التحالف الثلاثي: تحوط سعودي من الإخفاق الأميركي

اتفق قادة السعودية وتركيا وباكستان على حلف دفاعي مشترك، يبدو من ملابسات انعقاده أنه يدعم في المقام الأول السعودية التي تتعرض لضغوط أميركية للانخراط في الحرب أو القبول بالتطبيع مع إسرائيل.
11 August 2026
تحالف ثلاثي لمواجهة الإخفاق الأمريكي (واس)

اجتمع قادة السعودية، محمد بن سلمان، وتركيا، رجب طيب أردوغان، وباكستان، شهباز شريف، في مكة، الجمعة، 7 أغسطس/آب 2026، للاتفاق على عقد تحالف عسكري دفاعي، وورد في بيان القمة أن قاعدته هي أن أي اعتداء على عضو في التحالف هو اعتداء على بقية الأعضاء، مثل القاعدة الخامسة الشهيرة للحلف الأطلسي. لكن رغم تشابهه مع هذه الالتزام الوارد في اتفاقية الحلف الأطلسي إلا أنه لا يزال لم يستوف كل الإجراءات التي تجعله نافذًا؛ فمثلًا لم يصدر عن القمة وثيقة توضح آليات الالتزام، والجهات المسؤولة عن التنفيذ، ولم يمر الاتفاق إلى برلمانات الأعضاء للتصويت على قبول الالتزامات الواردة فيه.

رغم ذلك، فإن الاتفاق في حالته الراهنة ينشئ، من منظور السعودية، بعض الالتزامات، مثل رفع كلفة بعض الخيارات لأن أعضاء التحالف قد يعدونها ضارة بهم، فمثلًا ستحرص السعودية على مراعاة باكستان في علاقتها مع الهند لأن باكستان تعد الهند الخطر الأول على أمنها، وستحرص على مراعاة تركيا في ملف التقارب مع اليونان لأن تركيا تعدها خصمًا في ملف قبرص وملف الانضمام للاتحاد الأوروبي.

كذلك، يتيح هذا الاتفاق في صيغته الحالية التعاون بين أطرافه في عدة مجالات، مثل إسهام تركيا في تطوير الصناعات الدفاعية للمملكة، والاستثمار السعودي في الصناعات الدفاعية التركية، وإسهام باكستان وتركيا في تدريب القوات السعودية، خاصة تركيا التي تستطيع نقل تدريبات قوات حلف الناتو الأكثر تقدمًا، والتعاون الاستخباراتي.

لماذا احتاجت هذا البلدان للالتزام الدفاعي المشترك في الظرف الراهن؟ ما الخطر الذي تواجهه حاليًّا وتحتاج إلى التعاون لصدِّه؟

تحالف خفض التصعيد

ينفي أعضاء التحالف أن اتفاقهم الدفاعي يستهدف دولة بعينها، ويكررون أنه مفتوح لمن أراد الانضمام. قد تكون تصريحات بروتوكولية للتأكيد أن تحالفهم دفاعي فقط وليس هجوميًّا ولا يخص دولة بعينها حتى يُبقوا خيارات تعاملهم مع مختلف دول الإقليم مفتوحة. لكن فحص الظرف الحالي قد يبيِّن الحاجة إلى عقده، والدولة الأكثر احتياجًا لذلك، والعائد الذي تتوقعه من ذلك.

من بين الدول الثلاثة الأعضاء، السعودية هي التي تتعرض أراضيها ومنشآتها الحيوية لهجمات عسكرية، سواء من الحوثيين في حدودها الجنوبية المحاذية لليمن، أو من بعض فصائل الحشد الشعبي في حدودها الشرقية الشمالية المحاذية للعراق، إضافة إلى إعلان الحوثيين حصارًا بحريًّا على الموانئ السعودية المطلة على البحر الأحمر، ومهاجمتهم للسفن التي تدخل إليها أو تخرج منها، يضاف إلى ذلك توقف الصادرات والواردات السعودية عبر مضيق هرمز الذي يتعرض لغلق ثنائي متقطع إيراني-أميركي. وخلف ذلك، خطر مهاجمة إيران لمنشآت الطاقة السعودية وبقية المنشآت المدنية الحيوية مثل الكهرباء والماء، في حال هاجمت أميركا وإسرائيل منشآت النفط الإيرانية وبقية المنشآت الحيوية مثل الكهرباء والماء. وهذا خطر يخف ثم يشتد حسب تغير مواقف الرئيس ترامب، ومهما كانت احتمالات وقوعه ضعيفة إلا أن قوعه سيكون كارثيًّا، وقد يصيب المنطقة كلها بدمار قد لا تتعافى منه.

