مفاوضات مذكرة التفاهم: الأوجه العديدة للوساطة القطرية

لعبت قطر دور الوسيط الفعلي بين الولايات المتحدة وإيران في التوصل إلى مذكرة التفاهم، وقد لجأ البلدان إليها لأنها تتمتع بمواصفات تجعل تكلفة التحول من منطق التصعيد إلى منطق التنازلات أقل وعائدها أكبر.
18 June 2026
زيارة وفد التفاوض الإيراني للدوحة (الصحافة الإيرانية)

أشادت الولايات المتحدة وإيران وباكستان وبريطانيا بدور قطر في الوساطة بين إيران والولايات المتحدة وإسهامها الرئيسي في توصلهما إلى مذكرة التفاهم التي تضع البلدين على طريق إنهاء الحرب والتسوية النهائية للملفات الخلافية بينهما. يعزز هذا النجاح دور الوساطة القطري الذي بنى سمعته على نجاحات سابقة في ملفات شائكة مثل الوساطة بين طالبان والولايات المتحدة التي أنهت الوجود الأميركي في أفغانستان، والوساطة بين إسرائيل وحماس التي أنهت الحرب الإسرائيلية على غزة. وكانت كل وساطة ناجحة تزيد من الطلب على قطر في وساطات تالية، وتقلِّل من جاذبية وساطات أخرى. وقد يؤدي نجاح هذه الوساطة إلى زيادة الطلب على الوساطات القطرية مستقبلًا في منطقة تعج بالنزاعات المسلحة.

سلاح الوساطة

لم تكن قطر الوسيط الرسمي في المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة بل كانت باكستان لكنها كانت الوسيط الحاسم الذي تولى التقريب بين الطرفين في اللحظات الحرجة لمَّا قضى الوفد القطري، في 11 يونيو/حزيران 2026، نحو 17 ساعة من المفاوضات، في طهران للتوصل إلى الصيغة النهائية.

لم تتولَّ قطر الوساطة الرسمية منذ البداية لأنها رفضت أن تتوسط لإنهاء الحرب بينما كانت إيران تقصف الأراضي القطرية. وقد استعملت حاجة البلدين لوساطتها لتستعملها ورقةَ ضغط تلزم البلدين بالامتناع عن جعل قطر ساحة لحربهما، وقد نجحت في وقف الهجمات على أراضيها، منذ بداية شهر أبريل/نيسان 2026.

هذا يبيِّن أن الوساطة ليست عملًا خيريًّا محضًا بل هي إحدى أدوات الردع التي تستعملها قطر لحماية أمنها؛ لأن الحاجة إلى وساطتها ليست أمرًا ثانويًّا بل هي دور تحتاجه إيران والولايات المتحدة لأنهما لم يعودا يتحملان مواصلة الإضرار ببعضهما، وإذا لم تتوسط قطر، فسيضطران إلى مواصلة القتال أو مواصلة الجمود المكلف أيضًا، ويتحملان مزيدًا من الأعباء. يمكن قياس أهمية الوساطة من خلال الخسائر التي كانت إيران والويلات المتحدة ستتكبدانها لو لم تجنبهما إياها الوساطة القطرية.

وظَّفت قطر هذه الحاجة لحماية أمنها برفضها لعب دور الوساطة لما كانت إيران تقصف أراضيها ومنشآتها؛ فتوقفت إيران بعد ذلك عن القصف لأنها كانت محتاجة إلى الوساطة القطرية. ووظفت أيضًا حاجة الولايات المتحدة إلى وساطتها لإقناع ترامب بالإمتناع عن مهاجمة إيران كما توعد، في 18 مايو/أيار 2026. وقد كتب ترامب على منصة تروث سوشيال أنه لن يهاجم إيران كما توعد استجابة لطلب أمير قطر، الشيخ تميم، وولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، ورئيس الإمارات، محمد بن زايد؛ لأن "المفاوضات الجارية حاليًّا جدية".

تستعمل قطر منع وقع الهجوم الأميركي على إيران لتحقيق أربعة مكاسب: المكسب الأول هو إعطاء ترامب بديلًا أقل تكلفة وخطرًا من الهجوم العسكري، وتحصل قطر في المقابل على امتنان ترامب. والمكسب الثاني، هو منع تعرض إيران لهجوم عسكري سيكون مكلفًا ويقتضي من الإيرانيين الرد، وقد يؤدي الرد إلى ردٍّ أميركي، ويدخل البلدان في دوامة مواجهة عسكرية، ستوقع أضرارًا هائلة بإيران، وتحصل قطر في المقابل على امتنان إيران. والمكسب الثالث، هو حماية دول الخليج من عودة المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة، وعودة إيران بذلك إلى مهاجمة الدول الخليجية ومواصلة إغلاق مضيق هرمز الذي تحتاج دول الخليج إلى فتحه لتصدير الطاقة، وتحصل مقابل ذلك على امتنان دول الخليج. والمكسب الخامس، هو حاجة قطر إلى إنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز حتى تستأنف تصدير الطاقة.

