مقدمة
تزايدت وتيرة التحولات العالمية خلال العقد الأخير بشكل لم تعهده الإنسانية من قبل، حيث يمكن استشعار حجم التطورات الهائلة على مستوى أساليب التواصل وطرائقه بين الناس بفعل التطور المتسارع لتكنولوجيا الاتصال، وانعكاسات ما يسميه الاقتصادي الألماني كلاوس شواب بالثورة الصناعية الرابعة بكل عناصرها وتجلياتها (الاختراقات الكبيرة لتكنولوجيات ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، وإنترنت الأشياء، والمركبات ذاتية القيادة، والطباعة ثلاثية الأبعاد، وتكنولوجيا النانو...إلخ).
وللتأثير المتواصل لمختلف مكونات العصر الرقمي صور وأشكال متعددة تتجاوز البعد التواصلي نحو أبعاد أكثر ارتباطا والتصاقا بالمجتمعات البشرية على كافة المستويات: سياسية ودينية وتربوية واقتصادية واجتماعية. ولعل الجدل القائم راهنا حول استخدامات الذكاء الاصطناعي من الناحية الإيجابية والسلبية يعيد مرة أخرى النظرة المتأرجحة التي رافقت دائما علاقة الإنسان بالتقنية. لكن ما يهم حاليا أن خيار مسايرة التحولات الرقمية بات حتميا، وليس اختياريا، بفعل التطورات الناجمة عن تكنولوجيا الاتصال، وانعكاساتها المباشرة على كافة المستويات خصوصا على المستوى الاقتصادي.
على مستوى المجال الإعلامي عموما، يستمر النقاش حول تأثيرات العصر الرقمي على الممارسة الإعلامية، لعل اخرها ما يرتبط بتزايد الاهتمام بتطبيقات الذكاء الاصطناعي وأثرها على الصحافة بصفة عامة بحيث هناك تطبيقات واعدة للذكاء الاصطناعي يمكن استخدامها في غرف الأخبار، كاستخدامه في تسهيل إنتاج محتوى الفيديو والكشف عن الفبركة ومعالجة البيانات وغيرها.... .
كل ذلك لا يعني البتة أن الصحافة دخلت عصر الذكاء الاصطناعي؛ لأن كل المؤشرات تدل على أن تعميم استخدام الذكاء الاصطناعي في الصحافة لا يزال محل شك وتردد خصوصا فيما يتعلق بالمدى الفعلي للاستفادة منه بما يخدم قيم الصحافة ويعززها. وبالرغم من حالات الشك والارتياب المصاحبة لعلاقة المؤسسات الإعلامية بالذكاء الاصطناعي، إلا أن هذه المؤسسات ما فتئت تولي اهتمامها بتطبيقاته وتقنياته لدوافع يمكن اختصارها فيما يلي حسب تقرير صادر عن مركز تاو للصحافة الرقمية:
1-القفزة التقنية الهائلة في مجال الذكاء الاصطناعي، وما يتيحه من إمكانيات واسعة في تنفيذ المهام بسرعة وكفاءة داخل غرف الأخبار (التفريغ الصوتي، البحث في أكوام البيانات المعقدة)؛
2-المشاكل المادية التي يعاني منا قطاع الصحافة تدفع المؤسسات الإعلامية إلى متابعة أي تطور تقني قد يساعد في تطوير نموذج للعمل يضمن توفير النفقات وزيادة الإيرادات؛
3-التنافسية تدفع بشكل دائم إلى التفكير في استغلال ما توفر من إمكانيات في المجال. الذكاء الاصطناعي ليس الموجة الأولى؛ فقد سبقتها موجات كانت لها ارتداداتها وتداعياتها بدءا بالدخول إلى الانترنت مصحوبا بالأدوات الرقمية والتحول إلى الأجهزة المحمولة مرورا بارتقاء وسائل التواصل الاجتماعي لتلعب دورا مؤثرا في إنشاء المحتوى واستهلاكه والمنافسة عليه. الأكثر من ذلك، أضحت المنصات الرقمية جل البنية التحتية للصحافة؛ وفي صلب المعادلة يلعب المستخدم USER دورا محوريا في نشرها.
قبل ذلك، ومنذ الانتشار الواسع للإنترنت، استشعرت المؤسسات الإعلامية الخطر، وقد عملت في البداية على مواجهة التحديات من خلال اتباع استراتيجيات عمل مغايرة تضع في الحسبان تنامي بروز الصحافة الرقمية وتسيدها للمشهد الإعلامي العالمي. ولعل الصحافة الورقية كانت من أولى ضحايا الموج الهادر للرقمية في بدايات الألفية الثالثة. ولم ينجو من مخالبها باقي وسائل الإعلام التقليدية مثل التلفزيون والراديو بعد أن بات الاندماج الإعلامي هو النمط السائد ليقطع الخيط الناظم بين هذه الوسائل، ويخترق خصوصيات كل منها؛ ليجعل الهجانة hybridity صورة تكاد تكون متطابقة بينها جميعا.
في السياق الإعلامي المغربي، وبغض النظر عن طبيعة تقييم السياسات الرقمية للمملكة خلال أزيد من عقد، فإنه من الضروري التنبيه إلى أن الحكومة المغربية بادرت إلى وضع استراتيجيات عدة بهدف مواكبة التحولات الرقمية على الصعيد العالمي إدراكا منها لحتمية بناء البنى التحتية القادرة على استيعاب ثقافة التحول الرقمي خصوصا على مستوى عمل الإدارات العمومية، والتكيف مع الواقع الناتج عن متغيرات العصر الرقمي محليا -كما عالميا.
ولو قمنا بجرد سريع للمخططات والخطوات المتقدمة للمملكة المغربية بهدف مواكبة التحولات الرقمية، لوجدنا أن الحكومة المغربية تبنت عددا من الاستراتيجيات بدءا باستراتيجية المغرب الرقمي خلال الفترة ما بين 2009 و 2013، وتستند هذه الرؤية على جعل تكنولوجيات الاعلام والاتصال، إحدى الأسس والدعامات الرئيسية للاقتصاد الوطني بما تقدمه من قيمة مضافة عالية لباقي الفاعلين الاقتصاديين والإدارة العمومية على حد سواء، فضلا عن دورها كقاطرة للتنمية البشرية، ثم مرورا بعدد من الاستراتيجيات مثل استراتيجية المغرب 2020 الأخرى و انتهاء باستراتيجية المغرب الرقمي 2030 .
