إيران في مواجهة "الإنزال الاقتصادي": من هرمز إلى الممرات الأوراسية

تراهن الولايات المتحدة في حربها مع إيران على العامل الاقتصادي الذي قد يُنجز في تقديرها ما لم تحققه القوة العسكرية، وتأمل واشنطن أن يؤدي تصعيد الضغط الاقتصادي، عبر العقوبات والحصار البحري والعقوبات الثانوية، إلى رضوخ النظام أو انفجار الشارع. أما إيران المنهَكَة اقتصاديًّا حتى قبل الحرب، فتتمترس خلف أدبيات وممارسات "اقتصاد المقاومة" و"اقتصاد البقاء" فضلًا عن جغرافيا اقتصادية تفتح نوافذ في جدران الحصار تمدها بجرعات من الصين وروسيا ودول آسيا الوسطى.
1 September 2026
(الجزيرة)

مقدمة

استخدمت واشنطن ما يمكن وصفه بأنه آخر أوراقها في ملف "الحرب الاقتصادية" على إيران، وذلك بشنِّها ما أسمته "أكبر هجوم اقتصادي" في التاريخ على إيران. هجوم شبَّهه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ووزير خزانته بـ "الإنزال النورماندي الاقتصادي"، والهدف المعلن منه خنق اقتصاد طهران وشَلُّ قدرتها المالية.

وبدأ الهجوم بإعلان وزير الخزانة، سكوت بيسنت، توسيع نطاق العقوبات ليشمل خمسة قطاعات: الأصول الرقمية كالعملات المشفرة، والتكنولوجيا، والذهب، والطيران، والشحن، وتأكيده أن هذه القطاعات باتت عرضة لـ"العقوبات الثانوية"؛ ما يعني أن أي دولة أو فرد أو كيان، قد يواجَه بعقوبات أميركية إذا استمر في نشاطه التجاري والمالي مع طهران.

لكن ردود فعل الأسواق والمراقبين بعد إعلان وزير الخزانة كشفت أن حملة التهديد والوعيد التي سبقت الإعلان كانت أكبر مما حملته العقوبات فعليًّا؛ كون التصعيد الاقتصادي الجديد لا يخرج عن سياسة ممنهجة مارست فيها الإدارة الأميركية مزيجًا من الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية وحتى النفسية في حربها على إيران.

معركة الاقتصاد: من العقوبات إلى "الإنزال"

منذ البداية كان الاقتصاد سلاحًا لا يقل أهمية وخطورة في الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران، واستمد الاقتصاد هذه الأهمية البالغة من معطيين أساسيين: الأول هو موقع إيران الإستراتيجي في قلب مركز إنتاج وتصدير الطاقة عالميًّا وعلى حدودها يمتد شريان عبور السفن المحملة بالنفط والغاز للأسواق العالمية. أما السبب الثاني فهو السياسة التقليدية التي دأبت عليها واشنطن في خلافاتها مع طهران واستخدامها العقوبات الاقتصادية بأشكال ومستويات مختلفة خفضًا وتصعيدًا منذ عام 1979 وذلك على خلفية اتهام طهران بدعم ما تصفه واشنطن بالإرهاب الدولي، وبسبب برنامجها النووي.  

الشرارة اقتصادية والحسم ليس عسكريًّا

اليوم وبعد مضي أكثر من ستة أشهر على الحرب لم تتمكن الولايات المتحدة الأميركية ومعها إسرائيل من حسم صراعها مع إيران عسكريًّا رغم الفارق الواضح في القوة النارية. ورغم الضربات العسكرية الموجعة التي تلقتها طهران إلا أن ذلك لم يقوض قدراتها القتالية بشكل واضح أو يضعف مركزها التفاوضي. وتشير التقارير والتحليلات إلى أن واشنطن ربما بالغت في تقدير أثر الضربة الأولى على قدرة إيران على الصمود، ولذلك لم يتحقق السيناريو المتوقع بأن يؤدي الفعل العسكري السريع إلى قبول طهران بالشروط الأميركية(1).