خيار التفاوض الذي تعرضه قطر يمنحها قوة في منع خيار الحرب؛ لأن مختلف الأطراف لم تعد تتحمل تكلفتها، لكنها لا تستطيع في نفس الوقت الانتقال من الحرب إلى التفاوض؛ لأن لكل خيار مقتضيات تكاد تكون متناقضة، ولا يمكن تجاوزها إلا لوسيط يتصف بخصائص يكون من النادر اجتماعها معًا. وقد اضطرت دول عديدة خلال التاريخ إلى مواصلة القتال من أجل القتال فقط لأنها لم تجد الوسيط الذي يوفر لها خيار التنازل مع حفظ ماء الوجه.

من التصعيد إلى التنازلات

منطق الحرب هو التصعيد والمزايدة والإخضاع بالقوة ورفض التنازلات، والوعيد بأن الخصم سيلقى ردًّا أشدَّ على أفعاله. لكن منطق الوساطة هو التنازلات، ووقف التصعيد. والمشكلة التي تواجه إيران والولايات المتحدة هي الانتقال من منطق التصعيد إلى منطق التنازلات لكن دون الظهور بمظهر الضعيف أو المنهزم أو تصوير ذلك بأنه تنازلات. ولا يستطيعان القيام بذلك بمفردهما، لأن مجرد جلوسهما مع بعض قد يبدو انهزامًا أو تسليمًا أو ضعفًا، وسيصيب شعبيهما بصدمة لأنه يخالف خطاب التصعيد السائد. وليس كل من يتقدمون للوساطة يتصفون بالصفات اللازمة التي تحقق هذا الانتقال من منطق التصعيد إلى التنازلات.

الصفة الأولى للوسيط التي تتفوق بها قطر على غيرها، هي الوصول إلى أصحاب القرار في الجهتين وتمتعها باحترامهما. نسجت قطر شبكة علاقاتها مع صنَّاع القرار في إيران والولايات المتحدة منذ فترات طويلة، فحظيت بعلاقات وثيقة ناتجة عن تشابك المصالح والثقة في التعامل. من جهة إيران، تتشارك قطر مع إيران مصلحة حيوية فهما تتقاسمان حقل نفط بحري مشتركًا منذ عقود، وظلت قطر تدعو دائمًا إلى علاقات ودية مع إيران، ورفضت نهائيًّا اعتبارها عدوًّا، رغم الضغوط المتكررة عليها. وقد كان أحد أسباب الحصار المفروض على قطر، في 2017، هو علاقاتها الحسنة مع إيران، وقد طالبتها دول الحصار بتغيير ذلك. في المقابل، وقفت إيران بجانب قطر في الحصار، ووفرت لها شريانًا يمدها بالمواد الضرورية التي تحتاجها. وقد نتج عن ذلك تعارف بين قيادة البلدين واحترام متبادل. في المقابل، يربط بين قطر والولايات المتحدة تعاون عسكري وثيق، وأعانت قطر الولايات المتحدة على إنهاء حروب كبَّدت الويلات المتحدة تكاليف باهظة مثل حرب أفغانستان وحرب غزة. ونجد بعض هذا الاعتراف بمكانة قطر في الولايات المتحدة في الأمر التنفيذي الرئاسي الصادر من البيت الأبيض الذي يَعُدُّ الهجوم المسلح على قطر تهديدًا لأمن الولايات المتحدة نفسها.

لا توجد دولة في منطقة الشرق الأوسط أو غيرها تتفوق على قطر في هذه الصفات. لا تتمتع باكستان -الوسيط الرسمي- بهذه الصفات؛ لأن الاحتكاكات العسكرية الحدودية بين إيران وباكستان متتالية، وتتهم كل دولة الدولة الأخرى بانتهاك سيادتها والإضرار بأمنها. وينتج عن ذلك بلا شك نوع من التوجس والشك في النوايا.

