ينتقد الكتاب نفوذ "لوبي إسرائيل" في الولايات المتحدة، ويجادل بأن هذا النفوذ يعوق، في تقدير المؤلفين، بعض المصالح القومية الأميركية ويقيِّد قدرة الولايات المتحدة على رسم سياستها بصورة مستقلة. كما ينتقد الكتاب دور اللوبي في تقويض الديمقراطية داخل الولايات المتحدة، وفي دعم السياسات الأميركية تجاه إسرائيل، بما في ذلك دعم العدوان الإسرائيلي ونظام الفصل العنصري والإبادة الجماعية في الخارج.
من أكثر الوقائع إثارةً في الشؤون الجيوسياسية والسياسة الداخلية الأميركية أن تتمكن حكومة يمينية متطرفة في دولة صغيرة في الشرق الأوسط من بسط نفوذها على السياسة الخارجية للولايات المتحدة.
وقد أصبح "لوبي إسرائيل" في موقع يتيح له مراقبة خطاب السياسيين الأميركيين وطلاب الجامعات والصحفيين، والضغط على البيت الأبيض أو إقناعه بتبنّي سياسات غير شعبية ومكلفة، قد تُهدد، في نهاية المطاف، الأمن القومي الأميركي.
من تردد إدارة بايدن في استخدام النفوذ الأميركي لإنهاء العنف الإبادي، الذي لم يُلحق الضرر بمصالح الأمن القومي الأميركي فحسب، إلى دور إدارة ترامب في رفع القيود المفروضة على الإفراج المشروط عن جاسوسٍ باع أسرارًا حكومية بالغة الأهمية، يُقدِّم خضوع الولايات المتحدة لإسرائيل، بوصفها دولةً عميلةً مفترضة، مثالًا واضحًا ومقلقًا على انقلاب العلاقة بين الطرفين، بحيث أصبح الذيل (إسرائيل) يحرِّك الكلب (الولايات المتحدة).
يجمع كتاب "لوبي إسرائيل" بين الصحافة الاستقصائية والتحليل في العلوم السياسية، ليتتبع شبكات الأوليغارشية الأميركية والإسرائيلية التي أسهمت في توجيه عملية صنع السياسات في إدارات رئاسية متعاقبة، وما ترتب على ذلك من تداعيات جيوسياسية وأمنية وداخلية على السياسة الخارجية الأميركية، التي تبدو، وفق حُجَّة الكتاب، وكأنها معروضة لمن يدفع أكثر.
يشرح المؤلفان، إيلي كليفتون وإيان لوستيك، كيف أسهمت التحولات في السياسة العالمية، واتجاه إسرائيل نحو اليمين المتطرف، وتآكل القيود التي كانت تفرضها قوانين تمويل الحملات الانتخابية الأميركية، في جعل نفوذ "لوبي إسرائيل" أكثر كلفة وخطورة من أي وقت مضى. كما يفسران أسباب شن هذا اللوبي حملةً أشبه بـ"مطاردة الساحرات"، تحت ذريعة التصدي لمعاداة السامية، لقمع منتقديه، بدلًا من التركيز على الدفاع عن سياسات إسرائيل، وكيف لا تقتصر آثار نشاط هذه الجماعات على تشويه مسار السياسة الأميركية، بل تمتد، بحسب المؤلفين، إلى الإسهام في تحويل إسرائيل إلى "دولة مجنونة".
ويتتبع الكتاب من خلال جهد بحثي واسع، "لوبي إسرائيل" مسارات الأموال، ويكشف عن سمة تبدو راسخة في السياسة الأميركية، موضحًا بالتفصيل كيف يمكن للأميركيين أن يتوحدوا حول القيم الأميركية التقليدية، وأن يدافعوا عن أهمية النقاش القائم على الحجج والوقائع، لمواجهة نزعة متشددة تجعل الشعار الحاكم للسياسة الأميركية باختصار: "إسرائيل أولًا".
إيلي كليفتون: صحافي استقصائي يركِّز على المال في السياسة والسياسة الخارجية الأميركية، وهو شريك مؤسس ومستشار أول في معهد كوينسي للحكم الرشيد.
إيان لوستيك: أستاذ كرسي بيس دبليو. هايمان الفخري للعلوم السياسية في جامعة بنسلفانيا. عمل في إدارة كارتر خبيرًا في وزارة الخارجية الأميركية لشؤون إسرائيل وفلسطين، ثم أصبح مستشارًا منتظمًا للإدارات الأميركية في قضايا السياسة الخارجية والأمن القومي. وهو مؤسس ورئيس سابق لجمعية الدراسات الإسرائيلية، وعضو في مجلس العلاقات الخارجية.