قبيل شن العمليات العسكرية، استندت الولايات المتحدة على تقارير تشير إلى أن الضغط الاقتصادي على الشارع في إيران قد بلغ منتهاه وأن التظاهرات التي انطلقت من طهران، في 28 ديسمبر/كانون الأول الماضي (2025)، وامتدت لعدد من المدن الإيرانية احتجاجًا على تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، باتت تشكِّل مرحلة "ما قبل الثورة"(2) وهي كفيلة بأن تتحول إلى ثورة شعبية تسقط النظام إذا ما لقيت دعمًا وحماية، وهو ما دفع الإدارة الأميركية إلى قلب طاولة المفاوضات وشنِّ هجوم موسع استهدف الصف الأول من القيادة ودمر منشآت حيوية في البلاد.

مضيق هرمز وسياسة توزيع الألم

تمكنت طهران من امتصاص الصدمة في الأيام الأولى، واتجهت لرفع كلفة المواجهة على خصومها وعلى الاقتصاد العالمي عبر الزج بورقة لطالما هددت باستخدامها سابقًا: ورقة مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خمس صادرات النفط والغاز باتجاه الأسواق العالمية، وهو ما يعني أن الحرب في هذه الحالة خرجت من نطاقها الجغرافي وتداعياتها على الداخل الإيراني وحده إلى الجوار الإقليمي ثم إلى باقي العالم عبر مفهوم توزيع الألم الذي تبنَّته طهران.

لأول مرة اختبرت إيران فعليًّا مضيق هرمز ورقةً إستراتيجية ضمن معادلتي الردع وتغيير موازين القوة، وهو ما أشار إليه تحليل حديث فيMilitary Review  من أن إيران حوَّلت هرمز من مجرد ممر جغرافي إلى أداة ضغط تدريجية (graduated instrument of coercion)(3)، وفرضت طهران قواعدها على المضيق:

  • السماح لبعض السفن بالمرور.
  • فرض رسوم.
  • رفع المخاطر والتأمين.
  • تهديد بعض المسارات.
  • استهداف انتقائي.
  • خلق حالة عدم يقين.

كل هذا أدى إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والشحن والتأمين، وانتقلت تكلفة الحرب إلى اقتصادات بعيدة جغرافيًّا عن ساحة المعركة بل وإلى قطاعات حيوية في الاقتصاد العالمي، بدءًا من الغذاء وليس انتهاء بالتكنولوجيا الدقيقة وبينهما كل الصناعات والخدمات التي تستخدم في مدخلات إنتاجها الطاقة بأنواعها.

 وبحسب بيانات شركة كبلر المتخصصة في تتبع حركة السفن وشحن السلع الأولية والطاقة، تراجع عدد السفن التي تعبر مضيق هرمز من نحو 130 سفينة يوميًّا قبل الحرب، نصفها تقريبًا ناقلات نفط، إلى ناقلتين فقط يوميًّا في ذروة الحرب، وفي عشرة أسابيع فقط تجاوزت الخسائر التراكمية في الإمدادات من منتجي الخليج مليار برميل، مع توقف تدفق أكثر من 14 مليون برميل من النفط يوميًّا، بحسب وكالة الطاقة الدولية التي عَدَّتها صدمة غير مسبوقة في الإمدادات(4).

جدول (1): الحرب رفعت تكاليف الطاقة عالميًّا

المؤشر

27 فبراير/شباط 2026 (قبيل الحرب)

22 أغسطس /آب 2026

التغير

خام برنت (البرميل)

72.87 دولارًا

94.39 دولارًا

  %29.53ارتفاعًا

خام تكساس (البرميل)

67.02 دولارًا

87.06 دولارًا

 %29.90 ارتفاعًا

الغاز الطبيعي الأوروبي (ميغاواط ساعة)

31.98 يورو

65.87 يورو

%105.97 ارتفاعًا

سعر البنزين (الغالون)

2.98  دولارًا

4.10 دولارًا

%37.58 ارتفاعًا

وقود الطائرات (الغالون)

2.50 دولارًا

3.90 دولارًا

 %56 ارتفاعًا

 المصدر: بيانات oilprice.com وTrading Economics وجمعية السيارات الأميركية  (AAA)

مضيق هرمز: الحصار المزدوج  

في ذروة الحرب وتوقف عبور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، أظهرت بيانات كبلر أن إيران صدَّرت نحو 1.84 مليون برميل يوميًّا من النفط الخام في شهر مارس/آذار، مقارنة بمتوسط سنوي بلغ ​1.68 مليون برميل يوميًّا في عام 2025(5)، وهو ما دفع الرئيس ترامب لإعلان حصار بحري على إيران استمر من 13 أبريل/نيسان ولغاية الاتفاق على مذكرة التفاهم بين الجانبين في 18 يونيو/حزيران ليُعاد تفعيله مرة أخرى في 13 يوليو/تموز على خلفية انهيار التفاهم وتصاعد الأعمال العدائية.

