قصف عبثي لقاعدة سورية يؤشر إلى تأزم إسرائيلي إستراتيجي وشيك

يتزايد منسوب التوتر بين إسرائيل وتركيا في ظل إعادة تشكل موازين القوى في المشرق. وتُعدّ سوريا أبرز العُقد الجيوسياسية التي تتدافع حولها مصالح الطرفين، وتُراكم فيها إسرائيل هواجسها من تصاعد التهديد التركي لهيمنتها الإقليمية. ولم تكن عملية قصف مطار أبو الظهور مؤخرا إلا تجليًا لشعور إسرائيل المتفاقم بعمق الأزمة التي بدأت تخلقها هذه التحولات الاستراتيجية غير المسبوقة.
3 September 2026
(شترستوك)

أغار سلاح الجو الإسرائيلي، وبدون سابق إنذار، في 18 أغسطس/آب 2026، على مطار أبو الظهور العسكري، شرقي مدينة إدلب السورية. وكان مطار أبو الظهور قد خرج من الخدمة منذ عدة سنوات، قبل إطاحة نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، وأُخلي كلية من العسكريين السوريين. ولكن، وإن لم تتسبب الإغارة الإسرائيلية في خسائر في أرواح الجنود السوريين، فقد أوقعت دمارًا محدودًا في مباني الإدارة والتحكم بالمطار، وفي مدرجات الإقلاع والهبوط. بمعنى، أن الإغارة مثَّلت فعلًا عملياتيًّا هامشيًّا إلى حدٍّ كبير، وقُصد بها رسالة سياسية رمزية.

لم تعلن إسرائيل مسؤوليتها عن قصف المطار إلا بعد 20 ساعة من الصمت. وجاء الإعلان في صيغة بيان صدر عن مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية، قُصد به تبرير العملية، ثم أُعلن لاحقًا في مقابلة إذاعية مع نتنياهو. أشار البيان إلى أن دمشق أتاحت لعسكريين أتراك الانتشار في أراضيها رغم تحذيرات متكررة من إسرائيل. وادَّعى أن سوريا وإسرائيل كانتا اتفقتا على المحافظة على "وضع راهن" أمني في سوريا، ولكن الحكومة السورية انتهكت الاتفاق بالسماح بتمركز قوات تركية في قاعدة لسلاح الجوي السوري.

جاء رد الفعل السوري على الاعتداء الإسرائيلي في رسالتين متطابقتين وجَّهتهما دمشق إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، قالت فيهما: إن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، من قصف وتوغلات واختطاف، يعرقل جهود الاستقرار ويهدد المنطقة بمزيد من التوتر. وأكدت سوريا على موقفها الثابت، الداعي إلى الوقف الفوري للاعتداءات الإسرائيلية، و"إلزام إسرائيل بتنفيذ اتفاق 1974 لفض الاشتباك، والانسحاب الكامل من الأراضي التي توغلت فيها بعد 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، ومن الجولان السوري المحتل". من جهتها، دحضت تركيا في بيان مزاعم إسرائيل، وقالت إنها مجرد مزاعم فارغة، تهدف إلى إضفاء الشرعية على الهجمات الجوية غير القانونية التي تنتهك سيادة أراضي سوريا وسلامتها.

وبالرغم من أن واشنطن التزمت الصمت تجاه الحدث، فقد حذَّر السفير الأميركي في أنقرة، والمبعوث إلى سوريا، توماس باراك، من أن هجمات كتلك التي نفذتها إسرائيل على سوريا، من شأنها تكثيف الوجود التركي في المنطقة خلال المستقبل القريب. وأشار باراك إلى أن تركيا لم تتلقَّ تحذيرًا مسبقًا، وأنها بسبب ذلك كان من الممكن أن تبادر إلى إسقاط طائرات إسرائيلية أو ترد عليها. وقال: إن استهداف مطار أبو الظهور يقود إلى تصعيد لا حاجة له.

