تقليديًّا كانت الحروب تدفع المستثمرين إلى شراء السندات الحكومية وخاصة سندات الخزانة الأميركية بوصفها ملاذًا آمنًا، فيزيد الطلب على هذه السندات؛ ما يؤدي إلى ارتفع أسعارها وانخفاض عوائدها. لكن الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران قلبت المعادلة وكسرت القاعدة؛ حيث أدت "الصدمة التضخمية" إلى موجة بيع في سوق السندات، فانخفضت أسعارها وارتفعت عوائدها إلى مستويات لم نشهدها منذ نحو عقدين، فالمستثمر في مثل هذه الحروب التي تدور في ساحات الطاقة وممراتها لا ينظر فقط إلى المخاطر العسكرية وإنما يهمه أكثر ما سيحدث لمعدلات التضخم وأسعار الفائدة ومستويات الدَّيْن العام.
سوق السندات، أو ما يُعرف اختصارًا بسوق الاقتراض، هي سوق تلجأ إليها الشركات والحكومات للاقتراض من المستثمرين لتمويل مشاريع أو لسدِّ فجوة في عجز مالي ونحوها، وتعد هي العمود الفقري لتمويل الحكومات والشركات حول العالم، ويُقدَّر حجم هذه السوق -وفق أحدث التقديرات- بنحو 160 تريليون دولار، تشكِّل حصة سندات الخزانة الأميركية منها نحو 38%، وهو ما يجعل الولايات المتحدة أكبر سوق دين حكومية في العالم ومرجعًا لتسعير الاقتراض عالميًّا، وأي تأثر في السوق الأميركية سينعكس مباشرة على بقية اقتصادات العالم.
سوق السندات في مرمى النيران
الحرب وأزمة مضيق هرمز رفعتا أسعار الغاز الطبيعي والنفط ومشتقاته إلى مستويات كبيرة تجاوزت عند ذروة التوتر ارتفاعًا بنحو 100% مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب. علمًا بأن ارتفاع الطاقة يؤجِّج التضخم ويرفع مستويات الأسعار، وهنا يتجدد الجدل داخل البنوك المركزية: هل الأولوية للإبقاء على أسعار الفائدة منخفضة لتجنب الركود وتحفيز الاقتصاد أم رفع الفائدة لمكافحة التضخم وتخفيف التداعيات على الناس؟ لكن الأكيد أنه كلما طال أمد الحرب واضطراب الملاحة في مضيق هرمز تضطر البنوك المركزية للخيار الأصعب اقتصاديًّا وهو سياسة التشديد النقدي، أي رفع أسعار الفائدة، وهذا يعني ارتفاع تكاليف الاقتراض، فيما يؤدي تصاعد توقعات التضخم والمخاطر إلى انخفاض أسعار السندات وارتفاع عوائدها.
عندما تواجه الأسواق حالة من عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي أو ارتفاع في معدلات التضخم، يتجه المستثمرون تلقائيًّا لطلب عائد أعلى تعويضًا عن المخاطر الإضافية التي يتحملونها، وينطبق ذلك بصورة خاصة على السندات طويلة الأجل، التي تتأثر ليس فقط بتوقعات أسعار الفائدة والتضخم، وإنما أيضًا بالمخاوف المتعلقة بالمالية العامة وحجم إصدارات الدَّيْن الحكومي. وقد انعكست هذه الضغوط في ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية لأَجَل 30 عامًا إلى أعلى مستوى لها منذ عام 2007، قبل أن تتراجع قليلًا إلى نحو 5.27% في منتصف أغسطس/آب. ويأتي ذلك في وقت تجاوز فيه الدين العام الأميركي 40 تريليون دولار للمرة الأولى؛ الأمر الذي يعزز مخاوف المستثمرين بشأن استدامة المالية العامة واتساع احتياجات الحكومة إلى الاقتراض.
وعلى غرار الولايات المتحدة، شهدت تكاليف الاقتراض الحكومي ارتفاعًا في مختلف دول العالم؛ حيث اقتربت عوائد السندات الحكومية اليابانية لأَجَل 30 عامًا من أعلى مستوياتها على الإطلاق عند 4.19%، في حين سجلت عوائد السندات البريطانية لأجل 30 عامًا أعلى مستوى لها منذ عام 1998. كما بلغ متوسط عائد مؤشر بلومبرغ، الذي يتتبع ديون حكومات مجموعة السبع، أعلى مستوياته منذ سبتمبر/أيلول 2000.