العامل الثاني: يقوِّي الثقة في الوسيط أنه صاحب مصلحة في إنهاء الحرب سريعًا لأن استمرارها يضره كما يضر الطرفين المتحاربين. هذا وضع قطر؛ تريد إنهاء الحرب في أقرب وقت؛ لأنها تحتاج إلى إعادة فتح مضيق هرمز حتى تستأنف تصدير الطاقة الذي يُعد المصدر الرئيسي لدخل البلاد، وتمنع في نفس الوقت تضرر حقولها التي تحتاج إخراج الغاز المسال لإفساح المجال لكميات أخرى قيد التسييل، وإذا توقف إخراج الغاز المسال تضطر الشركة إلى إحراقه فتكون الخسارة اقتصادية، وإذا طالت فترة الإحراق قد تضطر الشركة إلى وقف التسييل، وقد يؤدي ذلك إلى ضغط عكسي على البنية التحتية ويعرِّضها للتلف. علاوة على أن إطالة فترة وقف التصدير، قد تجعل زبائن قطر يبحثون عن مصادر جديدة لاستيراد الغاز، فتنحسر سوق التصدير القطرية، قتتأثر مداخيلها من الطاقة.

الصفة الثالثة في الوسيط أن يكون ضامنًا للاتفاقات المتدرجة بين إيران والولايات المتحدة؛ لأن كل طرف يخشى من أنه قد يوافق على تقديم تنازل لكن الطرف الثاني لا يلتزم بتنفيذ تعهده. تتمتع قطر بهذه الصفة؛ لأن بعهدتها أموالًا إيرانية تبلغ نحو 6 مليارات دولار، تحوَّلت إليها من كوريا الجنوبية. وقد كان هذا التحويل شرطًا إيرانيًّا لعقد صفقة تبادل السجناء بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، في 2023. وكانت هذه الأموال هي مقابل النفط الذي حصلت عليه كوريا الجنوبية من إيران.

يدل اشتراط إيران أن تكون أموالها في عهدة قطر وقبول الولايات المتحدة ذلك على ثقة الطرفين في قطر، والتزامها بتنفيذ التعهدات المقطوعة من الجانبين وثقتهما في أنها لن تخضع لضغوطات أيٍّ منهما.

ضمانة قطر للأموال الإيرانية يجعلها وسيطًا فريدًا دون منافس. تثق إيران في أنها ستحصل على أموالها إذا حصل توافق على ذلك، وتثق إدارة ترامب في أن تكون قطر الجهة التي ترفع عنها حرج الاعتراف بمنح إيران أموالًا مقابل الاتفاق؛ لأن ترامب عاب على أوباما أنه وافق في الاتفاق النووي، 2015، على حصول إيران على الأموال مقابل توقيعها الاتفاق، ولا يريد أن يبدو مثل أوباما.

الصفة الرابعة: قدرة قطر على تشكيل توافق خليجي واسع يساند الاتفاق، وقد حققت ذلك، فلقد أشركت جيرانها الخليجيين خاصة الإمارات في جهود الوساطة وإقناع ترامب بالامتناع عن مهاجمة إيران مجددًا. وقد كانت الإمارات تدعو في البداية إلى موقف خليجي متشدد من إيران. وقد تكون زيارة الأمير تميم للإمارات، في 31 مارس/آذار 2026، ولقاؤه رئيس الإمارات، محمد بن زايد، تصب في مسعى تغليب كفة وقف الحرب بالوساطة؛ لأن الدفع إلى تصعيد الحرب ومواصلتها سيضر دول المنطقة قبل غيرها، ويبدو أن هذا الجهد أثمر في تحول الموقف الإماراتي نحو الدفع نحو الاتفاق. لا تتمتع باكستان بهذه الصفة؛ لأنها قد لا تكون تحظى بالثقة اللازمة من الإمارات، كما اتضح من استرداد الإمارات وديعة 3.45 مليارات دولار على دفعتين خلال أسبوع في النصف الثاني من شهر فبراير/شباط 2026، من بنك الدولة الباكستاني بعد تولي باكستان مباشرة دور الوساطة بين إيران والولايات المتحدة. وقد أوردت الفايننشيال تايمز أن هذا تعبير عن التذمر الإماراتي من الدور الباكستاني لكن السلطات الباكستانية أعلنت أنه إجراء روتيني لا يحمل دلالات سياسية.

خط الرجعة المثالي

قد يكون إسهام قطر الرئيسي في التوصل إلى مذكرة التفاهم بداية مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة تُنهي الحرب نهائيًّا. لكن حتى لو أخفق البلدان في المفاوضات وعادا مجددًا إلى التصعيد والصراع، سيتكبدان مجددًا خسائر كبيرة تجعل استمرار الحرب أقل جدوى من وقفها وإنهائها ويحتاجان مجددًا إلى وسيط يتصف بمواصفات تجعل الانتقال من منطق التصعيد والمزايدة إلى منطق التنازلات منخفض التكاليف ومرتفع العائد ومضمون النتائج. ولا يوجد وسيط يتمتع بهذه الصفات في الوقت الحالي مثل قطر.

ABOUT THE AUTHOR