مراجعات
قالت مجلة "الناشرين الأسبوعية" في عرضها للكتاب: "يأتي هذا الكشف المثير للقلق، الذي أعده كليفتون ولوستيك، مبيِّنًا النفوذ الكبير للوبي المؤيد لإسرائيل على السياسة الخارجية والداخلية الأميركية... ويُحذِّر المؤلفان بشدة من أن الولايات المتحدة تخاطر بمكانتها "خدمةً لطموحات ما أصبح دولة مارقة". إنه جرس إنذار خطر.
وتناولت "كيركوس ريفيوز" (Kirkus Reviews) الكتاب على أنه "تاريخ مشحون سياسيًّا للعلاقة الخاصة [بين الولايات المتحدة وإسرائيل]"، ورأت أن حججه المتماسكة تدعم التوجه نحو نهج أميركي أكثر توازنًا في شؤون الشرق الأوسط.
ولفت النائب المتقاعد، رون بول (Ron Paul)، مؤلف كتاب "الثورة" (Revolution)، إلى أن المؤلفيْن "أنجزا مهمة عظيمة في شرح معنى شعار "أميركا أولًا" للأميركيين وما يترتب عليه. لقد أدرك الآباء المؤسسون لبلادنا هذا المفهوم".
وكتب روجرز سميث(Rogers Smith) ، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بنسلفانيا ومؤلف كتاب "المثل المدنية":(Civic Ideals) "واجه العديد من الأميركيين صعوبة في فهم سبب شَنِّ الرئيس دونالد ترامب هجومًا واسع النطاق على إيران بعد وقت قصير من العرض الذي قدَّمه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، وحثَّه فيه على القيام بذلك.
ويقدِّم كتاب إيلي كليفتون وإيان لوستيك الاستقصائي والمثير للجدل، السياق اللازم لفهم هذا التطور المهم، متتبعًا مصادر النفوذ الإسرائيلي غير المسبوق في السياسات الأميركية المعاصرة ومفسرًا إياها".
وكتب أبراهام بورغ (Avraham Burg)، الكاتب والرئيس الأسبق للكنيست الإسرائيلي: "ظلَّ ’لوبي إسرائيل‘ عقودًا طويلة خطًّا أحمر في الحياة السياسية الأميركية، وكان الاقتراب منه يعني نهاية المسيرة المهنية. لكن كليفتون ولوستيك تطرقا إليه رغم ذلك، وما كشفاه كان أشد خطورة مما تخيله حتى منتقدوه. فاللوبي الذي وثَّقا تفاصيله أكبر من الاتحاد القومي للبنادق (NRA)، المدافع عن حق امتلاك الأسلحة النارية والمؤثر في الانتخابات، وأكثر انضباطًا من أي جماعة مصالح محلية تقريبًا، ويعمل في تناقض مباشر مع ما يريده الشعب الأميركي. لقد أعاد توجيه مئات المليارات من الدولارات من المساعدات العسكرية، وجرَّ الولايات المتحدة إلى حروب ما كان ينبغي لها خوضها، وأرهب السياسيين من الحزبين لحملهم على التصويت ضد توجهات ناخبيهم، وأسكت الجامعات وغرف الأخبار وهوليوود. وهو الآن يستخدم معاداة السامية سلاحًا قانونيًّا وسياسيًّا، مجرِّمًا النقد الذي تتطلبه الديمقراطية الأميركية. وبصفتي إسرائيليًّا ويهوديًّا، سأقول ما لا يستطيع هذا اللوبي تحمُّلَه: إنه لا يخدم أميركا، ولا يخدم إسرائيل. إنه يخدم سلطته الخاصة على حساب الجميع. هذا الكتاب محاسبة صادقة رفضت واشنطن خوضها عقودًا طويلة. اقرؤوه، استيقظوا، وتحركوا".
كما كتب بنيامين موزر (Benjamin Moser)، الحائز على جائزة بوليتزر عن كتابه "سونتاغ" (Sontag) ومؤلف كتاب "معاداة الصهيونية"(The Anti-Zionist) : "قبل أن يُتاح لنا الإفصاح عن ذلك، كنَّا جميعًا ندرك أن أميركا واقعة في قبضة قوة أجنبية. يُلقي كليفتون ولوستيك ضوءًا جديدًا ومفاجئًا على هذه العلاقة الأكثر تسممًا، ويُظهران أنها أسوأ مما كنا نتصور".