حتى قبل اندلاع هذه الحرب كان الاقتصاد الإيراني يعاني تبعات ثقيلة كرَّستها على مدى أكثر من أربعة عقود سلاسل من العقوبات الأميركية والدولية الصارمة بسبب برنامجها النووي، وهو ما انعكس جليًّا في تراجع حاد في سعر العملة المحلية(6)، وقفزات كبيرة في معدلات التضخم وأسعار السلع الأساسية(7)، وهو ما تسبَّب في تهاوي القدرة الشرائية لشريحة واسعة من الإيرانيين ورافق ذلك ارتفاع معدلات البطالة.

راهنت الإدارة الأميركية على أن مزيجًا من زيادة الضغط الاقتصادي داخليًّا والضغط العسكري خارجيًّا قد يكون قادرًا على إسقاط النظام أو دفعه للاستسلام وقبول شروط واشنطن، لذلك لجأ الرئيس ‌‌ترامب لما عَدَّه "أشد عملية اقتصادية ساحقة لإيران لم تُتخذ على الإطلاق من قبل ضد أي دولة" مؤكدًا أنها "ستكون حربًا اقتصادية وعزلة بمستوى غير مسبوق على إيران"، في إشارة إلى تصعيد اقتصادي يتجاوز العقوبات والحصار التقليديين.

منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، في يناير/كانون الثاني 2025، وإعادة حملة "الضغط القصوى" على إيران فرضت واشنطن على طهران عقوبات إضافية في قطاعات الطاقة والمالية والتجارة، وتظهر بيانات صادرة عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية (OFAC) أنه فرض عقوبات على أكثر من ألف شخص وسفينة وطائرة(8).

كما شملت الإجراءات العقابية أسطول الظل الإيراني الذي كان ينقل النفط، وعددًا من شركات الشحن، فضلًا عن عقوبات صارمة تكرس إقصاء البنوك الإيرانية عن نظام سويفت (SWIFT) المالي العالمي، واستهداف كبرى منصات التداول الإيرانية مثل "نوبيتكس"، "وأليكس"، و"بيت بين"، و"رمزينكس".

"الإنزال الاقتصادي": إشكالية الجدوى والاستجابة

لا يبدو أن قطاعًا اقتصاديًّا أو ماليًّا في إيران قد نجا من العقوبات الأميركية، وهو ما يجعل عملية "الإنزال الاقتصادي" أو العقوبات الثانوية التي شرعت واشنطن في تنفيذها محدودة الأثر أو بالأصح هامشية أمام حجم العقوبات السابقة، رغم أنها تستهدف أطرافًا ثالثة، دولًا وكيانات، تسهم في إنعاش الاقتصاد الإيراني ماليًّا وتجاريًّا لم تكن قد تعرضت فعليًّا لعقوبات من قبل، نذكر منها على سبيل المثال:

