"قبل الطوفان" حين تصبح ذاكرة العائلة تاريخًا لفلسطين.

كتاب "قبل الطوفان" لرمزي بارود سيرة عائلية تعيد كتابة تاريخ فلسطين من أسفل. وتتبع، عبر ثلاثة أجيال من عائلة البدرساوي، امتداد النكبة في الذاكرة والجسد والمقاومة، وتكشف كيف تصل الحكاية الخاصة بين الاقتلاع والحصار والإبادة، وتحفظ الفلسطينيين من الاختزال في أرقام الضحايا، وترد إليهم أسماءهم ووجوههم.
4 August 2026
(الجزيرة)

مقدمة

يقدم رمزي بارود في كتابه "قبل الطوفان: سيرة عائلة من غزة عبر ثلاثة أجيال من الغزو الاستعماري والاحتلال والحرب في فلسطين" تاريخًا لفلسطين من داخل ذاكرة عائلته، لا من خارجها. تبدأ الحكاية في بيت دراس قبل النكبة، ثم تنتقل مع المهجَّرين إلى قطاع غزة، وتتبع ما طرأ على حياة أفراد عائلة البدرساوي خلال الاحتلال واللجوء والانتفاضات والحصار والحرب الإبادية. وبذلك لا تكون الأسرة مجرد مثال في تاريخ مكتمل سلفًا، بل تصبح مادته الأساسية ووسيلة إعادة بنائه من وجهة نظر الذين عاشوه ودفعوا ثمنه.

يحوِّل بارود حيوات الفلاحين والعمال واللاجئين إلى مدخل لفهم تاريخ غزة، ويكشف امتداد صدمة النكبة في الأجيال اللاحقة، ويستعيد الاستمرارية التاريخية التي تقطعها الرواية الإعلامية السائدة. كما يصل بين الذاكرة والمقاومة والحياة، ويرد إلى التجربة الفلسطينية لحمها وروحها بعد أن اختزلتها الأرقام.

سيرة عائلية تكتب "التاريخ من أسفل"

يُقصد بـ"التاريخ من أسفل" (History from below) اتجاهٌ في الكتابة التاريخية ينقل مركز النظر من الحكام والنخب إلى خبرات الناس العاديين والفئات التي همَّشتها الرواية الرسمية، ويتخذ من حياتهم اليومية وذاكرتهم وأفعالهم مصادر لفهم التحولات الكبرى. وقد سعت مدرسة "دراسات التابع" (Subaltern Studies)، التي كان المؤرخ الهندي، راناجيت غوها  (Ranajit Guha)، من أبرز مؤسسيها، إلى استعادة حضور هذه الفئات في التاريخ، وعبَّر غوها عن أصواتها التي تحجبها السرديات المهيمنة بعبارة "الصوت الخافت للتاريخ". ولا يُغفل هذا المنظور الدولة والبنى السياسية والعسكرية، بل يعيد بناء التاريخ من الموقع الذي تُعاش فيه آثارها. وبهذا المعنى ينتمي كتاب بارود إلى هذا الاتجاه؛ إذ يقرأ النكبة والاحتلال والحصار والمقاومة عبر سيرة الفلاحين واللاجئين والعمال وأفراد عائلة البدرساوي، ويجعل أصواتهم الخافتة مادة أساسية لكتابة التاريخ.

يتألف كتاب بارود من تسعة فصول تروي تاريخ غزة حتى عشية السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ثم فصل أخير وخاتمة يتابعان مصائر الشخصيات أثناء الإبادة الجماعية، فضلًا عن خط زمني تاريخي، وآخر للحرب، ومادة توثيقية للمصادر. غير أن هذه البنية لا تجعل الكتاب تاريخًا تقليديًّا مبنيًّا على الحروب والاتفاقات والقادة؛ إذ تتحول حياة الأشخاص العاديين إلى عُقَد تصل بين التاريخين، الاجتماعي والسياسي. فمن خلال أفراد العائلة يتعرف القارئ إلى بدايات مخيمات الأونروا، وفقر اللاجئين، وعمل الأطفال الفلسطينيين في السوق الإسرائيلية، والانتفاضة الأولى، وصعود حركة حماس، والتوتر بينها والسلطة الفلسطينية.