وفي تقريظه للكتاب، قال خوان كول (Juan Cole)، أستاذ التاريخ في جامعة ميشيغان، ومؤسس موقع (Informed Comment)، ومؤلف كتاب "التعامل مع العالم الإسلامي" (Engaging the Muslim World): "يُقدِّم المؤلفان خلاصة عقود من العمل في الصحافة الاستقصائية والعلوم السياسية لتسليط الضوء على ظاهرة تزداد أهمية في التجربة الأميركية، وتتناول حرية التعبير، وهيمنة الأثرياء على الكونغرس، والحروب والإبادات الجماعية في الخارج. إنه كتاب لابد من قراءته".
وكتب الأستاذ ستيفن والت (Stephen Walt)، الأستاذ في مركز بيلفر للشؤون الدولية بجامعة هارفارد، والمؤلف المشارك لكتاب "لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية" (The Israel Lobby and U.S. Foreign Policy) الصادر في 2007: "لطالما كان النفوذ السياسي للوبي إسرائيل السبب الرئيس وراء الدعم السخي وغير المشروط الذي تقدمه الولايات المتحدة لإسرائيل، إلا أن إستراتيجية اللوبي وأدواته قد تطورت مع تراجع الدعم الشعبي الذي كانت تحظى به إسرائيل نتيجةً لأفعالها. وفي هذه الدراسة الجديدة المهمة، يُحدِّث إيلي كليفتون وإيان لوستيك قصة ’لوبي إسرائيل‘، ويشرحان أسباب استمرار نفوذه حتى اليوم. وعلى كل من يرغب في فهم أسباب استمرار فشل السياسة الأميركية في الشرق الأوسط أن يبدأ بقراءة هذا الكتاب".
أما جون ميرشايمر (John Mearsheimer)، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة شيكاغو، فيقول: "يُعَدُّ كتاب كليفتون ولوستيك ’لوبي إسرائيل‘ بحقٍّ كتابًا بالغ الأهمية. فهو يتيح تحليلًا من الطراز الأول لكيفية تمكُّن هذه الجماعة القوية للغاية من حشد صانعي السياسة الأميركيين لدعم إسرائيل مهما كانت الظروف. كما يبيِّن كليفتون ولوستيك أن نجاح هذه الجماعة يضرُّ بالولايات المتحدة، ويضر بإسرائيل، ويضر باليهود في جميع أنحاء العالم. لا يسع المرء إلا أن يتفكَّر بعد قراءة هذا الكتاب في أن العالم سيكون مكانًا أفضل لو لم يكن هناك لوبي إسرائيل".
"إيباك" تتضخم بالمنشطات السامة
يرى جوش روبنر (Josh Ruebner)، مدير السياسات في معهد فهم الشرق الأوسط (Institute for Middle East Understanding, IMEU)، وزميل هيئة التدريس في جامعة جورجتاون، ومؤلف كتاب "الولايات المتحدة والنكبة الفلسطينية: تاريخ عابر للحدود، 1947–1950" (U.S. and the Palestinian Nakba: A Transnational History, 1947–1950)، أن للدراسات المطوَّلة عن الأثر السلبي للوبي إسرائيل في السياسة الخارجية الأميركية تاريخًا طويلًا، يمتد على الأقل إلى الانتفاضة الفلسطينية الأولى في أواخر ثمانينات القرن الماضي.
فقد قدَّم صحافيون، وأعضاء سابقون في الكونغرس، ومسؤولون كبار سابقون في وزارة الخارجية، وعلماء سياسة، ومؤرخون دبلوماسيون، إسهامات قيِّمة في هذا المجال من الأدبيات، التي تشرح الآليات التي يمارس من خلالها لوبي إسرائيل الضغط من أجل تحقيق ما كان يُعَدُّ، حتى هذه اللحظة التاريخية، سياسةً أميركيةً شبه مشروطة، تدعم حكم إسرائيل العنصري الممتد على الشعب الفلسطيني لما يقرب من ثمانين عامًا.
