تمهيد
يشكل قانون البحار أحد أكثر فروع القانون الدولي العام تطورًا من حيث البنية الاتفاقية والفقهية، لأنه ينظم الفضاء البحري بوصفه مجالًا للاختصاص السيادي من جهة، وللاستخدام الدولي المشترك من جهة أخرى(1). وقد تطور هذا الفرع من القانون عبر مسار طويل انتقل من الأعراف البحرية التقليدية إلى تقنينات دولية متعاقبة، كان أبرزها اتفاقيات جنيف لعام 1958، ثم اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي أصبحت الإطار المرجعي الأهم لتنظيم البحار والمحيطات والمضايق الدولية(2).
تبرز أهمية دراسة المضايق الدولية داخل هذا البناء القانوني بسبب الطبيعة الخاصة للممرات البحرية. فهي ليست مجرد أجزاء من البحر الإقليمي للدول المشاطئة، بل تمثل أيضًا شرايين ملاحة دولية لا غنى عنها لحركة التجارة والطاقة والاتصالات العسكرية والإستراتيجية بين الأقاليم البحرية المختلفة(3). من هنا، نشأ التوتر الدائم بين مبدأ السيادة الإقليمية للدول الساحلية ومبدأ حرية الملاحة الدولية، وهو التوتر الذي سعت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 إلى تسويته من خلال وضع نظام قانوني خاص للمضايق المستخدمة للملاحة الدولية.
تكتسب هذه الإشكالية بُعدًا أشد حساسية عند تطبيقها على مضيق هرمز، بالنظر إلى مكانته الجيوستراتيجية ودوره المحوري في نقل نسبة كبرى من تجارة النفط والغاز العالمية، فضلًا عن تمركزه في بيئة إقليمية مشحونة بالنزاعات المسلحة والاستقطابات الدولية(4). لذلك، فإن تحليل الوضع القانوني لمضيق هرمز لا يقتصر على عرض نصوص الاتفاقيات وحسب بل يتطلب أيضًا فحصًا دقيقًا لكيفية تنزيل تلك النصوص على الوقائع وبيان مدى مشروعية القيود أو التهديدات أو محاولات الإغلاق التي قد تصدر عن الدول المشاطئة أو القوى المُتحاربة.
سنسلك في هذه الدراسة مسارًا متدرجًا يبدأ من تأصيل الإطار المعياري الناظم لقانون البحار والمضايق الدولية، مرورًا بتحديد الموقع القانوني الخاص لمضيق هرمز ضمن هذا الإطار، وصولًا إلى تحليل الإستراتيجيات القانونية التي تعتمدها الدول المشاطئة، وفي مقدمتها إيران، وما يرافقها من ضغوط وعقوبات خارجية ومحاولات فرض رسوم عبور على السفن. تبعًا لذلك تنقسم هذه الورقة إلى أربعة محاور:
المحور الأول: ضبط البنية العامة لقانون البحار ورصد تطور نظام المرور البريء والمرور العابر.
المحور الثاني: تطبيق هذه القواعد على مضيق هرمز من حيث وصفه القانوني وحدود سيادة الدول المشاطئة.
المحور الثالث: التكييف القانوني لسلوك إيران والولايات المتحدة، بما في ذلك إدارة المرور وفرض الرسوم والعقوبات.
المحور الرابع: استشراف السيناريوهات المحتملة لمستقبل النظام القانوني للمضيق بعد انتهاء الترتيبات المؤقتة الراهنة في ضوء الفقه والقضاء الدوليين.
مقدمة
عند استعراض تاريخ قانون البحار، نجد أنه لم يتطور في فراغٍ مِعياري محايد بل تشكل في بداياته على وقع صراع القوى البحرية الصاعدة في أوروبا الحديثة، من أطروحات "بحر مفتوح" (mare liberum)لهوغو غروتيوس، دفاعًا عن مصالح الهولنديين، إلى أطروحات "بحر مغلق" (mare clausum) التي عبَّرت عن منطق الاحتكار البحري للقوى الاستعمارية الكبرى(5).
ورغم أن التقنين المعاصر، خاصة بعد 1958 و1982، أعاد صياغة كثير من هذه المعادلات في شكل قواعد تعاقدية أكثر توازنًا، فإن البنية التاريخية للقانون ظلَّت متأثرة بمنطق توسيع الاختصاص البحري للدول الأقوى، قبل أن تدخل الدول النامية والدول الساحلية الجديدة على خط التفاوض لإعادة توزيع "حيز البحر" قانونيًّا. بهذا المعنى، يمكننا القول: إن قانون البحار يحمل في أصله بصمة "منطق المنتصرين والقوى البحرية الاستعمارية". لكن مسار التدويل اللاحق واتساع دائرة الأطراف في اتفاقية 1982 أدَّيا إلى تلطيف هذا المنطق وإدماج اعتبارات المساواة السيادية والتنمية و"تراث الإنسانية المشترك" في النظام القانوني البحري(6).
البنية العامة لقانون البحار والاتفاقيات الحاكمة
تأسس التنظيم الحديث لقانون البحار على مرحلتين رئيسيتين. تمثلت المرحلة الأولى في اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1958، التي تناولت البحر الإقليمي والمنطقة المتاخمة وأعالي البحار والجُرف القاري والصيد وحفظ الموارد الحية. وأسست لأول محاولة شاملة لصياغة قواعد قانونية مكتوبة للفضاء البحري. ومع أن هذه الاتفاقيات مثَّلت خطوة مهمة في التقنين فإنها لم تنجح في حسم كثير من المسائل الخلافية، وفي مقدمتها عرض البحر الإقليمي والنظام القانوني التفصيلي لبعض المناطق البحرية ذات الطبيعة الخاصة.
أما المرحلة الثانية والأكثر اكتمالًا، فقد تجسَّدت في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي تُعد بمنزلة "دستور البحار" في الفقه القانوني المعاصر، لأنها نظَّمت على نحو متكامل مختلف المناطق البحرية، من المياه الداخلية والبحر الإقليمي إلى المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري وأعالي البحار والمنطقة الدولية لقاع البحار. كما أرست قواعد تفصيلية بشأن حماية البيئة البحرية، والبحث العلمي البحري، وتسوية المنازعات. وقد اكتسبت هذه الاتفاقية مكانة مركزية في النظام القانوني الدولي، وذلك ليس فقط من حيث عدد الدول الأطراف فيها، بل كذلك لأن عددًا مهمًّا من أحكامها بات يعبِّر عن قواعد عُرفية عامة ملزمة حتى لغير الأطراف الموقِّعة عليها في بعض المجالات، خصوصًا ما يتصل بحرية الملاحة والتنظيم القانوني للمضايق الدولية.