تكمن جِدة هذا البناء في أن الشخصيات لا تظهر بوصفها شواهد صامتة على أحداث كبرى، بل قوى فاعلة تصنع التاريخ داخل حدود قاسية لم تخترها. وقد عبَّر بارود عن هذا المقصد في مقدمته حين جعل الفلاحين والعمال، الذين بدوا ضعفاء وقابلين للاستغناء عنهم، أكثر الفاعلين تأثيرًا في قصة فلسطين. ومن هنا نفهم عبارته المركزية:

"بينما تواصلون قراءة هذا النص، آمل أن تدركوا أن الفلسطينيين ليسوا ضحايا لا حول لهم ولا قوة في مجرى التاريخ، بل هم، على مَرِّ الأجيال، أسياده، أي أولئك الذين يصوغونه ويصوغون المستقبل كذلك".

لا تنفي هذه العبارة ما تعرض له الفلسطينيون من اقتلاع وقتل، وإنما ترفض أن تُختزل هويتهم في موقع الضحية. فالفاعلية في الكتاب لا تساوي دائمًا الانتصار العسكري أو السيطرة السياسية؛ فقد تتمثل في حفظ اسم، أو مواصلة رواية انقطعت باستشهاد صاحبها، أو الدفاع عن البيت، أو توريث معنى العودة. وبذلك ينقل بارود الفلسطيني من موضوع تكتب عنه المؤسسات والدول إلى ذات تتكلم وتختار وتحفظ سرديتها.

"الأمد الطويل" ومقاومة القطيعة

يرتبط مفهوم "الأمد الطويل" (longue durée) بالمؤرخ الفرنسي، فرناند بردويل(Fernand Braudel) ، ومدرسة الحوليات، ويقوم على دراسة البنى التاريخية الممتدة بدل اختزال التاريخ في الأحداث السياسية والعسكرية قصيرة الأمد. وقد اعتمد بارود هذا المفهوم لوصل المقاومة الفلسطينية الراهنة بتاريخ طويل من الاقتلاع والمقاومة.

ومن ثم لا يتعامل الكتاب مع السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 بوصفه حدثًا مقطوعًا عن سياقه، كما دأب على ذلك بعض النخب الغربية ووسائل الإعلام المناصرة لإسرائيل، ولا مع النكبة بوصفها واقعة انتهت سنة 1948، بل يرى الماضي والحاضر والمستقبل الفلسطيني حلقاتٍ متداخلة تتكرر فيها بنى الاقتلاع والمقاومة، مع اختلاف أشكالها وأدواتها. ولم تكن غاية بارود إضافة "سياق" قصير إلى الأحداث الراهنة فحسب، بل بناء تاريخ مضاد من ذاكرة العائلة، في مواجهة سرديات تبدأ التاريخ من اللحظة التي تلائم القوة المهيمنة.

وفي هذا البناء لا تعني الاستمرارية أن الفلسطينيين يكررون الفعل نفسه أو يخضعون لجوهر ثابت لا يتغير؛ بل تعني أن كل جيل يتلقى ذاكرة الجيل السابق، ثم يعيد صياغتها وفق ظروفه. لذلك تتجاور في الكتاب مقاومة أهل بيت دراس، وتجربة المخيم، والانتفاضة، والأنفاق، والحرب الراهنة. والمشترك بينها ليس أداة القتال، وإنما رفض التسليم بأن الاقتلاع صار قدرًا نهائيًّا.

ومن هنا تكتسب شهادة المؤلف على تشكُّل الرواية نفسها دلالة تتجاوز الجانب الشخصي. فقد دخل بعض أفراد العائلة المشروع رواةً أو باحثين يساعدونه على جمع المادة، ثم قتلتهم الحرب فأصبحوا جزءًا من القصة التي كانوا يروونها. وعندما غاب راوٍ، واصلت زوجته أو ابنه أو شقيقته الحكاية من حيث انتهى:

"بدأت شخصيات كثيرة علاقتها بهذه الرواية رواةً أو باحثين، لكنها سرعان ما أصبحت من ضحايا الإبادة الإسرائيلية، فتحولت إلى جزء من القصة... ومن غير تنسيق سابق، صاغوا الرواية من دون فجوات أو انقطاع. هذا الإنجاز ليس إنجازي، بل إنجازهم".