  • مصافي التكرير الصينية الصغيرة والتي تُعرف بـ"أباريق الشاي" والتي تشكِّل ربع طاقة التكرير الصينية، وتظهر بيانات شركة كبلر للتحليلات أن الصين اشترت العام الماضي أكثر من 80% من النفط الإيراني بما يعادل 1.38 مليون برميل يوميًّا(9). وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد فرضت، في أبريل/نيسان الماضي، عقوبات على "هنغلي"، متهمة إياها بشراء نفط إيراني بقيمة مليارات الدولارات. لكن بيجين اعتبرت أن هذه العقوبات تنتهك "القانون الدولي والمعايير الأساسية للعلاقات الدولية"، مشيرة إلى أن الأمر القضائي يمنع أي كيان صيني من الامتثال للعقوبات الأميركية(10).
  • بعض المصارف الصينية التي تسهِّل تجارة إيران الخارجية، وكانت وزارة الخزانة الأميركية بحسب وكالة بلومبرغ قد وجَّهت، في أبريل/نيسان الماضي، رسائل إلى مصرفين صينيين كبيرين تحذرهما من مخاطر العقوبات الثانوية المرتبطة بإيران. لكن يبدو أن فرض عقوبات على المشترين أو البنوك الصينية خطوة مستبعدة قبل زيارة الدولة التي سيقوم بها الرئيس شي جين بينغ إلى الولايات المتحدة، في سبتمبر/أيلول الجاري.
  • إضافة إلى الحصار البحري، تفكر واشنطن في فرض حصار بري عبر عرقلة التجارة البرية الإيرانية مع تركيا والعراق وباكستان وآسيا الوسطى، وهذا لمنع وصول البضائع من إيران وإليها عبر الحدود البرية الممتدة مع العديد من دول الجوار. وحذَّر محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، من أن أي دولة تنضم إلى العقوبات الأميركية ضد إيران ستُعد عدوًّا، وستستهدف طهران مصالحها ردًّا على ذلك(11).
  • أقرَّ مجلس الشيوخ، نهاية شهر يوليو/تموز الماضي، تشريعًا بأغلبية الحزبين يمنح الرئيس ترامب صلاحيات جمركية جديدة قد يستخدمها ضد الدول التي تدعم التجارة الروسية والإيرانية(12)، كما هدَّد ترامب بفرض رسوم جمركية فورية بنسبة 50 بالمئة على البضائع التي تبيعها للولايات ​المتحدة الأميركية إلى أي دولة تزود إيران بأسلحة قتالية.

فاعلية العقوبات الثانوية الأميركية تعتمد على مدى استعداد الأطراف الثالثة -التي تُبقي قنوات تجارية ومالية مع طهران- لتحمل تكلفة عدم الامتثال لها. وكلما اتسعت دائرة الدول القادرة والراغبة في الاستمرار بالتجارة مع إيران، خصوصًا الصين وروسيا، تراجعت قدرة العقوبات على تحقيق حصار اقتصادي كامل. أما دول الجوار الأكثر ارتباطًا بالنظام المالي الأميركي، فقد تضطر إلى الامتثال الجزئي؛ ما يجعلها ساحة للموازنة بين المصالح مع إيران ومخاطر العقوبات الأميركية عليها.

التداعيات على الاقتصاد الإيراني

انتقلت الحرب في أيامها الأولى سريعًا من التركيز على الأهداف العسكرية والنووية الإيرانية إلى ضرب البنية التحتية والمنشآت الاقتصادية، وهدَّد ترامب بسحق إيران وإرجاعها إلى العصر الحجري، والغرض من استهداف هذه المرافق التي تمس حياة المواطن بشكل أساسي هو خلق حالة من الشلل في المفاصل الخدمية والإنتاجية، على أمل أن يؤدي ذلك إلى زعزعة الاستقرار الداخلي.

وأدَّى مرور ستة أشهر من الحرب والتوترات العسكرية الحادة إلى أضرار بالغة في الاقتصاد الإيراني؛ إذ قفز معدل التضخم السنوي ليلامس حاجز 88%(13)، وانكمش الناتج المحلي الإجمالي بشكل ملحوظ متأثرًا بخسائر مباشرة وغير مباشرة قُدِّرت أوليًّا في الأسابيع الأولى من الحرب بنحو 270 مليار دولار(14)، فضلًا عن تراجع حاد في قيمة العملة المحلية.

جدول (2): التداعيات على الاقتصاد الإيراني

المؤشر

قبل الحرب (2025)

بعد الحرب

التغير

صادرات النفط

1.4 مليون برميل يوميًّا

534 ألف برميل يوميًّا

 62% انخفاضًا

مخزونات النفط الإيراني العائمة خارج منطقة الحصار(15)

105 ملايين برميل

80 مليون برميل (في شهر أغسطس/آب)

23.8% انخفاضًا

النمو الاقتصادي(16)

انكمش بنسبة 1.5%

انكماش متوقع بنسبة 6.1%

 

التضخم

52.6% (في شهر ديسمبر/كانون الأول)

87.9 ( في شهر يوليو)

67.1% ارتفاعًا

التجارة غير النفطية(17)

42 مليار دولار (بين مارس/آذار وأغسطس/آب)

32 مليار دولار ( بين مارس  وأغسطس)