من بين الكتب التي تنتمي إلى هذا الجيل الأول من الأدبيات كتاب الصحافي إدوارد تيفنان (Edward Tivnan)، "اللوبي: القوة السياسية اليهودية والسياسة الخارجية الأميركية" (The Lobby: Jewish Political Power and American Foreign Policy, 1987)؛ وكتاب عضو الكونغرس الجمهوري السابق، بول فيندلي(Paul Findley)، "إنهم يجرؤون على الكلام بصراحة: الأفراد والمؤسسات في مواجهة جماعات لوبي إسرائيل" (They Dare to Speak Out: People and Institutions Confront Israel’s Lobby, 1985)، الذي خسر انتخابات التجديد أمام منافسه، ديك دوربن(Dick Durbin) ، ويعود ذلك في جزء كبير منه إلى انخراطه مع منظمة التحرير الفلسطينية؛ مما أثار غضب لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية(AIPAC) ، وكتاب جورج بول (George Ball) وابنه دوغلاس بول (Douglas Ball)، وكيلَي وزارة الخارجية الأميركية السابقَين خلال إدارتي كينيدي وجونسون، بعنوان "التعلق العاطفي: انخراط أميركا مع إسرائيل، من عام 1947 إلى الوقت الحاضر" (The Passionate Attachment: America’s Involvement with Israel, 1947 to the Present, 1992 .
ومن الإسهامات الحديثة في هذا المجال من منظور أكاديمي كتاب جون ميرشايمر وستيفن والت (Stephen Walt)، "لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية" (The Israel Lobby and U.S. Foreign Policy, 2007)، وهو إسهام مهم من اثنين من أبرز منظِّري الواقعية في العلاقات الدولية؛ وكتاب والتر هيكسون (Walter Hixson)، "درع إسرائيل: لوبي إسرائيل والجيل الأول من الصراع على فلسطين" (Israel’s Armor: The Israel Lobby and the First Generation of the Palestine Conflict, 2019)، وهو دراسة من منظور مؤرخ دبلوماسي لصعود لوبي إسرائيل منذ تأسيس إسرائيل حتى حرب 1967.
يمثل كتاب "لوبي إسرائيل" (Israel’s Lobby) إسهامًا مهمًّا في هذا المجال. ويتمتع المؤلفان بمكانة استثنائية تؤهلهما لتقديم هذا النقد الراهن والقوي لكيفية تقويض لوبي إسرائيل للديمقراطية في الداخل، مع ضمان الدعم الأميركي للعدوان الإسرائيلي والفصل العنصري والإبادة الجماعية في الخارج.
كليفتون، الصحافي الاستقصائي المخضرم المتخصص في تغطية العلاقة بين المال في السياسة والسياسة الخارجية الأميركية؛ ولوستيك، أستاذ العلوم السياسية الذي ركزت كتبه السابقة على عدم المساواة التي يعانيها المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل، وحركة الاستيطان الإسرائيلية، واستحالة حل الدولتين، يجمعان بين أفضل ما في الصحافة الاستقصائية والتحليل التاريخي الدقيق في عمل قوي ومؤثر.
ويعبِّر المؤلفان عن موقفهما بوضوح: "لقد أصبح لوبي إسرائيل عملية اختراق أجنبي خارجة عن السيطرة، لا يُعترف بها على نطاق واسع، تُوجَّه بعض أشد النزعات تطرفًا في السياسة الإسرائيلية المعاصرة إلى مكاتب وأروقة ومستشاري القادة الأميركيين؛ مما يعرِّض حياة ومصالح ناخبيهم والولايات المتحدة ككلٍّ للخطر".
ومع ذلك، فإن كتاب "لوبي إسرائيل" ليس مجرد نقد، وإنما هو تحقيق دقيق وموثق في كيفية تمويل "إيباك" وغيرها لخبراء عنصريين ومعادين للإسلام بصورة سافرة، ومراكز أبحاث مشبوهة، من أجل نشر خطاب خبيث شديد العداء للفلسطينيين؛ وكيف يستغل كبار المانحين المؤيدين لإسرائيل ثغرات في قرارات المحكمة العليا الأميركية الأخيرة بشأن تمويل الحملات الانتخابية، لتوجيه "أموال مشبوهة" يصعب تتبعها، والتأثير بها في السباقات الانتخابية؛ وكيف قامت رابطة مكافحة التشهير (ADL) وغيرها، في ظل الدعم الشعبي الأميركي غير المسبوق للحقوق الفلسطينية، بإثارة ذعر زائف إلى حدٍّ كبير بشأن "معاداة السامية" -حيث يمكن إرجاع معظم الحوادث المسجلة إلى خطاب سياسي مشروع ينتقد سياسات الحكومة الإسرائيلية- والعمل جنبًا إلى جنب إدارة ترامب لتقويض حرية التعبير في الجامعات.