هنا تغدو الكتابة نفسها صورة من صور المقاومة والثبات؛ لأن القتل لا يستطيع إحداث الفراغ الذي يريده ما دام شخص آخر يحمل الاسم والحكاية. فالذاكرة ليست مستودعًا للماضي، بل ممارسة تُبقي الجماعة قادرة على تعريف نفسها واستئناف فعلها التاريخي.

مدللة: حين تستقر النكبة في الجسد

يبلغ التداخل بين الفردي والجماعي ذروة مبكرة في قصة مدللة عبد النبي، عمة المؤلف الكبرى. فبعد استشهاد والدها محمد لا يكتفي السرد بتسجيل اسمه في عداد الضحايا، بل يرصد الكيفية التي يتحول بها العنف إلى صمت يسكن الجسد. تتعطل الأصوات في وعي الطفلة لحظة ثم تعود دفعة واحدة، لكنها تفقد الرغبة في الكلام. ويستعيد الكتاب لحظة وداعها والدها على النحو الآتي:

"بدأ كثير من شخصيات الكتاب صلتهم بهذا السرد رواةً أو باحثين، لكنهم سرعان ما أصبحوا من ضحايا الإبادة الإسرائيلية، فغدوا هم أنفسهم القصة. وكلما قُتل أحد أولئك الرواة، واصل آخر الحكاية من حيث انتهى سابقه: زوجة تروي قصة زوجها، وابنٌ قصةَ أبيه، وشقيقة قصة شقيقها. ومن غير تنسيق سابق، صاغوا السرد من دون فجوات أو انقطاع. هذا الإنجاز ليس إنجازي، بل إنجازهم".

لا يعمل الصمت هنا رمزًا جاهزًا للحزن، بل يصبح أثرًا جسديًّا لصدمة يتعذر على اللغة استيعابها؛ حتى إن القارئ يكاد يشعر بصمت مدللة في حنجرته. كما تكشف الصور المروعة للتهجير استمرار صدمة النكبة في الأجيال المتعاقبة. وبذلك يتجنب بارود الفصل المصطنع بين التاريخ النفسي والتاريخ السياسي: فالنكبة حدث وقع في المكان، لكنه استمر في الذاكرة والعلاقات العائلية وتكوين الأجيال.

إيهاب: البيت أرشيف وموقع للمقاومة

تمثل قصة إيهاب البدرساوي الخيط الذي يصل مراحل الكتاب المتباعدة. فهو الطفل الذي شارك في الانتفاضة الأولى، ثم المقاتل الذي تتراكم على جدران بيته صور العائلة وخريطة فلسطين وآيات القرآن وصورتا الشيخ أحمد ياسين ووائل. وفي الفصل العاشر لا يجعل بارود البيت مكانًا محايدًا تجري فيه الأحداث، بل يقدمه أرشيفًا مصغرًا لذاكرة الأسرة ومكانًا أعدَّه إيهاب للبقاء والقتال:

"دلَّت الآثار التي تركها إيهاب على أنه لابد أن يكون قد صلَّى، وهيَّأ وجبات صغيرة كان معظمها من البيض، وأعدَّ حزامًا ناسفًا، واستمع إلى المذياع، وهدم الجدار الفاصل بين بيته وبيت الجيران... ولابد أنه قرأ القرآن أيضًا؛ إذ كان في وسط غرفة الجلوس مصحف نُقل من موضعه على الرف. وعلى الجدار الرئيس كان ثمة ملصق كبير مؤطَّر للشيخ أحمد ياسين، وآخر لوائل".

تتجاور في هذا المشهد أفعال الحياة اليومية والاستعداد للموت: الطعام والصلاة والمذياع، والمصحف والصور والسلاح. ولا يسمح هذا التجاور بفصل "المقاتل" عن شبكة القرابة والذاكرة التي كوَّنته. فالبيت ليس مجرد مكان خاص، كما أن المقاومة ليست فعلًا منفصلًا عن التاريخ الاجتماعي؛ إنهما يتداخلان حتى تغدو الجدران التي يهدمها إيهاب طريقًا ماديًّا بين البيوت، فيما تحفظ الجدران الباقية صور أسلافه ورموز عالمه.

