يشير عدد من الحوادث المترابطة مؤخرًا إلى أن مركز الحرب الدائرة بين أميركا وإيران يتجه نحو السعودية. كانت البداية من الهجوم على مدرج مطار صنعاء، ثم توالت موجة التصعيد المتبادل بين أنصار الله (الحوثيين) والتحالف بقيادة السعودية، إلى أن وقع هجوم في 28-29 يوليو/تموز بالمسيَّرات على المنشآت النفطية بشرق السعودية، نسبته السعودية لفصائل عراقية مسلَّحة متحالفة مع إيران.
تتضح دلالات هذه الحوادث من النظر إليها في سياق بحث إيران والفصائل المتحالفة معها عن اختيار أفضل إستراتيجية تحقق أكبر عائد من الحرب الجارية وتخفض التكاليف والمخاطر إلى مستوياتها الأدنى، ويبدو أن هذه القوى توصلت إلى أن أفضل موقع لتحقيق ذلك هو التركيز على السعودية.
كانت البداية من عودة الطائرة الإيرانية إلى صنعاء حاملة وفد أنصار الله الحوثيين الذي شارك في عزاء المرشد، علي خامنئي. وقع هجوم على مدرج المطار، في 13 يوليو/تموز 2026، لمنع الطائرة من النزول، نسبه الحوثيون للسعودية بينما تبنَّته الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًّا. هاجم الحوثيون في نفس اليوم مطار أبها السعودي، ثم لم يكتفوا بهذا التصعيد المحدود فأضافوا إليه تصعيدًا جديدًا، وهو إعلان فرض الحصار على الموانئ السعودية مقابل ما يسميه أنصار الله الحوثيون الحصار المفروض على موانئ الحديدة (ميناء الحديدة، الصليف، راس عيسى) ومطار صنعاء. تنفي السعودية وصف الترتيبات المنظِّمة لمطار صنعاء وموانئ الحديدة حصارًا بل كانت ضمن توافقات أقَرَّ أنصار الله الحوثيون بها في السابق، لكن أنصار الله الحوثيين قرروا هذه المرة اعتبار تلك الترتيبات حصارًا، لأنهم قد يظنون أن الظرف الحالي وفر لهم فرصة التحكم المباشر في مطار صنعاء وموانئ الحديدة. شرعوا بعدها في مهاجمة السفن الداخلة أو الخارجة من موانئ السعودية الغربية، فأصابوا بعضها، وقررت السعودية تحويل وجهة بعضها نحو البحر الأبيض المتوسط، فانخفضت كميات النفط التي كانت السعودية تصدِّرها من ميناء ينبع، والمقدَّرة قبل هذه التصعيد بنحو 4 ملايين برميل يوميًّا، وهي جزء من الكميات التي كانت تُصدَّر سابقًا عبر مضيق هرمز قبل إغلاقه المتكرر من إيران وأميركا.
في الأثناء، أعلنت السعودية، في 27 يوليو/تموز، التصدي لمسيَّرات مهاجِمة لمنشآتها النفطية بالمنطقة الشرقية القريبة من العراق، واتهمت فصائلَ عراقية حليفة لإيران بالمسؤولية عنها، لكن لم يصدر عن أي فصيل عراقي مسلح تَبَنٍّ للعملية. أعلنت بعده عن تعرضها لهجوم ثان، وشنَّت بعده بمشاركة الولايات المتحدة، في 28-29 يوليو/تموز، هجومًا جويًّا على فصائل عراقية في محافظة نينوى وديالى وكركوك، وأوقعت -حسب الحشد الشعبي- 20 قتيلًا و32 جريحًا. لم تذكر السعودية والولايات المتحدة أسماء الفصائل العراقية المستهدفة.
الإشارتان الأساسيتان على أن الهجمات على السعودية تتجاوز التبريرات الجزئية، هما: انتقال أنصار الله الحوثيين من الهجوم المحدود على مطار أبها إلى رفع كامل للقيود عن تحكمهم في مطار صنعاء وموانئ الحديدة، رغم أنهم كانوا يقبلون بتلك القيود سابقًا. والمؤشر الثاني هو تعرض منشآت النفط السعودية بالمنطقة الشرقية لهجمات غير مرتبطة بالنزاع مع الحوثيين مباشرة، بينما لا يوجد نزاع ثنائي أصلًا بين الفصائل العراقية والسعودية.