24% انخفاضًا

التجارة مع الصين(18)

713 مليون دولار (في شهر يونيو/حزيران)

206.6 ملايين دولار (في شهر يونيو/حزيران)

71% انخفاضًا

المصدر: الجدول من إعداد الباحث

اقتصاد إيران: من المقاومة إلى البقاء

تخشى الحكومة الإيرانية أن ينعكس تدهور المؤشرات الاقتصادية على المواطن العادي لدرجة قد يفقد معها القدرة على تحمل الألم المتصاعد، فبحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، قد تؤدي الحرب إلى دفع ما بين 3.5–4.1 ملايين إيراني إضافي إلى ما دون خط الفقر، لترتفع نسبة الفقر من 36.3% إلى نحو 41%(19). كما أدَّى تدمير مرافق ومنشآت إنتاجية وتعطُّل النشاط الاقتصادي إلى الإضرار بالوظائف وسبل العيش؛ حيث تشير تقديرات إيرانية إلى فقدان أكثر من مليون وظيفة نتيجة لذلك(20).

تعوِّل طهران على نظام حماية اجتماعية للتخفيف من حدة الألم، بدأت تفعيله في الأيام الأولى من الحرب عبر زيادة الحد الأدنى للأجور بنحو 60%، والإبقاء على أسعار الطاقة المنزلية والبنزين عند مستويات مدعومة بشدة رغم أنها تعاني من عجز في إمدادات البنزين بنحو 15 مليون لتر يوميًّا وفق منظمة تحسين استهلاك الطاقة الإيرانية(21). وأكد النائب الأول للرئيس الإيراني، محمد رضا عارف، أن "الحكومة لديها خطة إستراتيجية تمتد لعامين تهدف إلى كبح التضخم وتثبيت مؤشرات السوق وحماية القدرة الشرائية للمواطنين، لاسيما الطبقات الأكثر تضررًا".

على صعيد الاقتصاد الكلي، تراهن إيران على قدرة اقتصادها على الصمود، وقد عملت على تكييف قطاعاتها الاقتصادية منذ  أطلق  المرشد الأعلى السابق للثورة الإسلامية، علي خامنئي، إستراتيجية "الاقتصاد المقاوم"، في أغسطس/آب 2012، وهي إستراتيجية تقوم على تعزيز الاعتماد على الذات، وتقليل الواردات وتجنب التعرض للمعاملات المالية بالدولار، وهو ما يعطيها مناعة أكبر في مواجهة العقوبات الاقتصادية والتجارية التي فرضتها الولايات المتحدة.

قبل هذه الحرب، أمضت إيران سنوات في إنشاء نظام معقد لمبيعات النفط والخدمات المصرفية الموازية السرية التي تأمل أن تدعم اقتصادها لفترة كافية لتجاوز الهجوم الاقتصادي، وهنا يدور الحديث عمَّا يُعرف بـ"اقتصاد البقاء" الذي يعني قدرة الحكومة على ضمان الحد الأدنى الذي يسمح بتأمين القدر الكافي من الغذاء والدواء والسلع الأساسية للمواطنين فضلًا عن ضمان استمرار عمل مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية بالقدر اللازم.

الجغرافيا الاقتصادية: من هرمز إلى أوراسيا

هناك علاقة طردية بين زيادة الضغوط الاقتصادية ودرجة المقاومة وإيجاد البدائل، فالحصار البحري الذي فرضته الولايات المتحدة كنمط جديد من العقوبات ولعله أقساها، يدفع إيران لتوظيف كامل جغرافيتها الاقتصادية، خاصة أن لديها حدودًا برية مع سبع دول، هي: العراق، وتركيا، وأذربيجان، وأرمينيا، وتركمانستان، وأفغانستان، وباكستان. وهي تقع بين الخليج والمحيط الهندي من الجنوب، والقوقاز وآسيا الوسطى من الشمال، وتركيا وأوروبا من الغرب، وباكستان وجنوب آسيا من الشرق. وهنا السؤال عن إمكانية استخدام طهران أراضي الدول المجاورة بشكل فعَّال بوصفها جزءًا من شبكة نقل تمتد إلى أسواق وموانئ ودول بعيدة.