تكمن قيمة كتاب "قبل الطوفان" في كونه يستعرض مسارًا بشريًّا مركبًا من الخوف والفقد والإيمان والاختيار لا نموذجًا دعائيًّا مجردًا. وهذا ما يجعل سؤال العنف في الكتاب مرتبطًا بتاريخ طويل من الحصار والاقتلاع، من غير أن يلغي الكلفة الإنسانية التي تقع على الشخصيات نفسها.

من النكبة إلى الطوفان: التاريخ لا يبدأ في السابع من أكتوبر

إن تفسير السابع من أكتوبر/تشرين الأول لا يستقيم بالسبب المباشر وحده؛ إذ يعيد بارود القارئ إلى بيت دراس والانتداب البريطاني والنكبة واللجوء والاحتلال والحصار، داحضًا بذلك السردية الإعلامية التي تعاملت مع ذلك اليوم كأنه انقطاع مفاجئ في تاريخ اتسم قبله بالهدوء. ولا يقدم الكتاب الماضي ذريعة آلية للحاضر، بل يبيِّن أن الفعل السياسي لا يُفهم إذا عُزل عن الشروط التي راكمته.

ولهذا السبب لا تقتصر وظيفة العنوان "قبل الطوفان" على تعيين الزمن السابق للعملية؛ فهو يحيل إلى تاريخ كامل جرى حجبه عندما اختُزلت غزة في يوم واحد. ويتدرج السرد نحو "الطوفان" لا لأنه نهاية محتومة بسيطة، بل لأنه لحظة تتجمع فيها آثار عقود من الإفقار، والتهجير والسجن والقتل. وقد شكَّل هذا التدرج اندفاعًا نحو أكتوبر مصحوبًا بتصاعد الرعب، يربط مصائر الجيل الجديد بما أصاب الأجيال السابقة.

بين غسان كنفاني ومحمود درويش

أشاد مايكل ليوناردي (Michael Leonardi) بكتاب "قبل الطوفان"، ورأى أنه "حقيق بأن يكون في مصاف الأعمال الكبرى في الأدب الفلسطيني، من غسان كنفاني إلى محمود درويش". ولا ينبغي فهم هذه المقارنة على أنها مساواة مباشرة بين أجناس وأساليب مختلفة؛ فبارود يكتب سيرة عائلية موثقة، وكنفاني روائي وقاص وناقد، ودرويش شاعر صاغ جانبًا مركزيًّا من المخيلة الوطنية الفلسطينية. غير أن المقارنة تضيء قرابة أعمق: قدرة التجربة الفردية على حمل معنى جماعي من دون أن تفقد ملمسها الإنساني. فمثلما جعل كنفاني الشخصيات اليومية حاملة لأسئلة المنفى والعودة، وحوَّل درويش التفاصيل الخاصة إلى لغة تتسع للتجربتين، الفلسطينية والإنسانية، يجعل بارود عائلة البدرساوي نافذة على تاريخ شعب كامل.

تتجلى هذه القيمة الأدبية في عناية الكتاب بالتفاصيل: البئر، وبساتين الزيتون، والسوار، والجرة، ورائحة البقلاوة في الأعراس، وصور الموتى على الجدران. فهذه الأشياء لا تزين الحكاية، بل تقاوم التجريد الذي يحول الفلسطينيين إلى أعداد. وينقل بارود الخاص إلى أفق إنساني عام؛ أي إن العائلة لا تفقد خصوصيتها حين ترمز إلى فلسطين، بل تصبح رمزًا؛ لأنها قُدِّمت بأسمائها ووجوهها وعلاقاتها الدقيقة.

