لا تدل الأحداث الأخيرة في الضفة الغربية على تصعيد فجائي قررت الحكومة الإسرائيلية الذهاب إليه، الجديد في الأحداث هو سلوك الدفاع عن النفس الطبيعي والإنساني الذي مارسه الفلسطينيون في قرية تِل الفلسطينية قرب نابلس، وأدَّى إلى مقتل إسرائيلييْن، أحدهما ضابط في الجيش، والآخر مسؤول قوات الحماية في بؤرة "حفات غلعاد" الاستيطانية، التي قاد مستوطنوها الاعتداء على قرية تِل. كان سلوك الفلسطينيين في قرية تِل سلوكًا إنسانيًّا في الدفاع عن النفس والبيت والأرض، والتي حوَّلتها الميليشيات الاستيطانية الإرهابية إلى أهداف للتنكيل والحرق والنهب وإرهاب الفلسطينيين في أراضيهم وبيوتهم، وحتى في انتهاك حقهم بالحياة من خلال القتل؛ حيث قتلت هذه الميليشيات الاستيطانية، فرادى وجماعات، حوالي 30 فلسطينيًّا منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول.
تعمل الميليشيات الاستيطانية جنبًا إلى جنب الجيش والأذرع الحكومية الرسمية لتعميق المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية. يهدف المستوطنون إلى تحقيق ثلاثة أهداف مركزية، وهنا يجب عدم الخلط بين الأهداف والأدوات. فالاستيطان، وهجمات الميليشيات الاستيطانية، وعمليات الجيش الإسرائيلي، والسياسات الحكومية والمالية الداعمة للمستوطنين، كلها أدوات، وكلها ترمي إلى تحقيق ثلاثة أهداف بشكل تدريجي، يُكمل تحقيق أحدهما تحقيق الهدف التالي له.
يتمثل الهدف الأول، بمنع إقامة دولة فلسطينية، ليس من خلال اتخاذ قرار سياسي أو تشريع قانوني يعارض خيار قيام الدولة الفلسطينية، وهو ما فعلته الحكومة والكنيست الإسرائيلي (البرلمان)، بل بمنع إمكانية قيامها واقعيًّا. وينطلق هذا الهدف من سعي أنه حتى لو تغيرت الظروف السياسية، وكان هناك خيار لمثل قرار سياسي بإقامة دولة فلسطينية، فلن تكون إمكانية واقعية لتنفيذه. ولذلك فإن البناء الاستيطاني وعمل الميليشيات الاستيطانية لتهجير الفلسطينيين، والاستيلاء على أراضيهم، كلها تعمل على خلق تطابق بين القرار السياسي والوقائع على الأرض، ففي حالة تغير القرار السياسي فلا يمكن تنفيذه على الأرض.
تعميق وتسريع العمليات الاستيطانية يرمي إلى تكريس واقع صعوبة قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية. في السنوات الثلاث الأخيرة، وحسب تقرير حركة "السلام الآن" حول النشاط الاستيطاني لحكومة نتنياهو خلال الفترة 2023-2025، تبين أن الحكومة أحدثت تقدمًا في المشروع الاستيطاني الاستعماري في الضفة الغربية بشكل غير مسبوق منذ عام 1967، فقد سمحت الحكومة للمستوطنين ببناء 185 بؤرة استيطانية، وهي بنفسها أقامت وشرعنت 102 مستوطنة في الضفة الغربية، وشقَّت 223 كيلومترًا من الشوارع في الضفة الغربية لخدمة المستوطنين، وسيطرت المستوطنات الرعوية على أكثر من مليون دونم في الضفة الغربية، فضلًا عن بدء التخطيط للبناء في منطقة E1 لفصل شمال الضفة عن جنوبها. تفرض هذه الوقائع واقعًا يصعب معه، إن لم يكن يستحيل، قيام دولة فلسطينية. ويدرك المستوطنون أنه ليس هناك قائد لإسرائيل قادر على اتخاذ قرار بهدم مستوطنات بُنيت في الضفة الغربية، لاسيما مستوطنات "شرعية" جديدة، حسب القانون الإسرائيلي، وعددها وصل إلى 102 منذ عام 2023. والحقيقة أن تصور المستوطنين صحيح، فلن يظهر قائد مثل آرئيل شارون يذهب إلى خطة لانسحاب القوات الإسرائيلية يرافقها عملية تفكيك مستوطنات أو جزء منها، كما فعل شارون في غزة 2005. اتخاذ قرار سياسي لتفكيك المستوطنات أو جزء من المشروع الاستيطاني يعني في سياق إسرائيل الحالية اقتتالًا داخليًّا عنيفًا وغير عنيف داخل المجتمع الإسرائيلي، وانقسام في الجيش والشرطة، ومظاهرات لن تشبه تلك التي كانت عام 2005 مع الانسحاب الإسرائيلي من غزة بل أعنف وأكبر.