جاء الرد على تصريحات باراك من وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، بقوله: إن تلك التصريحات التي وصف فيها باراك مرتفعات الجولان بالأراضي السورية المحتلة تعبِّر عن موقف يتناقض مع "موقف الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، نفسه"، الذي اعترف بضم إسرائيل لمرتفعات الجولان. وادَّعى كاتس أن الجيش الإسرائيلي كان قد أوصى مرارًا بتنفيذ هجمات على قاعدة أبو الظهور الجوية السورية، بعد توافر "معلومات استخباراتية واضحة بشأن نية تركيا تنفيذ أنشطة في القاعدة، تشكِّل تهديدًا لأمن إسرائيل". وأضاف أن مباحثات جرت بينه وبين رئيس الحكومة، نتنياهو، إلى جانب مسؤولين في الجيش والأجهزة الأمنية الإسرائيلية، قبل اتخاذ قرار تنفيذ الهجوم، وأنه جرى الاتفاق على توجيه تحذير إلى السلطات السورية على أعلى المستويات قبل منح الإذن بتنفيذ الإغارة. وأشار كاتس إلى أن إسرائيل شاركت المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بالقاعدة مع الجهات المختصة في الولايات المتحدة.

ردُّ الوزير الإسرائيلي على باراك لم يُترك بلا تعليق من الأخير، الذي سارع إلى التعليق على ادعاء كاتس بأن إسرائيل أبلغت الجهات المختصة في واشنطن بالتقارير الاستخباراتية حول النشاطات التركية في سوريا، بالقول: إن الأجهزة الأميركية قد استلمت فعلًا التقارير الإسرائيلية، ولكنها -بعد التحقق- لم تجد أن مخاوف إسرائيل تستند إلى وقائع مؤكدة. ولكن كاتس لم يكن على استعداد للتزحزح عن موقفه، ففي 25 أغسطس/آب، أثناء زيارة ميدانية لقواته، وقف في موقع متقدم من منطقة التوغل الإسرائيلي خلف خط فصل القوات مع سوريا، ووجَّه رسالة للرئيس السوري، قال فيها: "نحن موجودون على بعد 25 كيلومترًا من دمشق، وإذا وجَّه الشرع نظره إلى هذا الاتجاه، عندما يستيقظ كل صباح، فسيرانا موجودين، ولن ننسحب من هذه المواقع طالما كان هناك ما يهدد أمننا في سوريا".

أما إشارة كاتس إلى أن إسرائيل حذَّرت دمشق مسبقًا من النشاطات التركية في سوريا، فيبدو أنها تستند بالفعل إلى أصل ما، ولكن ليس تمامًا كما ذكرها كاتس. فقد ذكرت مصادر إسرائيلية أن رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي، رومان غوفمان، أجرى، في 14 أغسطس/آب، مكالمة هاتفية مع وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، ناقشا خلالها الوجود العسكري التركي في سوريا. وهذا ما أكده الوزير الشيباني بالفعل في حديث له مع أكسيوس، في 22 أغسطس/آب، بقوله: إن إسرائيل أُبلغت مسبقًا بأن سوريا لا تقوم بحشد، أو العمل على تمركز قوات تركية في أبو الظهور، أو أية قاعدة جوية أخرى.

مهما كان التباين بين الروايات المختلفة، فالمهم أنه إن كانت هناك قناة اتصال رفيعة المستوى بين إسرائيل ودمشق، تربط رئيس الموساد ووزير الخارجية، وبالطبع بين إسرائيل والولايات المتحدة وسوريا، فلماذا تلجأ إسرائيل إلى قصف منشآت عسكرية سورية؟ ولماذا لم تأخذ إسرائيل تأكيدات الوزير الشيباني مأخذ الجد؟ وإذا كانت التقديرات الأميركية وجدت أن مخاوف إسرائيل من التهديد التركي في سوريا لا أصل لها، كما قال السفير باراك، فلماذا تجاهلت إسرائيل تأكيدات حليفتها الكبرى، وأصرَّت على تدمير مطار أبو الظهور؟ ولماذا هذه المخاوف الإسرائيلية المتزايدة من التعاون العسكري التركي-السوري، وتركيا هي أولى الدول الإسلامية التي تعترف بوجود إسرائيل، والدولة التي لم تخض حربًا قط ضد إسرائيل، لا بصورة مباشرة ولا غير مباشرة؟