قيمة الكتاب وحدوده

تنبع القيمة الأولى للكتاب من جمعه بين قابلية القراءة والعمق التاريخي. فهو يتيح للقارئ غير المتخصص دخول تاريخ غزة عبر مصائر أشخاص، ثم يقوده من تلك المصائر إلى البنى الأوسع: الاستعمار واللجوء والتبعية الاقتصادية، والسجن، والانقسام السياسي، والحصار. وتنبع قيمته الثانية من منهجه في مقاومة محو الأفراد؛ فالأسماء والصور والقرابات ليست مادة عاطفية ملحقة بالتاريخ، بل هي الوثيقة التي يُعاد بها بناء التاريخ نفسه.

أما قيمته الثالثة فتظهر في ظروف إنجازه. فقد تغيَّر موقع المؤلف أثناء الكتابة من راوٍ يجمع تاريخ عائلته إلى فرد يفقد فروعًا كاملة منها في الحرب. لذلك ينطوي الكتاب على توتر لا يمكن حلُّه بين المسافة التي يحتاج إليها المؤرخ والقرب الذي يفرضه الفقد. وليس هذا التوتر عيبًا؛ فهو جزء من حقيقة الكتاب وشهادته على تاريخ لم ينته بعد.

وتأخذ المحررة والكاتبة الفلسطينية، عايدة عودة، كبيرة المحررين في مجلة Washington Report on Middle East Affairs، على الكتاب إغفاله علاقة الغزيين بالمستوطنات الإسرائيلية في قطاع غزة قبل إخلائها، سنة 2005، وإسهام تلك العلاقة في تعميق الشعور العام بالقهر وتطور المقاومة. غير أن هذه الملاحظة، كما تقول عودة، لا تنتقص من قيمة العمل، لكنها تذكِّر بأن السيرة العائلية، مهما اتسعت، تظل زاوية نظر منتقاة ولا تمثل تاريخًا شاملًا لجميع أبعاد تجربة غزة. وقد سألتُ رمزي بارود عن هذه الملاحظة، فأوضح أن واقع الاستيطان في قطاع غزة اختلف عنه في الضفة الغربية؛ إذ كان المستوطنون يعيشون في تجمعات معزولة، من دون تماسٍّ أو اتصال مباشر بسكان القطاع حتى إن رؤية أحدهم كانت أمرًا نادرًا. ومن ثم، لم تكن علاقة الغزيين بالمستوطنين، في رأيه، جزءًا مباشرًا من حياتهم اليومية على النحو الذي قد توحي به ملاحظة عودة.

خاتمة

"قبل الطوفان" كتاب عن عائلة لكنه لا ينغلق داخل حدودها؛ فهو يعيد كتابة تاريخ فلسطين من حياة الذين همَّشتهم السرديات الرسمية، ويصل النكبة بالحاضر من غير أن يحول التاريخ إلى تكرار آلي. وتصبح الذاكرة فيه فعلًا يقاوم الإبادة مرتين: مرة حين يحفظ الأشخاص من التحول إلى أرقام، ومرة حين يمنع موت الراوي من إسكات القصة.

وعند جمع خلاصات القراءات المختلفة، يظهر أن أهمية الكتاب تقوم على خمسة عناصر متضافرة: التاريخ الاجتماعي، والصدمة العابرة للأجيال، والاستمرارية التاريخية، ووحدة الذاكرة والمقاومة، والقيمة الأدبية والإنسانية. غير أن الصوت الحاسم يظل صوت الكتاب نفسه: صوت عائلة انتقلت الحكاية بين أفرادها كلما غيَّب الموت أحد رواتها، فأثبتت أن محو الجسد لا يساوي محو الاسم، وأن التاريخ الفلسطيني لا يُروى على أنه سجل للضحايا وحدهم، بل كذلك تاريخ الذين ظلوا قادرين على روايته وصنعه.