وكان لهذه الاستراتيجيات مكامن خلل ونواقص نبه إليها فاعلون مؤسساتيون مثل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في الرأي الذي قدمه بعنوان " نحو تحول رقمي مسؤول ومدمج " حيث أشار إلى أن مختلـف المبـادرات التـي تـم اتخاذهـا تظـل غيـر كافيـة لتوفيـر متطلبات إنجاح التحول الرقمي وتقليص فجوة رقمية ملموسة، ساهمت جائحة كورونا فــي توســيعها، وهناك مكامن ضعف من بينها تسـجيل تأخـر فـي تنفيـذ الاستراتيجيات السـابقة المعتمـدة مـن أجـل تحقيـق التحـول الرقمـي فـي عـدة قطاعـات مثـل الإدارة والصحـة والتعليـم والصناعـة.
بالمقابل، ما يلاحظ بشكل أساسي -فيما يرتبط بمجال اشتغالنا أكاديميا ومهنيا – أن الاستراتيجيات الرقمية المتبعة كانت تغفل دائما توجيه الاهتمام والعناية نحو قطاع الإعلام باعتباره القطاع الأكثر تضررا من غياب استراتيجية واضحة المعالم لمواكبة التحولات الرقمية الراهنة. فباستثناء بعض المبادرات الأخيرة مثل تبني مشروع الهولدينغ الخاص بالقطب العمومي والذي يضع في صلب أولوياته محور التحول الرقمي، بالإضافة إلى الخطوات الحكومية نحو دعم المقاولة الصحافية المغربية من أجل خلق نموذج اقتصادي مستدام لها، فإن الإعلام المغربي مازال في مراحل متأخرة عن مواكبة الركب الرقمي حسب نتائج هذه الدراسة الميدانية، وحسب العديد من الفاعلين المهنيين الذين أجرى معهم الباحث مقابلات عدة خلال مرحلة إعداد هذه الأطروحة.
توجهات الجمهور المغربي وتفضيله استقاء المعلومة والخبر من مواقع التواصل الاجتماعي تبين الفجوة الواسعة بينه وبين وسائل الإعلام التقليدية بالمملكة بحيث كشف تقرير دولي حديث صادر عن مؤسسة “رويترز” في شهر يونيو/حزيران 2024 أن معظم المغاربة يحصلون على المعلومات من وسائل التواصل الاجتماعي، مع ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر التضليل والأخبار الزائفة، منبها لعدم ثقة ما يقارب 70 في المئة منهم فيما هو متداول إعلاميا من أخبار ومعطيات.
وأشار ذات التقرير أثناء تحليله لطبيعة استهلاك المغاربة للمحتوى الإعلامي إلى “اعتماد جل المغاربة على مزيج من الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي للحصول على الأخبار، مصنفا منصة “فايسبوك” في المرتبة الأولى 51%، يليه الموقع الخاص بالمقاطع الفيديو “يوتيوب” في المرتبة الثانية، 50% ثم واتساب في المرتبة الثالثة 36%، في حين تحظى المنصة المثيرة للجدل “تيك توك” بشعبية كبيرة وسط الشباب واليافعين والمراهقين بالخصوص بنسبة استخدام وصلت 22%، مع تسجيل ذات المؤسسة استخدام منصة “YouTube” بشكل خاص من قبل المدونين والمعلقين السياسيين والمؤثرين".
وفي ظل ما تشهده الساحة الإعلامية المغربية من مشاكل وصعوبات بفعل الانعكاسات الناتجة عن تأثير العصر الرقمي على الممارسة الإعلامية من حيث إنتاج واستهلاك المحتوى، يتناول هذا البحث إشكالية عامة تتمثل في كيفية تأثير التحولات الرقمية على الممارسة الإعلامية بالمغرب، باعتبارها ظاهرة عالمية لها جوانب محلية وإقليمية، ويبقى الاختلاف رهينا بالخصائص القانونية والتقنية والمهنية والاقتصادية المصاحبة للعمل الصحفي بكل بلد، وطبيعة الأنظمة الإعلامية Media Systems.
وبما أن الممارسة الإعلامية تقتضي توفر أطراف عدة هي من صميم شروط وبواعث هذه الممارسة (يقصد الباحث بالتحديد الأطراف الثلاثة: القائم بالاتصال /المحتوى /الجمهور)، فإنه من الضروري الإشارة إلى أن هذه الإشكالية العامة يترتب عنها إشكالية أخرى لا تقل أهمية ومركزية لكونها مجال البحث والدراسة الميدانية. وتخص هذه الإشكالية مدى تقبل واستخدام القائمين بالاتصال (الصحفيين والصحفيات المغاربة) للأدوات الرقمية وعلاقته بالأداء المهني. فلا محيد للقائمين بالاتصال – من مؤسسات وأفراد على حد السواء – من مسايرة الركب الرقمي حتى لا يفوت قطار التغيير؛ بما يترتب عنه من تكلفة باهظة مرتبطة بالاستمرارية والبقاء بالنسبة للمؤسسات، وعدم فقدان أو الحصول على موطئ قدم داخل المجال الإعلامي بفعل نوعية المؤهلات والمهارات المطلوبة ذات الصلة باستخدام الأدوات الرقمية والإلمام بالجوانب التقنية الحديثة.
ولسبر أغوار هذه الإشكالية والإحاطة بها من جوانب متعددة نثير التساؤلات التالية:
- كيف أثر التحول الرقمي على الممارسة الإعلامية بالمغرب؟ وما هي أبرز تجلياته وانعكاساته؟
- ما مدى مواكبة المؤسسات الإعلامية المغربية للتحولات الرقمية وطبيعة الاستراتيجيات المتبعة؟
- كيف يتعامل الصحفيون المغاربة مع التحولات الرقمية؟ ومدى تقبلهم لاستعمال الأدوات الرقمية؟
- كيف ينظر الصحفيون المغاربة إلى استخدام و التعاطي مع الأدوات الرقمية ؟
- ما هي نوعية القدرات والمهارات الرقمية للصحفيين المغاربة (القائمين بالاتصال)؟
-كيف تؤثر طبيعة تعامل الصحفيين مع الأدوات الرقمية على المردودية والإنتاجية؟
- هل توفر المؤسسات والمقاولات الإعلامية برامج ومخططات لتعزيز وتطوير الفاعلية الرقمية للصحفيين؟
- هل هناك عوامل خارجية تؤثر على عملية اكتساب المهارات الرقمية وطريقة التعاطي مع الأدوات الرقمية؟ عوامل مثلا مرتبطة بالوسط المهني ونوعية المسارات التعليمية أو المهام والمسؤوليات؟
- ما مدى قدرة الصحفيين المغاربة على الاستثمار الذاتي في المجال الرقمي؟
- كيف ينظر الصحفيون المغاربة للتقنيات الرقمية الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي؟
- ما مستقبل الصحافة المغربية في ظل التحديات الرقمية الراهنة بعيون الصحفيين والصحفيات؟ .