في هذا الوضع الضاغط، يوجد خياران، إما التصعيد مع إيران لرفع كلفة مهاجمتها لدول الخليج، فتتوقف عن ذلك، أو الضغط على الولايات المتحدة كي توقف هجماتها على إيران فتتوقف إيران بالتالي عن مهاجمة دول الخليج. اختارت السعودية المسار الثاني، فلقد تكرر طلبها من الرئيس ترامب وقف الهجمات على إيران كلما اقترب من تنفيذ هجمات جديدة، وقد أعلن ترامب ذلك مرارًا بأنه أوقف الهجمات المقررة بطلب من دول الخليج، ويذكر في مقدمتها السعودية. وقد تشكَّل بذلك نمط في السياسة الأميركية، تناوله المحللون، وهو بروز لوبي خليجي بقيادة السعودية يضغط لوقف التصعيد العسكري في مقابل لوبي إسرائيلي يضغط لزيادة التصعيد العسكري، وقد كان آخر إنجازات هذا اللوبي الخليجي إقناع ترامب بوقف آخر هجوم توعَّد به إيران عقب زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، للبيت الأبيض، وروود تقارير بأن إسرائيل كانت تستعد للمشاركة في الهجمات القادمة التي ستضرب منشآت الطاقة الإيرانية.

هذا السلوك السعودي يساعدنا في فهم القصد من التحالف الثلاثي. لا تريد السعودية التصعيد العسكري مع إيران، ولن تطلب ذلك من باكستان وتركيا لأن البلدين يرفضان التصعيد مع إيران أو مواجهتها عسكريًّا، وقد ثبت ذلك تاريخيًّا؛ فلقد رفضت باكستان المشاركة في حرب التحالف بقيادة السعودية على الحوثيين، وترفض تركيا الصدام العسكري مع إيران لأنها لا تراها خطرًا على أمنها بل شريكًا في التصدي للخطر الكردي الذي يهدد البلدين.

قد يكون تعجيل السعودية بهذا التحالف لأنها تريد التحوط من ردِّ الفعل الأميركي على مواصلتها التصدي لتصعيده العسكري ورفضها الانخراط فيه ورفض التطبيع الذي تلح عليه إدارة ترامب.

تردي الردع وانفلات إسرائيل

قبل تفصيل هذا التحوط، نحتاج إلى تحليل الحسابات التي قد تكون أوصلت السعودية للضغط على أميركا وليس على إيران.

قد ترى السعودية أن الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران لم تجعل أمن دول الخليج أفضل بل جعلته أسوأ. كان مضيق هرمز قبل الحرب مفتوحًا، وكانت سفن دول الخليج آمنة، وتتحرك دون إذن إيران، وكانت إيران تمتنع عن السيطرة على المضيق خوفًا من الرد العسكري الأميركي. لكن بعد وقوع الحرب، رأت إيران أنها دفعت الكلفة التي كانت تخشاها لو سيطرت على مضيق هرمز، فانتهزت الفرصة وسيطرت عليه، وعجزت الولايات المتحدة عن إعادة المضيق إلى وضعه قبل الحرب، بل إن محاولات فتحه بالقوة قد تقضي على بقية منشآت الطاقة الخليجية والمنشآت الحيوية، وقد تصيب الحياة في الخليج بالشلل الكامل.

الحصيلة أن هذه الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران أضعفت الردع الذي كان موجودًا قبلها، وجعلت الأمن الخليجي أكثر انكشافًا، وأعباء التحالف مع أميركا أكبر من جدواه.

سقط أيضًا خيار التحالف الإبراهيمي الذي روَّج له ترامب في عهدته الأولى، وكان ترتيبًا أمنيًّا يدمج إسرائيل في منطقة الخليج للتصدي المشترك لإيران، يحقق -حسبه- هدفين: يدمج إسرائيل في منطقة الخليج والعالم العربي دون تسوية للقضية الفلسطينية، والهدف الثاني، هو تكفل هذه الدول بأمنها حتى تستطيع الولايات المتحدة التفرغ لتطويق الصين في جنوب شرق آسيا. لكن الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران كشفت أن إسرائيل أقل اكتراثًا بأمن الخليج؛ لأنها تصر على مهاجمة منشآت الطاقة الإيرانية حتى لو ردَّت إيران بضرب منشآت الطاقة الخليجية السعودية؛ لأن ما يهم إسرائيل هو القضاء على قدرات إيران لمنعها من النهوض مستقبلًا حتى لو كان ثمن ذلك القضاء أيضًا على دول الخليج. لم تُنَفَّذْ هذه الهجمات ليس مراعاة لطلب خليجي وإنما بأمر أميركي وخشية من الرد الإيراني. لكن ماذا يقع مستقبلًا لو انضمت السعودية وقطر للاتفاقات الإبراهيمية، وقررت إسرائيل شنَّ هجوم على منشآت إيران النووية أو الطاقوية، غير مبالية بالخراب الذي سيلحق دول الخليج؟

قد تكون السعودية خلصت إلى أن التحالف مع أميركا زاد المخاطر على أمنها ومصالحها والحلف الإبراهيمي البديل أكبر تكلفة وخطرًا.

