المقاربة الإسرائيلية لاتفاق مكة: منطق "ما بعد الحرب" مقابل منطق "الحرب اللامنتهية"

(واس)

ليس هناك مقاربة إسرائيلية واحدة حول اتفاق مكة، وليس هناك حتى مقاربة واحدة مشتركة تجمع جميع أعضاء اتفاق مكة في قالب واحد. إذن، هناك حاجة للتفريق بين محورين من المقاربة الإسرائيلية: المحور الأول يتعلق بطبيعة المقاربة الإسرائيلية للاتفاق عمومًا، والمحور الثاني: تباين المقاربة من الاتفاق حسب الموقعين عليه.

الادعاء الأساسي في هذا المقال أن اتفاق مكة هو نتاج منظومة تفكير تُميِّز واقع ما بعد الحرب (Post war) سياسيًّا وإستراتيجيًّا؛ حيث تتجه الفواعل السياسية لبناء تحالفات إستراتيجية بوصفها جزءًا من نتائج الحرب ومخرجاتها. بناء على ذلك، فإن اتفاق مكة هو تحالف ما بعد الحرب، في حين أن تفكير إسرائيل لا يزال تفكير الفاعل المنغمس في الحرب. تتبنى إسرائيل فرض رؤيتها الإستراتيجية على المنطقة من خلال القوة العسكرية، من خلال تغيير الوضع القائم على الأرض، واستعراض القوة الباطشة لها؛ مما يمنحها القدرة على فرض سطوتها الفكرية على المنطقة ودولها. لم تعد إسرائيل تبني مكانتها وتبحث عن دور لها في المنطقة من خلال تعميق منظومة الردع، والتي تُشكِّل الأرضية الإستراتيجية لبناء تحالف مبني على مصالح مشتركة مع أطراف أخرى، حتى لو بالحد الأدنى منها، بل على فرض الحقائق والمكانة وحتى الاحترام (في ظل حكم يمين شعبوي) بالقوة العسكرية المتحركة التي تحاول تصفير التهديدات، وتدمير التحديات الأمنية، وليس إدارتها أو احتواءها من خلال تقليصها، وإدارة ما تبقى منها من تهديد من خلال الانتقال إلى التحالفات السياسية، أو التسويات الدبلوماسية.

يمكن الزعم بأن اتفاق مكة يضع المنطقة أمام منطقين في مسار صياغة الخريطة الجيوسياسية: المنطق الإسرائيلي الذي يمكن تسميته منطق الحرب اللامنتهية واللامتناهية، الذي يرى في القوة العسكرية الفاعلة الأداة لتغيير الشرق الأوسط، كما وعد بنيامين نتنياهو مع بداية حرب الإبادة على غزة، في أكتوبر/تشرين الأول 2023. ومنطق ما بعد الحرب، الذي يعتقد أن التحالفات المبنية على المصالح والرؤية الإستراتيجية المشتركة، حتى لو في حدودها الدنيا، هي المعادلة لتغيير البيئة الجيوسياسية في المنطقة.

لا يعني ذلك أن إسرائيل لا تبحث عن تحالفات، ولكن هذا الأمر غير ممكن في منطق الحرب اللامنتهية، لذلك فلم تنجح إسرائيل في بناء تحالفات جديدة في المنطقة، فذهبت لتعزيز تحالفاتها القائمة، وجُلُّ ما فعلته هو الاعتراف بأرض الصومال، الذي لا يمكن اعتباره تحالفًا، فليس فيه معنى الندية بين الطرفين؛ توجد مصالح مشتركة، ولكن إسرائيل بهذا الاعتراف لا تقترب من المركز السياسي العربي، بل تبتعد عنه، بدعمها توجهات انفصالية وتفكيكية للمنطقة.

تَعُدُّ إسرائيل اتفاق مكة جزءًا من تعميق الدور التركي في البيئة الإقليمية، وهو دور بدأت إسرائيل تراه تحديًا، وحتى تهديدًا لمصالحها، تعتبر إسرائيل أن تركيا تحاول عزلها اقتصاديًّا من خلال بناء تحالفات ذات أبعاد اقتصادية تهمِّش من الدور الإسرائيلي في خريطة المنطقة الاقتصادية والتنموية المستقبلية كبناء ممر لعبور الطاقة من الخليج مرورًا بسوريا لتركيا ومنها لأوروبا، بديلًا عن ممر الهند-الخليج-إسرائيل-أوروبا الذي أعلن عنه الرئيس الأميركي السابق، جو بايدن، قبل اندلاع الحرب على غزة. كما ترى إسرائيل الدور التركي محاولة لتهميش مكانة إسرائيل إستراتيجيًّا، من خلال بناء تحالفات مثل تحالف مكة، وتعزيز العلاقات الثنائية بين تركيا ودول في المنطقة مثل مصر، والسعودية، والفرص الاقتصادية والإستراتيجية لتركيا في سوريا التي لا تستطيع إسرائيل مضاهاتها فيها، فمنطق الحرب سائد في التفكير الإسرائيلي تجاه سوريا (التعامل مع السلطة في سوريا كمكنون تهديد دائم) مقابل منطق ما بعد الحرب (التعامل مع السلطة بوصفها واقعًا مستقرًّا ومعتَرَفًا به) في التفكير التركي.