التصور الإسرائيلي للتهديد التركي

يربط التفسير الأول للسلوك الإسرائيلي تجاه سوريا بين قصف مطار أبو الظهور والمناخ الانتخابي في إسرائيل. وحتى السفير باراك، الذي لم يُخْفِ استياءه من الخطوة الإسرائيلية، وضع الهجوم على المطار في سياق سعي نتنياهو لتصعيد التوتر في الإقليم، في محاولة لتحسين وضعه الانتخابي، الذي لا يبدو أنه في أحسن أحواله. وربما كان هذا التقدير صحيحًا، على الأقل فيما يتعلق بالتوقيت الذي اختارته حكومة نتنياهو لتنفيذ العملية ضد مطار أبو الظهور. ولكن الواضح أن تصور إسرائيل الدولة لما يمكن وصفه بالتهديد التركي، يعود في جذوره إلى ما هو أبعد من ألاعيب السياسة الانتخابية. والمؤكد أن قصف مطار أبو الظهور، بحجة التصدي لمخططات التمركز التركي العسكري في العمق السوري، لم يكن الحادث الأول من نوعه. كما أن رؤية إسرائيل لوجود تهديد تركي متعاظم في الجوار الإقليمي لا يقتصر على الساحة السورية.

لقد شهدت سوريا تغييرًا هائلًا في وضعها السياسي بعد انتصار الثورة وإسقاط نظام الأسد، في ديسمبر/كانون الأول 2024. وكان لافتًا أن نتنياهو لم يتوقف، خلال الشهور القليلة التالية على انهيار النظام السوري السابق، عن تكرار الإشارة إلى التغيير في سوريا بوصفه أحد نتائج الحملة الإسرائيلية لتغيير وجه الشرق الأوسط. ولكن الحقيقة، وبغضِّ النظر عن الأوهام التي انتابت نتنياهو لبعض الوقت حول الهيمنة على بلاد المشرق، أن دولة إسرائيل، نظرت بقدر كبير من القلق إلى سيطرة إسلاميين على مقاليد الحكم في دمشق، وإلى العلاقة الوثيقة التي ربطت الإسلاميين السوريين الجدد بتركيا، في الوقت نفسه.

وكان هذا هو السبب الذي دفع إسرائيل إلى إطلاق حملة جوية واسعة النطاق لتدمير كل ما أمكن الوصول إليه مما تبقى من مقدرات سوريا العسكرية طوال ديسمبر/كانون الأول 2024. خلال الشهور القليلة التالية، لم يعد خافيًا أن إسرائيل تراهن على سوريا منقسمة على نفسها، عرقيًّا وطائفيًّا، وعلى مركز سوري ضعيف وهش، وغير قادر على بسط سيطرته على أنحاء البلاد، أو على تشكيل تهديد لأحد، قريبًا كان أو بعيدًا.

في المقابل، كل ما قامت به تركيا في سوريا، وكل خطوة خَطَتْها، وكل تحرك تعهَّدته، كان مناقضًا للسياسة الإسرائيلية. فقد عملت أنقرة، إلى جانب الرياض، على فتح أبواب واشنطن أمام السوريين الجدد، ودفعت نحو رفع كافة العقوبات الدولية والأميركية عن سوريا. وأيدت أنقرة، وشجعت الولايات المتحدة على الانسحاب كلية من الأراضي السورية، كما شجعت على توسع نطاق عملية السلام التركية مع حزب العمال الكردستاني إلى الجوار السوري. كلتا الخطوتين أسهمتا في تهيئة الظروف لحل قوات سوريا الديمقراطية، واندماج الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا في جسم الدولة السورية. في الوقت نفسه، تعمل كافة وزارات الحكومة التركية، بما في ذلك وزارات الداخلية، والتعليم والتعليم العالي، والزراعة والري، والطاقة والكهرباء، على مدِّ يد العون لنظيراتها السورية، وتعزيز قدرات الدولة المركزية في دمشق.

أما في الميدان العسكري، فالواضح أن تركيا تلعب دورًا رئيسًا في إعادة بناء الجيش. وكافة الوحدات المنظمة من الجيش الحر، التي عُرفت بحسن تسليحها وتدريبها، وعملت في السابق تحت إشراف الجيش التركي في الشمال السوري المحرر، أُمرت بالانضواء في هيكل وزارة الدفاع السورية، مباشرة بعد بدء الأخيرة عملها من أجل حل كافة الفصائل المسلحة وبناء جيش موحد. واستقبلت قواعد تدريب الجيش التركي، في دفعات، المئات من الضباط السوريين. وتشير التقارير إلى وجود خبراء عسكريين أتراك في عدد من معسكرات تدريب الجيش السوري، وإلى أن تركيا قدمت المئات من العربات المدرَّعة، والآلاف من الأسلحة الفردية، للجيش السوري الجديد، إضافة إلى مساعدات فنية مختلفة.