1
(الجزيرة)

ويمتد هذا المشروع في الكتاب الجماعي "غزة تنهض: أصوات من تحت الركام"(Gaza Rising: Voices from the Rubble)، من تحرير رمزي بارود وإيلان بابيه (Ilan Pappé) ورومانا روبيو (Romana Rubeo)، والمنتظر صدوره قريبًا. فإذا كان "قبل الطوفان" يعيد بناء التاريخ الفلسطيني من ذاكرة أسرة واحدة عبر ثلاثة أجيال، فإن "غزة تنهض" يوسِّع الدائرة ليجمع شهادات مثقفي غزة وصحافييها ومعلميها وفنانيها وعمال الدفاع المدني وقادة مجتمعاتها وناسها العاديين. وتحفظ هذه الشهادات الأسماء والذكريات والعلاقات والأحلام وأفعال المحبة في خضم الدمار؛ وبالسرد الذاتي يحوِّل أصحابها الحزن الشخصي إلى أرشيف تاريخي جماعي يكشف التجربة المعيشة وراء كل بيت مدمر وأسرة مشردة وحياة أُزهقت. وهكذا ينتقل المشروع من السيرة العائلية إلى تعدد الأصوات، من غير أن يتخلى عن المبدأ نفسه: مقاومة اختزال الفلسطينيين في أعداد مجردة، وردُّ أسمائهم ووجوههم وأحلامهم إلى التاريخ. يصل الكتاب الأول النكبة بالحاضر عبر ذاكرة العائلة، فيما يستعيد الثاني الفردية الفلسطينية من تحت الركام؛ وفي كليهما تصبح الكتابة صورة من صور البقاء واسترداد القدرة على رواية الذات.

ABOUT THE AUTHOR

References

Audeh, Ida. “Before the Flood: A Gaza Family Memoir Across Three Generations of Colonial Invasion, Occupation and War in Palestine.” Washington Report on Middle East Affairs, June/July 2026, 94–96. Accessed August 2, 2026. [https://www.wrmea.org/middle-east-books-and-more/before-the-flood-a-gaz…](https://www.wrmea.org/middle-east-books-and-more/before-the-flood-a-gaz…).

Baroud, Ramzy. Before the Flood: A Gaza Family Memoir Across Three Generations of Colonial Invasion, Occupation, and War in Palestine. New York: Seven Stories Press, 2026.

Baroud, Ramzy, Ilan Pappé, and Romana Rubeo, eds. Gaza Rising: Voices from the Rubble. Atlanta: Clarity Press, forthcoming 2026.

Braudel, Fernand. “Histoire et sciences sociales: La longue durée.” Annales. Économies, Sociétés, Civilisations* 13, no. 4 (1958): 725–753. [https://doi.org/10.3406/ahess.1958.2781](https://doi.org/10.3406/ahess.1958.2781).

Guha, Ranajit. “The Small Voice of History.” In *Subaltern Studies IX: Writings on South Asian History and Society*, edited by Shahid Amin and Dipesh Chakrabarty, 1–12. Delhi: Oxford University Press, 1996.

Jacobs, Ron. “Resistance as Memory, Resistance as Life: Reading Baroud’s Before the Flood.” Palestine Chronicle, April 15, 2026. Accessed August 2, 2026. [https://www.palestinechronicle.com/resistance-as-memory-resistance-as-l…](https://www.palestinechronicle.com/resistance-as-memory-resistance-as-l…).

Leonardi, Michael. “Before the Flood: Ramzy Baroud’s Masterpiece of Memory, Resistance and Unyielding Sumud.” CounterPunch, June 26, 2026. Accessed August 2, 2026. [https://www.counterpunch.org/2026/06/26/before-the-flood-ramzy-barouds-…](https://www.counterpunch.org/2026/06/26/before-the-flood-ramzy-barouds-…).

Publishers Weekly. Review of  Before the Flood: A Gaza Family Memoir Across Three Generations of Colonial Invasion, Occupation, and War in Palestine, by Ramzy Baroud. February 4, 2026. Accessed August 2, 2026. [https://www.publishersweekly.com/9781644215289](https://www.publishersweekly.com/9781644215289).

Sharpe, Jim. “History from Below.” In New Perspectives in Historical Writing, edited by Peter Burke, 24–41. Oxford: Polity, 1991.

The Philosopher. “Book Review: Before the Flood—A Gaza Memoir.” 114, no. 1 (Spring 2026). Posted June 1, 2026. Accessed August 2, 2026. [https://www.the-philosopher.co.uk/2026/06/book-review-before-flood-gaza…](https://www.the-philosopher.co.uk/2026/06/book-review-before-flood-gaza…).