حلف مكة وأسئلة عـشرة

أثار توقيع اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان أسئلة كثيرة حول خلفياته وتوقيته وطبيعته وأهدافه. ونظرا لما تمر به المنطقة من تحولات دفعت إليها الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران، قد تنتهي بانسحاب أميركي متدرج، فإن الحلف الثلاثي الذي أقامته هذه الاتفاقية يكتسي أهمية بالغة.
(وكالة الأنباء السعودية | معالجة بصرية بالذكاء الاصطناعي)

يطرح هذا التعليق عشرة أسئلة تتعلق باتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، التي وُقِّعت في مكة المكرَّمة، في السابع من أغسطس/آب 2026، ويحاول الإجابة عنها:

  1. ما الهدف من إنشاء حلف مكة الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان؟
  2. هل هو حلف دفاعي كما تم الإعلان عنه؟ وهل سيُعدُّ الاعتداء على أية دولة من الدول الثلاث، بالفعل، اعتداء على الجميع؟
  3. هل الهدف منه استباق الأمور قبل انسحاب الولايات المتحدة، المرجَّح، من منطقة الخليج والحيلولة دون وقوع المنطقة تحت سيطرة قوة جديدة؟
  4. هل هو، كما أشار البعض بُعيد الإعلان عن الحلف، موجَّه ضد قوتين تتصارعان، أو تتخادمان بشكل غير مباشر، من أجل تثبيت الأقدام وملء الفراغ الأميركي في المنطقة، وهما إيران ودولة الاحتلال الإسرائيلي؟
  5. هل ستتحرك الدول الثلاث فعليًّا لو تعرضت أي واحدة منها إلى هجومٍ ما، كأن تهاجم الهند باكستان مثلًا، أو اليونان تركيا، أو إيران السعودية؟
  6. هل من مصلحة دول الخليج العربية الأخرى الانضمام إلى هذا الحلف؟ بل، هل يوجد توافق بين دول مجلس التعاون حول هذا الحلف وضرورته في ظل ما نشهده من تباين في مواقف دول المجلس وتضارب بين مصالحها؟
  7. ماذا عن دولة الإمارات العربية المتحدة، على سبيل المثال، التي تربطها علاقات وثيقة أشبه بالتحالف مع الهند وإسرائيل؟
  8. هل يمكن أن تنضم دول عربية وإسلامية أخرى لهذا الحلف في وقت لاحق؟
  9. ما الدول المرشحة للانضمام للحلف قبل غيرها؟
  10. وأخيرًا، هل يمكن اعتباره حلفًا سنيًّا؟  

تلكم عشرة أسئلة تتعلق بجوانب متنوعة من حلف مكة الثلاثي، الذي أثار بدوره تنوعًا واسعًا في الآراء والتحليلات منذ توقيعه. ويعود هذا التنوع إلى ما يتضمنه الحلف من أبعاد سياسية وأخرى عسكرية وأمنية وثالثة اقتصادية، وربما دينية عند البعض.

- ما ظهر للعلن، وهو الأرجح، أن الاتفاق على تشكيل حلف مكة جاء نتيجة استشراف الدول الثلاث لمخاطر تهدد أمن المنطقة، سواء أعلنت الولايات المتحدة الانسحاب منها، أو قررت البقاء بشكل أو آخر. ومن ثم يمكن القول بأن الحلف أشبه بخطوة أولى محكمة للبدء التدريجي في تقليل اعتماد الدول الثلاث، السعودية وتركيا وباكستان، على قوة خارجية واحدة فيما يتعلق بأمنها الإستراتيجي بدرجة أولى. يرتبط بذلك وينبني عليه أمن منطقة الخليج العربية، الذي تبيَّن للعالم مدى أهميته وتأثيره على الاقتصاد العالمي. وقد بات ذلك أكثر وضوحًا بعد أشهر من الحرب في المنطقة، لم تتمكن فيها الولايات المتحدة من حماية أمن حلفائها الخليجيين تحديدًا بل أسهمت بشكل أو آخر في زيادة الضغط عليهم، وتصعيد التوتر الإقليمي، ومحاولة توريط دول مجلس التعاون الخليجي في مواجهة، لا مصلحة لها فيها، مع إيران.

- السعودية تريد ضمانات إضافية لأمنها، الذي بات مهدَّدًا بين الحين والآخر من الشمال والجنوب، خاصة بعد اندلاع الحرب الأميركية/الإسرائيلية مع إيران، إضافة إلى التهديد الحوثي المستمر. أما تركيا، فتسعى إلى توسيع نفوذها الإستراتيجي، وتشعر أنها قوة إقليمية يمكن أن تلعب دورًا بارزًا في أمن المنطقة، بينما ترى باكستان في الحلف فرصة لتثبيت موقعها قوةً عسكريةً كبرى في العالم الإسلامي، خاصة أنها القوة العسكرية النووية الوحيدة من بين الدول الإسلامية. لذلك، يمكن القول: إن الحلف ليس موجهًا بالضرورة ضد دولة واحدة، أو عدة دول، بل هو محاولة لبناء قدرة ردع جماعية.

- أما فرضية الاستعداد لمرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي التدريجي من الخليج فهي منطقية، ومن المرجح أن تبدأ الخطوات الفعلية لهذا الاستعداد فور انتهاء الحرب وانخفاض مستوى التوتر بين الولايات المتحدة وإيران. لكن بالطبع، ليس مرجَّحًا أن يكون الانسحاب فجأة، وإنما بشكل متدرج. وربما يُفهم عدم تعليق واشنطن بشكل سلبي على حلف مكة، على أنه نوع من الاطمئنان الأميركي للبديل المناسب لها بالمنطقة، ولقدرة هذا البديل على حفظ أمنها في مواجهة طموحات قوى منافسة كالصين مثلًا أو روسيا.