وفي منتصف يوليو/تموز الماضي، قام قائد البحرية التركية، بصحبة عدد من كبار ضباط سلاح البحر التركي، بزيارة لميناء اللاذقية، في مؤشر إلى استعداد تركيا للمساهمة في إعادة بناء وتأهيل البحرية السورية. وقد أوردت هيئة البث الإسرائيلية في 15 أغسطس/آب، أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أبدت قلقًا متزايدًا من تسارع جهود دمشق لإعادة بناء سلاح الجو، سيما بعد رصد خطوات تتخذها وزارة الدفاع السورية لتجنيد وتدريب المئات من الطيارين السوريين الجدد. وبالرغم من عدم وضوح طبيعة الدور التركي في إعادة بناء سلاح الجو السوري، فالواضح أن هذا الجانب من التعاون العسكري يفاقم من القلق الإسرائيلي.

يدَّعي الإسرائيليون أن الأتراك تحركوا منذ أوائل هذا العام لتأهيل أكثر من قاعدة عسكرية جوية سورية، وربما حتى لتأسيس وجود لهم في هذه القواعد، وأن هذا كان الدافع وراء قصف القاعدتين السوريتين في تدمر والتي-4، في مارس/آذار الماضي، وقصف قاعدة أبو الظهور، التي كان وفد عسكري تركي قد تفقدها قبل أيام فقط من الإغارة الإسرائيلية. كما يدعي الإسرائيليون أن تركيا زودت سوريا بالفعل بعدة أنظمة رادار عسكرية، وأنها بصدد نشر وحدات من أنظمة الدفاع الجوي في وسط وشرق سوريا، وربما أيضًا حول دمشق. ويقول الإسرائيليون إنه في حال نشرت وزارة الدفاع السورية أنظمة رقابة ودفاع جوي في أنحاء البلاد، ستتمكن من إعاقة حركة طائرات سلاح الجو الإسرائيلي فوق سوريا نفسها، واعتراض طريقها إلى العراق وإيران.

ولكن هاجس تركيا لا يخيم على الإسرائيليين في سوريا وحسب. فإسرائيل تنظر ببالغ القلق إلى جوانب التعاون العسكري المتعددة بين تركيا ومصر، وإلى الوجود التركي، العسكري والاقتصادي، في الصومال وبالقرب من باب المندب. ويرى الإسرائيليون في التحرك المتسارع لحل المسألة الكردية في تركيا، وفي سوريا، والتدخل التركي لمنع تورط الأكراد الإيرانيين في الحرب على إيران، دلائل على محاولة تركية لاستعادة الثقل الكردي، وتجريد إسرائيل من أهم أدوات التحالف مع أقليات المشرق. ولكن، ما فاق كافة هذه الخطوات خطرًا في الحسابات الإسرائيلية لتوازنات القوى في الإقليم، كان بالتأكيد التوقيع على اتفاقية الدفاع المشترك الثلاثية بمكة المكرمة.

فالإسرائيليون، كما الأتراك والسعوديين، كانوا على دراية بالسياسة الأميركية لنقل ومشاركة العبء الأمني الإستراتيجي في الشرق الأوسط، التي اتجهت إليها إدارة ترامب منذ الأيام الأولى لتوليها مقاليد البيت الأبيض. ولكن الإسرائيليين تصوروا أن واشنطن ستصر على أن تكون إسرائيل شريكًا في النظام الأمني الجديد في المشرق، سواء بعد دفع السعودية إلى توقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل، أو حتى قبل ذلك. غير أن ما حدث، هو أن الولايات المتحدة خضعت في النهاية للضغوط العربية والإسلامية التي استبعدت إسرائيل من النظام الإقليمي الجديد، ولم تتردد في الترحيب بالاتفاق الثلاثي، الذي جاء بباكستان البعيدة إلى قلب الإقليم.