يمكننا أن نحصر أهم الممرات البرية وحتى البحرية خارج مضيق هرمز عبر شبكة الطرق والسكك الحديدية والموانئ البرية التي تسمح نظريًّا بتحويل جزء من التجارة البحرية غير النفطية وتقلِّل من قدرة واشنطن على عزل الاقتصاد الإيراني بالكامل:

  •   الممر الإيراني–العراقي (نشط): ويعد الممر شريان حيوي جدًّا لتصدير الكهرباء، والغاز، والمواد الغذائية والإنشائية للعراق.
  • الممر الإيراني–التركي (نشط): وهو المعبر الرئيسي للتجارة البرية بين إيران والاتحاد الأوروبي عبر تركيا.
  • ممر القوقاز (نشط جزئيًّا): يعتمد على أذربيجان وأرمينيا ليتصل بجورجيا وروسيا، ولكن يخضع لتقلبات وتوترات جيوسياسية إقليمية.
  • ممر آسيا الوسطى (نشط): وهو خطوط سكك حديدية وطرق برية فعَّالة تربط إيران بتركمانستان ومنها إلى كازاخستان وأوزبكستان.
  • ممر الصين البري (نشط-قيد التوسع): بدأ تشغيله بشكل تدريجي منذ 2024 عبر رحلات قطارات شحن مباشرة عبر كازاخستان وتركمانستان.
  • ممر شمال–جنوب (INSTC) (نشط جزئيًّا-قيد التوسع): وهو يستخدم حاليًّا المسار البحري والشرقي في انتظار استكمال المسار الغربي السككي كليًّا فور انتهاء خط (رشت–آستارا).
  • الممر الإيراني–الأفغاني (نشط بشكل محدود): وهو يعمل عبر منافذ مثل "دوغارون" وخط "خاف–هرات"، لكنه يتأثر بالوضع الأمني والسياسي الداخلي لأفغانستان.
  •  الممر الإيراني–الباكستاني (نشط بشكل محدود): وعبره يتم التبادل التجاري عبر معابر مثل "ميرجاوة" و"تفتان"، ولكنه يعاني من ضعف البنية التحتية الحدودية مقارنة بالطاقة الاستيعابية المطلوبة.
  •  موانئ بحر عُمان (مثل ميناء شابهين/شابهار) (نشطة): تكمن أهميتها في كسر الاعتماد على مضيق هرمز والتجارة المباشرة مع الهند وآسيا.
  •   الممر البحري لبحر قزوين (نشط جزئيًّا): ويمثل الشحن البحري عبر الموانئ الإيرانية (مثل أنزلي وأمير آباد) نحو روسيا وكازاخستان، ويواجه أحيانًا تحديات تتعلق بالطاقة الاستيعابية للسفن والغطس المائي.

2
المصدر: مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)

وتشير الأدبيات الجيو-اقتصادية إلى أن الضغوط والعزلة التي تواجهها إيران في المجال البحري تدفعها إلى تعظيم البدائل البرية، وتفعيل الاتفاقيات الثنائية والدولية مع الجوار، كاتفاقية "عش أباد"(22) للنقل والعبور متعدد الوسائط والتي تهدف لإنشاء ممر نقل بين آسيا الوسطى وموانئ الخليج وبحر عُمان، وهنا ستعيد طهران توظيف موقعها "مفصلًا بريًّا لأوراسيا"، مستفيدة من وقوعها عند تقاطع محورين إستراتيجيين للربط القاري:

أولًا: محور شرق–غرب: (الصين–آسيا الوسطى–إيران–تركيا/أوروبا): وهو خط سكة حديدية تم تشغيله رسميًّا قبل عامين بين بيجين وطهران، وعُدَّ نقلةً نوعيةً في طريق التجارة بين شرق آسيا وغربها؛ إذ قلَّص وقت عبور البضائع من 30 إلى 15 يومًا، وحوَّل إيران إلى مركز عبور رئيسي في ممر "الحزام والطريق"، وهو يساعد في ربط البضائع الصينية القادمة من شرق آسيا مباشرة بأسواق غرب آسيا والدول الأوروبية.