من ناحية المفاهيم، يقوم قانون البحار على موازنة دقيقة بين منطقين متقابلين: منطق الامتداد الوظيفي لسيادة الدولة الساحلية على بعض المساحات البحرية القريبة من إقليمها من جهة، ومنطق الإبقاء على الطابع الدولي المشترك للممرات البحرية والفضاءات التي تهم الجماعة الدولية بأسرها، من جهة ثانية. وهذه الموازنة هي التي تفسر تعدد الأنظمة القانونية للملاحة، بحيث لا تخضع جميع المساحات البحرية لقاعدة موحدة بل يتغير النظام القانوني بحسب طبيعة المنطقة البحرية ووظيفتها وموقعها في بنية الاتصال البحري الدولي.
الأنظمة القانونية للملاحة البحرية وتمييز المرور البريء عن المرور العابر
يُعد التمييز بين المرور البريء والمرور العابر نقطة محورية لفهم النظام القانوني للمضايق. فالمرور البريء هو النظام المطبق أصلًا في البحر الإقليمي، ويُقصد به عبور السفن الأجنبية عبورًا متواصلًا وسريعًا، بشرط ألا يكون ذلك العبور ضارا بالدولة الساحلية أو أمنها أو نظامها العام. وتملك الدولة الساحلية، في هذا الإطار، سلطة أوسع في تنظيم المرور، كما يمكنها في ظروف معينة أن تتخذ تدابير للرقابة أو المنع، إذا فقد المرور صفته البريئة أو تحول إلى نشاط يهدد أمنها أو يُخلُّ بقواعدها القانونية الأساسية(7).
أما المرور العابر فهو نظام خاص، استحدثته اتفاقية 1982 لمعالجة خصوصية المضايق المستخدمة للملاحة الدولية. ويعني هذا النظام تمتع جميع السفن والطائرات بحق الملاحة والتحليق بغرض العبور المتواصل والسريع عبر المضيق الذي يصل بين جزء من أعالي البحار أو المنطقة الاقتصادية الخالصة وجزءٍ آخر منهما. وتكمن خصوصية هذا النظام في أنه أوسع من المرور البريء، لأنه لا يقف عند حدِّ التسامح مع العبور، بل يقرر حقًّا قانونيًّا أصيلًا في العبور، لا يجوز للدول المشاطئة أن توقفه أو تعلقه أو تفرغه من مضمونه عبر إجراءات تنظيمية تعسفية.
وقد سعت اتفاقية 1982 إلى منع الدول المشاطئة من استخدام سيادتها الإقليمية لتعطيل الملاحة الدولية عبر المضايق. لذلك، نصَّت على أن سيادة الدول على البحر الإقليمي في المضيق تبقى قائمة من حيث المبدأ، لكنها تُمارَس في حدود لا تمس جوهر المرور العابر. بعبارة أخرى، لم تنزع الاتفاقية الصفة الإقليمية عن مياه المضيق، لكنها رتَّبت على هذه الصفة التزامًا مضاعفًا، يتمثل في ضرورة التوفيق بين مقتضيات السيادة من جهة، وضرورات الاتصال الملاحي الدولي من جهة ثانية(8).
النظام القانوني للمضايق الدولية في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار
تكتسب مسألة المضايق الدولية وزنًا خاصًّا إذا تذكرنا أن الأدبيات المتخصصة تُحصي اليوم ما بين 100 و150 مضيقًا وممرًّا بحريًّا ذا أهمية مختلفة للملاحة الدولية، تتفاوت في حجم الحركة الملاحية ودرجة مركزيتها للتجارة العالمية. تشمل هذه الممرات مضايق جبل طارق وملقة وباب المندب وهرمز، وهناك ممرات أقل شهرة لكنها حاسمة في الربط بين أقاليم بحرية إقليمية. وهذا العدد الكبير، نسبيًّا، هو الذي يفسِّر إصرار المجتمع الدولي على إخضاع المضايق لنظام قانوني خاص يوازن بين مصالح الدول الساحلية وضرورات الاتصال البحري العالمي(9).
تُعالج المواد 37 إلى 45 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 النظام القانوني للمضايق المُستخدمة للملاحة الدولية. ويقوم هذا النظام على معيار وظيفي أكثر منه جغرافي. فالعبرة ليست بشكل المضيق أو بتسميته بل بكونه يُستخدم فعليًّا للملاحة الدولية وبأنه يصل بين منطقتين بحريتين تدخلان ضمن أعالي البحار أو المنطقة الاقتصادية الخالصة. ومن ثم فإن المضيق الذي يؤدي وظيفة دولية في الربط بين فضاءين بحريين مفتوحين لا يمكن إخضاعه للأحكام نفسها التي تحكم أجزاء البحر الإقليمي العادي.
ويترتب على ذلك أن السفن التجارية والسفن الحربية والطائرات تتمتع جميعها بحق المرور العابر، ما دام هذا العبور متواصلًا وسريعًا ويجري على نحو لا يهدد الدولة الساحلية خارج نطاق ما تسمح به طبيعة هذا الحق. وتلتزم السفن والطائرات أثناء العبور باحترام القواعد الدولية ذات الصلة بسلامة الملاحة ومنع التلوث وعدم استخدام القوة أو التهديد بها خلافًا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة. غير أن هذه الالتزامات لا تمنح الدولة المشاطئة حق تحويل النظام القانوني للمضيق إلى نظام إذن مُسبق، أو فرض حظر انتقائي على سفن دول معينة، أو إغلاق الممر بصورة شاملة تحت ستار التنظيم الإداري، أو غير ذلك من التبريرات والاعتبارات.
ومن أهم ما قررته الاتفاقية في هذا السياق أن الدول المشاطئة يجوز لها، بالتعاون مع المنظمة البحرية الدولية، أن تحدد ممرات بحرية أو تضع مخططات لفصل حركة المرور، إذا كان ذلك ضروريًّا لسلامة الملاحة. لكن هذا التنظيم يجب أن يبقى تنظيمًا فنيًّا وغير تمييزي، ولا يجوز أن يتحول إلى وسيلة لفرض رسوم على العبور، أو اشتراط موافقات سياسية، أو إعطاء امتيازات لسفن دول دون غيرها. كما أن المادة 44 من الاتفاقية تقرر بوضوح أن الدول المشاطئة للمضيق لا يجوز لها أن تعرقل المرور العابر أو أن تعلِّقه، وهو حكم يشكِّل حجر الزاوية في البنية القانونية للمضايق الدولية، بما فيها مضيق هرمز.