والأسوأ من ذلك كله بالنسبة إلى إسرائيل، أن الاتفاق الثلاثي يفتح الطريق أمام مزيد من التوغل التركي جنوبًا، كما قال نتنياهو، وأنه يكاد يغلق الباب أمام التطبيع الإسرائيلي مع السعودية، وأنه يعيد رسم كافة خطوط الاتصال والإمداد، بمعزل عن إسرائيل، بداية من خط سكة الحديد من إسطنبول إلى الرياض وجدة، وليس نهاية بتحويل طريق السلام المفترض من دبي إلى الساحل الإسرائيلي، إلى طريق يربط بين دبي والساحل السوري.

كيف صنعت إسرائيل التهديد التركي؟

لم يُظهر حزب العدالة والتنمية في السنوات الأولى لتولي حكم تركيا توجهًا لتصعيد العداء مع دولة إسرائيل، بالرغم من أن مشاعر الشعب التركي السلبية تجاه إسرائيل لم تكن تختلف عن مشاعر عموم الشعوب الإسلامية. فقد أعلنت حكومة أردوغان التزامها بحل الدولتين، وعملت على بناء علاقات وثيقة بالسلطة الفلسطينية في رام الله، ودعمت مسار سلام أوسلو. وفي 2005، زار أردوغان فلسطين وإسرائيل، والتقى برئيس الحكومة الإسرائيلية، أرئيل شارون، وبالرئيس الفلسطيني، محمود عباس، وأبدى رغبة في لعب دور الوسيط للدفع نحو الحل النهائي للمسألة الفلسطينية. وفي 2008، توسطت تركيا واستضافت مباحثات سورية-إسرائيلية غير مباشرة.

ولكن، أردوغان لم يكن باستطاعته الصمت طويلًا على الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين، سيما وفلسطين تحتل موقعًا كبيرًا في علاقة الأتراك، وقاعدته الانتخابية على وجه الخصوص، بجوارهم العربي والإسلامي. وكان هذا ما تسبب في الاشتباك اللفظي الحاد بين رئيس الحكومة التركية والرئيس الإسرائيلي، شمعون بيريز، في منتدى دافوس في أوائل 2009، على خلفية الحرب التدميرية التي شنَّتها إسرائيل على قطاع غزة في 2008-2009. وخلال السنوات القليلة التالية، وبموازاة نمو واتساع الدور التركي في الإقليم، تكررت مناسبات الصدام التركي-الإسرائيلي، وبصورة خاصة على خلفية تأزم الوضع الفلسطيني.

أفضت الصدامات المتكررة إلى تبادل تصريحات بالغة الحدة بين مسؤولي الدولتين، وإلى تخفيض مستوى التبادل الدبلوماسي، كما حدث خلال السنوات بين 2018 و2022. ولكن الدولتين وجدتا دائمًا وسيلةً ما لاستئناف العلاقات الطبيعية، سواء بعد اتصالات مباشرة، أو بوساطة من الولايات المتحدة، القوة الكبرى الصديقة لكلتيهما. ولكن، في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وأيضًا على خلفية الحرب الإسرائيلية الإبادية على قطاع غزة، أعلنت أنقرة قطعًا كاملًا وشاملًا لكافة العلاقات مع دولة إسرائيل.

ما يبدو متيقنًا أن تركيا العدالة والتنمية لم تطور يومًا مشروعًا للصدام المباشر مع إسرائيل، أو لتشكيل تهديد إستراتيجي لوجودها. وكافة الخطوات التركية في الجوار العربي، كما في الجوارين، القوقازي والبلقاني، تتعلق بالمتطلبات الإستراتيجية للأمن القومي التركي ذاته، بأوجهه السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية. فثمة حدود طويلة وشائكة فُرضت بقوة الإمبرياليات الغربية، تفصل بين تركيا وسوريا والعراق. ولم يُقصد بهذه الحدود مجرد وضع خطوط واضحة لسيادات دول حديثة، وحسب، بل إقامة جدار مانع بين قبائل وعشائر وأهالي وجماعات دينية وطائفية. ولم يكن غريبًا بالتالي أن يجد حزب العمال الكردستاني، الذي خاض حربًا ضروسًا ضد الدولة التركية منذ ثمانينات القرن الماضي، ملاذًا في سوريا والعراق، وأن يلجأ ملايين العراقيين والسوريين إلى تركيا، هربًا من الحروب التي عصفت بالمشرق في العقود الخمسة الأخيرة.

