايات المتحدة، التي تُعَد العدو الرئيس لإيران. ولكن الواضح أن الدور الأميركي لا يقدم تفسيرًا كافيًا لسؤال إيران وجوارها. أولًا: لأن التحرك الإيراني في الجوار الخليجي، وفي مواجهة المحور الناصري، وعراق البعث، بدأ عندما كانت إيران في تحالف وثيق مع الولايات المتحدة بل وتعد ركيزة السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. وثانيًا: لأن العلاقات بين إيران الإسلامية والولايات المتحدة لم تتسم دائمًا بالعداء والخصومة. أثناء الحرب العراقية-الإيرانية، حصلت إيران على سلاح أميركي، وإن بصورة غير قانونية. كما أن إيران مدَّت يد العون للولايات المتحدة في غزو أفغانستان، ولم تتردد في دفع حلفائها من القوى العراقية المعارضة لتأييد ودعم الغزو الأميركي للعراق.
أسهمت العلاقات المتناقضة لدول المشرق مع القوى الكبرى في نشوب صراع دول المنطقة، والشواهد على ذلك تعد هذه التناقضات تجليات لخلل أعمق في علاقات هذه الدول ببعضها البعض، وعلاقات إيران بجوارها العربي-الإسلامي، على وجه الخصوص. فالواضح أن إيران الحديثة برزت بوصفها كيانًا مختلفًا ومميزًا عن جوارها، قوميًّا وثقافيًّا وطائفيًّا، وأن هذا الاختلاف والتميز تحول إلى موجات من الاندفاعات الهجومية عندما تقاطع مع ضرورات إيران الإستراتيجية.
هذا ما يستدعي إعادة نظر في علاقات دول المشرق ببعضها البعض، وعلاقات إيران بجوارها العربي-الإسلامي، أشمل وأبعد من ظروف الحرب الأخيرة على إيران، وعواقب هذه الحرب وتفاقماتها. تبرز الحاجة لرؤية مختلفة لمتغيرات النظام الدولي، وتقدير أكثر توازنًا لقوة الولايات المتحدة، ولسلبيات وإيجابيات دورها في المشرق وقضاياه. ما أكدته حرب العامين ونصف من سلسلة الحروب المتتالية منذ الحرب على غزة في 2023، أن الولايات المتحدة، وبغضِّ النظر عن الإدارة التي تقود في البيت الأبيض، تقدم تحالفها مع إسرائيل على علاقاتها مع بقية حلفائها بالمنطقة. كما أن الولايات المتحدة، وعلى الرغم من الترسانة العسكرية الهائلة التي تحتفظ بها، لم تستطع حماية دول المنطقة من الهجمات الإيرانية، أو لم ترغب في ذلك.
كما أن ثمة حاجة لا تقل إلحاحًا لأن تُعيد إيران تصورها لذاتها، لموقعها في المشرق العربي-الإسلامي، وعلاقاتها بدول جوارها الإقليمي. ما يجمع إيران بهذا الجوار أكبر وأعمق وأبعد أثرًا مما يفرقها؛ وليس هناك من هموم إستراتيجية ومخاوف لا يمكن التوافق عليها إقليميًّا بدون اللجوء إلى التدخل العسكري والهيمنة. وفي حسابات القوة البحتة، من المستبعد أن تخرج إيران منتصرة، مهما بلغت من قوة في صراع طويل مع جيرانها. قد يدل على ذلك ما آلت إليه الأوضاع في سوريا، عندما لم يمنع وجودها العسكري سقوط نظام حليفها، بشار الأسد.
برزت بوضوح الحاجة لتشكل نظام سياسي-أمني إقليمي لدول المشرق، لا يستبعد طرفًا من مكوناته، ولا تقوم دولة من دوله باتباع سياسة تدفع بقية الأعضاء إلى إقصائها من المشاركة في ترتيبات النظام الإقليمي الجديد.