ما بين لينش ومحسن رضائي: اللحظة التاريخية لانتهاء احتكار واشنطن لوضع قواعد الأمن الإقليمي

23 August 2026
الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني محسن رضائي (غيتي)

يمكن قراءة تصريحات محسن رضائي الأخيرة بوصفها طرحًا متكاملًا لرؤية أمنية إيرانية لمرحلة ما بعد الحرب، لا مجرد مواقف منفصلة بشأن ميثاق مكة أو الملف النووي. فهو يربط بين تراجع المظلة الأميركية وظهور ترتيبات أمنية إقليمية جديدة، وتآكل الثقة بنظام عدم الانتشار النووي، والحاجة إلى تعديل السلوك الدبلوماسي الإيراني. وقد عبَّر عن هذا التحول بقوله: إن إيران "اليوم لن تكون إيران ما قبل الحرب"، مشيرًا إلى أن سلوكها الدبلوماسي يحتاج إلى تعديلات.

وتجد هذه الرؤية إطارها الأوسع في أطروحة عالم السياسة مارك لينش في "فورين أفيرز" بشأن نهاية "الشرق الأوسط الأميركي". يرى لينش أن الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران لم تُنه الوجود الأميركي في المنطقة، لكنها أنهت صلاحية النظام الإقليمي الذي قادته واشنطن منذ عام 1991؛ إذ أخفقت الولايات المتحدة في إسقاط النظام الإيراني، وعجزت عن حماية حلفائها بصورة كاملة، ولم تستطع إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا. وبذلك فقدت الصفقة الأمنية الأميركية، القائمة على حماية الحلفاء واحتواء إيران وتأمين الملاحة، جانبًا أساسيًّا من صدقيتها.

وإذا كان لينش يصف البنية الإقليمية التي تتفكك، فإن رضائي يتحدث عن الموقع الذي تريده إيران داخل البنية التي ستخلفها. ولذلك يمكن فهم تصريحاته بوصفها محاولة لتحويل نتائج الحرب العسكرية إلى قواعد سياسية للنظام الإقليمي المقبل.

ميثاق مكة: لن نؤيد ما لم نشارك في تأسيسه

لا تكمن أهمية تصريح رضائي بشأن ميثاق مكة في قوله: إن طهران لا تعرف مضمون ما وقَّعته السعودية وتركيا وباكستان فحسب، وإنما في رفضه أن يقتصر دور إيران على المصادقة على ترتيب أمني صاغته دول أخرى. فقد ربط قيام الميثاق بإبلاغ الولايات المتحدة حلفاءها بأنها تتجه إلى تقليص وجودها، ورأى أن الدول الثلاث تحاول ملء الفراغ الناشئ. كما اقترح انضمام إيران ومصر بصفة دولتين مؤسستين، بدل مطالبتهما بتأييد اتفاق أُنجز من دونهما. لا تقول إيران، وفق هذا الخطاب، إنها ترفض مبدأ الأمن الإقليمي أو الدفاع الجماعي، بل تعترض على بناء هندسة أمنية جديدة من دونها ثم مطالبتها بإضفاء الشرعية عليها. ويبدو موقف رضائي لذلك أقرب إلى عرض تفاوضي مشروط منه إلى رفض مطلق؛ إذ تسعى إيران إلى إعادة فتح بنية الميثاق والتحول من دولة خارجه إلى شريك في تأسيسه.

وهنا تتقاطع تصريحات رضائي مباشرة مع أطروحة لينش. فهذا الأخير يرى أن النظام الأميركي القديم بُني حول حماية إسرائيل واحتواء إيران، لكنه انتهى إلى نتيجة معاكسة بعد الحرب: بقي النظام الإيراني، واحتفظت طهران بقدرتها على ضرب المصالح الأميركية وحلفاء واشنطن والتأثير في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. وبذلك لم تعد إيران مجرد تهديد يُراد احتواؤه بل أصبحت قوة لا يمكن تأسيس نظام إقليمي مستقر من دون التعامل معها.

يترجم رضائي هذه النتيجة إلى مطالبة سياسية واضحة: إيران لا تقبل الانتقال من احتواء أميركي مباشر إلى احتواء إقليمي تقوده دول المنطقة بل تريد الانتقال من موقع الدولة المستهدفة بالنظام إلى موقع الدولة المشاركة في تأسيسه. أما إدخال مصر في المقترح، فيكشف سعيًا إلى توسيع النظام الأمني من مثلث سعودي-تركي-باكستاني إلى صيغة أوسع وأكثر تمثيلًا. كما يحد من احتمال تمركز النظام الجديد حول محور واحد ويمنح إيران فرصة للمشاركة في تحديد قواعده وتوازناته.