يندرج هذا البحث ضمن البحوث الوصفية descriptive research، ونعتمد بشكل أساسي على المزاوجة بين المنهجين الكمي والكيفي من خلال الاستعانة بأدوات الاستبيان والملاحظة والمقابلة من أجل تحقيق الأهداف العلمية المتوخاة من هذا البحث ووضع الإشكالية ضمن زوايا متعددة دون الاقتصار على أداة واحدة (سواء أكانت كمية أو نوعية) حرصا منا على أن يكون الجمع بينهما سبيلا لتحقيق الشمولية والتكاملية بين وجهات نظر متباينة.
كما نستعين في مقاربة هذا الموضوع بالنظرية الموحدة لتقبل واستخدام التكنولوجيا UTAUT باعتبارها الإطار النظري الذي يسمح باستنباط واستكشاف علاقة الصحفيين بالأدوات الرقمية ومدى تقبلهم لها، وموقفهم من استخدامها بناء على عاملين أساسيين: المنافع المتوقعة وسهولة الاستخدام.
وقد كانت هناك أسباب واعتبارات دفعت بنا إلى الدخول في هذه العملية البحثية من أجل إغناء البحث العلمي في مجالات الإعلام والاتصال بالمملكة انسجاما مع التحولات العميقة التي يشهدها قطاع الإعلام محليا ووطنيا.
إجمالا، يمكن تلخيص هذه الأسباب والدوافع فيما يلي:
الأسباب الذاتية: انتمائي إلى مجتمع الدراسة (الصحفيين والصحفيات المغاربة الحاصلين على بطاقة الصحافة) بحكم اشتغالي بقناة العيون منذ سنة 2006. وينتمي هذا المنبر الإعلامي ذي البعد الجهوي للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة (SNRT)، وقد ساهمت التجربة الممتدة لأزيد من عقد ونصف في الإلمام بتحديات وواقع الصحافة الجهوية والوطنية. كما ساعدني اهتمامي الأكاديمي بهذا المجال وكتاباتي عن الموضوع الاطلاع أكثر على مختلف الجوانب المرتبطة بالصحافة المغربية في ظل التحولات الراهنة خصوصا على مستوى نوعية المهارات لدى الصحفيين، وطبيعة الممارسة وبرامج التدريب والتكوين.
الأسباب الموضوعية: ثمة حاجة ماسة إلى تعزيز دور البحوث والدراسات الأكاديمية ذات الطابع العلمي الرصين في العمل على طرح البدائل والحلول من خلال القيام بتشخيص دقيق لواقع المهنة وتحدياتها في بلادنا. في السياق نفسه، التحولات الرقمية تنعكس بشكل أو بأخر على واقع الممارسة الإعلامية بالمغرب، وفي خضم المحاولات التي تقوم بها المؤسسات الإعلامية لمسايرة هذه التحولات، تجنح الوظائف والتخصصات المطلوبة لاعتماد الصحفيين نحو ضرورة امتلاك المهارات الرقمية. وبالتالي، يأتي هذا البحث لسد الخصاص على مستوى البحث الأكاديمي الموجه لدراسة تأثير التحولات الرقمية على الصحافة المغربية عموما، وطبيعة المهارات الرقمية لدى الصحفيين/ات المغاربة ومدى تقبلهم واستخدامهم للأدوات الرقمية.
علاوة على ذلك، تركزت البحوث التي اهتمت بدراسة مجتمع الصحافيين المغاربة على المعطيات الاجتماعية والديمغرافية والشروط المهنية وأوضاع الصحافيين المادية، فضلا عن التقارير الصادرة عن قطاع التواصل في وزارة الثقافة والشباب والتواصل والمجلس الوطني للصحافة (اللجنة التقنية المكلفة بتدبير المجلس الوطني للصحافة حاليا) والتي غالبا ما تشمل هذه الجوانب المرتبطة بالظروف المهنية والمادية والمعطيات الأساسية. في المقابل، لم يحظى بعد بالاهتمام شكل الاشتغال في بيئة إعلامية تتغير باستمرار وبوتيرة سريعة، ونوعية العلاقة التي تربط الصحافيين المغاربة بالأدوات الرقمية ومدى تقبلهم واستخدامهم لها.
هذه –إذا -هي مهمة هذا البحث: وضع الصحافة المغربية تحت مجهر التحولات الرقمية التي ترخي بظلالها على ممارسة المهنة منذ أزيد من عقدين محليا –كما عالميا – من منظور علمي يتمحور حول دراسة القائمين بالاتصال (الممارسين للمهنة) في ارتباطهم بالأدوات الرقمية وعلاقته بأدائهم المهني.
إيمانا منا بأهمية تصميم البحث وفق موضوعه والإشكالية العامة التي يتناولها بالدرس والتحليل باستخدام الأدوات العلمية اللازمة، قمنا بتقسيم البحث إلى بابين رئيسيين بالإضافة إلى تصديره بمقدمة تستوفي الشروط العلمية المطلوبة فضلا عن الإطار المنهجي والنظري للبحث استعرضنا فيه أهمية البحث وأهدافه، ومنهج البحث وأدواته، ثم عينة البحث ومصطلحاته، مع ذكر الدراسات السابقة والإشارة إليها باعتبارها بوصلة ترشد عمل الباحث وتسهل له الإحاطة بالموضوع من جوانب وزوايا متعددة.
لقد خصصنا الباب الأول للإسهاب في الحديث عن التحول الرقمي ضمن سياقه المفاهيمي والتاريخي وانعكاساته الراهنة على صعيد صناعة المحتوى الإعلامي، وتشكل بيئة إعلامية جديدة استنادا إلى مفهوم ايكولوجيا الإعلام. يتكون الباب الأول من فصلين:
- الفصل الأول خصص لربط الماضي بالحاضر من خلال مقاربة التحول الرقمي في سياقاته المفاهيمية والتاريخية ورصد التغييرات الراهنة ضمن منظومة الإطار التنظيري التي تستند على مفاهيم مؤسسة مثل الحتمية التكنولوجية والاندماج الإعلامي.