تلتقي هذه الأحداث التي تبدو متفرقة في نتيجة واحدة وهي إعاقة السعودية عن تصدير النفط، سواء بفرض خناق على ميناء ينبع بالجهة الغربية، أو بترجيح احتمال تعطيل المنشآت النفطية للمنطقة الشرقية، فيرفع هذا الاحتمال أسعار الطاقة في الأسواق الدولية، وقد يؤدي إلى خفض نشاط هذه الحقول أو توقفها إذا باتت مخاطر الإصابة مرتفعة. والحاصل هو منع صادرات النفط السعودية من الوصول للأسواق الدولية.
هذا المنع يصب في صالح إيران من جانبين متصلين؛ فمن جانب يمنحها ورقة هائلة للضغط على الولايات المتحدة، ومن جانب آخر يخفف تكلفة الحرب عنها، وينقلها إلى السعودية.
ارتفاع مستمر لأسواق الطاقة
يؤدي منع وصول النفط السعودي للأسواق الدولية إلى ارتفاع أسعار الطاقة، فترتفع أسعار البنزين في الولايات المتحدة، فيزداد سخط الأميركيين على إدارة ترامب والجمهوريين الذين أشعلوا هذه الحرب وقرروا مواصلتها، فتنخفض شعبيتهم أكثر إلى أن يحين موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، في نوفمبر/تشرين الثاني 2026، وقد يفقدون أغلبيتهم فيه، ويفوز بها الديمقراطيون الذين يعارضون الحرب، فيتخذون بعد فوزهم تدابير مضادة لإدارة ترامب لإرغامه على وقف الحرب، فتحوِّل إيران صراعها مع إدارة ترامب إلى صراع داخلي أميركي بين الجمهوريين والديمقراطيين. يترتب على ذلك، إن تحقَّق، شروع الديمقراطيين في الضغط على إسرائيل لإرغامها على التوقف عن شَنِّ هجمات على إيران أو مهاجمة لبنان وسوريا، وقد يضغطون عليها أيضًا كي توقف اعتداءاتها على الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية. تضرب إيران في هذا السيناريو عصفورين بحجر واحد: تكبيل إدارة ترامب والتمهيد لخسارة حزبه للكونغرس، في نهاية 2026، والرئاسة، في 2028، وتكبيل إسرائيل. لكن لن يتحقق ذلك إلا إذا واصلت أسعار الطاقة صعودها، ويزداد احتمال تحقق ذلك من خلال إيقاف صادرات النفط السعودية.
يوجد شرط إضافي لتظل أسعار الطاقة صاعدة، وهو إنهاء استعمال إدارة ترامب لجولات الحرب والهدنة لإبقاء أسعار الطاقة تحوم حول 100 دولار أو أدنى منها. وقد وظَّف ترامب تحكمه في قرار الحرب للتحكم في أسعار الطاقة. ولم تكن إيران قادرة على منع العودة لجولات القتال، ورضيت بالهدن التي يعرضها ترامب لأنها تخفف الضغط عن سكانها وتوفر لها فرصة لتصدير شحنات من نفطها. وكان مركز هذه الجولات من التصعيد والتهدئة هو مضيق هرمز.
تحويل السعودية إلى مركز النزاع يحرم ترامب من هذه القدرة لأنه يفصل أسعار النفط عن الوضع في هرمز، ويجعلها مرتبطة بإيقاف صادرات النفط السعودية سواء عبر مضيق هرمز أو عبر باب المندب، والتهديد بتعطيل منشآتها النفطية. لا يستطيع ترامب في هذه الحالة استعمال التهدئة مع إيران لخفض أسعار الطاقة، فيفقد السيطرة عليها، ويزداد احتمال صعودها المستمر إلى مستويات تتجاوز قدرة الإدارة الأميركية على احتمالها. قد يحاول ترامب خفض الأسعار من خلال استعمال المخزون الإستراتيجي النفطي للولايات المتحدة، لكن هذا المخزون انخفض إلى مستويات حرجة، تعرِّض الأمن القومي الأميركي للانكشاف إذا وقعت أزمات أخرى تحتاج إلى اللجوء للاحتياطي. علاوة على الشكوك في قدرة هذا الاحتياطي على خفض الأسعار إلى مستويات مقبولة لإدارة ترامب ولمدة طويلة. كما أن علم الأسواق بأن الاحتياطي الإستراتيجي الأميركي لن يستطيع تعويض الكميات الناقصة في الأسواق، يصيبها بالذعر، فتندفع أسعار النفط إلى الارتفاع أكثر.