ملء "الفراغ الأميركي"

يفسر رضائي اتفاق مكة بوصفه نتيجة لتراجع القدرة الأميركية على إدارة الأمن الإقليمي. ومن هذه الزاوية، لا يمثل الميثاق نجاحًا مستقلًّا للدول الثلاث بقدر ما يمثل دليلًا على أن الوظيفة الأمنية التي أدَّتها واشنطن طوال عقود باتت شاغرة أو معرضة لإعادة التوزيع. ولهذا وصف رضائي الفراغ الأميركي بأنه "غنيمة" تحاول الدول الإقليمية الاستفادة منها. يتفق هذا التفسير مع تشخيص لينش، الذي يرى أن أزمة النظام الأميركي لا تعني انسحاب واشنطن الفوري، وإنما فقدانها القدرة على احتكار وضع قواعد النظام الإقليمي. وقد تستمر القواعد العسكرية والتحالفات ومشتريات السلاح والضمانات الرسمية، لكن الثقة السياسية التي قامت عليها الهيمنة الأميركية أصيبت بضرر يصعب إصلاحه.

غير أن لينش يتوقع ألا يحل نظام واحد ومتماسك محل النظام الأميركي بل ستنشأ ترتيبات ومحاور متداخلة: تفاهمات خليجية منفردة مع إيران، وعلاقات أوسع مع الصين وروسيا، وتنافس سعودي-إماراتي، ومحاور جديدة تجمع قوى مثل تركيا وباكستان ومصر وقطر. ويمكن وضع ميثاق مكة داخل هذا السياق بوصفه إحدى اللبنات الأولى في النظام الناشئ، وليس النظام النهائي نفسه.

تكشف تصريحات رضائي أن الخلاف الحقيقي لا يدور حول نص الميثاق وحده بل حول سؤال أكثر جوهرية: من يرث الوظيفة الأمنية الأميركية؟ ومن يمتلك حق تعريف التهديد ووضع قواعد النظام الجديد؟

رسالة إلى السعودية وتركيا وباكستان

يصف رضائي الدول الثلاث بأنها "أصدقاؤنا" و"إخوتنا"، رغم انتقاده ترتيبها الأمني. وتتيح هذه اللغة لطهران الاعتراض مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام التفاوض بدل إعلان الميثاق تحالفًا معاديًا منذ البداية. لكن خلف اللغة الودية تحذير واضح: إذا أصبح ميثاق مكة نواة لنظام أمني إقليمي يستبعد إيران أو يعرِّفها ضمنيًّا بوصفها مصدر التهديد، فسوف تتعامل طهران معه بوصفه منافسًا إستراتيجيًّا، وربما صيغة إقليمية بديلة للتحالف الذي كانت تقوده الولايات المتحدة ضدها.

ولذلك لا يُعد طلب الاطلاع على الاتفاق إجراءً شكليًّا؛ فإيران تريد معرفة تعريف التهديد داخل الميثاق، وشروط تفعيل الدفاع المشترك، وطبيعة الالتزامات العسكرية بين أطرافه، وما إذا كان يمكن استخدامه في مواجهة إيران. كما تريد المشاركة في صياغة هذه العناصر بدل الاكتفاء بتلقيها بعد إقرارها. ومن منظور لينش، توضح هذه الحساسية صعوبة الانتقال من النظام القديم إلى نظام أكثر استقرارًا. فانحسار القيادة الأميركية لا يلغي التنافس بل قد ينقله إلى القوى الإقليمية نفسها. وقد يؤدي غياب قواعد متفق عليها إلى إبدال التحالف الأميركي المناهض لإيران بمجموعة محاور إقليمية متنافسة، لكل منها تصور مختلف للأمن والتهديد.

الملف النووي: تآكل صدقية النظام الدولي

تتجاوز تصريحات رضائي النظام الأمني الإقليمي إلى نظام عدم الانتشار النووي. فهو يرى أن التزام إيران بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وقبولها الضمانات وعمليات التفتيش، لم يمنعا تعرضها للهجوم الأميركي. وبذلك أنتجت سياسة ترامب، وفق تعبيره، "انعدامًا للأمن النووي" بدل تعزيز الأمن النووي.

لا تمثل هذه الحجة دعوة صريحة إلى إنتاج قنبلة نووية، لكنها تعيد صياغة معادلة الردع: إذا كانت الدولة غير النووية الملتزمة بالمعاهدة لا تحصل مقابل التزامها على ضمان يحميها من الهجوم، فإن القيمة الأمنية للبقاء دولة غير نووية تتراجع.