وعندما وقَّعت تركيا اتفاقيات التجارة الحرة مع مصر مبارك وسوريا الأسد، أو عندما سعت إلى توثيق علاقاتها الاقتصادية مع دول الخليج في الشرق، وليبيا والمغرب والجزائر في الغرب، لم تكن تخطط لمحاصرة إسرائيل أو إضعافها. وعندما ساندت حركة الثورة العربية في تونس وليبيا ومصر وسوريا، لم تكن تعمل على إيجاد أنظمة عربية مناهضة لإسرائيل. وعندما قررت الانخراط في الحرب ضد نشاطات تنظيم الدولة-داعش في الجوار الإقليمي، أو ضد حزب العمال الكردستاني في العراق وسوريا، لم تكن إسرائيل جزءًا من حساباتها. وفي أذربيجان، التي تربطها علاقات وثيقة بإسرائيل، قدمت تركيا كل الدعم الممكن دون أن تفرض أية شروط تتعلق بعلاقات باكو مع إسرائيل. في كافة هذه الخطوات، كانت تركيا تضع في الاعتبار ضرورات التاريخ والجغرافيا، والروابط الديمغرافية والطائفية، وأولويات أمنها القومي.

وحتى فيما يتعلق بفلسطين، التي كانت الدافع الرئيس لكافة حلقات التوتر في العلاقات التركية-الإسرائيلية خلال العقدين الماضيين، لم تكن تركيا تطالب بأكثر مما هو محل إجماع في المجتمع الدولي: رفع وطأة الاحتلال عن كاهل الفلسطينيين، ووقف الاعتداءات على الشعب الفلسطيني، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة والقطاع.

الحقيقة، أن شبح التهديد التركي للأمن الإسرائيلي تعلق من البداية بتصور إسرائيل لنفسها وموقعها في الإقليم، وليس فقط بازدياد ثقل تركيا واتساع نفوذها. فإسرائيل تحمل في بنيتها التكوينية نزوعًا طاغيًا للتفوق على جوارها كله، وخشية تلقائية من بروز دول قوية، منافسة أو غير منافسة، ومجاورة أو غير مجاورة. في هذه الرؤية، يمثل السلاح النووي الباكستاني، أو تزويد السعودية بسلاح أميركي نوعي، أو قيام سوريا بإعادة بناء جيش كما هو حق كافة دول العالم، تهديدًا محتملًا لأمن إسرائيل، تمامًا كما هو تعاظم القدرات الاقتصادية والعسكرية التركية، وشبكة العلاقات الدفاعية والاقتصادية التي باتت تربط تركيا بدول الإقليم العربية والإسلامية.

في أغسطس/آب 2020، وقبل شهر واحد من توقيع إسرائيل اتفاقيات السلام مع الإمارات والبحرين والمغرب، لم يتردد يوسي كوهين، رئيس الموساد الأسبق، في وصف تركيا بالتهديد الجديد للسلام في الشرق الأوسط. حينها، لم يكن أصدقاء تركيا في صيف 2020 قد أطاحوا بنظام الأسد في سوريا، ولا كان الفلسطينيون في غزة، الذين لم تُخْفِ تركيا تعاطفها معهم، قد هاجموا إسرائيل، ولا كانت تركيا وباكستان والسعودية وقَّعت اتفاق الدفاع المشترك الثلاثي. وفي السنوات التالية، ازداد هذا التصنيف العدائي لتركيا تأكيدًا.

ففي يناير/كانون الثاني 2025، قدمت لجنة ناغل، التي كانت مكلفة بالنظر في حاجات إسرائيل الأمنية، تقريرها، ولم يكن مفاجئًا أن يتضمن التقرير إشارة واضحة إلى تركيا بوصفها عدوًّا محتملًا، قد تدخل إسرائيل معها في مواجهة مباشرة. وفي أغسطس/آب من العام نفسه، أعلن نتنياهو اعتراف إسرائيل بالإبادة الجماعية للأرمن؛ الأمر الذي كانت إسرائيل تتجنبه دائمًا للحفاظ على التفرد الرمزي للإبادة النازية لليهود. بهذا المعنى، كان من المحتم، كلما ازدادت المخاوف الإسرائيلية من الخطر التركي المتخيل، وأقدمت إسرائيل على تجاهل أو تهديد المصالح القومية التركية، أن تتجه تركيا إلى وضع إسرائيل في حساباتها الإقليمية ويتسع نطاق الخصومة بين الدولتين. وبذلك، انتهى الإصرار الإسرائيلي على التنبؤ بالتهديد التركي إلى تحقق النبوءة.