الجانب الثاني في استفادة إيران من تحول السعودية إلى مركز الصراع على أسعار الطاقة، هو تحقيق تلك المكاسب دون تحمل تكاليف الدخول في حرب مع السعودية. تنفي إيرن ضلوعها في المواجهات الجارية في السعودية، وتَعُدُّها نزاعات خاصة بتلك الفصائل المسلحة مع السعودية، ولا ترتبط بالحرب الدائرة مع أميركا. فتحقق بذلك عدة أهداف: تحافظ على خط التواصل مع السعودية، ولا تقدم مبررًا للولايات المتحدة قد تستعمله لإقناع السعودية بالمشاركة المباشرة في الحرب على إيران، وترفع الحرج عن باكستان التي تعهدت بالدفاع عن السعودية إذا تعرضت للهجوم.
قد تتوقع إيران أن نتائج هذا التحول تصبُّ في مصلحتها: قد ترتفع أسعار الطاقة إلى مستويات غير محتملة للإدارة الأميركية فيضطر ترامب إلى القبول باتفاق يحقق المطالب الإيرانية. وإذا لم يحدث ذلك، قد يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى خسارة الجمهوريين للكونغرس الأميركي فتقل قدرة ترامب مستقبلًا على مواصلة الحرب على إيران فيضطر إلى قبول الطلبات الإيرانية، أو قد يفقد حزبه حكم الولايات المتحدة ويخلفه الديمقراطيون المناهضون للحرب، فيصب هذا التغيير في صالح إيران. وفي الحالتين، سينخفض الدعم الأميركي لإسرائيل بل قد يتحول من دعم إلى ضغط يمنعها من مواصلة حروبها العديدة.
كذلك، سيؤدي نقل الضغط إلى السعودية إلى خفضه عن عُمان التي توجد وسط ضغط بين إيران التي تريد دعمها في وضع ترتيبات جديدة لمضيق هرمز وضغط دول الخليج والولايات المتحدة التي تريدها أن ترفض العرض الإيراني لأنه يمنح إيران القدرة على التحكم البحري في دول الخليج. قد تقترح إيران مثلًا السعي لإقناع حلفائها بتخفيف الضغط عن السعودية مقابل تحفيف دول الخليج ضغطها عن عُمان، فتفصل بذلك بين عمان ودول الخليج في ملف مضيق هرمز، وتحرم الولايات المتحدة من تكوين ائتلاف خليجي رافض للمطالب الإيرانية في مضيق هرمز.
اختارت السعودية العمل العسكري في مواجهة أنصار الله الحوثيين أو الفصائل العراقية المسلحة. وقد تستمر هذه الدورة من التصعيد؛ لأن كل عمل عسكري يدفع إلى رفع التصعيد لمستوى أعلى، فتتراكم الخسائر لكل الأطراف، وقد تتسع المواجهة لتشمل مراكز مدنية قد تُوقِع ضحايا، فتدخل المواجهة مرحلة من الانتقام المتبادل قد تغذِّي نفسها فتصير هي في حدِّ ذاتها سببًا لمواصلة الاقتتال وتنفصل عن أهدافها الأولى.
في هذه الحالة قد يحدث أمران: إعاقة وصول النفط السعودي إلى الأسواق وإيقاع خسائر في المنشآت النفطية والمطارات. لكن هناك سيناريو آخر، قد تدفع حسابات تقليل التكاليف إلى تفضيل خيار وقف تصدير النفط السعودي فتضعف حوافز الفصائل المسلحة الموالية لإيران على الاستمرار في مهاجمة السعودية؛ لأن أسعار الطاقة ستواصل صعودها، دون تعريض نفسها للرد السعودي وتحمل الخسائر الناتجة عنه.