- خصص الفصل الثاني لشرح مفهوم ايكولوجيا الإعلام من أجل تقريب المتتبع والقارئ من طبيعة التحولات الغير مسبوقة التي طالت الممارسة الإعلامية عالميا بفعل تأثير الثورة الرقمية.
في الباب الثاني، انتقلنا من مقاربة الموضوع في سياقه العالمي إلى المحلي من خلال التركيز على المسألة الرقمية في الصحافة المغربية في الفصل الأول من الباب الثاني، ثم تخصيص الفصل الثاني لاستعراض النتائج الخاصة بالاستبيان الموجه لعينة البحث (الصحفيين والصحفيات المغاربة الحاصلين /ت على بطاقة الصحافة)، وربطها بالمقابلات التي أجراها الباحث مع عدد من الفاعلين المهنيين والمؤسساتيين والباحثين الأكاديميين، باعتبارها أداة نوعية تعين على وضع نظرة أكثر وضوحا وشمولية للموضوع المراد بحثه.
ثم توج هذا البحث بخاتمة تلخص ما جاء فيه من نتائج ومخرجات يمكنها تحقيق إضافة بالنسبة لواقع الصحافة المغربية في ظل التحديات الرقمية الراهنة، وإعطاء صورة متكاملة عن مدى تقبل واستخدام الأدوات الرقمية من طرف الصحفيين المغاربة، وانعكاس ذلك على الأداء المهني.
لذلك نحسب أن من شأن المخرجات والتوصيات التي قدمت في نهاية العمل أن تساهم في مساعدة صناع القرار والفاعلين المهنيين والمؤسساتيين في قطاعات الإعلام والاتصال، على اتخاذ الخطوات اللازمة لتدارك الخصاص على مستوى مواكبة التحولات الرقمية وتعزيز المهارات والقدرات الرقمية، وتطوير البنية التحتية للقائمين بالاتصال (من مؤسسات وأفراد).
لطالما كانت الصعوبات والمشقة ديدن البحث العلمي وطابعه الملازم له. ولذلك، فلا مناص من التذكير بأن مهمتنا لم تكن يسيرة؛ فقد واجهتنا عدد من الإكراهات من قبيل قلة الدراسات المرتبطة بموضوع البحث على الصعيد المحلي، في مقابل وفرة الدراسات والبحوث التي تتناول تأثير التحولات الرقمية على الصحافة خصوصا تلك الصادرة عن مؤسسات ومنظمات وباحثين ينتمون لأوربا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا. وقد سهل لنا دراستنا للأدب الإنجليزي في المرحلة الجامعية هذه المهمة بالنظر لوجود رصيد بحثي هام بهذه اللغة فيما يتعلق بمجالات الإعلام والاتصال.
منذ البداية، عملنا على الحصول على الكتب الحديثة الصدور ذات الصلة بموضوع البحث من خلال اقتنائها عبر المتجر الإلكتروني لشركة "أمازون "، بالرغم من غلاء تكلفة الشحن وطول مدة انتظار تلقي الطلبيات عبر شركات الشحن. لكن هذه المراجع الهامة سهلت لنا المهمة وساهمت بشكل كبير في تنويع المصادر والمراجع، وتوسيع هامش الفهم واستيعاب الموضوع من مختلف الجوانب. كما أن توفر الدراسات والأبحاث بشكل مجاني وبصيغة بي دي اف شكلت –هي الأخرى – مصدر إثراء وإلهام للمشروع البحثي.
لكن يسجل أيضا صعوبة الوصول للمحتوى الخاص بالمجلات المحكمة ذات التصنيف العالي في سكوبس (Q1,Q2 ) وويب اوف ساينس وكلاريفيت وغيرها بسبب ربط بعض المجلات العلمية المحتوى بشرط الأداء المسبق . إلا أننا عملنا على التخفيف من هذا المشكل من خلال المسارعة إلى نيل عضوية بعض المنظمات العالمية مثل المنظمة العالمية للاتصال ICA، والتي تمنح الوصول لمحتوى ثلاث مجلات رائدة في الاتصال والإعلام على المستوى العالمي.
بالإضافة إلى ذلك، هناك صعوبات أخرى ذات طابع مؤسساتي يرتبط بعضها بعدم تفهم المؤسسات المراد بحثها بطبيعة العمل الأكاديمي للباحثين، وتقاعسها عن تقديم المساعدة المطلوبة لإنجاز البحث وفق الشروط العلمية المعمول بها في هذا الإطار. لقد قضى الباحث في السنتين الأوليتين لمشروع الأطروحة في بحث دائم عن مؤسسة يمكنها القبول بأن تكون موضوع الدراسة بحيث حصل الباحث على الموافقة من طرف وكالة المغرب العربي للأنباء لإنجاز الأطروحة حول تأثير التحولات الرقمية على الصحافة المغربية من خلال حالة صحافة الوكالة، ثم بعد مرور سنة بأكملها، يمم الباحث وجهه نحو الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، لكن لم يستطع الاستمرار في عمله الأكاديمي بسبب صعوبة الحصول على المعطيات اللازمة. وعليه، استقر الرأي أخيرا على دراسة علاقة الصحافيين المغاربة بالأدوات الرقمية باعتبارهم طرفا أساسيا في المعادلة الإعلامية.
كما يسجل الباحث –أيضا – صعوبة الحصول على المعطيات والإحصائيات الخاضعة للتحيين بشكل دوري من لدن المجلس الوطني للصحافة، بالرغم من حرص الباحث على التواصل الدائم مع الجهة المعنية والقيام بزيارات لمقر المجلس كلما كان متواجدا بالعاصمة الرباط، والتعامل بطرق إدارية عملية من أجل التمكن من المعطيات اللازمة، لكن غالبا ما يكون التجاوب ضعيفا – ربما لأسباب وجيهة من لدن الجهات المختصة لها علاقة بطبيعة العمل داخل هذه المؤسسات.
أما بالنسبة لمشاركة الصحفيين المغاربة في هذا الاستبيان، فقد حرص الباحث على ضمان مشاركة أوسع للصحافيين بناء على مقاربة النوع والانتماء الجغرافي وباقي الخلفيات الأخرى. لجأ الباحث إلى اعتماد وسائل متعددة مثل التواصل المباشر مع المديرين الجهويين لقطاع التواصل بمختلف جهات المملكة من أجل توزيع الاستبيان وتسهيل التواصل مع الصحافيين. كما استفاد الباحث من معارفه وعلاقاته الشخصية بحكم انتمائه للقطاع، واستغلال مواقع التواصل الاجتماعي من أجل تحفيز الصحافيين على المشاركة بشكل أكبر في الاستبيان.