أزمة إستراتيجية في الأفق

في اليوم التالي لقصف قاعدة أبو الظهور الجوية، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في حديث لإذاعة الجيش الإسرائيلي: إن إسرائيل وجَّهت رسالة إلى تركيا تحذرها من إقامة قاعدة عسكرية في سوريا، والأتراك "على ما يبدو لم يسمعوا ذلك التحذير، لذلك حرصنا على أن يفهموه بوضوح أكبر". ولكن الواضح أن أنقرة ودمشق كانت لهما وجهة نظر أخرى.

ففي 25 أغسطس/آب، وبعد اجتماع لحكومته في ولاية بتليس، إحياء لذكرى معركة ملاذ كرد، أكد أردوغان أن تركيا لن تتخلى عن دعم تعافي جيرانها ومساعدتهم على النهوض لمجرد أن ذلك يزعج شبكات الإجرام الملطخة أيديها بدماء الأبرياء، وأن سياسة تركيا الخارجية يقررها الشعب التركي. وفي 29 أغسطس/آب، توجه وزير الخارجية، هاكان فيدان، مباشرة إلى الإسرائيليين، قائلًا: "إن تحركتم نحو تقسيم سوريا وزعزعة استقرارها، سنَعُدُّ ذلك تهديدًا مباشرًا لأمننا القومي، وسنتدخل".

وكان وزير الخارجية السوري التقى، بترتيب أميركي، في 23 أغسطس/آب، في العاصمة الأردنية، عمَّان، رئيس الموساد الإسرائيلي؛ حيث أبلغ الأول الثاني أن بلاده متمسكة بحقها السيادي في مواصلة جهود بناء الجيش وسلاح الجو. وفي 30 أغسطس/آب، وجَّه وزير الدفاع السوري لنظيره التركي الشكر للمساعدة التي قدمها الجيش التركي في نصب جسر إضافي على الفرات في منطقة الميادين. وكانت دمشق كما يبدو قد تعمدت نشر خبر وصور مشاركة مهندسي الجيش التركي في مد الجسر وتجهيزه. وفي اليوم التالي، كانت إسطنبول تستقبل اللقاء الأول للجنة السياسية والدفاعية الإستراتيجية لاتفاقية مكة الثلاثية، بحضور وزراء خارجية ودفاع وقادة جيش تركيا وباكستان والسعودية.

لهذا كله، يمكن النظر إلى عملية قصف مطار أبو الظهور بوصفها تجليًا لشعور متفاقم بالأزمة منها إلى الضربة الاستباقية. فسواء في مواجهة تركيا، أو النظام الدفاعي الجديد في المشرق، تبدو إسرائيل في حيرة من أمرها، لا تدري على وجه اليقين كيف يمكنها التعامل مع تحولات إستراتيجية غير مسبوقة، كانت هي نفسها من سعى إلى صنعها. ففي حالات سابقة، أتيح لإسرائيل بإمكانياتها الذاتية، أو بالتعاون مع حلفاء دوليين أو إقليميين، أن تبادر إلى إحباط التهديدات الإستراتيجية الإقليمية حتى قبل تبلورها، أو أن تجد حلفاء داخل هذه الدولة أو تلك للتعاون في إعادة بناء العلاقات الثنائية التي تسبَّب سياسيون خصوم في تقويضها.

وعندما عقدت إسرائيل العزم في 1956 على توجيه ضربة استباقية للجيش المصري، في بداية عملية إعادة بنائه وتسليحه، كانت جزءًا من تحالف ثلاثي ثقيل الوزن وواضح الأهداف، يجمعها مع بريطانيا وفرنسا. وكذلك كانت الحال عندما قرَّر بيغن تدمير مفاعل تموز النووي العراقي، في 1981، أو عندما حاول نتنياهو تقويض المشروع النووي الإيراني في العام الماضي. ولم يكن من العسير على إسرائيل التعامل مع حكومات الأقلية السياسية التركية في أواخر التسعينات لترميم ما أُعطب في علاقات الدولتين خلال العقدين السابقين.