وهنا يظهر امتداد آخر لأطروحة لينش. فالحرب، وفق تحليله، قوَّضت ثقة دول الخليج بالضمانات الأميركية؛ أما في خطاب رضائي، فقد قوَّضت أيضًا ثقة إيران بالضمانات الضمنية التي يقوم عليها نظام عدم الانتشار. وفي الحالتين، أصبحت المنظومة القديمة عاجزة عن تقديم المقابل الأمني الذي يبرر الالتزام بها:

  • لم توفر المظلة الأميركية حماية كاملة للحلفاء.
  • لم يمنع الالتزام بمعاهدة عدم الانتشار مهاجمة إيران.
  • لم تستطع القوة الأميركية إعادة فتح مضيق هرمز.
  • لم تنجح الحرب في إسقاط النظام الإيراني أو إنهاء قدرته على الرد.

ينقل رضائي بذلك النقاش من سؤال: "هل ستصنع إيران قنبلة؟" إلى سؤال: "ما القيمة الأمنية للالتزام بنظام عدم الانتشار إذا لم يوفر حماية من الهجوم؟". ويمكن لهذا الخطاب أن يمهد لاحقًا لتوسيع القدرات النووية أو الاقتراب أكثر من العتبة النووية، حتى من دون اتخاذ قرار مباشر بإنتاج السلاح.

الخيط الناظم

يمكن اختزال المنطق الذي يجمع مواقف رضائي بشأن ميثاق مكة والملف النووي والولايات المتحدة في معادلة واحدة تقول: إن المنظومة الأمنية القديمة لم تعد صالحة، وإيران تريد أن تكون شريكًا في صياغة المنظومة البديلة، لا موضوعًا للاحتواء داخلها. ففي الملف الإقليمي تقول إيران: لا تؤسسوا تحالفًا أمنيًّا ثم تطلبوا منَّا تأييده. وفي الملف النووي تقول: لا تطلبوا منَّا الالتزام بنظام لا يمنع الاعتداء علينا ولا يقدم ضمانات أمنية مقابلة. وفي العلاقة مع الولايات المتحدة تقول: إن تراجع واشنطن خلق فراغًا ينبغي أن تديره دول المنطقة، لكن من دون إعادة إنتاج النظام الأميركي بصيغة إقليمية تستبعد إيران.

وهذا يتقاطع مع دعوة لينش إلى إدماج إيران في منظومة الأمن الإقليمي، لكنه يختلف معها في طبيعة الاندماج المقصود. فلينش يتصور نظامًا يقوم على الدبلوماسية والدفاع الجماعي، وضبط تدخلات إيران وإسرائيل، والحد من الحروب بالوكالة. أما رضائي فيركز على الاعتراف بمكانة إيران وقدرتها على الردع ومنحها دورًا في وضع القواعد. هدفه المباشر ليس تجاوز سياسات القوة بل ضمان ألا تكون إيران الطرف المستهدف بها.

خلاصة

قد تساعد طروحات مارك لينش في بناء الإطار البنيوي الأوسع لفهم تصريحات محسن رضائي. فلينش يعلن نهاية النظام الذي قام على الهيمنة الأميركية واحتواء إيران، بينما يعلن رضائي بداية الصراع على النظام الذي سيخلفه وعلى المكانة التي ستحتلها إيران داخله. تكشف تصريحات رضائي عن بداية إعادة تعريف إيرانية للأمن القومي بعد الحرب. لم تعد الأولوية مقتصرة على إعادة بناء القدرات العسكرية أو الرد على الولايات المتحدة، بل امتدت إلى المشاركة في تشكيل النظام الأمني الإقليمي ومراجعة قواعد الردع النووي. وإقليميًّا، تطالب إيران بمقعد على طاولة التأسيس؛ ونوويًّا، تلوِّح بأن القيود القديمة لم تعد قابلة للاستمرار من دون ضمانات أمنية مقابلة. غير أن نهاية "الشرق الأوسط الأميركي" لا تضمن ولادة نظام تعاوني. فقد تنتج عنها مشاريع متنافسة: ميثاق تقوده السعودية وتركيا وباكستان، ومحور إماراتي-إسرائيلي، وإيران تسعى إلى فرض الاعتراف بها شريكًا مؤسسًا مع قدرة أقل للولايات المتحدة على القيادة. وإذا كان لينش يعلن نهاية النظام الذي احتوى إيران، فإن رضائي يعلن بداية الصراع على نظام يعترف بمكانتها. لكن الانتقال من الاحتواء إلى المشاركة لن يصنع الاستقرار تلقائيًّا؛ إذ يتوقف ذلك على ما إذا كانت القوى الإقليمية ستؤسس أمنًا جماعيًّا حقيقيًّا أم ستعيد إنتاج النظام القديم في صورة محاور إقليمية أشد تسلحًا وتنافسًا.

ABOUT THE AUTHOR