وبحسب تقرير لوكالة بلومبرغ فقد ارتفع عدد قطارات الشحن المتجهة من شيآن في وسط الصين إلى العاصمة الإيرانية طهران، من نحو قطار واحد أسبوعيًّا قبل الصراع إلى قطار كل ثلاثة أو أربعة أيام منذ بدء الحصار في 13 أبريل/نيسان، بحسب أشخاص مطلعين على الشحنات(23). أما التقديرات الرسمية الإيرانية فتشير إلى أن عدد قطارات الشحن القادمة من الصين لتزويد إيران بالمواد الأولية ارتفع من قطار واحد إلى 7 قطارات أسبوعيًّا(24).

ثانيًا: محور الشمال–الجنوب: (روسيا-بحر قزوين-إيران-الخليج/الهند): نشأ ممر النقل بين الشمال والجنوب (INSTC) بموجب اتفاقية حكومية دولية وُقِّعت، في سبتمبر/أيلول 2000، بين روسيا وإيران والهند، ودخلت حيز التنفيذ بعد عامين. وقد صادقت 13 دولة على الاتفاقية منذ ذلك الحين. ومن المتوقع أن يمتد الممر في نهاية المطاف من شمال أوروبا وصولًا إلى جنوب شرق آسيا. وتُقدَّر الطاقة الاستيعابية السنوية للممر بما بين 20 و30 مليون طن(25)، ويعد خط سكك الحديد "رشت-آستارا" (بطول 162 كم) الحلقة المفقودة في محور "شمال-جنوب" بين مرفأ بطرسبرغ شمال غربي روسيا، وميناء مومباي الهندي بطول 7200 كم. ويعد هذا المحور منفذًا مهمًّا تجاريًّا واقتصاديًّا لطهران وموسكو اللتين تخضعان لعقوبات وحصار أميركي.

تشكِّل الجغرافيا البرية لإيران منفذًا بإمكانه أن يخفف من أثر العقوبات والحصار البحري، لكن لا يمكن أن يشكِّل بديلًا كاملًا عن مضيق هرمز، خاصة من ناحية صادرات النفط ومشتقاته، وأيضًا من حيث حجم البضائع المنقولة أو تكاليف نقلها. والأكيد -بحسب مراقبين- أن تؤدي عمليات التضييق المالي والتجاري على إيران إلى تعظيم الاستفادة من طرق التجارة البرية في منطقة آسيا الوسطى ربطًا بالصين وروسيا ومرورًا بإيران ووصولًا إلى أوروبا وجنوب آسيا بعيدًا عمَّا تعُدُّه الدول الثلاث هيمنة أميركية على التجارة البحرية العالمية.