ومن خلال تفريغ مقاطع فيديو لفعاليات "لوبي إسرائيل"، وكشف إقرارات ضريبية قُدِّمت بصورة خاطئة، لكنها كشفت، من غير قصد، عن الروابط بين الجهات المانحة المؤيدة لإسرائيل، والتعمق في منهجية عمل "رابطة مكافحة التشهير"، بذل كليفتون ولوستيك جهدًا شاقًّا نيابة عن الجمهور الأميركي والعالمي لفهم ما يسعى "لوبي إسرائيل" إلى تحقيقه والأساليب التي يتبعها لتحقيق ذلك.
ومن بين الحكايات والإحصائيات المذهلة العديدة التي تجعل هذا الكتاب قراءة جذابة، تبرز الطريقة التي يناقش بها "لوبي إسرائيل" قوته بصورة صريحة، وفي بعض الحالات، اعتماده الكبير وغير الواعي على صور نمطية معادية للسامية، وعلى مزاعم الكراهية والمؤامرات.
سادة الكون؟
"سادة الكون هم اليهود"، هكذا صرَّح السيناتور الجمهوري السابق والرئيس الحالي للتحالف الجمهوري اليهودي (RJC)، نورم كولمان(Norm Coleman) ، بحماس بالغ أمام تجمع لوكالة الأنباء اليهودية (JNS) في القدس عام 2025. ومستشهدًا ببروز أربع شخصيات يهودية في عالم التكنولوجيا -سام ألتمان (Sam Altman)، الرئيس التنفيذي لشركةOpenAI ، ومارك زوكربيرغ(Mark Zuckerberg) ، الرئيس التنفيذي لشركة Meta، وسيرغي برين (Sergey Brin)، المؤسس المشارك لشركة Google؛ ويان كوم (Jan Koum)، المؤسس المشارك لتطبيقWhatsApp - زعم كولمان أنه "علينا إيجاد طريقة لكسب المعركة الرقمية... وعندما نفعل ذلك، سيكون مستقبل إسرائيل أقوى لأن أغلبية الأميركيين سيدعمون إسرائيل. سنجعل ذلك يحدث".
ويقول جوش روبنر: "ما أشدَّ هذا النفاق! لو قال تاكر كارلسون (Tucker Carlson) أو كانديس أوينز (Candace Owens): إن اليهود يسيطرون على وسائل التواصل الاجتماعي بهدف إقناع الأميركيين بدعم إسرائيل، لاندلعت ألسنة الجحيم وَلَساءَتِ الأمور إلى الغاية، ولكان كولمان نفسه، على الأرجح، في طليعة الغوغاء الغاضبين".
لكن قد لا يكون هذا التبجح في غير محله. فقد وثَّق كليفتون ولوستيك بدقة كيف حوَّل تسعة من كبار المتبرعين المؤيدين لإسرائيل مبلغًا فلكيًّا قدره 1.7 مليار دولار أميركي إلى تبرعات سياسية كُشف عنها لدى لجنة الانتخابات الفيدرالية (FEC) منذ عام 2012. نعم، لقد قرأتم الرقم صحيحًا، والكلمة فعلًا "مليار". ولا يشمل هذا المبلغ تبرعات "مشبوهة" كبيرة، لا شك فيها، قدَّمها هؤلاء المتبرعون أنفسهم سرًّا إلى منظمات تندرج تحت البند القانوني 501(c) (4)، وإلى منظمات أخرى تؤثر في الانتخابات.
"إسرائيل أولًا"
الأرقام مذهلة فعلًا: 700 مليون دولار من ملياردير الكازينوهات، شيلدون أديلسون (Sheldon Adelson) ، وميريام أديلسون (Miriam Adelson) ، و400 مليون دولار من مايكل بلومبرغ (Michael Bloomberg)، و100 مليون دولار من كل من جيف ياس (Jeff Yass) وبول سينغر (Paul Singer)، وما بين 30 و70 مليون دولار من كلٍّ من بيرني ماركوس (Bernie Marcus)، وريد هوفمان (Reid Hoffman)، ولاري إليسون(Larry Ellison) ، وحاييم سابان (Haim Saban) ، وشيريل سابان (Cheryl Saban)، ويان كوم، المذكور آنفًا.