هذا التقدير يكشف التعارض الأميركي-السعودي المتنامي. رفضت السعودية خلال هذه الحرب الموافقة على طلب ترامب منها الانضمام للاتفاقات الإبراهيمية، وظلت متمسكة بموقفها المبدئي، وهو الالتزام الإسرائيلي الواضح بمسار موثوق يؤدي لقيام دول فلسطينية. وقد حاول ترامب إرغام عدد من الدول على التطبيع مع إسرائيل حتى يستعرضه بوصفه إنجازًا للناخب الأميركي يعوِّض به إخفاقاته في تحقيق أهداف الحرب على إيران.

ورفضت السعودية أيضًا الانخراط إلى جانب أميركا في الحرب الجارية على إيران؛ وحرصت على السعي لكبح التصعيد الأميركي. استفز هذا الموقف القادة الأميركيين المناصرين للتصعيد العسكري والمتحالفين مع نتنياهو، مثل النائب السابق، ليندسي غراهام، الذي أبدى امتعاضه من الامتناع السعودي عن المشاركة في الحرب، وتشن حاليًّا قناة فوكس نيوز القريبة من تيار الصقور المناصر لإسرائيل حملة للضغط على السعودية لدفعها للمشاركة في الحرب، واتهامها بنكران الجميل والتخلي عن الحلفاء وقت الحاجة.

ليس من المستبعد أن الإصرار السعودي على التصدي للإدارة الأميركية في ملف التطبيع مع إسرائيل وفي التصعيد العسكري مع إيران، قد يجعل اللوبي الإسرائيلي يضغط لفرض عقوبات على السعودية، وقد تشمل وقف إمدادها بالذخائر، وحرمانها من الدفاعات الجوية، وقطع الغيار، وغير ذلك من الإجراءات العقابية التي فعلتها من قبل الإدارات الأميركية مع السعودية. تحتاج السعودية الاحتياط من ذلك بالتحالف مع تركيا وباكستان، لأنهما قوتان عسكريتان، تمتلكان ترسانة أسلحة هائلة، ويمكن لتركيا أن تعوِّض السعودية عن حاجاتها في الذخائر وبعض الأسلحة وقطاع الغيار لأن سلاح البلدين أميركي في معظمه.

أما في موضوع رفض التطبيع؛ فإن التحالف مع بلدين يناوئان إسرائيل، سواء من حيث المبدأ مثل باكستان التي ترفض التطبيع معها، أو من حيث الموقف مثل تركيا التي تعدها خطرًا على أمنها، يعزز موقف السعودية في رفض التطبيع؛ لأنها تستطيع القول بأن شريكيها في الحلف لا يثقان في إسرائيل ويعدانها خطرًا عليهما، وتحتاج إلى مراعاتهما. من المرجح أن ترامب سيمتنع عن الاعتراض؛ لأنه أشاد بأردوغان وعبَّر عن احترامه الشديد له رغم معارضته لإسرائيل، ويحتاج في نفس الوقت باكستان للوساطة مع إيران. ليس من الراجح أن يطلب من السعودية التقارب مع إسرائيل وهو لا يطلبه من حليفيها، باكستان وتركيا.

في المنظور الأوسع، يغير هذا التحالف حسابات الإدارة الأميركية في التعامل مع السعودية؛ لأنه خفض من جدوى أدوات الضغط التقليدية، مثل قطع الإمداد بالذخائر؛ ما دامت السعودية باتت قادرة على توفيرها من باكستان وتركيا. سيظل هذا التغير في الحسابات بعد رحيل إدارة ترامب؛ لأنه يتعلق بقدرة أي إدارة أميركية على الضغط على السعودية مستقبلًا.

تجنب الاصطفاف

من المرجح أن يظل هذا التحالف السعودي/التركي/الباكستاني مجديًا بعد نهاية هذه الجولة من الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران؛ لأنه يستجيب لحاجة السعودية لتفادي الاصطفاف في هذا الصراع المستمر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. فكل من تركيا وباكستان يرتبطان بعلاقة حسنة مع طرفي الصراع، أميركا وإيران، ويمكنهما الضغط على الطرفين لوقف التصعيد وتجنيب السعودية تبعاته. وليس مستبعدًا في هذا المنظور أن تسعى تركيا وباكستان إلى تقريب وجهات النظر بين السعودية وإيران، والإصلاح بينهما؛ لأن هذا التقارب يخدمهم جميعًا.

من جهة أخرى، قد يشجع هذا التحالف السعودية على تخفيف التواجد العسكري الأميركي على أراضيها فتنزع من إيران التبرير الذي استعملته خلال هذه الحرب لمهاجمة دول الخليج.

ABOUT THE AUTHOR