إن الحديث عن الصعوبات لا يعني البتة التذمر أو الضجر من رحلة البحث خلال سنوات لإنجاز الأطروحة؛ فقد وجد الباحث ضالته المنشودة في هذه الرحلة الممتعة بين ثنايا الكتب والمراجع الأخرى (الورقية والرقمية على حد السواء)، والتنقيب بين رفوف المكتبات داخل وخارج المملكة و التواصل البناء مع المشرف على هذا العمل الأكاديمي ، والذي كان خير سند و أفضل داعم معنويا و معرفيا ، وكان له الفضل في تسهيل مهمة الباحث و إرشاده في طريقه الوعر و إبداء النصح و الرأي السديد بحكم الخبرة و ثراء التجربة و قيم الإيثار و الرغبة في خلق فضاء أكاديمي مناسب للبحث العلمي في شتى المجالات .
لقد ساهم هذا العمل في تنويع التجربة المهنية والعلمية للباحث من خلال تمكنه من التعرف على بيئات العمل داخل مؤسسات إعلامية بالمملكة – بما فيها بعض المنابر التابعة للشركة الوطنية للتلفزة والإذاعة باعتباره القطاع الذي يشتغل فيه الباحث منذ سنة 2006 تاريخ التحاقه بقناة العيون- ، بحيث سبق للباحث زيارة وكالة المغرب العربي للأنباء بالرباط و المكتب الجهوي للوكالة بجهة العيون الساقية الحمراء بشكل دوري ، و كذلك زيارة عدد من المنابر الأخرى مثل جريدة " الأيام " و مكتب قناة "العربي الجديد " بالرباط و عدد من مقرات المواقع الإلكترونية على الصعيدين الجهوي والوطني ، دون إغفال الإشارة إلى الزيارات المتكررة للجهة الوصية على القطاع : وزارة الثقافة و الشباب و التواصل –قطاع التواصل .
بالإضافة إلى ذلك، أتيح للباحث الاطلاع على بيئات عمل من خارج المملكة من خلال مشاركته في منتدى كليات الصحافة في العالم العربي المنظم من طرف معهد الجزيرة للإعلام بالعاصمة القطرية الدوحة في شهر أكتوبر سنة 2023، بحيث تم على هامش فعاليات المنتدى تنظيم زيارة لقناة الجزيرة ومعهد الجزيرة للإعلام ومقر الجزيرة بلوس AJ+، وخلال المنتدى ذاته، سنحت الفرصة للباحث لاكتشاف بيئات إعلامية مختلفة بالعالم العربي من خلال التشبيك و التواصل المهني مع مشاركين من مختلف الدول العربية والأجنبية و الذين كان من بينهم صحفيون و أكاديميون وممثلون لمنظمات إقليمية و دولية تعنى أساسا بمجالات الإعلام و الاتصال والثقافة .
كما أتيح أيضا للباحث زيارة مقر الجزيرة وقناة الجزيرة الإنجليزية بمقر الشبكة بالدوحة واللقاء بالمسؤولين عن قطاع الأخبار والقطاع الرقمي بالشبكة خلال مشاركته في ورشة تدريبية بمقر معهد الدراسات المتقدمة في الجنوب العالمي بجامعة نورث ويستيرن بالدوحة في شهر فبراير سنة 2024.
إلا أن الأهم بالنسبة لنا في هذه الرحلة الأكاديمية الماتعة: ليس فقط المكاسب والمنافع الذاتية (على رأسها –طبعا – إغناء المسار المهني والأكاديمي للباحث)؛ بل ذلك الشعور بصعوبة التحديات المهنية الراهنة، والإحساس بالمسؤولية الملقاة على عاتقنا كإعلاميين همهم الأول خدمة بلدنا، والسعي نحو المساهمة بشكل فعال في تطوير، وتحديث المنظومة الإعلامية بموازاة مع المكتسبات المسجلة في مختلف المجالات التنموية والسياسية حفاظا على الصرح الديمقراطي للمملكة.
خاتمة :
مهما بلغ الجهد والعناء خلال رحلة البحث الأكاديمي، وكيفما كان رضى الباحث عما قدمه في مشروعه البحثي طوال سنوات؛ فلن يصل حد الكمال ولن يقدر على إنجاز مشروع لا يطاله النقد والنقصان من بين يديه ولا من خلفه. بيد أننا عملنا طوال هذه المدة على الالتزام بالمعايير الأكاديمية المتبعة والتسلح بالمناهج العلمية الدقيقة، والاستفادة من نصائح وإرشادات المشرف على الأطروحة وعدد من الخبراء وذوي الاختصاص. كان ديدنا دائما التقيد بالضوابط الأكاديمية التي تنظم عمل سلك الدكتوراه بجامعة سيدي محمد بن عبد الله، والحرص على إخراج هذا المنجز ليكون قيمة مضافة لمجال البحث العلمي في ميادين الاتصال والإعلام.
عموما، نستنتج مما سبق أن التحول الرقمي -خصوصا في ظل الثورة الصناعية الرابعة التي انطلقت منذ قرابة عقد – يؤثر بشكل كبير على الصحافة سواء محليا أو عالميا؛ من حيث طبيعة الممارسة المهنية ومتطلبات وقواعد التلقي لدى الجمهور. هذه الانعكاسات المستمرة (بغض النظر عن تباين أحجامها وقوة تأثيراتها بين مناطق الشمال والجنوب حسب اختلاف البيئات والأنظمة الإعلامية لدول العالم) يتحكم فيها تيار التكنولوجيا الرقمية الجارف الذي يسير بسرعة غير مسبوقة في التاريخ البشري.
لقد سعينا في هذا البحث إلى رصد مظاهر وتجليات انعكاسات التحولات الرقمية على قطاع الصحافة والإعلام ضمن سياقاتهما العالمية والمحلية. وكانت بوصلتنا المنهجية في هذا العمل مبنية على اعتماد أدوات كمية (الاستبيان) ونوعية (الملاحظة والمقابلة) فضلا عن الاستعانة بمختلف الوثائق والدراسات والمصادر المتاحة للإحاطة بالموضوع من جوانب متعددة والوصول لفهم أعمق وأشمل للظاهرة المراد دراستها.