الصفة القانونية لمضيق هرمز في ضوء قانون البحار
يقع مضيق هرمز بين إيران وسلطنة عُمان، ويصل الخليج العربي ببحر عُمان ثم بالمحيط الهندي، وهو من أكثر الممرات البحرية استخدامًا في العالم لنقل النفط والغاز والبضائع الإستراتيجية. وتنبع أهميته القانونية من أن وظيفته البحرية تتجاوز بكثير نطاق الدول الساحلية المشاطئة له؛ إذ يشكِّل المنفذ البحري الحيوي الرئيسي لعدد من الدول الخليجية إلى البحار المفتوحة.
ومن حيث التأهيل القانوني، يندرج مضيق هرمز ضمن فئة المضايق المُستخدمة للملاحة الدولية وفق المعيار الوظيفي الذي أخذت به اتفاقية 1982. فالمضيق يصل بين فضاءين بحريين يدخلان ضمن المناطق التي تتصل بالملاحة الدولية، كما أن الاستخدام الدولي المكثف له ثابت بحكم الواقع والممارسة المستقرة. لهذا السبب، يميل الفقه الغالب إلى أن النظام المنطبق عليه هو نظام المرور العابر، وليس مجرد المرور البريء(11).
وتزداد أهمية هذا التكييف بالنظر إلى أن عرض المضيق في أضيق أجزائه يجعل المياه الإقليمية لإيران وعُمان تغطي معظم الممر الملاحي؛ ما يعني أن حماية حرية الملاحة فيه لا يمكن أن تعتمد على وجود شريط من أعالي البحار بل على النظام الخاص للمضايق الدولية ذاته. بهذا المعنى، لم تضع اتفاقية قانون البحار نظام المرور العابر لتوسيع امتيازات الملاحة وحسب بل لتفادي أن يؤدي اتساع البحر الإقليمي إلى خنق الاتصال البحري في المضايق الحيوية.
إشكالية المركز القانوني لإيران وعُمان وأثره على حرية العبور
تُعد سلطنة عُمان طرفًا في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ومن ثم فهي ملتزمة نصًّا بأحكامها المتعلقة بالمضايق الدولية، بما في ذلك واجب عدم تعطيل المرور العابر في الجزء الخاضع لولايتها البحرية داخل مضيق هرمز(11). أما إيران، فقد وقَّعت الاتفاقية لكنها لم تصادق عليها، وهو ما دفعها في بعض المواقف إلى التمسك بتفسير أضيق لحقوق الملاحة عبر المضيق، يقوم على تفضيل مفهوم المرور البريء على المرور العابر.
غير أن عدم التصديق لا يعني بالضرورة انعدام الالتزام القانوني الكامل. فمن جهة، يظل توقيع الدولة على المعاهدة ذا أثر قانوني وفق القواعد العامة لقانون المعاهدات، بما يلزمها بعدم الإتيان بما يقوِّض موضوع المعاهدة وغرضها قبل البتِّ النهائي في الانضمام إليها أو رفضها صراحة. ومن جهة ثانية، فإن جانبًا معتبرًا من الفقه الدولي يرى أن الأحكام الأساسية المتعلقة بحرية الملاحة في المضايق الدولية اكتسبت طابعًا عُرفيًّا نتيجة شيوع الممارسة الدولية واقترانها بالاعتقاد بالإلزام. لذلك، فإن حُجَّة إيران القائمة على عدم الانضمام النهائي لا تكفي، في نظر هذا الاتجاه، لتبرير التنصل من القواعد الجوهرية التي تحكم المرور في مضيق دولي بمكانة هرمز(12).
تكشف هذه المسألة عن فرق دقيق بين السيادة والاختصاص. فإيران، مثلها مثل عُمان، تحتفظ من حيث الأصل بالسيادة على بحرها الإقليمي داخل المضيق، غير أن هذه السيادة ليست سلطة مطلقة تخولها إعادة تشكيل النظام القانوني للممر البحري وفق اعتبارات سياسية أو أمنية منفردة بل إن القانون الدولي يقيد هذه السيادة بقيود نوعية هدفها منع تحويل الموقع الجغرافي إلى أداة احتكار أو ابتزاز أو إغلاق لمرفق حيوي للمجتمع الدولي.
في هذا السياق، يلعب فقه القانون الدولي والقضاء الدولي دورًا محوريًّا في بلورة تفسير متماسك لوضع مضيق هرمز. فقد أسست محكمة العدل الدولية، في حكمها الشهير في قضية مضيق "كورفو" بين المملكة المتحدة وألبانيا، عام 1949، لتعريف وظيفي للمضيق الدولي بوصفه "ممرًّا مائيًّا يصل بين جزأين من أعالي البحار ويُستخدم لأغراض الملاحة الدولية"، وأقرَّت بحق السفن في المرور من دون إذن مسبق، ما دام المرور بريئًا. ورفضت أي عراقيل تعسفية تضعها الدولة الساحلية. وقد استند عدد من الفقهاء العرب والأجانب إلى هذا الحكم، وإلى أحكام لاحقة لمحكمة العدل الدولية والمحكمة الدولية لقانون البحار، لتأكيد أن مضيق هرمز يندرج في الإطار نفسه للمضايق المستخدمة للملاحة الدولية، وأن تفسير حقوق إيران وعُمان فيه ينبغي أن يتم في ضوء هذه السابقة القضائية وأحكام اتفاقية قانون البحار معًا، لا في ضوء قراءات أحادية لاعتبارات السيادة والأمن القومي(13).
تنزيل قواعد قانون البحار على ما يحدث حول مضيق هرمز
عند تنزيل القواعد القانونية على ما يجري في محيط مضيق هرمز، ينبغي الانطلاق من مبدأ أساسي مفاده أن حرية المرور العابر ليست مجرد مصلحة سياسية للدول المستفيدة من المضيق بل هي قاعدة قانونية تقرر حقًّا موضوعيًّا في العبور المتواصل والسريع. بناء على ذلك، فإن أي إعلان عن إغلاق شامل للمضيق، أو أي منع قائم على تصنيف السفن وفق معايير الصداقة أو العداء السياسي، يقع في تعارض مباشر مع البنية القانونية التي أرستها اتفاقية 1982 وأكدتها الممارسة الدولية الحديثة(13).