- هل ستقاتل الدول الثلاث فعلًا إذا تعرضت إحداها لهجوم؟ المبدأ أصبح معلنًا، أما التنفيذ فمن المؤكد أنه سيكون تحديًا جديًّا للحلف. وسيعتمد ذلك على طبيعة الهجوم أولًا، وعلى طبيعة المصالح التي يهددها في الدولة المستهدفة ثانيًا. على سبيل المثال، أي هجوم إيراني مباشر واسع على السعودية، وبحسب الاتفاق المعلن، قد يستدعي دعمًا عسكريًّا تركيًّا وباكستانيًّا بصورة أو أخرى. بينما الأمر لن يكون بالسهولة المتوقعة في حال نشوب حرب هندية-باكستانية مثلًا، والتي ستكون أكثر تعقيدًا. فلن يكون من السهل افتراض دخول السعودية وتركيا حربًا شاملة ضد قوة نووية مثل الهند، خاصة أن البلدين تربطهما بالهند علاقات جيدة. لكن مع ذلك، هذه افتراضات نظرية، لأن الواقع قد يحمل أمورًا غير متوقعة.

-  بعد الحرب الأميركية/الإسرائيلية مع إيران، أصبحت دول مجلس التعاون الخليجي على قناعة بأن وضع كل بيضها في السلة الأميركية كان من قبيل المقامرة والمخاطرة بأمنها. وبات من الضروري مراجعة هذا الخيار، وعدم الاستمرار في التعويل على الولايات المتحدة وحدها في الحماية، خاصة في ظل رئيس متقلب المزاج، لا يراعي مصالح حلفائه ولا يُولي مخاوفهم الأمنية أي اعتبار. وهذا يفسر أهمية وجود قوة أخرى موازية تحقق الاستقرار وتبعث على الاطمئنان. لذلك تُعد تركيا وباكستان ركنين أساسيين في هذا الحلف بما تمثلانه من ثقل إستراتيجي في العالمين، العربي والإسلامي، وما يربطهما بدول الخليج من علاقات متينة.

فالأولى تملك صناعات دفاعية متقدمة وجيشًا قويًّا، والثانية تملك قوة عسكرية ونووية، بينما توفر السعودية التمويل والوزن الجغرافي والاقتصادي. وانضمام دول الخليج قد يمنحها ردعًا إضافيًّا وتنويعًا لشراكاتها الأمنية، لكنه قد يجرها أيضًا إلى صراعات لا تريدها، بسبب اختلاف مصالح دول مجلس التعاون وتباين رؤاها السياسية. وربما تكون الإمارات هي الحالة الأصعب، نظرًا لما يربطها بالهند من شراكة دفاعية متقدمة، وما تقيمه من علاقات إستراتيجية وأمنية مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.

- أما بخصوص توسيع عضوية حلف مكة، فإن من المرشحين المحتملين مستقبلًا للانضمام للحلف: مصر وقطر والكويت، مع اختلاف احتمالات كل منها. فمصر دولة مهمة عسكريًّا، لكن يبدو أن هناك تحفظات غير معلنة حتى الآن سواء من جانبها أو من جانب دول الحلف الثلاث. بينما قطر وبحكم قربها من تركيا، ومصالحها الإستراتيجية المتنوعة معها، فهي مرشحة جدًّا لدخول الحلف، كما أنها تَعُدُّ السعودية عمقها الإستراتيجي. والأمر نفسه ينطبق على الكويت، فقد تكون أكثر قابلية للتعاون الدفاعي بحكم علاقاتها المميزة مع تركيا، ولأن السعودية هي عمقها الإستراتيجي كذلك. أما سلطنة عمان، وبحكم سياسة الحياد التي تتبعها في كثير من القضايا، وسعيها الدائم لتجنب سياسة الاصطفاف، فمن غير المرجح أن تنضم إلى الحلف في المستقبل المنظور.

- هل حلف مكة حلف سُني؟ من الناحية الواقعية، هو بالفعل حلف سُني إلى حدٍّ كبير، على اعتبار أن الدول الثلاث سُنية، واختيار مكة المكرمة يحمل رمزية إسلامية واضحة. لكن بالطبع، لا يمكن القول بأن الحلف قام على أسس مذهبية، لأن الخطاب الرسمي لمكونات الحلف يركز على الدفاع والأمن وليس على مواجهة المذهب الشيعي أو الدولة التي تمثله. لذلك من الأجدر وصفه بكونه حلفًا أمنيًّا إسلاميًّا ذا غالبية سُنية، وليس تحالفًا طائفيًّا.

في الخلاصة، لا يمكن اعتبار حلف مكة بديلًا فوريًّا عن الولايات المتحدة، لكنه تأمين ضد احتمال تراجع مظلة الحماية الأميركية في منطقة الخليج، التي باتت على قناعة بأن رهانها على الولايات المتحدة حاميًا وحيدًا لأمنها كان مخاطرة. لذلك، آن الأوان لتغيير آليات تأمين المنطقة وحماية مصالحها. وهذا الحلف خطوة أولى في هذا الاتجاه، وسيبعث برسالة مهمة للعالم بأن الدول الإسلامية الكبرى أضحت قادرة على أن تفكر في أمنها وسلامتها بما تملكه من قوة وما تطوِّره من سلاح وما تتوفر عليه من مقدرات متنوعة. إلى جانب هذه الرسالة، تحمُّل مكوِّنات الحلف مسؤولية إقليمية مشتركة طال انتظارها ولم يعد هناك أي مبرر لتأجيلها.

ABOUT THE AUTHOR