التخارج من السندات الأميركية
وتزايدت الضغوط على سوق السندات الأميركية بعدما أوصى، بدايةَ شهر سبتمبر/أيلول الجاري، الصندوق النرويجي -وهو أكبر صندوق سيادي في العالم- بخفض وزن السندات الحكومية في مؤشر الدخل الثابت لصندوق التقاعد الحكومي إلى 50% من 70%، للحدِّ من المخاطر وزيادة العوائد الاستثمارية من أصول أخرى، وتتضمن الخطة المقترحة خفض حصة سندات الخزانة الأميركية في محفظة السندات إلى 21.9% من 34.1%، وهذه الخطة التي يعتزم الصندوق النرويجي اعتمادها، قد تعزز في المستقبل رغبة الصناديق والمحافظ الاستثمارية بالابتعاد عن سندات الخزانة إجمالًا والأميركية منها تحديدًا خصوصًا في ظل حالة عدم اليقين التي تُلقي بظلالها على الاقتصاد الأميركي.
الصين، وهي من أكبر حائزي سندات الخزانة الأميركية، شرعت منذ سنوات في التخارج من سوق الدَّيْن الأميركية؛ فوفق أحدث بيانات وزارة الخزانة الأميركية، بلغت حيازة الصين من Treasury نحو633.4 مليار دولار، في يونيو/حزيران 2026، مقابل731.4 مليار دولار، في يونيو/حزيران 2025؛ أي بتحقيق انخفاض يقارب98 مليار دولار خلال عام، ونحو 13.4%. كما أن الحيازة الصينية أصبحت عند أدنى مستوياتها منذ نحو 18 عامًا، وهذا لا يرتبط بشكل مباشر بالحرب على إيران بل عدة عوامل تبنَّتها بيجين لإدارة الاحتياطات وتنويع الأصول وتقليل الاعتماد على الدولار.
في الاتجاه نفسه، خفضت اليابان -وهي أكبر حائز على سندات الخزانة الأميركية- من ملكيتها لهذه السندات لتتراجع من1.239 تريليون دولار، في فبراير/شباط 2026، إلى 1.117 تريليون، في يونيو/حزيران، أي إنها باعت نحو 122 مليار دولار، أو قرابة 10% في غضون أربعة أشهر فقط. وهذا، وإن كان لرغبة طوكيو في استخدام احتياطياتها المالية لدعم عملتها المحلية (الين) والتدخل في سوق الصرف، لكنه في نهاية المطاف "تخلُّص من الدَّيْن الأميركي".
الذعر ينتقل من السندات إلى الجيوب
الأكيد أن الحرب على إيران، بما أثارته من اضطرابات في سلاسل الإمداد لسلع حيوية وأساسية كالطاقة والغذاء وما رافق ذلك من موجات تضخم، دفعت المستثمرين والمقرضين لإعادة تقييم المخاطر، وما يمكن أن تُحدثه هذه الحرب على صعيد مؤشرات الاقتصاد الكلي وخاصة على أسعار الفائدة. وهنا يصبح جليًّا أن ما يحدث في مضيق هرمز وحواليه ينتقل بشكل مباشر عبر أكثر من قناة إلى جيوب المستهلكين، سواء عبر تضخم فواتير الطاقة أو ارتفاع مستويات الأسعار عمومًا، وارتفاع عوائد السندات يذكي هو الآخر مزيدًا من هذه الارتفاعات.
باختصار شديد، يؤدي ارتفاع عوائد السندات إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض عبر الاقتصاد بأكمله، بدءًا من الرهون العقارية، ومرورًا بقروض الشركات، وصولًا إلى القروض الاستهلاكية، وكل هذا يعني استنزافًا للموارد المالية وتآكلًا للقدرة الشرائية وتباطؤًا في الدورة الاقتصادية التي قد تتحول إلى حالة من الركود إذا استمرت حالة عدم اليقين في منطقة الشرق الأوسط وطالت الوضعية الأسوأ في الاقتصاد "لا سلم ولا حرب".
ولن تكون الدول النامية في منأى عن اضطرابات أسواق المال؛ إذ إن الكثير من هذه الدول في إفريقيا وآسيا يعتمد على التمويل الخارجي بندًا ثابتًا لسدِّ العجوزات في موازناتها، لذلك ستواجه اقتراضًا مكلفًا وخدمة دَيْن أكبر. والخطير أيضًا أن العديد منها سيشهد خروج رؤوس الأموال الأجنبية التي تبحث عن عوائد مرتفعة في الولايات المتحدة واليابان وغيرهما، وهو ما يعني مزيدًا من التراجع في عملاتها المحلية واستنزافًا لما تبقى من احتياطياتها من النقد الأجنبي.