و من خلال اتباع إطار نظري يقوم على نظرية الحتمية التكنولوجية، حاولنا تبيان أبرز مظاهر تأثير الأداة the medium على المجال الإعلامي بحيث كان للتقنيات الرقمية دور أساس في خلق الاندماج الإعلامي و إرغام المؤسسات الإعلامية على مواكبة هذه التطورات سعيا إلى البقاء و الاستمرارية. لقد خلصنا إلى أن قرار مسايرة التطور التكنولوجي المتسارع على مستوى الاتصال ليس اختياريا يمكن الاستعاضة عنه في حال عدم الاقتناع به ، بل هو خيار حتمي لا محيد عنه بالنسبة للقائمين بالاتصال –سواء كانوا أفرادا أو مؤسسات – لضمان موطئ قدم داخل ميدان يتطور بشكل مبهر ، و ليس هناك مكان لمن يتخلفون عن الركب . ولنا ما يثبت ذلك من خلال الإشارة إلى وضعية "الموت السريري " التي تعيشها الصحافة الورقية منذ عقد ونيف، وبروز مفاهيم مرتبطة بمستجدات المهنة مثل الاستدامة الإعلامية.
كما المؤسسات الإعلامية، كذلك بلغت ارتدادات تيار الرقمية الصحفيين والفاعلين المهنيين؛ لذا، ارتأينا التركيز على القائمين بالاتصال (الصحفيين المغاربة) كمشتل للدراسة والتحليل اقتضته الحاجة الملحة حاليا إلى تسليط الضوء على هذه الفئة ومعرفة قدراتها وحاجياتها المهنية خصوصا على نوعية المهارات الرقمية وطبيعة الوسط المهني.
وضمن هذا السياق، فقد خلصنا إلى أن الصحافيين المستجوبين لديهم تقبل للأدوات الرقمية، ويعتبرون أن استخدامها في العمل الصحافي ضروري وذو أهمية قصوى بالرغم من أن درجة التقبل والأهمية بين المستجوبين تختلف حسب المهام والمسؤوليات خصوصا بالنسبة لذوي المسؤوليات التحريرية والإدارية (رؤساء الأقسام، مديرو التحرير ومديرو النشر). وكنتيجة لذلك، كان هناك إقرار من جانب المستجوبين بمساهمة التحولات الرقمية في تغيير الهوية المهنية والتوق الدائم إلى تحسين الأداء، لكنهم –في المقابل -يؤكدون ضرورة البحث عن بدائل خارج المؤسسة المشغلة لتطوير المهارات بموازاة مع قناعتهم بشأن التغييرات الجوهرية التي ينتظر مستقبل الصحافة خلال العقد المقبل.
على مستوى استخدام الأدوات الرقمية، تؤثر عوامل عدة على عملية الاستخدام والتوظيف الأنسب لهذه الأدوات في الممارسة المهنية. ويمكن التفريق بين العوامل الذاتية والخارجية: تتمثل العوامل الذاتية في نقص الخبرة المهنية (22،6%)، وضعف الإمكانيات المادية للحصول واقتناء مثل هذه الأدوات (52%)؛ أما العوامل الخارجية فإنها ترتبط ارتباطا وثيقا بطبيعة الوسط المهني وفضاءات الاشتغال: ضعف برامج التكوين بنسبة (40،6%) بموازاة مع غياب استراتيجية رقمية لدى المؤسسات المشغلة (38،7).
لابد من الإشارة إلى أنه هناك تفاوتات على مستوى القدرة على استخدام الأدوات واكتساب المهارات الرقمية، حسب طبيعة المهام باختلافها وتنوعها (رؤساء الأقسام والتحرير)، وكذلك حسب المنشأة الإعلامية (صحافيو الوكالة هم الأكثر قدرة على تعلم المهارات الرقمية ويساعدهم الوسط المهني في عملية الاكتساب، فيما الصحافيون المشتغلون بالقطاع السمعي البصري هم الأقل تعلما للمهارات الرقمية). لذلك يمكن القول إن العملية بمختلف جوانبها تعتريها بعض الصعوبات بالرغم من وجود تقبل من طرف الصحفيين المستجوبين للتعاطي مع الأدوات الرقمية. ولعل أبرز هذه الصعوبات تتجلى أساسا في:
- يصعب اكتساب وتعلم المهارات الرقمية في الوسط المهني باعتباره بيئة غير مناسبة لتطوير القدرات بالنسبة للصحفيين بسبب ضعف الموارد التقنية واللوجستية والناتجة أساسا عن غياب استراتيجية رقمية لدى المؤسسة المشغلة.
- وعلاقة بما سبق، ينتج عن ذلك أيضا نقص برامج التكوين والتدريب مما يؤثر سلبا على تحسين الأداء المهني للصحفيين في هذا المضمار.
إن اعتماد الصحفيين ضمن العينة المستجوبة على الموارد والمعارف الذاتية من أجل اكتساب مهارات جديدة وإتقان التعامل مع الأدوات الرقمية يسائل بشكل كبير القائمين على القطاع الإعلامي بصفة عامة (المسؤولون بالمؤسسات الإعلامية وأصحاب المقاولات الصحفية على وجه الخصوص) بشأن جدوائية برامج التكوين ومكامن الخلل بالنسبة لغياب استراتيجيات رقمية تواكب المستجدات الراهنة. ولعل أكثر ما يثير الاستغراب ما عبر عنه المشتغلون بالقطاع السمعي البصري من مواقف سلبية اتجاه برامج التكوين والاستراتيجيات من طرف المؤسسات الإعلامية – كيف يمكن تقبل هذا المعطى إذا علمنا بأن أكثر هؤلاء يشتغلون بالقطاع السمعي البصري؛ مع العلم بأن الغالبية العظمى منهم يشتغلون بالشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، بما تمتلكه من إمكانيات مادية ولوجيستية غير متاحة للكثير من المؤسسات والأطراف الإعلامية الأخرى.
وهذا ما يدفعنا نحو استخلاص التناقض الحاصل على مستوى الاستراتيجيات الحكومية المتبعة في المجال الرقمي لعل اخرها استراتيجية المغرب الرقمي 2030 القائمة على محورين : الأول يتعلق برقمنة الخدمات العمومية، فيما يروم الثاني بث دينامية جديدة في الاقتصاد الرقمي، بهدف إنتاج حلول رقمية مغربية، وكذا خلق القيمة المضافة وإحداث مناصب شغل – أبرز تجليات هذه الاستراتيجية ما تم الإعلان عنه مؤخرا بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في مجال مراقبة الحدود وتنظيم التجارة الدولية، حيث أجرت إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة عدة تجارب باستخدام تقنيات تحليل البيانات وخوارزميات التعلم الآلي لتنفيذ التحليل المبني على التنبؤ في مراقبة التصاريح الجمركية وتحديد مخاطر الغش .