كتب كليفتون ولوستيك: "يشكِّل هؤلاء المانحون العمود الفقري لحركة ’إسرائيل أولًا‘، التي تتجاوز الانتماءات الحزبية، وتتشارك هدفًا واحدًا يتمثل في دعم السياسيين والمنظمات الخارجية ومراكز الأبحاث التي تقدم الأبحاث والتحليلات لأعضاء الكونغرس والرئيس".
ويجادل الباحثان بصورة مقنعة بأن هذه الدينامية تنتج دائرة مغلقة من التأثير. فهؤلاء المانحون الكبار "يمولون انتخاب السياسيين، كما يمولون مؤسسات الأبحاث التي تشكل رؤية هؤلاء المسؤولين المنتخبين للعالم؛ مما يخلق مجالًا لخطاب وحجج مؤيدة لإسرائيل، وتوصيات سياسية لسياسيين يدينون بانتخابهم بالفعل لمانحين مؤيدين لإسرائيل".
وكما يوضح كليفتون ولوستيك في كتابهما، فإن هذه ليست "إيباك" التي عرفها والدك في الماضي، على حدِّ تعبير أحد إعلانات جنرال موتورز. فقد ولَّى زمن محاولات "إيباك" حشد إجماع من الحزبين على إسرائيل في الكابيتول هيل (مجلسي الكونغرس الأميركي)، مع تجنب التدخل العلني في الانتخابات، بينما كانت في الكواليس تجمع الأموال سرًّا وبصورة غير رسمية.
لقد أصبحت "إيباك" اليوم قوة هائلة، وعملاقًا يضخ كميات هائلة من أموال كبار المانحين الجمهوريين في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، لإسكات الأصوات الجريئة في الكونغرس التي تدافع عن حقوق الفلسطينيين. ويصيب كليفتون ولوستيك في إشارتهما إلى الدور المحوري الذي لعبه مشروع الديمقراطية المتحدة (United Democracy Project, UDP)، وهو لجنة عمل سياسي (Political Action Committee, PAC) تابعة لـ"إيباك"، تجاوزت مواردها 23 مليون دولار، وأسهمت في هزيمة النائبيْن، جمال بومان (Jamaal Bowman) وكوري بوش (Cori Bush)، وهما من أبرز الأصوات المعارضة في الكونغرس للإبادة الجماعية الإسرائيلية، في انتخابات 2024.
ومع ذلك، بعد الانتهاء من قراءة كتاب كليفتون ولوستيك، ومع اقتراب موسم الانتخابات التمهيدية لانتخابات التجديد النصفي لعام 2026 من نهايته، يتساءل المرء: هل تستطيع "إيباك" في حالتها الراهنة، كما جرى تحليلها في كتاب "لوبي إسرائيل"، ضمان استمرار هيمنتها في المستقبل؟
الفجوة بين الجمهوريين وقادتهم
بدوره، لا يعتقد روبنر ذلك. فالأموال التي تضخُّها "إيباك" في الحملات الانتخابية، والتي تتزايد باطِّراد، لا تُترجم إلى انتصارات، بل يمكن النظر إليها، من بعض النواحي، على أنها مؤشر إلى اليأس؛ إذ تحاول "إيباك"، من خلال لوبي ذي توجه رجعي، مقاومة تيار الرأي العام المتنامي الذي يتراجع فيه التعاطف مع إسرائيل ويتزايد فيه التأييد لحقوق الفلسطينيين.
فقد أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة "داتا فور بروغريس (Data for Progress)"، في يوليو/تموز 2026، أن 58% من الأميركيين يؤيدون وقف تمويل إسرائيل بالأسلحة من أموال دافعي الضرائب، وهو التمويل الذي يُعدُّ سبب وجود "إيباك"، في حين يؤيد 35% فقط استمرار تدفق الأسلحة. ورغم أن استطلاعات الرأي المتكررة على مدى السنوات الثلاث الماضية من الإبادة الإسرائيلية للفلسطينيين في غزة أظهرت أن أغلبية الديمقراطيين تؤيد وقف تمويل الأسلحة لإسرائيل، فإن أهمية هذا الاستطلاع تكمن في أنه أظهر، للمرة الأولى، تأييد أغلبية الجمهوريين لذلك أيضًا.
