البرامج التلفزيونية الترفيهية وانعكاساتها على الهوية الثقافية لدى الشباب التونسي: قناتا "الحوار التونسي" و"التاسعة" نموذجًا

(الجزيرة)

موضوع الدراسة وسياقها

تتناول هذه الأطروحة إشكالية العلاقة بين البرامج التلفزيونية الترفيهية والهوية الثقافية لدى الشباب التونسي في سياق التحولات العميقة التي يشهدها المجال الإعلامي بفعل التطور الرقمي وانتشار المنصات الاجتماعية. فقد أدت هذه التحولات إلى تغير أنماط استهلاك المحتوى الإعلامي، وأعادت تشكيل علاقة الجمهور، ولا سيما الشباب، بوسائل الإعلام التقليدية، في وقت ما يزال فيه التلفزيون يحتفظ بحضور مؤثر داخل الفضاء العمومي والأسري.

وتنطلق الدراسة من ملاحظة استمرار البرامج التلفزيونية الترفيهية في أداء دور مهم في تشكيل التصورات والقيم والتمثلات الاجتماعية، بالتوازي مع تزايد المنافسة التي تفرضها المنصات الرقمية. وفي هذا الإطار، تسعى الباحثة إلى استكشاف طبيعة المضامين الترفيهية التي تقدمها القنوات التلفزيونية الخاصة في تونس، ومدى انعكاسها على إدراك الشباب لهويتهم الثقافية ومكونات انتمائهم الحضاري والاجتماعي.

أهمية الدراسة

تستمد الدراسة أهميتها من تقاطع ثلاثة موضوعات رئيسة تتمثل في الإعلام والهوية والشباب. فالشباب يمثلون الفئة الأكثر استهلاكًا للمحتوى الإعلامي الرقمي والتلفزيوني في الوقت نفسه، كما أن مسألة الهوية الثقافية تكتسب أهمية متزايدة في ظل الانفتاح الإعلامي العالمي وتدفق المضامين العابرة للحدود.

وتبرز أهمية الدراسة أيضًا من تركيزها على البرامج الترفيهية، وهي من أكثر المضامين التلفزيونية انتشارًا وتأثيرًا، ومن أقلها تناولًا في الدراسات المرتبطة بالهوية الثقافية مقارنة بالمضامين السياسية أو الإخبارية. كما تسهم الدراسة في فهم الكيفية التي يدرك بها الشباب الجامعي الرسائل الإعلامية المرتبطة بالثقافة والانتماء، ومدى توافق هذه الرسائل مع تصوراتهم الذاتية عن الهوية التونسية.

الإشكالية وتساؤلاتها

تتمحور إشكالية الدراسة حول مدى قدرة البرامج التلفزيونية الترفيهية على تمثيل الهوية الثقافية التونسية والتعبير عن مكوناتها المختلفة، ومدى توافق هذه الصورة الإعلامية مع تصورات الشباب الجامعي وتطلعاته الثقافية.

وينبثق عن هذه الإشكالية عدد من التساؤلات المتعلقة بطبيعة المضامين الثقافية التي تقدمها البرامج الترفيهية، وكيفية تمثيلها للانتماء الثقافي والحضاري، ومدى إدراك الشباب لهذه المضامين وتأثرهم بها، إضافة إلى استكشاف العلاقة بين البعد الترفيهي والبعد الهوياتي في الخطاب التلفزيوني المعاصر.

المنهج والإطار النظري

اعتمدت الدراسة مقاربة متعددة التخصصات جمعت بين علوم الإعلام والاتصال وعلم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي، انطلاقًا من الطبيعة المركبة لموضوع الهوية الثقافية. واستفادت من عدد من النظريات الإعلامية، وفي مقدمتها نظريات التلقي والاستخدامات والإشباعات والتمثلات الاجتماعية، لفهم أنماط استهلاك الشباب للمحتوى التلفزيوني وآليات تفسيرهم للرسائل الإعلامية.

كما استندت الدراسة إلى تحليل مضامين البرامج الترفيهية في قناتي "الحوار التونسي" و"التاسعة"، وربط نتائج هذا التحليل بتمثلات الشباب الجامعي في جامعات تونس المنار وقرطاج ومنوبة، بما يسمح بفهم العلاقة بين المحتوى الإعلامي المتداول وإدراك الجمهور المستهدف لقضايا الهوية والانتماء.

أبرز النتائج

أظهرت الدراسة وجود فجوة واضحة بين صورة الهوية الثقافية التي تقدمها البرامج الترفيهية محل الدراسة وبين تصورات الشباب الجامعي للهوية التونسية. فقد بيّنت النتائج أن المضامين الترفيهية تركّز بدرجة كبيرة على عناصر الجذب الجماهيري والإثارة التجارية، في حين يحضر البعد الثقافي والهوياتي حضورًا محدودًا أو شكليًا في كثير من الحالات.

وكشفت الدراسة أن العناصر المرتبطة بالتراث والثقافة المحلية تظهر غالبًا في صورة إشارات رمزية أو توظيفات ظرفية لا ترتقي إلى مستوى التعبير العميق عن الخصوصية الثقافية للمجتمع التونسي. كما أظهرت النتائج أن الشباب الجامعي لا يجد في هذه البرامج فضاءً يعكس بصورة كافية تصوراته عن الهوية أو يلبي حاجاته الثقافية المرتبطة بالانتماء والخصوصية الحضارية.

وتوصلت الدراسة كذلك إلى أن الاعتبارات التسويقية والاقتصادية أصبحت عاملًا مؤثرًا في بناء المحتوى الترفيهي، الأمر الذي انعكس على طبيعة الرسائل الإعلامية المقدمة وعلى مستوى تمثيلها للموروث الثقافي والقيمي للمجتمع التونسي.

الخلاصات والتوصيات

تخلص الدراسة إلى أن العلاقة بين البرامج التلفزيونية الترفيهية والهوية الثقافية لدى الشباب التونسي تتسم بقدر من التباعد بين ما تقدمه المؤسسات الإعلامية وما ينتظره الجمهور الشبابي من مضامين تعزز انتماءه الثقافي وتعبّر عن خصوصيته الحضارية. وتؤكد النتائج أن تحقيق التوازن بين الوظيفة الترفيهية والوظيفة الثقافية يمثل أحد التحديات الرئيسة أمام القنوات التلفزيونية الخاصة.

وتوصي الدراسة بإيلاء اهتمام أكبر للمضامين الثقافية والتراثية ضمن البرامج الترفيهية، وتطوير صيغ إعلامية قادرة على الجمع بين الجاذبية الجماهيرية والعمق الثقافي. كما تدعو إلى توسيع نطاق البحوث المستقبلية لتشمل فئات اجتماعية أوسع من الشباب التونسي، وإلى إجراء دراسات مقارنة تتناول دور المنصات الرقمية ووسائل الإعلام الجديدة في تشكيل الهوية الثقافية وتمثيلها، بما يسمح بفهم أكثر شمولًا للتحولات الجارية في المجال الإعلامي والثقافي التونسي.

تنويه:

  • تعبّر الآراء الواردة في هذا البحث عن وجهة نظر صاحبها.
  • يمكن الاطلاع على البحث كاملًا عبر هذا الرابط.
  • ترسل رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه إلى العنوان التالي: ajcs-publications@aljazeera.net
  • النشر في باب "أطروحات جامعية" على موقع مركز الجزيرة للدراسات لا يحول دون قيام الباحثين بنشر رسائلهم وأطروحاتهم لاحقًا في أماكن أخرى وبصيغ مختلفة، بما في ذلك نشرها في هيئة كتاب.

ABOUT THE AUTHOR