بناء على النتائج المحصل عليها، أين موقع الإعلام كمؤسسة لها مسؤوليتها الاجتماعية والمهنية ضمن هذه الاستراتيجية باعتبارها في صلب الأولويات لرؤية المغرب 2030؟ وهذا السؤال بحد ذاته تولد منه أسئلة كثيرة لا تقل أهمية: كيف يمكن تجاهل الاهتمام بالقطاع الإعلامي وعدم وضعه ضمن المحاور الأساسية لاستراتيجية المغرب الرقمي؟ ألا ينتظر المغرب رهانات كبرى مثل كأس العالم 2030 مما يتطلب توفير بيئة إعلامية ملائمة للحدث وللتوجهات الجوهرية للمملكة ضمن ما يعرف-حسب ستيفن تالنتس -ب"مفهوم صورة الأمة"؟ . وأي سبيل لتطوير الإعلام في العصر الرقمي ما عدا تعزيز الإمكانيات التقنية واللوجستية وتوفير البنيات اللازمة لتقوية قدرات الفاعلين المهنيين؟.
وحتى إن كان الرد على هذه الأسئلة بما يتم تحضيره منذ سنوات بشأن تحويل الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة إلى شركة قابضة (الهولدينغ)، فإن هذا المشروع لم يرى النور بعد بالرغم من أن وزير الثقافة والشباب والتواصل أكد في شهر دجنبر سنة 2023 بأنه سيتم إخراج دفتر التحملات إلى حيز الوجود مع بداية السنة الجارية بحيث بلغت حينئذ نسبة الإنجاز 90%.
إلى حد الساعة، لم يفرج عن دفتر التحملات بعد، والغموض والضبابية تحوم حول تفاصيل المشروع وموعد انطلاقته وأفاق الاشتغال. لكن وجب التنبيه إلى أن هذا المشروع يتمحور حول ثلاث محاور أساسية من ضمنها التحول الرقمي.
علاوة عما سبق، أبانت نتائج البحث عن وجود نقص لدى المستجوبين العاملين بقطاع السمعي البصري. وإذا سلمنا مسبقا بأن أغلب العاملين في هذا القطاع ينتمون للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة؛ فإن ذلك يؤكد بوضوح غياب برامج للتدريب والتكوين ونقص اهتمام المؤسسة بتطوير مهارات العاملين بها. ولا نستبعد أن تكون هذه التحولات البنيوية التي ينتظرها قطاع السمعي البصري (القطب العمومي) تتزامن مع حجم الرهانات الحالية والمستقبلية، وهي نتاج لإدراك – بغض النظر عن تأخره -لمكامن الضعف داخل القطب العمومي خصوصا على مستوى تدبير الموارد البشرية وتطوير برامج التكوين.
بالرغم من هذه الإكراهات التي تعيق تعلم واستخدام الأدوات الرقمية داخل الوسط المهني على وجه الخصوص، إلا أن المستجوبين عددوا عددا من المنافع التي حصلوا عليها، بما أتيح لهم من إمكانيات للتدريب أغلبه عن طريق الموارد والمعارف الذاتية، والتي ساهمت في تطوير مهاراتهم وتحسين أدائهم المهني. بصفة عامة، بناء على النتائج المحصل عليها، يمكن القول إن المستجوبين لديهم تقييم إيجابي بشأن تطور المهارات الرقمية بالنسبة لهم بحيث أكد قرابة 50% بأنهم لمسوا تحسنا مطردا على مستوى المهارات الرقمية. في المقابل، مازال أغلبهم في بحث دائم عن بدائل للتدريب خارج المؤسسة المشغلة.
ومن باب الإنصاف وتسمية الأشياء بمسمياتها، وجب التنبيه إلى أن معضلة التكوين تتجاوز المعطى المهني إلى أبعاد أخرى لا تقل أهمية مثل معاهد ومؤسسات التدريب الإعلامي بالمغرب وطبيعة المناهج المتبعة لتخريج صحفيي المستقبل، ومدى نجاعة برامج الجهات المتدخلة في القطاع (المجلس الوطني للصحافة على وجه الخصوص) فيما يخص استراتيجيات التكوين.
إن ما سبق يخص السياق المهني بشكل كبير، وأما ما يتعلق بمواقف واراء الصحافيين المستجوبين بشأن مستجدات التقنيات الرقمية ونظرتهم لمستقبل الصحافة المغربية في ظل التطورات والتحديات الراهنة، فهم يعتبرون التقنيات الأكثر جدة وإثارة للجدل – ونعني بالتحديد الذكاء الاصطناعي-أهمية بالغة في العمل الصحافي، بيد أنهم ينعتون استخدامه في الصحافة المغربية بالضعف، ويرجعون ذلك إلى عدم توفر العناصر البشرية المؤهلة والتقنيات اللوجستية والمادية اللازمة للقيام بذلك.
إضافة إلى ذلك، ينظر هؤلاء بعين الشك والريبة بخصوص مستقبل الصحافة بفعل ما يرونه تهديدا مباشرا لعمل الصحفيين من طرف الذكاء الاصطناعي بالنظر لسرعة تطور هذه التقنية والأبواب التي تخترقها بالنسبة لفتح أفاق أوسع للعمل الإعلامي. في السياق ذاته، يتضح كذلك أن متابعة المستجوبين لمستجدات المهنة على الصعيد التكنولوجي وظهور تقنيات رقمية جديدة ليست في المستوى المتوقع من هذه الفئة. وبالتالي، لا يمكن الحكم بطبيعة تنبؤ هؤلاء بمستقبل الصحافة محليا دون وجود ثقافة إعلامية منفتحة على ما يطرأ من تغييرات متسارعة بالنسبة للمجال الإعلامي بخاصة على الصعيد العالمي.
وخلاصة القول، إن الخروج من عمق الأزمة التي تعيشها الصحافة المغربية بفعل انعكاسات التكنولوجيا الرقمية يتطلب عملا دؤوبا من جانب الجهات الحكومية والقائمين بالاتصال –من مؤسسات وأفراد – لتطوير الإعلام المغربي وتمكينه من الوسائل القادرة على تطوير نماذج وبيئات العمل، والتكيف مع التطورات الحاصلة على مستوى إنتاج وتوزيع المحتوى والوصول للجمهور وتقديم القيمة المضافة له.