وفي حين يواصل الجمهوريون -باستثناء النائب توماس ماسي (Thomas Massie)- دعم منح إسرائيل أسلحة مموَّلة من دافعي الضرائب الأميركيين، بما يكشف عن اتساع الفجوة بين قاعدة الحزب الجمهوري وقادته المنتخبين، فإن الديمقراطيين يلحقون بركب قاعدتهم ويستجيبون لمواقفها، ولو متأخرين.
وقد تجلَّت هذه الرغبة الديمقراطية الجديدة في تحدِّي التوجهات التقليدية المؤيدة لإسرائيل في عدة تطورات مهمة في الكونغرس الحالي. فعلى سبيل المثال، صوَّت 85% من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين، في أبريل/نيسان 2026، لصالح منع تسليم القنابل والجرافات إلى إسرائيل، كما صوَّت أكثر من 100 نائب ديمقراطي لصالح تعديل النائب ماسي لخصم 3.3 مليارات دولار من مشتريات الأسلحة لإسرائيل، في يوليو/تموز 2026.
وهذه تطورات كانت تُعَدُّ في السابق غير واردة، وقد تشير إلى أن قوة لوبي إسرائيل، التي كانت سائدة في الماضي، كما أوضح كليفتون ولوستيك ببراعة، ستكون أقل فاعلية بكثير حتى في المستقبل القريب.
أهم كتاب في عام 2026
بدوره، يقول تريتا بارسي (Trita Parsi)، المؤسس المشارك ونائب رئيس "معهد كوينسي للحكم الرشيد" (Quincy Institute for Responsible Statecraft): "في عام 2018، كنت أفكِّر جديًّا في إنشاء مركز أبحاث جديد في واشنطن، يُسهم في تغيير الإستراتيجية الأميركية الكبرى، بعيدًا عن الحروب الأبدية والتدخلات الخارجية غير الضرورية.
كنت أشعر بالإحباط؛ فقد ذهبت جهود أكثر من عقد من الزمن لإبرام الاتفاق النووي الإيراني سدى عندما انسحب ترامب منه ببساطة، ورأى معظم الناس أن التفسير يكمن في شخصية ترامب، لكنني لمست مشكلة بنيوية أعمق: لكي ينجح اتفاق مثل "خطة العمل الشاملة المشتركة" (JCPOA)، كان لابد من دمجه في إستراتيجية كبرى أوسع نطاقًا تحافظ على مثل هذه الإنجازات. لكن الهيمنة الليبرالية دعمت حروبًا لا تنتهي في أفغانستان والعراق، لكنها لم تدافع عن اتفاق دبلوماسي يتجنَّب الحرب.
وإذا كان لمركز أبحاث جديد أن يتحدى هذا النظام، فعليه أن يكون تأثيره أكبر بكثير من حجمه.
لذا بدأت بدراسة مراكز الأبحاث في واشنطن: كيف تُدار؟ وإستراتيجيات التواصل لديها، وكيف تجمع التمويل؟ والأهم من ذلك كله: من يموِّلها فعليًّا؟! وكان السؤال الأخير أصعب مما يبدو. فمراكز أبحاث عديدة تتسم بالغموض الشديد بشأن مصادر تمويلها، وكنت بحاجة إلى شخص ملمٍّ بكيفية تتبع الأموال.
لذا تواصلت مع إيلي كليفتون. كان إيلي صحفيًّا استقصائيًّا متخصصًا في تتبع شبكات التمويل وكشف القوى الخفية وراء مؤسسات واشنطن. وكان من أفضل الصحفيين في هذا المجال. وأصبح كليفتون، بطبيعة الحال، أحد مؤسسي "معهد كوينسي".
يسوق بارسي هذه التفاصيل؛ لأنها تسهم بصورة مباشرة في أهمية كتاب كليفتون ولوستيك الجديد الاستثنائي ودلالته، ويعتقد أنه سيصبح أهم الكتب الصادرة عام 2026.
يقدم كليفتون ولوستيك تاريخًا منهجيًّا للحظات التي عملت فيها إسرائيل وحلفاؤها الأميركيون، بحسب روايتهما، ضد مصالح الولايات المتحدة. لكنهما يضيفان بُعدًا لم يتناوله ميرشايمر ووالت بالتفصيل: المال، وتحديدًا الآلية المالية الكامنة وراء الجهود الرامية إلى تقديم مصالح إسرائيل على مصالح أميركا. إن الكتاب ليس تكملة لكتاب جون ميرشايمر وستيفن والت المومأ إليه، ولا مجرد تحديث له، بل يقدم منظورًا مختلفًا.
