إيران وإسرائيل: نحو تغيير قواعد الاشتباك الإقليمي

اندلعت موجة جديدة من القتال بين إيران وإسرائيل، لكن هذه المرة من أجل لبنان، وبخلاف حسابات الرئيس الأميركي ترامب، وقد ينشأ عنها قواعد اشتباك إقليمية جديدة.
8 June 2026
إيران تنتقل من الرد إلى المبادرة العسكرية (EPA)

شنَّت إيران ضربات صاروخية على شمال إسرائيل، في 7 يونيو/حزيران 2026، ردًّا على الهجمات الإسرائيلية على مناطق لبنانية، كانت إيران حذَّرت إسرائيل سابقًا من مهاجمتها؛ لأنها تَعُدُّ ذلك انتهاكًا للهدنة المتفق عليها مع الولايات المتحدة التي شملت الحرب الإسرائيلية على لبنان. طلب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الامتناع عن الرد؛ لأن الضربات الإيرانية، حسبه، لم توقع خسائر بشرية، وأن الرد سيطلق موجة قتال جديدة قد تمتد فترة طويلة، وأن هذه الموجة لن تجدي الطرفين، الإيراني والإسرائيلي، ثم إن الولايات المتحدة وإيران تقتربان من التوصل إلى اتفاق يضع نهاية للحرب. لكن القيادة الإسرائيلية قررت الرد، فشنَّت هجمات جوية على مواقع إيرانية، وتوعدت إيران بالرد عليها.

خطوط حمراء ناشئة

هذه المرة الأولى في جولات القتال الإيرانية-الإسرائيلية التي تشن إيران ضربات على إسرائيل من أجل دولة أخرى، هي لبنان، ويعد ذلك لحظة قد تكون فارقة في توازنات منطقة الشرق الأوسط. كانت إسرائيل منذ فترة طويلة، خاصة بعد معاهدة السلام مع مصر في نهاية السبعينات من القرن الماضي، تشن عمليات عسكرية، تسميها استباقية، على الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية ودول الجوار دون اعتراض عسكري من دول أخرى، وكانت إسرائيل تسمي هذا الوضع حرية العمل، فلم تكن تلتزم بالقانون الدولي أو احترام سيادة الدول، وكانت القوى الغربية ترفدها بالقدرات العسكرية والمالية والتحصين السياسي. وكان بنيامين نتياهو يتطلع إلى أن تتسع هذه العقيدة العسكرية في عهده لتشمل كامل دول منطقة الشرق الأوسط؛ وقد سعى إلى تطبيقها على إيران عندما كان يهاجم في البداية مواقعها العسكرية أو الدبلوماسية خارج إيران، ثم شرع يهاجم مواقع داخل إيران، ثم قرر مهاجمة منشآتها النووية مع الولايات المتحدة، في يوينو/حزيران 2025، ثم عاود الكَرَّة في الهجوم على إيران، في 28 فبراير/شباط 2026. وقد حسب أن هذه الضربات المتتالية ستجعل إيران تعتاد على الهجمات الإسرائيلية دون ردٍّ كما اعتادت دول مجاورة لإسرائيل. لكن هذه التقديرات أخفقت، عندما حوَّلت إيران الحرب إلى مصيدة للولايات المتحدة، واغتنمتها للضغط عليها حتى تقيد الهجمات الإسرائيلية ليس على إيران مستقبلًا فقط بل كذلك في الهجوم على لبنان.

أوقع الهجوم الإيراني على شمال إسرائيل، القيادة الإسرائيلية في مأزق؛ فإما أن تمتنع عن الرد تلبية لطلب ترامب فيصير ردعها هشًّا ويصاب نتنياهو بخسارة سياسية قد تكلفه خسارة الانتخابات التشريعية، في سبتمبر/أيلول 2026. أو يخالف طلب ترامب، ويشن هجمات على إيران، لكنه يخاطر بخوض الحرب لوحده دون دعم أميركي كما جرت العادة، وقد يضطر ترامب إلى استعمال عدة أوراق لتقييده حتى يوقف هذه المواجهة العسكرية.

 خطوط الصدع

أوقع الرد الإسرائيلي ترامب نفسه في مأزق، فهو من جهة يريد لهذه الموجة أن تتوقف؛ لأنه يريد التهدئة مع إيران حتى يخفض تكاليف الصدام الجاري معها، فيتمكن من تسوية عدد من القضايا الداخلية بأقل التكاليف، مثل كأس العالم، وانتخابات التجديد النصفي، ويخشى من أن تؤدي عودة الحرب إلى زيادة الرفض الشعبي الأميركي لها، واعتبارها حربًا بالنيابة عن إسرائيل، وارتفاع أسعار الطاقة التي أضرَّت بحياة فئات واسعة من الأميركيين. لكن من جانب آخر يواجه ترامب ضغوطًا هائلة من حلفاء إسرائيل في الولايات المتحدة مثل نواب من الجمهوريين، واللوبي الإسرائيلي، ويريدون منه دعم إسرائيل في التصدي لإيران.