من منظور قانوني دقيق، يجب التمييز بين التدابير التنظيمية المشروعة والتدابير المعطِّلة غير المشروعة. فالدولة المشاطئة تستطيع فرض قواعد ملاحية مرتبطة بالسلامة البحرية أو حماية البيئة أو إدارة المرور، كما يجوز لها اتخاذ تدابير احترازية معقولة في ظروف الخطر الفعلي. لكنها لا تستطيع استخدام هذه الصلاحيات لتقييد العبور على أساس سياسي، أو لفرض رسوم على المرور، أو لتعليق حق العبور بالنسبة إلى السفن المحايدة أو التجارية الدولية. بهذا المعنى، فإن التهديد بإغلاق المضيق أو عرقلة الملاحة فيه يتجاوز حدود التنظيم إلى مستوى المساس بجوهر الحق القانوني في المرور العابر.
يثير ذلك سؤالًا جوهريًّا عمَّا إذا كانت حالة الحرب أو النزاع المسلح تُغيِّر من الوضع القانوني للمضايق بالنسبة إلى الدول المشاطئة، التي تخشى على أمنها من عدو مباشر. فالقانون الدولي الإنساني وقانون النزاعات المسلحة البحرية يعترفان بحقوق معينة للدولة المحاربة، مثل فرض حصار قانوني مستوفٍ لشروطه، أو تفتيش سفن يُشتبه في نقلها مواد حربية للعدو. لكن هذه الصلاحيات لا تمتد، وفق الفقه والقضاء الدولييْن، إلى إلغاء نظام المضيق الدولي ذاته أو تحويله إلى "بحر داخلي" مغلق في وجه الملاحة المحايدة. وهذا ما أكدته محكمة العدل الدولية في قضية مضيق كورفو، وما يكرره عدد من شرَّاح قانون البحار بخصوص مضيق هرمز. وعليه، فإن خشية الدول الساحلية على أمنها، حتى في سياق نزاع مسلح، تبرر اتخاذ تدابير احترازية معقولة، لكنها لا تمنحها ترخيصًا مطلقًا لتعليق المرور العابر أو تحويل المضيق إلى أداة حصار شامل يمس حقوق الدول المحايدة والمجتمع الدولي.
هنا، تبرز أيضًا مسألة العلاقة بين قانون البحار وقانون النزاعات المسلحة. فالوجود المحتمل لحالة نزاع مسلح في الإقليم لا يؤدي تلقائيًّا إلى تعطيل قواعد المضايق الدولية أو إلغائها بل يقتضي التوفيق بينها وبين قواعد الحرب البحرية التي تضبط الحصار والاستهداف وحقوق السفن المحايدة. وحتى وفق المقاربات الأوسع في قانون النزاعات المسلحة البحرية، لا يمكن تسويغ إغلاق شامل لمضيق دولي تستخدمه الملاحة التجارية العالمية إذا أدَّى ذلك إلى المساس غير المتناسب بحقوق الدول المحايدة وحرية التجارة الدولية من دون أساس عسكري قانوني منضبط(15).
حدود الحصار البحري ومشروعية إغلاق المضايق الدولية
يميز الفقه القانوني بين الحصار البحري بوصفه وسيلة من وسائل الحرب البحرية، والإغلاق غير المشروع لمضيق دولي. فالحصار، لكي يكون مشروعًا، يفترض توافر شروط شكلية وموضوعية دقيقة، من بينها الإعلان الواضح، والفاعلية، وعدم التمييز، واحترام قواعد التناسب، وعدم استهداف الملاحة المحايدة إلا في الحدود التي يجيزها قانون النزاعات المسلحة(16). أما إغلاق مضيق دولي على نحو شامل أو انتقائي، لمجرد ممارسة ضغط سياسي أو اقتصادي أو إستراتيجي، فهو يخرج عن هذا الإطار ويصطدم مباشرة بقواعد حرية الملاحة في المضايق الدولية.
تظهر أهمية هذا التمييز في حالة هرمز، لأن بعض الخطابات السياسية أو الإعلامية قد تقدم أي إجراء تقييدي على أنه امتداد لحق الدفاع عن النفس أو لحق الدولة الساحلية في حماية أمنها البحري. غير أن القراءة القانونية الأكثر انضباطًا تقتضي التحقق من طبيعة الإجراء وحدوده وأثره على السفن المحايدة واستمرارية الملاحة الدولية. فإذا كان الإجراء ينتهي عمليًّا إلى تعطيل الملاحة المدنية الدولية أو إلى فرض معاملة تمييزية على السفن بحسب جنسيتها أو انتمائها السياسي، فإنه يقترب من وصف الإغلاق غير المشروع أكثر مما يقترب من وصف التدبير الأمني أو العسكري المسموح به.
ينطبق هذا الإطار بوضوح على حالة مضيق هرمز؛ حيث تميل بعض الأطراف إلى التلويح بإغلاق المضيق أو التضييق على سفن دول معينة باعتبار ذلك امتدادًا لحق الدفاع الشرعي أو وسيلة ضغط مشروعة في زمن الحرب. غير أن التكييف القانوني يقتضي التمييز بين استهداف محدود لسفن عسكرية لدولة معادية في إطار نزاع مسلح، وإجراءات واسعة النطاق تمس الملاحة التجارية المحايدة و"المرور العابر" بوصفه حقًّا موضوعيًّا مقررًا للمجتمع الدولي. في ضوء أحكام اتفاقية قانون البحار وقضية مضيق كورفو والاتجاه الراجح في الفقه، فإن الإغلاق الشامل أو شبه الشامل لمضيق هرمز، أو فرض قيود انتقائية على أساس الاصطفافات السياسية، يقترب من وصف الإغلاق غير المشروع أكثر مما يقترب من وصف الحصار البحري المشروع.
الحالات المماثلة أو القريبة في فقه القانون الدولي
ليست حالة مضيق هرمز معزولة في الفقه الدولي، ويمكن مقارنتها بعدد من المضايق الدولية التي أثارت إشكالات مشابهة بشأن العلاقة بين السيادة الساحلية وحرية الملاحة. ومن أبرز هذه الحالات مضيق جبل طارق ومضيق ملقة وباب المندب، وهي جميعًا أمثلة لممرات بحرية دولية تؤدي وظيفة ربط بين أقاليم بحرية كبرى، وتخضع من حيث الأصل لنظام المرور العابر وليس لسلطة الإغلاق الانفرادي من قبل الدول المشاطئة.
وتمثل أزمة مضيق تيران مثالًا مهمًّا في الفقه السياسي والقانوني المتصل بالممرات البحرية، لأن النزاع حول مشروعية إغلاقه أمام سفن دولة معينة أسهم في ترسيخ أهمية مبدأ عدم غلق المضايق ذات الوظيفة الدولية لأسباب سياسية مجردة. ومع أن كل حالة تحتفظ بخصوصيتها من حيث الوقائع والظروف التاريخية والاتفاقات الخاصة، فإن الأمر الجامع بينها هو أن القانون الدولي يميل بصورة متزايدة إلى تقييد قدرة الدولة الساحلية على تعطيل ممر بحري تتجاوز أهميته نطاق مصلحتها الوطنية المباشرة.