تتبُّع مسار المال
يتتبع المؤلفان مصادر التمويل التي تغذي لوبي إسرائيل، ويحددان كبار المانحين وراء صناديق التبرعات "الموصى بها" ووسائل أخرى قد تخفي مسار الأموال. وبالاستناد إلى رسائل بريد إلكتروني مسرَّبة وجهود تحقيق معمقة، يرسم المؤلفان خريطة لارتباطات المانحين بإسرائيل، ويوثقان الأساليب التي تُستخدم من خلالها الأموال والنفوذ السياسي للتأثير في السياسة الخارجية الأميركية. ثم يربطان هذا التحقيق المالي بحجة تاريخية أوسع نطاقًا، مفادها أن إسرائيل ولوبي إسرائيل سعيا مرارًا وتكرارًا إلى إحباط الرؤساء الأميركيين، والضغط على المشرِّعين، وعرقلة سياسات اعتبراها متعارضة مع مصالح إسرائيل، حتى عندما كانت تلك السياسات تخدم مصالح أميركا. ويتناول الكتاب الجهود المبذولة لتأجيج الإسلاموفوبيا، ونشر شائعات كاذبة حول الرؤساء الأميركيين، واستخدام اتهامات معاداة السامية سلاحًا لتهميش منتقدي إسرائيل وإسكاتهم.
وكما يوضح إيان لوستيك في فيديو حديث: "الهدف من هذا الكتاب هو إخبار الشعب الأميركي بأنه واجه، ولا يزال يواجه، خطرًا من لوبي إسرائيل في الولايات المتحدة، وهو خطر لا يعرِّض المصالح الأميركية في الخارج للخطر فحسب، بل يهدد الحريات الأميركية في الداخل كذلك".
والسبب الذي يجعل بارسي يعتقد أن هذا الكتاب سيصبح أهم كتب عام 2026 يكمن في تلاقي نتائجه وتوقيته. فلم يسبق للأميركيين أن أبدوا هذا القدر من الاستعداد لمناقشة مسألة نفوذ إسرائيل في السياسة الأميركية، التي كانت من المسائل المحرَّمة.
منعطف حاسم
في الواقع، لقد بلغنا منعطفًا حاسمًا. فقد أصبحت علاقة أميركا بإسرائيل، والإبادة الجماعية في غزة، بمنزلة اختبار حاسم في الانتخابات التمهيدية الحاسمة للحزبين، الديمقراطي والجمهوري. ولم تكن انتخابات رئاسة بلدية نيويورك والانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ في ولاية ميتشيغان مجرد أحداث معزولة، بل مؤشرات إلى اتجاه يتنامى باطراد.
على مدى سنوات، عملت واشنطن وفق خلل غريب ومحدد: فما كان يُعد سياسة سيئة لأميركا، كان يمكن أن يحقق مكاسب سياسية لبعض السياسيين. فالتحالف مع اللوبي المؤيد لإسرائيل قد يقوِّض سياسة أميركية سليمة، لكنه قد يحافظ على مقاعد المشرِّعين. لكن هذه المعادلة بدأت تتعطل. فالسياسة السيئة تصبح، بصورة متزايدة، سياسة سيئة.
إن الدعم من "إيباك" وسائر عناصر اللوبي المؤيد لإسرائيل بات يكلِّف ثمنًا سياسيًّا باهظًا بدلًا من توفير الحماية السياسية. ويكتشف السياسيون الذين يتحدون سلوك إسرائيل في غزة أو نفوذ مؤيديها في السياسة الأميركية أن القيام بذلك يُكسبهم ليس الأصوات فحسب، بل التبرعات كذلك. إنه تحوُّل عميق في السياسة الأميركية، وهو تحديدًا الوقت الذي يظهر فيه كتاب "لوبي إسرائيل".
ويلوح في الأفق تحول جذري في نمط العلاقات الأميركية-الإسرائيلية، ويُرجَّح أن يضطلع كتاب كليفتون ولوستيك بدور مهم في تسريعه ودفع واشنطن إلى التعامل معه، وهو تحول طال انتظاره.
ونشرت صحيفة "الغارديان" مقتطفًا من الكتاب بعنوان: "اللوبي المؤيد لإسرائيل أثَّر على الرؤساء الأميركيين منذ عهد ترومان، ويجب أن ينتهي هذا مع ترامب".