وحسب رأينا الشخصي كاستنتاجات رئيسية من هذا البحث وبناء على تجارب ومعارف الباحث حول الموضوع ذاته، ينبغي أن تسير خطة العمل لتطوير القطاع مستقبلا وفق خطين أساسيين:
- ترسيخ ثقافة التحول الرقمي داخل المؤسسات والمقاولات الإعلامية من خلال تعزيز استراتيجيات مواكبة التحولات الرقمية انسجاما مع رؤية "المغرب الرقمي 2030" . وتنطلق ثقافة التحول الرقمي من مفهوم نموذج العمل (Business Model) الخاص بكل الأنشطة والمبادرات الاستراتيجية، والتي تهدف إلى تعزيز النمو وتوسيع الوصول للجمهور المستهدف وتوفير العوائد المالية التي تضمن استمرارية المؤسسة الإعلامية. كما يشير مصطلح نموذج العمل إلى الإطار والاستراتيجية التي تحدد كيفية تحقيق المؤسسة الإيرادات وبقاء عملياتها ووتقديم القيمة المضافة لجمهورها. ولا يمكن تحقيق ذلك دون وجود بيئة تقنية ولوجستية مناسبة.
- توفير استراتيجية للتكوين وتطوير مهارات القائمين بالاتصال بموازاة مع تغيير نماذج العمل بالنسبة للمؤسسات الإعلامية؛ لأنه يصعب تحقيق الأهداف بدون توفر موارد بشرية مؤهلة قادرة على إنتاج المحتوى وفق شروط وقواعد العصر الرقمي والسعي الدائم نحو الوصول لجمهور تتغير متطلباته باستمرار (جمهور الشبكات الاجتماعية في سنة 2014 يختلف عن نظيره الان بعد مرور عقد من الزمن).
فرصة اللحاق بركب التطور وانتزاع وظيفة المستقبل أو الحفاظ على عمل الحاضر مازالت بيد الصحفيين والحالمين بدخول هذا المجال شريطة الوعي بهذه التطورات والمستجدات والتعاطي مع حجم التغييرات التي تطال ليس مهنة الصحافة فقط بل كافة المهن على اختلاف مجالاتها وأنواعها.
توصيات:
-وضع القطاع الإعلامي ضمن أبرز الأولويات بالنسبة لرؤية "المغرب الرقمي " 2030 من خلال تخصيص استراتيجيات وموارد مالية لتطوير الإعلام في ظل الرهانات المستقبلية على كافة الأصعدة (الرياضية والاجتماعية والاقتصادية ...).
-تسريع مشروع الهولدينغ الخاص بالقطب العمومي مع عدم الفصل بين تطوير البنى التحتية القادرة على إحداث تحول رقمي داخل المؤسسة، وبين تطوير قدرات الموارد البشرية من خلال إحداث مركز خاص بالتكوين تابع للمؤسسة وبإمكانيات لوجيستية وبشرية مناسبة وبرامج طموحة ومستمرة إسوة بعدد من المؤسسات العربية مثل شبكة الجزيرة (معهد الجزيرة للإعلام).و يمكن أن تصبح هذه اللبنة العلمية فضاءات للتدريب الإعلامي مفتوحة في وجه الكفاءات و الأطر من مختلف الدول الإفريقية .
- إشاعة ثقافة التحول الرقمي داخل المؤسسات والمقاولات الإعلامية باعتباره السبيل الوحيد للتكيف مع متطلبات التحديات الرقمية الراهنة من خلال تبني نماذج العمل واستراتيجيات الأعمال الملائمة للسوق وحاجيات الجمهور.
-بموازاة مع مشروع الهولدينغ، ضرورة إنشاء المركز المغربي لتحليل البيانات للمؤسسات الإعلامية مع ازدياد أهمية البيانات وتحليلاتها في فهم الجمهور، وتقديم محتوى مُوجّه بشكل أفضل، واتخاذ قرارات استراتيجية فعّالة، والسعي نحو تلبية احتياجات الجمهور وفق أساليب ومخططات علمية مبنية على قياس مؤشرات الأداء audience metrics.
-تعزيز الدعم المخصص للمقاولات الصحفية مع فرض مخططات لمواكبة التحول الرقمي في الممارسة الإعلامية وتدبير الموارد البشرية.
-خلق ثورة نوعية في مؤسسات وكليات ومعاهد التدريب الإعلامي على المستوى الوطني من خلال تحديث برامج التدريب والتكوين باعتماد مواد ومناهج دراسية ملائمة لسوق الشغل ومتغيرات العصر الرقمي بموازاة مع بروز وظائف جديدة على مستوى القطاع الإعلامي تتطلب توفر كمهارات رقمية عالية.
-بموازاة مع التنزيل الفعلي لجهوية الموسعة، يتعين إيلاء الأهمية لتطوير البنيات التحتية الخاصة بالتكوين الإعلامي بمختف جهات المملكة وإنهاء احتكار مدن الوسط مثل الرباط والدار البيضاء للعدد الأكبر – والأهم-لمؤسسات التكوين الإعلامي.
- تحفيز الفاعلين المهنيين على اكتساب مهارات جديدة من خلال ربط الحصول على الامتيازات والترقي الوظيفي بنوعية المهارات المكتسبة، ومدى حرص الفاعل المهني على تطوير قدراته.
- تحفيز مجال البحث العلمي في ميادين الإعلام والاتصال من أجل إغناء وتعزيز الرصيد المعرفي وتحيين المعطيات بشأن مستجدات المهنة.
-إحداث شبكات للبحث العلمي تعمل على مواكبة مستجدات مهن الصحافة والاتصال وتوفير إصدارات دورية تختص بالاهتمام بمتغيرات الإعلام عالميا كما محليا، متاحة بشكل مجاني للطلبة والباحثين وصناع القرار في المجال الإعلامي. و يتم تشكيل هذه الشبكات وفق مقاربة تشاركية تجمع بيت قطاعات وهيئات متعددة ذات الصلة بالقطاع (المجلس الوطني للصحافة /وزارة الثقافة و السباب والتواصل –قطاع التواصل -/الهيئات المهنية مثل الفيدرالية المغربية للناشرين....) .
تنويه:
- تعبّر الآراء الواردة في هذا البحث عن وجهة نظر صاحبها.
- يمكن الاطلاع على البحث كاملًا عبر هذا الرابط.
- ترسل رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه إلى العنوان التالي: ajcs-publications@aljazeera.net
- النشر في باب "أطروحات جامعية" لا يحول دون قيام الباحثين بنشر رسائلهم وأطروحاتهم في أماكن أخرى.