في المقابل، تقدم المضايق التركية الخاضعة لاتفاقية مونترو لعام 1936 نموذجًا مختلفًا نسبيًّا، لأن هذه الاتفاقية منحت تركيا صلاحيات أوسع، خاصة تجاه مرور السفن الحربية، في إطار نظام تعاقدي خاص لا ينسحب آليًّا على سائر المضايق الدولية(17). تُبرز هذه المقارنة أن الأصل في المضايق الدولية اليوم هو الخضوع لقواعد قانون البحار العامة، ما لم يوجد نظام اتفاقي خاص وصريح يعدِّلها أو يخصصها.
الإستراتيجية القانونية الإيرانية في تنظيم المرور عبر مضيق هرمز
يستند الموقف القانوني الإيراني بشأن مضيق هرمز إلى بناء مركب يقوم على إعادة تأويل القواعد الحاكمة للمضايق الدولية، من خلال تغليب نظام "المرور البريء" على نظام "المرور العابر"، واستثمار عدم المصادقة على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، فضلًا عن استحضار قواعد قانون النزاعات المسلحة البحرية في فترات التوتر. ويمكن تفصيل هذا البناء في ثلاثة مسارات رئيسية: الطابع التعاقدي لاتفاقية 1982، واعتماد مبدأ "المعترض المستمر" في مواجهة تطور العرف الدولي، ثم توسيع دائرة الدفاع الشرعي في سياق النزاع المسلح(18).
من حيث الطابع التعاقدي، تعيد إيران قراءة اتفاقية 1982 بوصفها "صفقة متكاملة" لا تُجزَّأ، بمعنى أن الالتزامات المستحدثة فيها، وعلى رأسها نظام المرور العابر في المضايق، تُعد التزامات تعاقدية لا تسري إلا بين الدول الأطراف التي استكملت إجراءات التصديق. وبما أنها وقَّعت الاتفاقية دون أن تصادق عليها، فإنها تدفع بأن أحكامها الخاصة بالمضايق، لاسيما المواد 37–45، ليست ملزمة لها بحكم المعاهدة، وأن النظام الذي يجب تطبيقه في حالة مضيق هرمز هو النظام التقليدي للمرور البريء المستند إلى اتفاقيات جنيف لعام 1958 والقواعد العرفية السابقة على اتفاقية 1982.
بناء على هذا التأويل، تُصِرُّ طهران على أن مرور السفن، خصوصًا السفن الحربية والغواصات التابعة لدول تَعُدُّها "معادية"، يخضع لمعيار "السلامة والأمن"، وأن للدولة الساحلية، وفقًا لمفهومها للمرور البريء، أن تنظم حركة الملاحة، وأن تُعلِّقَها أو تمنعَها إذا رأت أن وجود هذه السفن في نطاق المضيق يمس بأمنها القومي أو يهدد منشآتها الحيوية. يتيح هذا التأويل لطهران، في تصورها، فرض إجراءات أمنية خاصة، وإلزام بعض السفن بالإخطار المسبق، واشتراط مرورها في ممرات محددة، بل وإخضاعها لرسوم أو تدابير تنظيمية تُقدَّم على أنها من قبيل ضبط الحدود وحماية السيادة البحرية.
يتصل بهذا المسار التعاقدي ادِّعاء آخر هو تبنِّي إيران لما يُعرف في الفقه بمبدأ "المعترض المستمر" إزاء تطور العرف الدولي الخاص بالمضايق(19). وحتى إذا سلمنا جدلًا بأن نظام المرور العابر قد اكتسب طابعًا عرفيًّا ملزمًا في نظر عدد من الدول والفقهاء، فإن إيران تقول إنها اعترضت على هذا النظام منذ مفاوضات اتفاقية 1982، وظلت تعلن، في بياناتها الرسمية وممارساتها العملية، رفضها لاعتبار المرور العابر قاعدة عامة تنطبق عليها. ومن ثم فهي تزعم أن هذا الاعتراض المستمر يضعها في موقع استثنائي يسمح لها بعدم الانخراط في العرف الناشئ، ويُبقي نطاق هرمز عندها محكومًا بمنطق المرور البريء وتفسيرها الخاص لقواعد جنيف 1958.
ثم يأتي البعد الثالث المتعلق بقانون النزاعات المسلحة في البحار؛ حيث توسِّع إيران دائرة الدفاع الشرعي، فتدفع بأن قواعد الملاحة في زمن السلم لا يمكن أن تُطبَّق بصورة ميكانيكية في ظل بيئة إقليمية مشحونة بالتوترات العسكرية والتهديدات البحرية المباشرة. ووفق هذا المنطق، فإن لها، عند اقتران المرور بظروف نزاع مسلح أو خطر وشيك، أن تستند إلى حقها في الدفاع عن النفس بموجب ميثاق الأمم المتحدة، وأن تطبق قواعد الحرب البحرية فيما يتصل بتفتيش السفن، واعتراض سفن الأعداء، ومنع عبورها، أو فرض حصار جزئي يستهدف أدوات الخصم العسكرية أو اللوجستية. ومع ذلك، يحرص بعض المفسرين الإيرانيين، في خطابهم الرسمي على الأقل، على الإشارة إلى أن هذه التدابير ليست موجهة إلى السفن المدنية المحايدة، وإن كانت الممارسة العملية كثيرًا ما تُظهر تعقيدات في هذا التفريق على الأرض.
من هنا تبرز أهمية الانتقال من المستوى المعياري العام إلى المستوى التطبيقي الخاص، عبر تحليل الكيفية التي توظف بها إيران نصوص قانون البحار وقواعد العرف الدولي وذرائع الأمن القومي لتصنع لنفسها وضعًا تفاوضيًّا مميزًا في إدارة مضيق هرمز.
تقييم الفقه الدولي لمشروعية المنطق الإيراني
ينقسم الفقه الدولي في تقييمه لهذا البناء القانوني إلى اتجاهين رئيسيين، غير أن الغالب في الأدبيات المتخصصة يميل إلى اعتبار أن ما تتخذه إيران من إجراءات تقييدية، سواء في صورة تهديد بالإغلاق أو فرض رسوم أو تضييق على الملاحة، يتجاوز الحدود التي يقرها القانون الدولي البحري، حتى في أكثر قراءاته تعاطفًا مع منطق السيادة الساحلية. فمن منظور اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يُعد هرمز، وفق التعريف الوارد في المادتين 37 و38، مضيقًا مستخدَمًا للملاحة الدولية، يصل بين فضاءات بحرية ذات صفة دولية. ومن ثم يخضع مبدئيًّا لنظام المرور العابر الذي لا يجيز للدول المشاطئة تعليق العبور أو إعاقة حرية الملاحة لأي فئة من السفن.