يكشف الهجوم الإسرائيلي الجديد على إيران تعارض المصالح بين ترامب ونتنياهو؛ لأن ترامب يريد التهدئة لخفض خسائره المحتملة في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، لكن في المقابل يريد نتنياهو الهجوم على إيران للظهور بمظهر القائد الصلب الذي يحمي إسرائيل من أعدائها، ويقدم حمايتها على الاعتبارات الخارجية، حتى وإن كانت مصالح الرئيس ترامب الذي ظل نتيناهو يشيد به كأفضل صديق حظيت به إسرائيل في تاريخها. هذا التضارب في المصالح السياسية حقيقي؛ لأن الرجلين يخشيان من أن تؤدي خسارتهما السياسية إلى المثول أمام المحاكم في قضايا قد تودي بهما إلى السجن. لكن قد يكون هذا الخلاف مؤقتًا إذا تمكَّنا من الفوز سياسيًّا بعد الانتخابات، فيعودان مجددًا للعمل المشترك على إنهاك إيران عسكريًّا واقتصاديًّا.

في الوقت الراهن، قد يتفادى ترامب مشاركة إسرائيل في الهجوم على إيران؛ فتقاتل إسرائيل وحيدة، وقد يتكرر بذلك سيناريو الولايات المتحدة في اليمن، لما شاركت في البداية إسرائيل في قتال الحوثيين، ثم عقدت اتفاقًا انفراديًّا مع الحوثيين على وقف القتال، فتركت الحوثيين يواصلون هجماتهم على إسرائيل وعلى السفن المتجهة إلى إسرائيل عبر باب المندب. ولعل هذا الاحتمال هو الأرجح حاليًّا، وقد يتغير إذا فاز الجمهوريون بانتخابات التجديد النصفي.

الكفة الإيرانية

تميل كفة المواجهة الحالية لصالح إيران؛ لأن إسرائيل تعاني من عدة قيود تحول دون قدرتها على مواصلة القتال لوحدها لفترة طويلة. تحتاج أولًا إلى دعم أميركي بالذخائر وصواريخ الدفاعات الجوية، وقد وردت تقارير عديدة عن انخفاض شديد لمخزون الولايات المتحدة من المقذوفات الضرورية للمنظومات الدفاعية. وقد يمتنع ترامب عن دعم نتنياهو الذي رفض طلبه وقرر مهاجمة إيران، بل قد يعمل على تقييده من خلال حرمانه من موارد يحتاجها في مواجهة إيران. وقد يقرر الحوثيون إغلاق باب المندب لزيادة الضغط الاقتصادي على الولايات المتحدة من جهة وخفض الإمدادات المتجهة إلى إسرائيل، فتزداد نقمة ترامب على نتنياهو.

إذا نجحت إيران في هذه الجولة في أن تفرض على إسرائيل وقف هذه الموجة من القتال ووقف هجماتها على لبنان، تكون قد أنشات قاعدة جديدة في الشرق الأوسط، وهي تضييق مجال حركة إسرائيل في الجبهة اللبنانية، وقد تنتقل من ذلك إلى فرض نفس القيد على الهجمات الإسرائيلية المتكررة على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة. وخلف ذلك، ستشرع إسرائيل في الاعتياد على التحرك ضمن الخطوط الحمراء التي ستحددها إيران.

وإذا نجحت إيران في فك الارتباط بين الولايات المتحدة وإسرائيل، أو جعلهما تنقلبان على بعضهما، ستكون أيضًا لحظة فارقة، قد تكون شبيهة بلحظة السويس لما أمر الرئيس الأميركي، دوايت أيزنهاور، إسرائيل وبريطانيا وفرنسا بوقف هجومها على مصر. ويترتب على هذا التباعد، إن تحقق، إلحاق خسارة سياسية كبيرة ببنيامين نتنياهو الذي ظل يتفاخر بأنه القائد الإسرائيلي الذي عرف كيف يضمن دعم القادة الأميركيين للخطط الإسرائيلية، واهتزاز إضافي لثقة الإسرائيليين في الدعم الأميركي الذي يعد الركيزة الرئيسية لأمن إسرائيل وتحصينها من المساءلة الخارجية.

شبح العزلة الإقليمية مجددًا

إذا اجتمع الاثنان: اعتياد إسرائيل على الخطوط الحمراء الإيرانية وتصدع علاقتها مع الولايات المتحدة، قد يجعلان دول منطقة الشرق الأوسط تعيد حساباتها القائمة على أن إسرائيل قوة قاهرة لا يمكن التغلب عليها، فمن الأجدى التعاون معها بل والتودد إليها. وكذلك اعتبار إسرائيل الممر المثالي إلى الولايات المتحدة للحصول على الحماية الأميركية. فإذا لم تعد إسرائيل قاهرة بل مقهورة، ولم تعد الشفيع المثالي في البيت الأبيض والكونغرس، قد تعيد دول المنطقة حسابات التطبيع والتعاون معها؛ لأن تكاليف ذلك مرتفعة بمقياس انتهاكات القانون الدولي والجرائم في المناطق الفلسطينية والاعتداءات على دول الجوار، بينما الفوائد المرتجاة صارت متدنية أو منعدمة، فتنحسر موجة التطبيع، وتقع إسرائيل مجددًا في عزلة شديدة، تكشف إخفاقها الإستراتيجي في المراهنة على الانتصارات العسكرية للاندماج السياسي في المنطقة.

ABOUT THE AUTHOR