أما تركيا اليوم، فإلى جانب كونها عضوًا في حلف الناتو، تحتل موقعًا ضروريًّا في كافة مشاريع الدفاع عن القارة الأوروبية، وتحتفظ بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، بل إن واشنطن ترامب ذاتها من تدفع تركيا لتحمل العبء الأكبر في النظام الأمني الجديد للشرق الأوسط. وكذلك هي علاقات السعودية وباكستان بالولايات المتحدة. وتَعُدُّ واشنطن، كما معظم العواصم الأوروبية، استقرار سوريا ووحدة أراضيها شرطًا ضروريًّا لاستقرار المنطقة.

والمؤكد، بعد ربع قرن من حكم العدالة والتنمية، أن الساحة السياسية التركية قد أُعيد تشكيلها بصورة ملموسة، ولم يعد من الممكن لإسرائيل العثور على حلفاء سياسيين أتراك على استعداد للتعاون ضد مصالح الدولة التركية الحيوية. ولم يعد من المجدي محاصرة تركيا بفرض عقوبات على تسلحها، كما حدث في الثمانينات، لأن إمكانات تركيا الذاتية لإنتاج معظم مقدرات القوة التي تحتاجها لم تتقدم بخطوات واسعة وحسب، بل هي في ازدياد مستمر.

والأهم من ذلك كله، أن تركيا وباكستان، خلافًا لدول مثل عراق صدام وإيران الجمهورية، وإن نُظر إليهما بروح من المنافسة من بعض الدول العربية والإسلامية، لا تثيران الخوف والخشية، لا لدى الأنظمة الحاكمة ولا الشعوب. فأغلب أهالي بلاد الشام والعراق يرون في باكستان وتركيا صديقًا وحليفًا يمكن الوثوق به، وكذلك هو الأمر في الخليج والجزيرة العربية. وبتوقيع اتفاق الدفاع الثلاثي، لم يعد ممكنًا الاستفراد بأيٍّ من دولها، وعزلها عن جوارها الإقليمي، أو استهدافها.

وليس من الممكن بالطبع توقع ما يمكن أن تتطور إليه المقاربة الإسرائيلية العدائية لتركيا، والمخاوف المتزايدة من اتفاقية الدفاع المشترك الثلاثية. فتوازن القوى الراهن في الإقليم، والموقف السياسي الدولي، والأميركي بصورة خاصة، يجعلان من المستبعد في المدى المنظور اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة بين إسرائيل، من جهة، وتركيا أو باكستان أو السعودية، من جهة أخرى. ولكن، ما يبدو في هذه المرحلة أن إسرائيل تعمل على بناء محور إستراتيجي، يضم الهند وإسرائيل وقبرص اليونانية واليونان، وهناك في إسرائيل من يأمل في التحاق الإمارات كذلك، بالرغم من الصعوبات الهائلة التي تمنع ذلك. وقد بدأت الخطوات الأولى لتشكيل هذا المحور عبر عدد من صفقات السلاح، وتبادل الخبرات العسكرية، والتعاون الاستخباراتي، ومشاريع خطوط الطاقة والاتصال التجاري. ويعتقد الإسرائيليون أن تبلور هذا المحور الإستراتيجي سيوفر ثقلًا كبيرًا لميزان القوى، وعنصر ردع حاسمًا، ليس لاتفاقية الدفاع الثلاثية وحسب، بل وحتى لاحتمالات توسع عضوية الاتفاقية لتشمل دولًا إقليمية أخرى بالإضافة إلى دول التأسيس الثلاث.

ولكن القيود التي تفرضها الجغرافيا على مثل هذا المشروع التحالفي، والتباينات الثقافية والسياسية الداخلية بين دوله، وتعاطف أغلبية شعوب الهند واليونان مع المظلمة الفلسطينية، الذي يجعل العلاقات مع إسرائيل مرتبطة ببقاء أو ذهاب الحكومة الحالية في الدولتين، تطرح أسئلة جدية حول مدى فاعلية هذا التحالف، أو قدرته على توفير أداة ردع لمنظومة عربية/إسلامية، تضم تركيا وعددًا من أكبر الدول العربية والإسلامية. وحتى إن تطورت علاقات دول هذا المحور المنشود من صفقات السلاح وتبادل الخبرات والمعلومات إلى مستويات أعلى، فليس من الواضح ما الذي يمكن أن تضيفه الهند واليونان على توازنات القوة المستقرة منذ زمن في المواجهة مع باكستان وتركيا.