وعلى صعيد القانون العرفي، يجادل عدد كبير من الفقهاء بأن عناصر العُرف الخاص بالمرور العابر قد توافرت بدرجة تجعل هذه القاعدة ملزمة للدول غير الأطراف في الاتفاقية، بما فيها إيران والولايات المتحدة، وإن كانت الأخيرة لم توقِّع الاتفاقية أصلًا. ويستند هؤلاء إلى الممارسة الواسعة للدول في مضايق مختلفة، وإلى القبول الضمني لحرية الملاحة في المضايق الدولية بوصفها جزءًا من بنية النظام الاقتصادي والأمني العالمي، فضلًا عن أحكام القضاء الدولي التي كرَّست، حتى في إطار المرور البريء، مبدأ عدم جواز الإغلاق التعسفي للمضايق.
كما أن محاولة إيران استدعاء اتفاقية جنيف لعام 1958 وقضية مضيق كورفو لدعم تفسيرها للمرور البريء، تواجه قراءة مضادة واسعة في الفقه؛ إذ يُفهَم من الفقرة الرابعة من المادة 16 من اتفاقية 1958، ومن تكييف محكمة العدل الدولية في قضية كورفو، أن حرية المرور في المضايق ذات الاستخدام الدولي تاريخيًّا تُعد أصلًا ثابتًا لا يجوز للدولة الساحلية أن تعلقه أو تمنعه في زمن السلم لمجرد اعتبارات سياسية أو أمنية عامة. وهذا يعني أن حتى القراءة "المتشددة" للمرور البريء لا تفتح الباب أمام إغلاق مضيق دولي أو فرض رسوم على مجرد العبور، كما تفعل إيران في بعض سياساتها المعلنة.
ومع ذلك، يعترف عدد محدود من الفقهاء بأن حُجَّة "المعترض المستمر" تمتلك قدرًا من الوجاهة النظرية في سياق النقاش حول العُرف البحري، وأن التزام دولة لم تصادق على اتفاقية 1982 بمفهوم مستحدث ومثير للجدل، كالمرور العابر، يثير أسئلة حقيقية حول حدود التسرب العرفي للقواعد الاتفاقية. ويقر هؤلاء بأن حالة النزاع المسلح تمنح الدول المشاطئة للمضيق حقوقًا إضافية في تنظيم أمنها البحري تجاه السفن التابعة لأطراف النزاع، إلا أنهم يشدِّدون على أن هذه الحقوق لا ترقى إلى حدِّ إغلاق المضيق أمام الملاحة المدنية للدول المحايدة، ولا تبرر فرض رسوم أو قيود عامة على مجرد المرور(20).
في ضوء هذا التقييم، تبدو الإستراتيجية القانونية الإيرانية محاولة لاستثمار ثغرات قائمة في تداخل القانون البحري مع قانون النزاعات المسلحة، والاستفادة من عدم اكتمال الإجماع الفقهي حول الطبيعة العرفية لنظام المرور العابر. ولكن مخرجات هذه الإستراتيجية، في صورتها العملية، تصطدم ببنية قانونية دولية تميل إلى حماية حرية الملاحة في المضايق الدولية وتقييد قدرة الدول المشاطئة على تحويل موقعها الجغرافي إلى أداة تعطيل أو ابتزاز للمجتمع الدولي.
ضمن هذا الإطار المعياري لقانون البحار، وبناء على الوضع القانوني لمضيق هرمز وسلوك الفاعلين الرئيسيين فيه، كيف نستشرف المستقبل؟ وما السيناريوهات القانونية المحتملة التي قد تحكم هذا الممر الحيوي في اليوم التالي لانقضاء الترتيبات المؤقتة والهدن الهشة؟
السيناريوهات القانونية المحتملة لمستقبل مضيق هرمز
إذا كان ما سبق قد بيَّن الإطار القانوني الذي يحكم مضيق هرمز، وحدود ما تسمح به قواعد قانون البحار للدول المشاطئة وللقوى الخارجية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه في نهاية هذا المسار هو: إلى أين يمكن أن يتجه النظام القانوني للمضيق بعد الأزمة الراهنة، وبعد انقضاء الترتيبات المؤقتة التي فُرضت تحت ضغط الحرب والتفاوض؟ تكمن أهمية هذا السؤال في أن مضيق هرمز لم يعد مجرد حالة تطبيقية لقواعد قائمة بل تحول إلى ساحة اختبار لقدرة القانون الدولي للبحار على استيعاب الصدمات الجيوسياسية الكبرى دون أن يفقد منطقه الداخلي.
السيناريو الأول، وهو الأقرب إلى منطق الاستقرار القانوني، يتمثل في عودة المضيق إلى الخضوع الكامل لنظام المرور العابر كما كرَّسته اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، مع انحسار الترتيبات الظرفية التي فرضتها الأزمة الأخيرة. ويعني ذلك أن تُعامل التدابير المؤقتة التي اتُّخذت خلال فترة النزاع بوصفها استثناءات عابرة لا تؤسس لقاعدة جديدة، وأن يستعيد مبدأ حرية العبور المتواصل والسريع موقعه بوصفه المرجع الأعلى المنظِّم للملاحة في المضيق. يستند هذا السيناريو إلى ثقل القاعدة الاتفاقية والعُرفية معًا، وإلى مصلحة الدول المستفيدة من هرمز في منع تحويله إلى سابقة تسمح بإعادة تسييس المضايق الدولية أو إخضاعها لمعادلات الردع والانقسام الإقليمي. غير أن قوة هذا السيناريو القانونية لا تعني سهولة تحققه سياسيًّا، لأن الأزمة الأخيرة أظهرت أن إيران لا تنظر إلى ما جرى بوصفه حادثًا عابرًا بل بوصفه فرصة لإعادة التفاوض على معنى السيادة الساحلية ذاته في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
أما السيناريو الثاني، والأكثر حساسية، فيتمثل في نشوء منظومة من الترتيبات المشتركة بين إيران وسلطنة عُمان، تُبقي من حيث الشكل، على مبدأ عدم إغلاق المضيق، لكنها تُدخل، من حيث الممارسة، طبقة إضافية من الإجراءات والخدمات والالتزامات المالية أو التقنية التي تجعل المرور العابر أقل إطلاقًا مما كان عليه قبل الأزمة. في هذا السيناريو، لا يقع الانقلاب على قانون البحار عبر إعلان صريح بإلغاء المرور العابر بل عبر إعادة تفسيره على نحو يوسِّع من صلاحيات الدول المشاطئة في مجالات الأمن الملاحي والتأمين والإرشاد وحماية البيئة، وربما تحصيل مقابل خدمات محددة تُقدَّم للسفن العابرة. لا تكمن خطورة هذا المسار في كونه إجراء منفردًا بل في احتمال تراكم الممارسات التنظيمية إلى حدِّ إنتاج عُرف تطبيقي جديد، أو على الأقل، خلق "منطقة رمادية" بين العبور الحر من جهة، والعبور المقيد إداريًّا وماليًّا من جهة أخرى. وإذا تحقق هذا السيناريو، فإن الجدل القانوني لن يتمحور حول مشروعية الإغلاق بل حول الحدود الدقيقة الفاصلة بين الخدمة المشروعة والجباية المقنعة، وبين التنظيم الفني المسموح به والتقويض غير المباشر لجوهر المرور العابر.