وتُبيِّن الدراسات التاريخية للاستعمار الاستيطاني، أن تغيير ميزان القوى الإقليمي هو الكفيل بدفع زعيم إسرائيلي لاتخاذ مثل هذه الخطوة، ومواجهة المعارضة الداخلية لذلك. بدون تغيير ميزان القوى فإن ذلك لن يحدث، ولن يُخاطر قائد لإسرائيل بحرب أهلية داخلية من أجل الدولة الفلسطينية، التي يترتب عليها تفكيك المستوطنات أو جزء منها، أو حتى ذلك الجزء الذي بنته الحكومة الإسرائيلية خلال الفترة 2023-2026.
أما الهدف الثاني لأدوات المشروع الاستعماري-الاستيطاني (إرهاب الميليشيات، البناء الاستيطاني والعمليات الأمنية وغيرها)، فهو التمهيد لضم الضفة الغربية بدون منح الفلسطينيين حقوقًا سياسية. الضم يحتاج إلى تشريع قانون في البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) بإحالة القانون الإسرائيلي على الضفة الغربية، وهذا يُحولها إلى جزء من إسرائيل من الناحية القانونية كما حدث مع قانون ضم القدس عام 1967، وضم الجولان عام 1981. كانت الحكومة الحالية جاهزة ومستعدة للإعلان عن ضم الضفة الغربية أو أجزاء منها (مثل مناطق C -التي تُشكِّل 60% من مساحة الضفة الغربية)، وكان القرار قد اتُّخذ لتنفيذ ذلك عام 2025، مع عودة ترامب للبيت الأبيض، ولكن ترامب نفسه كان مَنْ منع إسرائيل من ضمِّ الضفة الغربية، وعمليًّا تحول ترامب إلى العائق الأخير أمام مشروع الضم. ينطلق مشروع الضم الاستيطاني من ضم مناطق C في المرحلة الأولى، وأعتقد أن عملية تهجير الفلسطينيين من هذه المناطق، والتي ازدادت خلال السنوات الثلاث الماضية، كانت بهدف تفريغ المنطقة من الفلسطينيين (تتباين التقديرات حول عددهم، والتي تتفاوت بين 180-350 ألف فلسطيني) وضمِّها دون اضطرار إسرائيل لمنح حقوق سياسية أو مدنية للفلسطينيين، ويعقب هذه الخطوة ضم كل الضفة الغربية وإلغاء نتائج اتفاق أوسلو، ومنح الفلسطينيين نوعًا من الحكم البلدي المحلي في كل منطقة تحت سيطرة أمنية إسرائيلية وسيادة يهودية كاملة.
يرتبط الضم بتأسيس نظام فصل عنصري (أبارتهايد) فيها، تم تأسيس النظام قانونيًّا في الضفة الغربية، فهناك نظامان قضائيان ومنظومتان قانونيتان تحكمان في الضفة الغربية، واحدة للفلسطينيين والأخرى لليهود المستوطنين، فضلًا عن نظام أبارتهايد إجرائي في تطبيق القانون، مثل قوانين التنظيم والبناء والهدم، وشق طرق للمستوطنين فقط، وغيرها. بقيت مرحلة الضم حتى يتحول هذا النظام القانوني الفاصل إلى نظام سياسي متكامل من الفصل العنصري.
أما الهدف الأخير للمشروع الاستيطاني فهو تهجير الفلسطينيين، ولكن ليس كما حدث عام 1948، أو عام 1967، والتي حدث فيها التهجير خلال فترة زمنية قصيرة بل التهجير التدريجي النابع من خنق حياة الفلسطيني، سياسيًّا، واقتصاديًّا وحَضَريًّا؛ مما يدفعه للهجرة خارج فلسطين، لذلك فنظام الأبارتهايد هو عامل أساسي في التهجير؛ فالتهجير قد يستمر لسنوات طويلة، ولكن الضم بدون حقوق سياسية للفلسطينيين يمنح إسرائيل تنفيذه بشكل تدريجي ومتصاعد، دون ضغط تحمل "عبء" الفلسطيني المتساوي الحقوق مع اليهود.
ليس نجاح المشروع الاستعماري الاستيطاني حتمية في فلسطين، وتحليلنا هذا مبني على المعطيات الحالية والسياق السياسي الفلسطيني والإسرائيلي والإقليمي والدولي الحالي، وأي تغير في هذه السياقات سينعكس على هذا المشروع المتوحش عمومًا، وخلال السنوات الأربع الأخيرة خصوصًا، وهذا يحتاج إلى نقاش آخر.