لن نتطرق في هذا المقال للمقاربات الإسرائيلية التي تزعم أن تحالف/اتفاق مكة هو نتاج طبيعي لتراجع الدور الأميركي، وانكشاف هشاشة مظلته الدفاعية، وتراجع الثقة به، ولكنه في الحقيقة يحمل نقيض ما فكرت فيه إسرائيل كجزء من تغيير الشرق الأوسط، بحيث تكون هي "الشرطي" الجديد بدل "الشرطي" القديم الذي مثَّلته الولايات المتحدة، ولكنها "شرطي سيء" لا يحاور الآخرين إلا بمنطق القوة العسكرية (Force)، وليس بمنطق القوة الإستراتيجية (Power)، إن صحَّ التعبير. ومعنى أن تكون "شُرطيًّا" سيئًا أن على الجميع الانصياع له، ولمصالحه في الدرجة الأولى، فليس هناك مساواة أو نديَّة في المصالح بل إخضاع مصالح الآخرين لمصالح إسرائيل، وبالمناسبة هذا هو المعنى الحقيقي "لإسرائيل الكبرى"، وليس بمعناها الجغرافي.

استبدل منطق الحرب اللامنتهية أهم مركب في الفكر الإستراتيجي الإسرائيلي، والذي ينطلق من أن القوة العسكرية لها حدود حتى لو تفوقت بها إسرائيل، تكنولوجيًّا وميدانيًّا، فهي لا تحقق الأهداف بل تُسهِّل الطريق أمام تحقيقها، وتختزل الوقت للوصول لها، وتجعل الخصوم يتعاطون معها بالحوار والتسويات.

بناء على ذلك، فاتفاق مكة يرفض فكرة استبدال الشرطي بشرطي آخر، مشيرًا إلى أن القوة الباطشة لم تعد عاملًا جاذبًا في بناء التحالفات مع القوة الباطشة. فاتفاق مكة، من وجهة نظر إسرائيل، يجمع ثلاث قوى إقليمية في غرب آسيا، تحمل كل منها فرادة معينة، فتركيا هي الضلع الأهم لدى إسرائيل بوصفها تهديدًا لها (وليس تحديًا فقط) يتعمق وجوده في المنطقة، بتحالف جديد يُضاف لتحالفات أخرى على المستوى الثنائي (على نحو مع قطر، وليبيا، وسوريا)، وأدوار تلعبها باعتراف وموافقة أميركية (في سوريا، وغزة). أما السعودية، فكان التعويل الإسرائيلي على اتفاقية تطبيع معها في عهد ترامب الثاني، معتمدة -أي إسرائيل- على قوتها العسكرية وحروبها مع إيران، ولكن جاء اتفاق مكة، ليؤكد أن خيارات السعودية لا تنسجم مع الخيارات الإسرائيلية، فهي تستطيع توسيع اتفاقيات دفاعية مع دول لا تقل قوة وتطورًا من الناحية العسكرية عن إسرائيل، مثل باكستان وتركيا. أما باكستان، فهي دولة إسلامية نووية، ويكمن القلق الإسرائيلي من أن اتفاق مكة، يُدخل هذه الدولة إلى المنطقة العربية، وينتج احتكاكا استراتيجيا بين الطرفين، لاسيَّما أن العلاقات العسكرية والأمنية بين إسرائيل والهند وصلت ذروتها في عهد رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، ونتنياهو، فكلا الرجلين يُمثلان اليمين المتطرف والشعبوي، ويشتركان في القيم المعادية للإسلام، ويبرران ذلك بأنهما ضد ما يصفانه "بالإسلام المتطرف والارهابي"، وهو مجرد غطاء دعائي لقيم عنصرية معادية للإسلام بالعموم. وهذا التحالف، الإسرائيلي-الهندي، يُقلق باكستان أيضًا، وهذا القلق المتبادل يظهر الآن في اتفاق مكة.

بالعودة إلى تركيا، التي بدأت أوساط رسمية وغير رسمية إسرائيلية تعدها "إيران الجديدة"، فإن اتفاق مكة يُعَدُّ استمرارًا لمسار دخول تركيا من الأطراف السياسية للعالم العربي إلى مركزه السياسي الجديد (الخليج)، في حين أن إسرائيل التي عوَّلت على دخول المركز السياسي من أوسع أبوابه من خلال التطبيع مع السعودية، استمرارًا للتطبيع مع الإمارات والبحرين، عام 2020، يُخرجها الاتفاق من المركز السياسي، وهذا يدفع إسرائيل إلى تعزيز تحالفاتها مع الأطراف السياسية الجغرافية، مثل الهند في الشرق، وأرض الصومال واثيوبيا في الغرب، وقبرص اليونانية واليونان في الشمال.

اتفاق مكة هو منطق ما بعد الحرب، فلو كانت إسرائيل تفكر بهذا المنطق لتعاملت بجدية مع اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة ولبنان، وذهبت لاتفاق أمني مع سوريا، وأيدت اتفاق مجلس السلام مع حركة حماس لنزع سلاح الأخيرة، وبدأت تتخلى عن منطق الحرب اللامنتهية، وتدخل مرحلة التسويات وقطف ثمار حروبها، ولكن منطق الحرب اللامنتهية لم يترك ثمارًا لقطفها بل قطفها آخرون، مثل تركيا، وحتى لو عادت إسرائيل حاليًّا إلى منطقها الأصلي: الحروب هي أداةٌ لتسويات، فإن أوان ذلك قد انتهى، واتفاق مكة هو أحد أهم تجليات هذه النتيجة.

ABOUT THE AUTHOR