يتمثل السيناريو الثالث في اتجاه أكثر تصادمية، يكرِّس استمرار النزاع حول النظام القانوني للمضيق، بحيث تتمسك الولايات المتحدة وحلفاؤها، ومعهم قطاع واسع من الفقه البحري، بعودة كاملة إلى النظام السابق، بينما تواصل إيران الدفع نحو إطار جديد يربط العبور بضرورات الإفصاح المسبق والمراقبة وربما استحداث ترتيبات أمنية خاصة بالسفن والبضائع والجهات المالكة. في ظل هذا السيناريو، لا يُحسم الخلاف عبر تفاوض ناجز ولا عبر قاعدة مستقرة بل يتحول المضيق إلى مجال نزاع قانوني دائم، تتعايش فيه النصوص القائمة مع ممارسات متعارضة وتأويلات متضاربة. ويصبح الاحتكاك العملي بين السفن والقوات البحرية وأجهزة الرقابة هو الذي ينتج "القانون الواقعي" أكثر مما تنتجه الاتفاقيات نفسها. مثل هذا الوضع لا يعني انهيار قانون البحار فورًا، لكنه يُضعف قابلية قواعده للنفاذ المتساوي، ويفتح الباب أمام نمط من "التشظي الوظيفي" الذي تغدو فيه المضايق الدولية خاضعة، بصورة متزايدة، لموازين القوى الإقليمية والدولية، بدل خضوعها لقاعدة عامة واحدة.
يظل هناك سيناريو رابع أقل احتمالًا، ولكن لا يجوز إغفاله، وهو أن تفضي الأزمة إلى محاولة تدويل جزئي لإدارة أمن المضيق، سواء عبر مهمة بحرية متعددة الجنسيات، أو عبر آلية رقابية دولية، أو عبر ترتيبات ترعاها قوى كبرى لضمان الملاحة ومنع الاحتكاك العسكري. غير أن هذا السيناريو، حتى وإن بدا جذابًا لبعض القوى المستفيدة من انسياب التجارة والطاقة، يصطدم بعقبتين أساسيتين: الأولى أنه يتطلب قدرًا عاليًا من التوافق الدولي غير المتوافر في بيئة دولية منقسمة. والثانية أنه سيُقرأ، من جانب إيران على الأقل، بوصفه انتقاصًا مباشرًا من سيادتها واختزالًا لموقعها الجغرافي إلى وظيفة تخدم أمن الآخرين. لهذا السبب، فإن احتمال قيام إدارة دولية أو شبه دولية مستقرة للمضيق يبقى محدودًا، ما لم يسبقه تحول سياسي أوسع في طبيعة العلاقات الإيرانية-الأميركية والإيرانية-الخليجية.
في النهاية، أيًّا كان السيناريو الذي ستتجه إليه الأحداث، لا يبدو أن مستقبل النظام القانوني لمضيق هرمز سيُحسم فقط على مستوى النصوص بل على مستوى العلاقة بين النص والممارسة وميزان القوة. فالمسألة لم تعد تتعلق بتفسير مجرد للمواد 37 إلى 45 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار بل بقدرة النظام الدولي نفسه على منع القوى الإقليمية والدولية من تحويل المضايق إلى أدوات تفاوض وإكراه ومقايضة. وإذا كان السيناريو الأقرب من الناحية القانونية هو بقاء هرمز خاضعًا لنظام المرور العابر، فإن السيناريو الأقرب من الناحية السياسية قد يكون، على المدى المنظور، نشوء منظومة من الترتيبات العملية التي لا تُلغي هذا النظام صراحة، ولكنها تعيد تشكيله تدريجيًّا من الداخل. من هنا، فإن معركة هرمز لن تكون، في السنوات المقبلة، معركة على فتح المضيق أو إغلاقه فقط، بل ستكون، على نحو أعمق، معركة على تعريف ما إذا كان القانون الدولي للبحار لا يزال قانونًا كونيًّا يحكم الجميع، أم أنه صار إطارًا مرنًا تُعاد صياغته تحت ضغوط الجغرافيا السياسية كلما انفجرت أزمة في إحدى عقد العالم البحرية.
خاتمة
من خلال هذا التحليل، يتبين لنا أن النظام المعاصر لقانون البحار، كما بلورته اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، والفقه الدولي الراجح، يقيمان توازنًا واضحًا بين السيادة الإقليمية للدول المشاطئة للمضايق وضرورة صون حرية الملاحة الدولية. ويحتل نظام المرور العابر في هذا التوازن موقعًا مركزيًّا، لأنه يمثل الأداة القانونية التي تحول دون استغلال الامتداد الإقليمي للبحر في تعطيل الممرات البحرية الحيوية.
وبتطبيق هذا الإطار على مضيق هرمز، يظهر أن الوصف القانوني الأرجح للمضيق هو كونه مضيقًا دوليًّا مستخدَمًا للملاحة الدولية، يخضع لنظام المرور العابر، وأن أي إغلاق شامل له أو تمييز في استعماله على أسس سياسية أو عسكرية غير منضبطة، يثير شبهة قوية بعدم المشروعية في ضوء قانون البحار والاتجاه الغالب في الفقه الدولي. وما يرجِّح هذه القراءة، مقارنة حالة مضيق هرمز بحالات مماثلة في فقه المضايق الدولية. فحرية الملاحة في هذه الممرات لم تعد مجرد قاعدة مصلحية، بل غدت جزءًا من البنية الأساسية للنظام القانوني الدولي المعاصر.