ABOUT THE AUTHOR

References
  1. Nancy A. Youssef and Jonathan Lemire, “This May Be Trump’s Biggest Error in the Iran War”, The Atlantic, July31, 2026, “accessed Augst 21, 2026”. https://tinyurl.com/5btd95md.
  2.  Nicholas Carl and Brian Carter, “The Days of the Iranian Regime Are Numbered”, The Institute for the Study of War, January 30, 2026, “accessed Augst 20, 2026”. https://tinyurl.com/4uw2mrye
  3. Sgt. Maj. Paola Delarosa-Lloret, “Beyond the Shoreline Landpower, Access, and Maritime Chokepoints”, “Military Review”, July-Augst 2026, P-25 “accessed Augst 25, 2026”
  4. International Energy Agency, “Oil Market Report”, May 13, 2026, “accessed Augst 21, 2026” https://www.iea.org/reports/oil-market-report-may-2026
  5. "نظرة فاحصة-ما هي تداعيات الحصار البحري الأمريكي لإيران على تدفقات النفط؟"، وكالة رويترز، 13 أبريل 2026، (تاريخ الدخول 22 أغسطس 2026)
  6. تضاعف سعر الصرف في السوق الموازية بأكثر من 34 ضعفًا بين عام 2015 وحتى أواخر عام 2025، متجاوزًا عتبة 1.17 مليون ريال للدولار الواحد.
  7. بلغ معدل التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في إيران لعام 2025 نحو 42.2%، وفقًا لبيانات مجموعة البنك الدولي.
  8. US Department of Treasury, “Economic Fury Targets Iranian Shadow Banking Networks Moving Billions in Foreign Currency”, May 1, 2026, “accessed Augst 25, 2026”, https://home.treasury.gov/news/press-releases/sb0483?utm
  9. Gopi Bhamidipati, “Iran’s Hormuz Leverage Exposes Limits of US Sanctions Power in Asia”, June 10, 2026, Middle East Institute Singapore, “accessed Augst 24, 2026”, https://mei.nus.edu.sg/publication/mei-perspectives-series-62-irans-hormuz-leverage-exposes-limits-of-us-sanctions-power-in-asia/?utm
  10. بيان رسمي صدر عن وزارة التجارة الصينية  (MOFCOM)بتاريخ 2 مايو/أيار 2026، (تاريخ الدخول 27 أغسطس 2026)
  11. مقابلة محسن رضائي مع التلفزيون الإيراني الرسمي، بتاريخ 23 أغسطس 2026.
  12. Erik Wasson and Magdalena Del Valle, “Russia, Iran Sanctions Bill Clears Key Hurdle in US Senate”, Bloomberg, July 28, 2026, “accessed Augst 25, 2026”. https://www.bloomberg.com/news/articles/2026-07-28/us-senators-announce-deal-on-new-russia-iran-sanctions-bill
  13. وفق بيانات مركز الإحصاء الإيراني، سجل معدل التضخم في شهر يوليو/تموز 2026 نحو 87.9%، وسجل معدل تضخم أسعار المواد الغذائية 128 بالمئة على أساس سنوي.
  14. تصريح للمتحدثة باسم الحكومة الإيرانية، فاطمة مهاجراني، أن الخسائر الناجمة عن الحرب الأميركية/الإسرائيلية على البلاد تقدر بنحو 270 مليار دولار، بتاريخ 14 أبريل/نيسان 2026.
  15. بيانات شركة كبلر المختصة في تتبع السفن وتحليل بيانات الأسواق والسلع
  16. صندوق النقد الدولي، "الأسواق المالية العالمية تواجه الحرب في الشرق الأوسط وخطر تفاقم الاضطرابات"، 14 أبريل/نيسان 2026، (تاريخ الدخول 27 أغسطس 2026). https://www.imf.org/ar/publications/gfsr/issues/2026/04/14/global-financial-stability-report-april-2026
  17. تصريح فورود عسكري، رئيس إدارة الجمارك الإيرانية في اجتماع غرفة تجارة طهران، بتاريخ 18 أغسطس 2026، (تاريخ الدخول 27 أغسطس 2026).
  18. Observatory of Economic Complexity (OEC) , “accessed Augst 25, 2026”.

https://oec.world/en/profile/bilateral-country/chn/partner/irn

  1. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي  (UNDP)، " التصعيد العسكري في الشرق الأوسط: آثاره على التنمية الاقتصادية والبشرية في إيران"، 31 مارس 2026، (تاريخ الدخول 25 أغسطس 2026).
  2. تصريح نقلته وسائل إعلام إيرانية عن نائب وزير العمل والضمان الاجتماعي الإيراني، غلام حسين محمدي، خلال اجتماع ضم مدراء الوزارة بتاريخ 19 أبريل/نيسان الماضي.
  3. Bita Ghaffari, “Iranians queue for petrol as US blockade bites”, The Financial Times, Augst 25, 2026, “accessed Augst 25, 2026”.  

https://www.ft.com/content/e08d7f0e-f9fb-45a4-a1ef-025a75a5b776?syn-25a6b1a6=1

(22) هي اتفاقية بين كازاخستان، أوزباكستان، تركمانستان، إيران، الهند، باكستان، سلطنة عمان ودولة قطر تهدف لإنشاء ممر للنقل والعبور الدولي.

(23)  Alberto NardelliAlex WickhamSkylar Woodhouse, and Hadriana Lowenkron, “Trump-Xi Summit Stays on Track Despite China’s Iran Concerns”, Bloomberg, May 07, 2026, “accessed Augst 27, 2026”

https://www.bloomberg.com/news/articles/2026-05-07/trump-s-summit-with-xi-is-on-despite-china-s-iran-concerns

(24) تصريح لقدير قيافة، نائب رئيس غرفة التجارة الإيرانية، نقلته وكالة تسنيم بتاريخ 10 أغسطس/آب 2027، (تاريخ الدخول 23 أغسطس 2026)

(25) Nicola P. Contessi, “In the Shadow of the Belt and Road: Eurasian Corridors on the North-South Axis”, March 3, 2020. https://reconasia.csis.org/shadow-belt-and-road/