على ضوء التطورات الراهنة، يطرح الاتفاق المؤقت بين واشنطن وطهران، الذي ينص على ترتيبات خاصة للملاحة والأمن في مضيق هرمز لمدة ستين يومًا، سؤالًا إضافيًّا حول القواعد التي ستحكم المضيق بعد انقضاء هذه المدة. فمن منظور قانون البحار، يظل هذا النوع من التفاهمات الثنائية أو متعددة الأطراف، خاصًّا لا يغير القاعدة العامة القاضية بخضوع المضيق لنظام المرور العابر كما تقرره اتفاقية 1982 والقواعد العرفية المرتبطة بها. وبانتهاء الأجل الزمني للترتيب، يعود الإطار القانوني الأصلي ليشكِّل المرجعية الحاكمة، ما لم تُبرم معاهدة خاصة بشأن المضيق تُسجَّل وفق ميثاق الأمم المتحدة، على غرار نظام مونترو للمضايق التركية. وفي جميع الأحوال، لا يجوز لأي اتفاق ثنائي، في مواجهة دولة ثالثة أو المجتمع الدولي، أن ينتقص من جوهر حق المرور العابر الذي اكتسب مع الزمن طابعًا عرفيًّا عامًّا في حالات المضايق الجوهرية للملاحة الدولية مثل مضيق هرمز.
(1) Constantinos Yiallourides, Introduction to the International Law of the Sea, British Institute of International and comparative law, 2023 (Accessed on 30/06/2026)
https://www.biicl.org/documents/12009_biicl_pil_intro_to_law_of_the_sea_cy.pdf
(2) Obugheni William Arugu and Benibo Fredrick Anabraba, The History and Development of the Law of the Sea, The Journal of Law and Policy, Vol. 2, Issue 5, 2022, pp. 20-45.
(3) Panha Vorng, The Legal Regime of Straits Used in International Navigation in Changing Times, The International Journal of Marine and Coastal Law, Vol. 2025, Issue 35, August 2025.
(4) Stephen Blackwell, The International Law of the Sea, the Straits of Hormuz and Regional Security, Rabdan Security and Defence Institute, 1st October 2025 (Accessed on 30/06/2026)
(5) شهدت أوروبا بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر صراعًا بحريًّا أعاد رسم خرائط القوة في العالم؛ إذ انتقلت الهيمنة من جمهوريات متوسطية كالبندقية وجنوة إلى دول أطلسية جعلت من البحر مسرحها الأول للثروة والنفوذ. فبرزت البرتغال بسيطرتها على طرق المحيط الهندي وسواحل إفريقيا وتجارة التوابل، وإسبانيا التي اندفعت غربًا عبر الأطلسي لتشييد إمبراطورية قارية في الأميركتين مستخدمة "أسطول الفضة" العابر للمحيطات. ثم برزت هولندا قوة تجارية عالمية، يمتد نفوذها عبر شركة الهند الشرقية الهولندية وأسطول من السفن السريعة المسلحة التي جعلت من التجارة أداة للهيمنة. وفي القرن الثامن عشر هيمنت بريطانيا بعد أن هزمت القوتين، الإسبانية والهولندية، وخاضت مع فرنسا حروبًا طويلة. أما فرنسا، فرغم مواردها الهائلة وأسطولها الكبير، ظلت ممزقة بين همها القاري وطموحها البحري، فعجزت عن مجاراة البريطانيين في سباق السيطرة على الطرق البحرية.
(6) L’Organisation Hydrographique Internationale: Un Guide sur les Aspects Techniques de la Convention des Nations Unies sur le Droit de la Mer, (Accessed on 30/06/2026)
https://iho.int/uploads/user/pubs/cb/c-51/C-51_Ed6.0.0_FR_Final.pdf
(7) Ankit Malhotra, Understanding Innocent and Transit Passage, Journal of Territorial and Maritime Studies, 5 June 2020 (Accessed on 30/06/2026)
(8) Qu’est-ce que le Passage en Transit en Droit International? Avocat Droit International, 9 June 2024 (Accessed on 30/06/2026) https://avocat-droit-international.fr/regime-de-passage-en-transit/
(9) Vincent Herbert, Le Détroit, un Espace Convoité, Atlas Transmanche (Accessed on 30/06/2026) https://atlas-transmanche.certic.unicaen.fr/fr/page-518.html#
(10) Niki Aloupi, Détroit d’Ormuz: Quel est le Droit qui s’Applique? Le Club des Jurists, Mars 2025 (Accessed on 30/06/2026)
(11) Hormuz Monitor: Strait of Hormuz Map Explained (Accessed on 30/06/2026)
https://hormuzmonitor.com/strait-of-hormuz-map/
(12) R. Palmer Cundick, International Straits: The Right of Access, Georgia Journal of International and Comparative Law, Vol. 5, Issue 1/6, 1975, pp. 107-140.
(13) International Court of Justice: Corfu Channel (United Kingdom of Great Britain and Northern Ireland v. Albania), (Accessed on 30/06/2026) https://www.icj-cij.org/case/1
(14) Konstantinos Deligiannis-Virvos, The Closure of the Strait of Hormuz by Iran: Considerations over the Law of the Sea and Law of Naval Warfare, OpinioJuris, 6 May 2026 (Accessed on 30/06/2026)
(15) Éric Frécon, Conflits en Mer et Droit International, SciencesPo, 2018 (Accessed on 30/06/2026)
https://www.sciencespo.fr/enjeumondial/fr/conflits/part3-2.html
(16) Scott Simon, International Maritime Law Expert Explains Legality of U.S. Blockade of Iranian Ports, NPR, 18 April 2026 (Accessed on 30/06/2026)
(17) Alpaslan Ozerdem, What the Montreux Convention is, and what it Means for the Ukraine War, The Conversation, 1st March 2022 (Accessed on 30/06/2026)
(18) Muneeb Hussain, Navigating Conflict: Legal Dimensions of Iran’s Control over the Strait of Hormuz, Junge Wissenschaft, April 2026 (Accessed on 30/06/2026) https://www.juwiss.de/31-2026/
(19) Soheil Golchin, Iran’s Legal Strategy in Hormuz: Law of the Sea, Considerations and Rules of Naval Warfare, Voelkerrechtsblog, 16 April 2026 (Accessed on 30/06/2026)
https://voelkerrechtsblog.org/irans-legal-strategy-in-hormuz/
(20) Alexandru Cucinschi, The Strait of Hormuz Crisis: A Legal Perspective, The Euro-Atlantic Resilience Centre, 2 May 2026 (Accessed on 30/06/2026)
https://e-arc.ro/en/2026/05/02/the-strait-of-hormuz-crisis-a-legal-perspective-2/